استعمالات ( البدعة ) في الحادث
المذموم :
« ورد
انَّ رجلاً قد أخبر عبدالله بن مسعود بأنَّ قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب ،
فيهم رجل يقول : كبّروا الله كذا وكذا ، وسبّحوا الله كذا وكذا ، واحمدوا الله كذا
وكذا ، فقال عبدالله بن مسعود للرجل : فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني
بمجلسهم ، فأتاهم الرجل فجلس، فلما سمع ما يقولون ، قام فأتى ابن مسعود ، فأخبره ،
فجاءَ ابن مسعود ، وكان رجلاً حديداً ، فقال : انا عبدالله بن مسعود ، والله الذي
لا اله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً ، ولقد فضلتم أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله
وسلم) علماً ، فقال عمرو بن عتبة : استغفر الله ، فقال عبدالله : عليكم الطريق
فالزموه ، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلنَّ ضلالاً بعيداً»(1) .
فبغض النظر عن طبيعة الاسلوب الذي عالج به عبدالله
بن مسعود هذهِ الحادثة التي لم يكن لها سابق مثال في حياة الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم) وأصحابه ، نجد أنه قد استعمل لفظ (البدعة ) في مورد الذم ، وعدَّ
انحراف الانسان عن طريق الحق نحو اليمين أو الشمال بدعةً وضلالاً بعيداً،
والظاهر من الحديث انَّ هذا المعنى لـ ( البدعة ) هو المرتكز في أذهان القوم آنذاك
.
* روي عن
ابن مسعود أيضاً أنه قال : « اتبعوا آثارنا ، ولا تبتدعوا ، فقد كفيتم»(2)
.
* وروي
ايضاً عن ابن مسعود أنه قال : « انَّ لله عند كل بدعة كيد بها الاسلام ولياً من
أوليائه ، يذب عنها ، وينطق بعلامتها ، فاغتنموا حضور تلكَ المواطن ، وتوكلوا على
الله ... »(3) .
فاستعمال لفظ ( البدعة ) مذمومةً واضح في الحديث ،
حيث عدَّ ( البدعة ) مما يُكاد به الاسلام ، وانَّ لله تعالى في كل زمن ولياً ،
يدافع عن الاسلام ، ويذب هذهِ المحدثات عنه ، ولعلَّ كلام ابن مسعود هذا مستفاد من
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إنَّ لله عند كل بدعة تكون بعدي يُكاد بها الايمان ولياً من أهل
بيتي موكلاً به ، يذب عنه ، ينطق بالهام من الله ، ويعلن الحق،
وينوره
، ويرد كيد الكائدين ، ويعبرّ عن الضعفاء ، فاعتبروا يا اولي الابصار ، وتوكلوا
على الله »(4) .
وسوف نعود إلى هذا الحديث مرة أخرى ، عندما نصل إلى
البحث عن دور أهل البيت(عليهم السلام) في مواجهة ظاهرة الابتداع ، إن شاء الله
تعالى .
* عن عبدالله
بن الحلبي عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام) انهما قالا :« حجَّ عمر أول سنة حجَّ وهو خليفة ، فحج تلك السنة المهاجرون
والانصار ، وكان علي(عليه السلام) قد حجَّ تلكَ السنة بالحسن والحسين(عليهما السلام)
وبعبدالله بن جعفر ، قال : فلما أحرم عبدالله ، لبس إزاراً ورداءً ممشقين مصبوغين
بطين المشق ، ثم أتى ، فنظر إليه عمر وهو يلبي ، وعليه الازار والرداء ، وهو يسير
إلى جنب علي(عليه السلام) ،
فقال عمر من خلفهم : ما هذه البدعةُ التي في الحرم ؟
فالتفت إليه
علي(عليه السلام) فقال له : يا عمر ، لا ينبغي لاحد أن يعلّمنا السنة ، فقال عمر :
صدقتَ يا أبا الحسن ، لا والله ما علمتُ أنكم هم »(5).
فنرى في هذا الحديث انَّ عمر يستعمل لفظ ( البدعة )
في مورد الذم بنظره إلاّ انَّ أمير المؤمنين(عليه السلام) يبِّين له انَّ هذا العمل
ليس ببدعة كما يتصور ، وانما هو من صميم السنة ، فيعتذر لاجل ذلك ، وينسحب عمّا
تفوه به من كلام .
* روى (
البخاري ) عن مجاهد أنه قال : « دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبدالله
بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا اُناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى ، قال :
فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة »(6).
وقال في ( فتح الباري ) بصدد عدد الاقوال الواردة في
( صلاة الضحى ) ، وهي ستة: « السادس : انَّها بدعة ، صحَّ ذلك من رواية عروة
عن ابن عمر ، وسُئل أنس عن صلاة الضحى فقال : ( الصلوات خمس ) ، وعن أبي بكرة
انَّه رأى ناساً يصلّون الضحى فقال : ما صلاّها رسول الله ، ولا عامة أصحابه »(7) .
وهذا يدل انَّ الاستعمال كان في مورد الذم ، وانه في
خصوص الامر الذي يُدخل إلى الدين من دون ان يستند إلى أصل شرعي ، من خلال اطلاق
لفظ ( البدعة ) في كلام عبدالله بن عمر .
* قال (
الشاطبي ) في ( الاعتصام ) : « وخرَّج ابو داود وغيره عن معاذ بن جبل(رضي الله
عنه) انه قال يوماً : إنَّ من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ، ويفتح
فيها القرآن ، حتى يأخذه المؤمن والمنافق
، والرجل والمرأة ، والصغير والكبير ، والعبد والحر ، فيوشك قائل أن يقول : ما
للناس لا يتبعوني وقد قرأتَ القرآن ؟ ما هم بمتبعيَّ حتى ابتدع لهم غيره ، وإيّاكم
وما ابتُدع فانَّ ما ابتُدع ضلالة »(8) .
فاستعملت ( البدعة ) هنا أيضاً مذمومةً ، واُطلق
القول بأنَّ كلَّ ما ابتُدع واُحدث فهو ضلالة .
* نقل ابن
وضاح عن حذيفة : « انه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الاخر ، ثم قال لاصحابه : هل
ترون ما بين هذين الحجرين من النور ؟ قالوا : يا أبا عبدالله ما نرى بينهما من
النور إلاّ قليلاً ، قال : والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق
إلاّ بقدر ما بين هذين الحجرين من النور ، والله لتفشونَّ البدع حتى إذا ترك منها
شيء قالوا : تُركت السنة »(9)
.
* وخرَّج
ابن وضّاح عن ابن عباس أنه قال : « ما يأتي على الناس من عام إلاّ أحدثوا فيه بدعة
، وأماتوا سنة ، حتى تحيا البدع ، وتموت السنن »(10) .
وعنه أيضاً أنه قال : « عليكم بالاستفاضة والاثر ،
وإيّاكم والبدع »(11)
.
ولسان المقوليتن واضح في ذم البدع ، وعدّها في مقابل
السنة ، والتحذير منها ، وهذا يعني انها استعملت في كلام ابن عباس في مورد الذم
أيضاً .
* قال
الكاندهلوي في ( حياة الصحابة ) : « أخرج الطبراني عن عمرو بن زرارة قال : وقف
عليَّ عبدالله ـ يعني ابن مسعود(رضي
الله عنه) ـ وأنا أقص ، فقال : يا عمرو ! لقد ابتدعتَ بدعة ضلالة ، أو انكَ لاهدى
من محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه ؟
ولقد رأيتهم تفرقوا عني ، حتى رأيت مكاني ما فيه أحد
»(12)
.
والكلام في قول ابن مسعود : « لقد ابتدعتَ بدعة
ضلالة » كالكلام في قول النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :
« ومَن ابتدع بدعة
ضلالة »(13) ، وقد تقدم انَّ هذا القيد لا يدل على
المفهوم، ولا يُخرج ( البدعة ) عن أصل وضعها لخصوص الموارد الحادثة المذمومة
.
* روي
أنـَّه لمّا عاقبَ علي(عليه السلام) المغالينَ الذين ادّعوا الوهيتَهُ ، وأنكروا
نبوة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بأن قتلهم بالدخان ، قدم عليه
يهودي من أهل يثرب ، قد اُقرَّ له في يثرب من اليهود انـَّه أعلمهم ، وكان معه
عدةٌ من قومه وأهل بيته ، فبادر علياً(عليه السلام)بالقول:« يا بنَ أبي طالب ما هذهِ البدعةُ التي أحدثتَ في دين محمَّد ؟
فقال(عليه السلام) : وأيةُ
بدعة؟ فقال اليهودي : زعم قوم من أهل الحجاز أنكَ عهدتَ
إلى قوم شهدوا أنْ لا اله إلاّ الله ، ولم يقرّوا أنَّ محمداً رسولهَ ، فقتلتهم
بالدخان ، فقالَ أمير المؤمنين(عليه السلام) : فنشدتُك بالتسع الايات التي اُنزلت على موسى
بطور سيناء ، وبحق الكنائس الخمس القدس ، وبحق السمت الديان ، هل تعلم أنَّ يوشع
بن نون اُتي بقوم بعد وفاة موسى(عليه السلام) شهدوا أن لا الهَ إلاّ الله ، ولم
يقرّوا أنَّ موسى(عليه السلام) رسول الله ، فقتلهم بمثل هذهِ القتلة ؟ فقال اليهودي : نعم .. إلى آخر الحديث»(14)
.
فمن الواضح أيضاً من خلال هذهِ الواقعة انَّ المرتكز
في أذهان هؤلاءِ المحاججين عن ( البدعة ) هو أنَّها لا ترد إلاّ مذمومة ، ولا
تستعمل إلاّ في هذا المجال ، ولذا نراهم يوجهون النقد إلى أمير المؤمنين(عليه
السلام) من خلال وصف عمله بالابتداع بادئ بذي بدء ، إلاّ انَّهم يتراجعون عن ذلك ،
بعد أن يبِّين لهم علي(عليه السلام) دوافع هذا الاجراء ، وبعد أن يعلموا أنَّ
عمله(عليه السلام) انما كان نابعاً من صميم التشريع ، ومتخذاً من أجل صيانته والذب
عنه .
* ذكر ابن
وضاح عن أبي حفص المدني انَّه قال : « اجتمع الناس في يوم عرفة في مسجد النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) يدعونَ بعد العصر ، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر ،
فقال : أيُّها الناس ، انَّ الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة ، إنّا أدركنا الناس
ولا يصنعونَ مثلَ هذا، ثم رجع فلم يجلس ، ثم خرج الثانية ، ففعل مثلها ، ثم
رجع »(15)
.
فعلى الرغم من انَّ فهم ( نافع ) لمفهوم ( البدعة )
كان فهماً مغلوطاً إلاّ انَّ الذي يخصّنا ذكره في المقام هو انَّ لفظ ( البدعة )
قد استعمل في مورد الذم المقابل للسنة ، وطُبق على هذا المورد بالخصوص في ، نظر
القائل .
* جاءَ في مدخل
( ابن الحاج ) : « انَّ مروان لمّا أحدثَ المنبر في صلاة العيد عند المصلّى ، قام
إليه أبو سعيد الخدري ، فقال : يا مروان ما هذهِ البدعةُ ؟ فقال : انَّها ليست ببدعة ، هي خير مما تعلم ، انَّ
الناس قد كثروا فأردتُ أن يبلغهم الصوت ، فقالَ أبو سعيد: واللهِ لا تأتون
بخير مما أعلم أبداً ، والله لا صليت وراءَكَ اليوم .
فانصرفَ ولم يصلِّ معه صلاة العيد »(16)
.
وعلى الرغم أيضاً من انَّ معالجة أبي سعيد الخدري
لهذا الموقف المحدث لم تكن مبنيةً على أساس فهم صحيح لمفهوم ( البدعة ) ، وبقطع
النظر عن طبيعة المواقف الصادرة من طرفي هذهِ الواقعة ، نجد أنَّ ( البدعة ) قد
استُعملت مذمومةً أيضاً ، وقد فهم الطرف المقابل خصوص هذا المعنى من استعمالها
تبادراً .
* وجاءَ في
( المدخل ) أيضاً : « قال أبو معمَّر رأيتُ يساراً أبا الحكم يستاكُ على باب
المسجد ، وقاصاً يقص في المسجد ، فقلتُ له : يا أبا الحكم ! الناس ينظرونَ اليكَ ،
فقال : الذي أنا فيه خير مما هم فيه ، أنا في سنة وهم في بدعة »(17)
.
فُاطلقت ( البدعة ) فيما يُقابل السنة في نظر القائل
.
* وجاءَ في
( فتح الباري ) : « وقد أخرج أحمد بسند جيِّد عن غضيف بن الحارث قال : بعثَ إليَّ
عبد الملك بن مروان فقال : إنَّا جمعنا الناسَ على رفع الايدي على المنبر يوم الجمعة
، وعلى القصص بعد الصبح والعصر ، فقال : أما انهما أمثل بدعكم عندي ، ولستُ
بمجيبكم إلى شيء منهما ، لانَّ النبي قال : ( ما أحدث قوم بدعة إلاّ رُفع من السنة مثلها ،
فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة ) »(18)
.
فالاستشهاد بالحديث النبوي ، وسياق المحاورة واضح في
اطلاق لفظ ( البدعة ) في مورد الذم من وجهة نظر المتكلِّم .
* روي عن
الحسن البصري انَّه قال : « انَّ أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى ، وهم أقل
الناس فيما بقي ، الذين لم يذهبوا مَعَ أهل الترف في اترافهم ، ولا مَعَ أهل البدع
في بدعهم ، وصبروا على سنتهم ، حتى لقوا ربَّهم ، فكذلكَ فكونوا »(19)
.
ونُقل عنه أنه قال : « صاحبُ البدعة لا يزداد
اجتهاداً ، وصياماً ، وصلاةً ، إلاّ ازدادَ من الله بُعداً »(20)
.
وقال أيضاً : « لا تجالس صاحب بدعة ، فانَّه يمرض
قلبَكَ »(21)
.
* وخرَّج
ابن وهب عن أبي إدريس الخولاني أنه قال : « لئن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع
إطفاءَها ، أحبُّ اليَّ من أن أرى فيه بدعةً لا أستطيع تغييرها »(22)
.
* وروي عن
أيوب السختياني انه قال : « ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً ، إلاّ ازدادَ من اللهِ
بُعداً »(23)
.
* وروي عن
أبي قلابة انَّه قال : « ما ابتدع رجل بدعة ، إلاّ استحلَّ السيف »(24)
.
* وروي عن يحيى
بن أبي كثير انه قال : « إذا لقيتَ صاحبَ بدعة في طريق ، فخُذْ في طريق آخر »(25)
.
* وروي عن
يحيى بن أبي عمر الشيباني انَّه قال : « كانَ يقال : يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ،
وما انتقل صاحب بدعة إلاّ إلى شر منها »(26) .
* وروي عن
مالك أنـَّه كثيراً ما كان ينشد :وخيرُ اُمور الدين
ما كان سنةً وشرُّ
الامورِ المحدثات البدائعُ(27)
* وروي عن
عبدالله بن المبارك قوله : « فالى اللهِ نشكو وحشتَنا ، وذهابَ الاخوان ، وقلةَ
الاعوان ، وظهور البدع ..»(28)
.
* ورويَ عن
عمر بن عبد العزيز أنه لما بايعه الناس ، صَعَد المنبر فقال : « .. ألا واني لستُ
بمبتدع ، ولكنّي متّبع .. »(29)
.
وكتب إلى عامل له : « .. واعلم أنَّ الناس لم يحدثوا
بدعة ، إلاّ وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها ، وعبرة فيها »((30)
.
* وقال عروة
بن اُذينة عن اُذينة يرثيه :ففي كل يوم كنتَ
تهدمُ بدعةً وتبني لنا من سنة ما تهدما (31)
* وروي عن
الفضل بن عياض انَّه قال : « مَن جلسَ مَعَ صاحب بدعة ، لم يُعطَ الحكمة »(32)
.
* وقال يحيى
بن معاذ الرازي : « اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة اصول ، فلكل واحد منها ضد ،
فمن سقط عنه وقع في ضده : التوحيد وضده الشرك ، والسنة وضدُّها البدعة ، والطاعة
وضدها المعصية »(33)
.
* وروي أنه
قيل لابي علي الحسن بن علي الجوجزاني : « كيف الطريق إلى السنة؟ فقال :
مجانبة البدع .. »(34)
.
* وقال أبو
بكر الترمذي : « لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها ، إلاّ أهل المحبة ، وانما أخذوا
ذلك باتباع السنة ، ومجانبة البدعة ... »(35) .
* وقال أبو
بكر بن سعدان : « الاعتصام بالله هو الامتناع من الغفلة ، والمعاصي ، والبدع ،
والضلالات »(36)
.
* وروي أنه
سُئل حمدون القصّار : « متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس ؟ فقال : إذا تعيَّن
عليه أداء فرض من فرائض الله في علمه ، أو خاف هلاكَ انسان في بدعة يرجو أن ينجيه
الله منها »(37)
.
* وروي عن
أبي عثمان الجبري انَّه قال : « مَن أمَّرَ السنةَ على نفسه قولاً وفعلاً نطقَ
بالحكمة ، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة »(38)
.
* وروي
انَّه سُئل ابراهيم الخواص عن العافية ، فقال : « العافية : أربعة أشياء : دين بلا
بدعة ... الخ »(39)
.
* وروي عن
أبي محمد عبدالله بن منازل أنه قال : « لم يضيع أحد فريضه من الفرائض ، إلاّ
ابتلاه اللهُ بتضييع السنن ، ولم يبتلِ بتضييع السنن أحد ، إلاّ يوشك أن يبتلي
بالبدع »(40)
.
* وقال بندار
بن الحسين : « صحبةُ أهل البدع تورث الاعراضَ عن الحق »(41) .
ففي كل هذهِ المقولات المتقدمة ، نلاحظ انَّ لفظ (
البدعة ) قد استُعمل في موارد الذم بشكل واضح وصريح ، وتشير السياقات اللفظية في
كل الموارد المتقدمة الى انَّ الارتكاز الحاصل في ذهنية المسلمين حول هذا المفهوم
ينحصر بالطابع المقيت والمذموم له ، وانها لم تُستعمل في محاورات المتشرعة
الامذمومةً ، وانَّهم انَّما تلقّوا هذا المعنى من الشريعة ، وتعاملوا معه على هذا
الاساس ، ولم يحتملوا أنَّ ( البدعة ) في الاصطلاح الشرعي يمكن أن تطبَّق على
الحادث الممدوح.
* وروي عن
يونس بن عبد الرحمن أنه قال :« مات أبو إبراهيم الكاظم(عليه السلام) ، وليسَ من قوّامه أحد إلاّ
وعنده المال الكثير ، وكانَ ذلكَ سبب وقفهم ، وجحدهم لموته ، طمعاً في الاموال .. كان
عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار ، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف
دينار ، فلما رأيتُ ذلكَ وتبينتُ الحقَ ، وعرفتُ من أمر أبي الحسن الرضا(عليه
السلام) ما علمتُ ، تكلمتُ ، ودعوتُ الناسَ إليه ، فبعثا إليَّ وقالا لي : كُفَّ ،
فأبيتُ ، وقلتُ لهما : إنّا روينا عن الصادقين(عليهما السلام) انَّهما قالا :
إذا ظهرت البدع ،
فعلى العالمِ أن يُظهر علمه ، فان لم يفعل سُلب نورُ الايمان ، وما كنتُ لادعَ
الجهادَ في أمرِ الله على كلِّ حال فناصباني ، وأضمرا لي العداوة »(42) .
فالملاحظ هنا أيضاً أن يونس بن عبد الرحمن قد طبَّق
لفظ ( البدعة ) على الامر المذموم في نظر الشريعة المقدسة .
مَعَ النافينَ للتقسيم :
وبما انَّ التقسيم المزعوم لـ ( البدعة ) لا يمتلك
أياً من المرتكزات الشرعية أو العقلية التي تبرره بشكل مطلق ، بل ولكونه يصطدم
بشكل مباشر مع حكم العقل ، ونصوص الشرع كما أسلفنا ذلك في البحث السابق .. فقد
التفت مجموعة من علماء العامة إلى هذا الامر ، وأبطلوا القول بالتقسيم بشكل صريح .
ولكنَّ هؤلاء ظلّوا يعيشون في نفس الوقت هاجس (
التراويح ) ، وتحيّروا في تبرير اطلاق لفظ ( البدعة ) عليها في مقولة : « نعمت
البدعةُ هذه » ، إذ لابدَّ أن يكون المراد منها أحد أمرين : إمّا المعنى الاصطلاحي
، وإمّا المعنى اللغوي ، فان كانَ المراد منها هو المعنى الاصطلاحي ، فهو غير قابل
للانطباق إلاّ في خصوص الموارد المذمومة ، بنص كلام النافين للتقسيم ، وهذا يعني
كون ( التراويح ) بدعة لا أصل لها في الدين ، وإما أن يكون المقصود منها هو المعنى
اللغوي الذي يعني الامر الحادث لا على مثال سابق ، على ما أجمع عليه اللغويون ،
وهذا ينتهي بهم أيضاً إلى كون ( التراويح ) بدعةً لا أصل لها في الدين أيضاً ، إذ
إنَّ من أجلى قيود ( البدعة ) وشروطها بالاتفاق ، هو عدم وجود أصل شرعي للعمل في
الدين .
هذا الامر يطرح نفسه بالحاح أمام النافين للتقسيم ،
فماذا ياتُرى أنهم يجيبون عليه؟ وما هو التبرير الذي بوسعهم أن يقدموه في
هذا المجال ؟
هذا ما ستقف عليه أيها القارئ الكريم ، بعد أن تطالع
معنا هذهِ الطائفة التي انتخبناها لكَ من بين أقوال النافين للتقسيم :
1 ـ الحافظ ابن رجب الحنبلي : يقول في ابطال القول بتقسيم البدعة إلى ممدوحة
ومذمومة : « والمراد بالبدعة : ما اُحدثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ، أما
ما كانَ له أصل من الشرع يدل عليه ، فليس ببدعة شرعاً ، وان كانَ بدعةً لغةً »(43)
.
ويضيف الى ذلك القول : « فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)
(
كل بدعة ضلالة ) ، من
جوامع الكلم ، لا يخرج عنه شيء ، وهو أصل عظيم من اُصول الدين ، وهو شبيه
بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (
مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ ) ، فكل مَن أحدثَ شيئاً ، ونسبه إلى الدين ، ولم يكن
له أصل من الدين يرجع إليه ، فهو ضلالة ، والدين بريء منه ، وسواء من ذلكَ مسائل
الاعتقدات ، أو الاعمال ، أو الاقوال الظاهرة والباطنة »(44)
.
2 ـ ابن حجر العسقلاني : يقول في ( فتح الباري ) موضحاً معنى ( المحدَثة في الدين
) : « المحدَثات بفتح الدال ، جمع محدَثة ، والمراد بها ما اُحدثَ وليسَ له أصل في
الشرع ، ويسمى في عرف الشرع ( بدعة ) ، وما كانَ له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة
، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة ، فانَّ كلَّ شيء اُحدثَ على غير مثال
يُسمّى بدعة ، سواء كانَ محموداً أو مذموماً ، وكذا القول في المحدثة ، وفي الامر
المحدَث الذي وردَ في حديث عائشة : ( ما أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو
ردٌّ)»(45).
3 ـ أبو اسحاق الشاطبي : وهو يفصّل القول بابطال تقسيم البدعة إلى ممدوحة ومذمومة
في الاصطلاح الشرعي ، ويقصرها على خصوص مورد الذم من خلال أدلة وحجج كثيرة ، فيقول
بشأن النصوص الشرعية التي تناولت مفهوم ( البدعة ) بالذم والتقريع : « انَّها جاءت
مطلقة عامة على كثرتها ، لم يقع فيها استثناء البتة ، ولم يأتِ فيها مما يقتضي
أنَّ منها ما هو هدى ، ولا جاءَ فيها : كل بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا ، ولا شيءَ من
هذهِ المعاني ، فلو كانَ هناكَ محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان ، أو
انَّها لاحقة بالمشروعات ، لذُكر ذلكَ في آيه أو حديث ، لكنَّه لا يوجد ، فدلَّ
على أنَّ تلكَ الادلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية ، التي لا يتخلف عن
مقتضاها فرد من الافراد ... إنَّ متعقَّل البدعة يقتضي ذلكَ بنفسه ، لانـَّه من
باب مضادة الشارع ، واطّراح الشرع ، وكل ما كانَ بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى
حسن وقبيح ، وأن يكون منه ما يمدحُ ما يُذم »(46) .
ويقول منتقداً الرأي القائل بتقسيم ( البدعة ) إلى
أحكام الشريعة الخمسة :
« إنَّ هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي ، بل هو في
نفسه متدافع ، لانَّ من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي ، لا من نصوص
الشرع ، ولا من قواعده، إذ لو كانَ هناكَ ما يدل من الشرع على وجوب ، أو ندب
، أو إباحة ، لما كانَ ثَمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الاعمال
المأمور بها ، أو المخيرَّ فيها ، فالجمع بينَ تلكَ الاشياء بدعاً ، وبين كون
الادلة تدل على وجوبها ، أو ندبها ، أو إباحتها ، جمع بينَ متنافيين »(47)
.
4 ـ الشيخ محمد بخيت : يقول في رسالته عن ( البدعة ) : « إنَّ البدعة
الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة ، وأمّا البدعة التي قسَّمها العلماء إلى واجب
وحرام .. الخ ، فهي البدعة اللغوية ، وهي أعم من الشرعية ، لانَّ الشرعية قسم منها
»(48)
.
5 ـ الدكتور دراز : يقول ما مضمونه : « صارت كلمة البدعة في الاستعمال الشرعي إلى معنىً أخص
من معناها في الاستعمال اللغوي ، فلا تتناول على حقيقتها الشرعية في الصدر الاول
إلاّ ما هو باطل ، وهو تلكَ الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتاب أو سنة
أو ما استنبط منها »(49)
.
6 ـ محمد جميل زينو : يقول في ( العقيدة الاسلامية ) : « ليس في الدين
بدعة حسنة والدليل قوله تعالى : (
اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعَمتي وَرَضيتُ
لَكُمُ الاِسْلامَ دِيناً)(50) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( ايّاكم ومحدثات
الامور ، فانَّ كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار )
صحيح رواه النسائي وغيره »(51)
.
وقد نصَّ أكثر علماء الامامية على بطلان تقسيم ( البدعة
) ، وأثبتوا عدم صحة هذا التقسيم المبني أساساً على مقولة ( نعمت البدعة هذه ) ،
وانَّ الصحيح هو انَّ ( البدعة ) لا تُطلق في مصطلح الشريعة إلاّ مذمومةً .
يقول ( الشهيد الاول(قدس سره) ) في قواعده :« محدثات الامور بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تنقسم أقساماً
، لا تطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محَّرم منها »(52)
.
ويقول العلامة ( محمد باقر المجلسي(رحمه الله) ) في
توضيح قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : « كل بدعة ضلالة»:
« يدل على أنَّ قسمة بعض أصحابنا البدعة إلى أقسام خمسة تبعاً
للعامة باطل ، فانّها انَّما تُطلق في الشرع على قول أو فعل أو رأي قُرر في الدين
، ولم يرد فيه من الشارع شيء ، لا خصوصاً ولا عموماً ، ومثل هذا لا يكون إلاّ
حراماً ، أو افتراءاً على الله ورسوله»(53) .
ويقول الشيخ ( عباس القمي(رحمه الله) ) في ( سفينة
البحار ) :« إذ لا تُطلق البدعة إلاّ على ما كان محَّرماً كما قال رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) «
كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة سبيلها إلى النار »(54) .
ويقول العلامة المحقق السيّد ( جعفر مرتضى العاملي )
:« انَّ ما ذُكر من تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة ، ومن كونها
تنقسم إلى الاحكام الخمسة ، ثمَّ الاستشهاد بقول عمر بن الخطّاب عن صلاة التراويح
: نعمت البدعة هي .. إنَّ ذلكَ كلَّه ليسَ في محلِّه ، ولا يستند إلى أساس صحيح ،
وذلكَ لانَّ البدعة الشرعية هي : إدخال ما ليسَ من الدين في الدين ، استناداً إلى
ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردُّ
) ، لانَّ قوله : (
في أمرنا ) معناه : اُدخل في تشريعاتنا الدينية ما ليسَ منها .
بل لقد قال السيد الامين عن البدعة : ( ولا يحتاج
تحريمها إلى دليل خاص ، لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى ، ولا
التنقيص منها ، ولا ختصاص ذلكَ به تعالى ، وبأنبيائه الذينَ لا يصدرون إلاّ عن
أمره ) .
فالبدعة في الشرع ، وبعنوان التشريع لا تقبل القسمة
المذكورة ، بل هي من غير صاحب الشرع قبيحة مطلقاً ، وأما الابتكار والابتداع في
العادات والتقاليد ، واُمور المعاش والحياة ، فهو الذي يقبل القسمة إلى الحسن
والقبيح ، ويكون موضوعاً للاحكام الخمسة : الوجوب ، والحرمة ، والاستحباب ،
والكراهة ، والاباحة »(55)
.
ويقول العلامة المحقق الشيخ ( جعفر السبحاني ) :« وأمّا البدعة بمعنى إدخال ما ليسَ من الدين في الدين ، فهو قبيح
مطلقاً لا ينقسم، وليس له إلاّ قسم واحد ، وهو أنـَّه قبيح محَّرم على
الاطلاق »(56)
.
استدراك خائب !
بعدَ أن انكشف للكثيرين من علماء العامة بطلان القول
بتقسيم ( البدعة ) على نحو القطع واليقين ، وانحصار حقيقتها الشرعية في خصوص مورد
الذم والحرمة ، حاولوا أن يبرروا اطلاق لفظ ( البدعة ) على ( التراويح ) في مقولة
: « نعمت البدعة هذه » من غير المنطلق الذي استند إليه القائلون بالتقسيم ،
ويعالجوها من زاوية جديدة تنسجم مَعَ القول بنفي التقسيم .
فالقائلون بتقسيم ( البدعة ) إلى مذمومة وممدوحة ، لم
يكونوا ليعانوا أمراً من مسألة الاستعمال هنا ، لانهم يقولون ببساطة استناداً إلى
التقسيم المتقدم ، بأنَّ المراد من ( البدعة ) في هذا الحديث هو البدعة الممدوحة ،
وقد تقدم معنا أنَّ مصدر القول بالتقسيم إنما بُني أساساً على هذا الحديث نفسه ،
فالحديث إذن يحمل بين طياته حجية القول بالتقسيم ، ويتضمن مشروعية اطلاق لفظ (
البدعة ) على ما لم يكن مذموماً ، ثم يُتَّخذ القول بالتقسيم الذي يُدَّعى
استفادته من هذا الحديث ذريعةً لصحة استعمال ( البدعة ) في غير مورد الذم ،
وبعبارة اُخرى أنَّ تقسيم ( البدعة ) قد بُني على طبيعة الاستعمال المذكور في
الحديث ، ومن ثمَّ خُرِّج القول بصحة اطلاق لفظ ( البدعة ) على (
التراويح)، واستعمالها في غير مورد الذم ـ على ما يُدَّعى في نفس
الحديث ـ بناءاً على التقسيم المذكور.
فانظر ماذا ترى ؟!
وأمّا بقية الاعلام الذين أصابوا الواقع في القول
بنفي التقسيم المذكور ، فقد تحيّروا حقاً في توجيه هذهِ المقولة ، وتبرير اطلاق
لفظ ( البدعة ) على ( التراويح ) ، ومن ثمَّ استحسانها ، والاطراء عليها ، فهل
انَّها استُعملت في المعنى الاصطلاحي الشرعي الذي يعني ( ادخال ما ليس من الدين
فيه ) ، فيتم بذلك القضاء المبرم على شرعية التراويح ؟ أو انَّها استُعملت في
المعنى اللغوي الذي يعني الحادث الذي ليس له أصل سابق ، فلا تكون النتيجة في هذا
الفرض بأحسن مما سبق ؟ أو أنَّ هناكَ استعمالاً ثالثاً لم نتمكن من الاهتداء إليه
؟!
هذهِ الاسئلة أخذت تطرح نفسها بالحاح أمام النافين
للتقسيم المذكور ، وباتت تنتظر الاجابة الصريحة منهم ، وفقاً لما توصلوا إليه من
نتائج تلك الابحاث .
ونود أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنـّا لسنا بصدد
إثبات صحه اطلاق لفظ البدعة الوارد في مقولة « نعمت البدعة هذه » على معنىً دونَ
معنىً آخر ، لانه سواء أصحَّ هذا الاطلاق أو ذاك ، فانَّ صلاة ( التراويح ) غير
ثابتة لدينا ، ولم يقم على مشروعيتها أي دليل شرعي ، كما سنثبت ذلك مفصلاً في فصل
لاحق إن شاء الله تعالى .
ولكنَّ كلامنا يتجه نحو الطريقة التي يتعامل فيها
الكثير من أعلام العامة مَعَ مفردات الثقافة الاسلامية ، وكيف تكون هذهِ المفردات
الحساسة ضحيةً للتقولات والتبريرات ، إذ يكون الاساس في البحث والطرح العلمي هو
تبرير ما يُراد تبريره ـلايِّ دافع كان ـ حتى لو اقتضى الامر حرف المفهوم عن
حقيقته ، وإقصائه عن واقعيته التشريعية ، وهذا ما لمسناه بشكل مباشر في الكلمات
المتقدمة التي بَنَت تقسيم ( البدعة ) على أساس مقولة « نعمت البدعة هذه » ، على
حساب المعنى الشرعي والواقعي لها ،
والذي تداركه البعض الاخر من هؤلاء الاعلام الذين أبطلوا القول بالتقسيم .
ولكنَّ هؤلاء وإن اُصابوا في إبطال القول بالتقسيم ،
إلاّ انَّهم وقعوا في نفس ما وقع فيه الاسبقون حينَ حاولوا تبرير مقولة « نعمت
البدعة هذه » ، وتوجيه استعمال هذا اللفظ فيها ، مَعَ الحرص على القول ببطلان
التقسيم وانَّ ( البدعة ) لا تُطلق في مصطلح الشرع إلاّ في مورد الذم والحرمة .
وان كنّا نحتفط لانفسنا بالاعتقاد بأنَّ لفظ (
البدعة ) هنا قد استُعمل في معناه الشرعي المصطلح ، والمرتكز في اذهان المسلمين ،
والذي يعني ( إدخال ما ليس من الدين فيه ) ، فنكون قد سجَّلنا دليلاً من نفس
الحديث المذكور على عدم شرعية صلاة (التراويح) ليُضم إلى الادلة
والقرائن الاُخرى التي سوف نذكرها لاحقاً لاثبات صحة ما نذهب إليه باذن الله تعالى
.
ويبقى علينا أن ننتحل العذر لامر الاعجاب بهذهِ (
البدعة ) ، والاطراء عليها ، لما رآه القائل من استجابة مثالية من قبل المسلمين لقراراته
، التي ينطلق فيها من اعتبار نفسه ناطقاً باسم الرسالة والدين ، وممسكاً بزمام
الاحكام الشرعية ، ومؤهلاً لرفعها ، أو وضعها من الاساس !
وقبل أن نستعرض بعض الاقوال التي بررت اطلاق لفظ (
البدعة ) على صلاة (التراويح ) من قبل النافين للتقسيم ، نشير إلى انَّ
هؤلاء قد اتفقوا على أمرين هما :الامر الاول : انَّ صلاة ( التراويح ) ليست بدعةً بالمعنى الشرعي
، وانّما هي سنّة تمتلك الاصل الشرعي ، من خلال ممارسة النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) لها بضعة ليال ، ثم ترْكها مخافة الافتراض على الامة .
وهذا الامر سوف نناقشه في بحثنا الخاص حول صلاة (
التراويح ) ، ونثبت هناك انَّ ( التراويح ) لا تمتلك أية شرعية مطلقاً ، وليس لها
أيُّ أصل في الدين ، وانما هي من أصدق مصاديق الابتداع .
الامر الثاني : انَّ لفظ ( البدعة ) الوارد في مقولة « نعمت البدعة
هذه » ، لا يمكن أن يُراد منه المعنى الشرعي في نظر النافين للتقسيم لما ثبت لديهم
بأنَّ ( البدعة ) لا تطلق شرعاً إلاّ في الذم والحرمة ، فلابدَّ إذن من التماس
مخرج آخر ، يبرر الاستعمال المذكور، وينسجم مَع القول بنفي التقسيم ، فجاءت
التبريرات متعددة ومتنوعة ، نذكر منها ثلاثة نماذج من كلمات المتقدمين والمتأخرين
:
التبرير الاول : ما ذكره ( ابن تيمية ) الذي ينص صريحاً على بطلان
القول بالتقسيم ، وانه يستند دلالةً على حديث التراويح ، حيث يقول :« إنَّ من الناس مَن يقول : البدع تنقسم إلى قسمين : حسنة وقبيحة ،
بدليل قول عمر(رضي الله عنه) في صلاة التراويح « نعمت البدعة هذه » ، والجواب :
أمّا انَّ القول (
انَّ شرَّ الامور محدثاتها ، وانَّ كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) ، والتحذير من الامور المحدثات ، فهذا نص من رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا يحل لاحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ، ومَن
نازع في دلالته فهو مراغم ... ولا يحل لاحد أن يقابل هذهِ الكلمة الجامعة من رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الكلية ، وهي قوله
( كل بدعة ضلالة ) بسلب عمومها ، وهو أن يقال : ليس كل بدعة ضلالة ،
فانَّ هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل ، بل الذي يُقال فيما يثبت به
حسن الاعمال التي قد يُقال هي بدعة : انَّ هذا العمل المعيَّن مثلاً ليس ببدعة ،
فلا يندرج في الحديث » .
ثم يبرر ( ابن تيمية ) خروج ( التراويح ) من عموم
البدع المذمومة بالقول :« أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مَعَ حسنها ، وهذهِ تسميه
لغوية ، لا تسمية شرعية ، وذلكَ انَّ البدعة في اللغة تعمّ كل ما فُعل ابتداءاً من
غير مثال سابق ، وأمّا البدعة الشرعية ، فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي ... فلفظ (
البدعة ) في اللغة أعم من لفظ (البدعة ) في الشريعة .. فالنبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) قد كانوا يصلّون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى ، وقد قال لهم في
الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا ( انَّه لم يمنعني أن أخرج اليكم إلاّ كراهة أن
يُفرض عليكم ، فصلّوا في بيوتكم ، فانَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة)
، فعلل(صلى الله
عليه وآله وسلم) عدم الخروج بخشية الافتراض ، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم ،
وانَّه لو لا خوف الافتراض لخرج اليهم »(57) .
إلى هنا يكون ( ابن تيمية ) قد اثبت ـ حسب زعمه ـ أنَّ
لصلاة التراويح أصلاً في الشرع ، فيكون قد تناقض مَعَ كلامه السابق الذي يّدعي فيه
استعمال لفظ ( البدعة ) هنا في المعنى اللغوي ، لانَّ المعنى اللغوي حسب الاتفاق
هو : ما لم يكن له مثال سابق ، فكيف يمكن صحة الاستعمال اللغوي معَ هذا الاصل
المفترض ؟ .
هذا ما يجيب عنه بالقول :« فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد ، واُسرج المسجد ،
فصارت هذهِ الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مَعَ الاسراج ـ عملاً
لم يكونوا يعملونه من قبل ، فسمي بدعةً ، لانه في اللغة يُسمى بذلك ، وان لم يكن
بدعة شرعية »(58)
.
فهل تعرف للتحميل والتعسف معنىً غير هذا ؟ وهل أنَّ
( ابن تيمية ) يعتقد في قرارة نفسه بصحة ما يقول ؟ وما دخلُ ( الاسراج ) فيما نحنُ
فيه ؟
فالملاحظ انَّ ( ابن تيمية ) يضم ( الاسراج ) إلى
اجتماع المصلين على امام واحد من أجل أن يجعل الامر غير مسبوق بمثال ، فيصح بذلك
استعمال ( البدعة ) في معناها اللغوي الذي يعني الحادث الذي ليس له مثال سابق !
ففائدة ضم ( الاسراج ) إذن هي تبرير الاستعمال
المذكور ، والايحاء بأنَّ هذهِ الهيئة باجمعها لم تكن موجودةً سابقاً ، فيكون قد
احتفظ لصلاة ( التراويح ) بأصلها الشرعي المزعوم ، وبَرَّر استعمال ( البدعة )
لغوياً ، لكي لا يقع الاصطدام بين الامرين .
وعلى هذا الاساس يمكننا أن نضم عشرات الاوصاف
والاحوال الاُخرى إلى هذهِ الهيئة الحاصلة لتبرير عدم مشابهتها لما سبق !!
ونكتفي بالاشارة في المقام إلى انَّ العودة إلى
الاستعمال اللغوي للفظ المنقول ، وتصحيح اطلاقه كذلك ، ليس كما يصوره ( ابن تيمية
) في كلامه هذا ، وخصوصاً مثل كلمة ( البدعة ) التي ترسخ معناها الاصطلاحي الجديد
في أذهان المسلمين ، واقترن استعمالها الشرعي في موارد الذم والحرمة ، من خلال
أحاديث غفيرة على لسان صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكلمات بقية
الصحابة ، كما استعرضنا قسماً منها في سابق دراستنا هذه ، ولا سيما إذا لاحظنا قول
( ابن تيمية ) المتقدم حول قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
« كل بدعة ضلالة » : «فهذا نص من رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) ، فلا يحل لاحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ، ومَن نازع في دلالته فهو
مراغم »((59)
.
فإذا كانت دلالة الحديث على ذم البدع بهذا المستوى
من الوضوح ، وقد أصبح هذا المعنى نتيجة لعملية النقل الشرعي هو المتبادر إلى أذهان
المسلمين ، فكيف يصح استعمال لفظ ( البدعة ) بعد ذلك في معناها اللغوي الاسبق ، من
دون الاتيان بقرينة تصرف اللفظ عن معناه المرتكز ، لا سيما إذا لاحظنا انَّ كلمة (
البدعة ) قد وردت في هذا الحديث بشكل مطلق ، بل وسياق الحديث يأبى هذا التحميل ،
ويشهد بخلافه ، ابتداءاً من ذكره « هذه » أو « هي » وقوله : « والتي ينامون عنها
أفضل » ، المنصرف إلى خصوص هذهِ الصلاة من دون قيد أو شرط ، ومروراً بعدم الاشارة
إلى أمر ( الاسراج ) من قريب أو بعيد في عمدة الاحاديث التي يُستدل بها على ثبوت (
التراويح ) ، بما في ذلك روايتي (البخاري ) و ( الموطأ ) ، وانتهاءاً بقوله
: « إني أرى لو جمعت هؤلاءِ على قارئ واحد لكان أمثل » .
وهل يرتضي ( ابن تيمية ) لشخص أن يقول بشأن صلاة
العشاء مثلاً التي تقام جماعةً في مسجد ذا سراج بأنَّها ( بدعة ) ، ويطلق القول
بهذه العفوية ، من دون أن يقيم قرينة على إثبات ما يقصدُ إليه ؟!
وهل يُلام مَن يحمل كلمة ( البدعة ) في هذا الكلام
على معناها الشرعي المنقول عند الاستماع اليها بهذه الطريقه المطلقة؟
فكيف إذا حُفَّ الامر بقرائن توحي بالعكس ، وكيف إذا
صدرت هذه الكلمة بهذا التسامح من انسان جلس في الموقع الذي يحاسب فيه على الصغيرة
والكبيرة من أطراف الكلام ؟
وعلى أية حال فان ما تكلَّفه ( ابن تيمية ) أمر
مرفوض من الناحية العلمية بالدرجة الاولى ، ومن ناحية كونه التفافاً معلناً على
الحقائق ، وتزوير المفاهيم الاسلامية، بما يصب في صالح الاحقاد المذهبية ،
والتعصب الذميم .
التبرير الثاني : ما ذكره ( أبو اسحاق الشاطبي ) ، في ( الاعتصام )
حيث يقول :
« فان قيل : فقد سمّاها عمر(رضي الله عنه) عنه بدعةً ، وحسَّنها
بقوله : نعمت البدعة هذهِ ، وإذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت ، مطلق الاستحسان
في البدع .
فالجواب : إنَّما سمّاها بدعة باعتبار ظاهر الحال من
حيث تركها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر
، لا انَّها بدعة في المعنى ، فمن سمّاها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الاسامي
»(60)
.
فالشاطبي هنا يجعل ( التراويح ) من حيث أصلها ذات
وجهين ، فهي عنده ذات أصل في الدين ، باعتبار أنَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
قد صلاّها ليال ثم انقطع عنها كما يُدّعى ، وبهذا تخرج عن كونها بدعةً في الاصطلاح
الشرعي ، لانَّ المعنى المصطلح والمذموم هو ما لم يكن له أصل شرعي يستند إليه .
وهي في نفس الوقت لا تمتلك أصلاً ، وليس لها سابق
مثال ، باعتبار انَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قد انقطع عنها ولم يصلِّها أبو
بكر ، وبهذا يصح اطلاق لفظ ( البدعة ) عليها بهذا الاعتبار ، أي باعتبار انَّها لم
تُصلَّ في برهة زمنية معينة.
ومن الواضح انَّ كلام ( الشاطبي ) هنا لا يسلم من
المعارضة السابقة لكلام ( ابن تيمية ) المتقدم ، وإن كان ( الشاطبي ) لم يصرّح هنا
بأن ( البدعة ) قد استُعملت في معناها اللغوي كما فعل ( ابن تيمية ) ، وانما ترك
الكلام غائماً ، ومشوباً بالغموض والابهام .
وعلى أية حـال فان ذكـر ( الشاطبي ) لهـذهِ الفترة
الوسطيـة التي لم تُصلَّ فيها (التراويح ) على ما قال إن كان المراد انَّها
تسوِّغ الاستعمال اللفظي لـ( البدعة ) في الحادث الذي ليس له مثال سابق ، فهو ما
لا يصح هنا ، لانَّ ترك العمل لمدة معينة غير كاف في انطباق عنوان ( ما ليس له
مثال سابق ) عليه ، فلو انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد صلّى صلاة
الاستسقاء مثلاً لقحط أصاب المسلمين ، وندرة في الامطار ، ثم ترك الصلاة إلى أن
ارتحل إلى الرفيق الاعلى، ثم صُلّيت هذهِ الصلاة بعد عشرين عاماً لنفس السبب
السابق ، فهل يسوغ لنا أن نقول هنا بأنَّ صلاة الاستسقاء ( بدعة ) ، ونطبق اللفظ
لغوياً على هذا المعنى المتأخر زماناً ؟ وهل لنا أن نبرر هذا الاستعمال اللغوي
باعتبار الفترة الوسطية التي تخللت الفعلين ؟!
هذا كله بالاضافة إلى ما ذكرناه سابقاً من حاجة مثل
هذا الاستعمال إلى قرينة صارفة تعيِّن المقصود ، وتصحح الاستعمال.
وإذا كان مراد ( الشاطبي ) من ذكر الفترة الوسطية
بين الفعلين انَّ اطلاق لفظ (البدعة ) هنا اطلاق تسامحي ، وانَّه من باب ما
يعِّبر عنه بالقول : « فلا مشاحة في الاصطلاح»، فهو مرفوض أيضاً
لسببين :
السبب الاول : انَّ هذا المعنى إن تمَّ واستقام في شيء ، فهو لا
يتم في التعامل مع مصطلحات الشريعة الاسلامية ، وخصوصاً مثل مفهوم ( البدعة ) الذي
يعد من المفاهيم الاسلامية الدقيقة والحساسة ، التي لا يمكن التسامح في أمر
تناولها ، وتطبيقها على الموارد المختلفة ، من دون تثبّت ، ودقة ، واستقصاء ،
وخصوصاً من قبل الاشخاص الذين يعتلون المواقع الحساسة التي تطمح اليها الابصار ،
إذ انَّ أية مسامحة من هذا القبيل ، سوف تعِّرض مفاهيم الشريعة الاصطلاحية الى
التذبذب والارتباك .
والسبب الثاني : انَّ هذا الامر الذي ذكره ( الشاطبي ) يمكن أن يجري
في اطلاق لفظ ( البدعة ) على غير موارد الذم والحرمة أيضاً مما لم يكن له وجود في
عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل الاعتبار المذكور ، أي يقال بانَّه (
بدعة ) باعتبار انَّه لم يكن موجوداً في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
ويُعتذر لذلك بالقول بأنَّه لا مشاحة في الاصطلاح ، فيرجع الامر في النتيجة إلى
تقسيم ( البدعة ) إلى مذمومة وممدوحة ، إذ يمكن أن نوجد لحاظاً واعتباراً لكل الامور
الحادثة الممدوحة ، ونبرر تطبيق لفظ ( البدعة ) عليها على هذا الاساس ، وهذا ما
رفضه ( الشاطبي ) أشدَّ الرفض ، حين أكَّد بطلان القول بالتقسيم بشكل مطلق .
التبرير الثالث :
ما ذكره الشيخ ( صالح الفوزان ) الذي كان يرفض
القول بتقسيم ( البدعة ) رفضاً قاطعاً حيث يقول : « كل بدعة في الدين فهي محَّرمة
وضلالة لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( واياكم ومحدثات الامور فانَّ كل محدثة بدعة ،
وكل بدعة ضلالة ) ،
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (
مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ ) ، وفي رواية :
( مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ ) .
فدلَّ الحديث على أنَّ كلَّ محدث في الدين فهو بدعة
، وكل بدعة ضلالة مردودة ، ومعنى ذلكَ انَّ البدع في العبادات والاعتقادات محَّرمة
.. مَن قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله(صلى الله
عليه وآله وسلم) : (
فانَّ كل بدعة ضلالة ) ، لانَّ الرسول حكم على البدع كلِّها بأنها ضلالة ، وهذا يقول : ليس كل
بدعة ضلالة ، بل هناك بدعة حسنة » .
ثم أردف قائلاً :« وليس لهؤلاء حجّة على انَّ هناك بدعة حسنة إلاّ قول عمر(رضي الله
عنه) في صلاة التراويح : ( نعمت البدعة هذه ) »(61) .
ولكنَّ ( الفوزان ) بعد ان ينتهي إلى هذهِ النتيجة
يواجه الاشكال الذي يقول : بأن الامر إذا كان كذلك ، وانَّ كل بدعة ضلالة من دون
أي استثناء ، فهذا يعني أنَّ من حقنا أن نحمل كلمة ( البدعة ) الواردة في مقوله :
« نعمت البدعة هذه » على الضلالة المحرَّمة ، لانَّ كل بدعة ضلالة ، وهذهِ ( بدعة
) ، فهي إذن ضلالة ، وهذا لون من ألوان القياس العقلي الذي لا يقبل التشكيك .
فيعود ( الفوزان ) إلى خلفيات هذهِ الصلاة المحدثة ،
ويحاول أن يعالج الامر من الجذور ،
بعد اليأس من درجها ضمن دائرة المندوب أو المباح ، كما كان يفعل القائلون بالتقسيم
.
وقد عمد إلى تبرير اطلاق لفظ ( البدعة ) هنا بانتهاج
سبيلين :السبيل الاول : أنه ادّعى انَّ لفظ ( البدعة ) الوارد في الحديث
المتقدم محمول على معناه اللغوي لا الاصطلاحي ، فيقول : « وقول عمر : ( نعمت
البدعة ) ، يريد البدعه اللغوية لا الشرعية »(62) .
وقد حاول أن يضيِّق من المدلول اللغوي لهذه الكلمة ،
ويتصرف في أصل وضعها بما ينسجم مع هذهِ المقوله ، فأضاف : « فما كان له أصل في
الشرع يرجع إليه إذا قيل انَّه بدعة ، فهو بدعة لغةً لا شرعاً »(63)
.
فالملاحظ أنـَّه يجعل الفعل الذي يكون له أصل في
الشرع من أفراد المعنى اللغوي للبدعة ، وهذا ما لم يتفوه به أحد من السابقين أو
اللاحقين ، وهو خلاف فاضح لما ذكره قبل صفحتين من موضع كلامه هذا ، عندما تعرَّض
لذكر المعنى اللغوي لـ ( البدعة ) حيث يقول : « البدعة في اللغة مأخوذة من البدع
وهو الاختراع على غير مثال سابق ، ومنه قوله : ( بَدِيعُ السَمواتِ والاَرضِ )((64) ، أي مخترعها على غير مثال سابق ، وقوله
ـتعالى ـ (
قُلْ ما كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ )(65) ، أي ما كنتُ أول مَن جاءَ بالرسالة من الله إلى
العباد ، بل تقدمني كثير من الرسل ، ويُقال ابتدعَ فلان بدعةً ، يعني ابتدأَ
طريقةً لم يُسبق اليها »(66)
.
فمن الواضح انَّ المعنى اللغوي لـ ( البدعة ) يأبى
التفسير الذي ذكره ( الفوزان ) لها على نحو التحميل ، وذلك حسب إقراره هو ،
وتصريحه بذلك ، إذ ( البدعة ) لغةً هي : ( ما لم يكن له مثال سابق ) حسب قول أئمة
اللغة وعلمائها بالاتفاق ، فكيف يمكن أن تطبَّق على ما كان له أصل سابق في الشريعة
؟ وهل أنَّ بامكان أحد أن يوسِّع أو يضيِّق المداليل اللغوية للالفاظ متى شاء
وأنّى أراد ؟
إنْ هذا إلاّ عبث سافر بالالفاظ ، وخلط واضح التهاتر
والبطلان .
السبيل الثاني : انَّه ادعى انَّ صلاة ( التراويح ) كانت قائمة في
عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وانه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد صلاّها
بأصحابه مدّة ، ثم انقطع عنها ، حيث يقول : « والتراويح قد صلاّها النبي بأصحابه
ليالي ، وتخلَّف عنهم في الاخير ، خشيةَ أن تُفرض عليهم ، واستمر الصحابةـ رضي الله عنهم ـ يصلّونها أوزاعاً متفرّقين في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وبعد وفاته ، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) خلف امام واحد كما كانوا
خلف النبي ، وليس هذا بدعةً في الدين »(67) .
فهل حقاً انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) قد صلّى التراويح جماعة ، وتخلَّف عنها خشيةَ أن تُفرض على أصحابه ، فيكون
لهذه الصلاة جذور شرعية تربطها بالدين ، أو انَّ الامر على خلاف ذلك ؟!
هذا ما سنتعرض له بتفصيل عندما نتناول خلفيات هذهِ
الصلاة في موضعها الخاص بأذن الله تعالى . |