البـاب الثـاني
هـويـة
الابتـداع
البدعة في اللغة الاصطلاح الشرعي .
البدعة لغةً :
للبدعة في اللغة أصلان ، أحدهما : ( البَدع ) ، وهو
مأخوذ من ( بَدَعَ ) ، وثانيهما : (الابداع ) ، وهو ما مأخوذ من ( أبدعَ).
وكلا هذين الاصلين يعطي معنىً واحداً ، وهو عبارة عن
انشاء الشيء لا على مثال سابق ، واختراعه وابتكاره بعد أن لم يكن .
يقول الفراهيدي عن ( البَدع ) : « هو إحداث شيء لم
يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة »(1) .
ويقول الراغب عن ( الابداع ) : « هو انشاء صفة بلا
احتذاء واقتداء »(2)
.
وينص الازهري على أنَّ ( الابداع ) أكثر استعمالاً
من ( البَدع ) ، وهذا لا يعني أنَّ استعمال ( البَدع ) خطأ ، وانما هو صحيح ولكنه
قليل ، فيقول في ذلك : و « ( أبدعَ ) أكثر في الكلام من ( بَدَعَ ) ، ولو استعمل (
بَدَع ) لم يكن خطأ »(3)
!
وعلى هذا الاساس تقول من ( البَدع ) : « بدعتُ الشيء
إذا أنشأته »(4)
.
وتقول من ( الابداع ) : ابتدعَ الشيء : أي « أنشأه
وبدأه »(5)
، وتقول أيضاً : «أبدعتُ الشيء أي اخترعته لا على مثال »(6)
.
و ( أبدَعَ ) الله تعالى الخلق ( إبداعاً ) : أي
خلقهم لا على مثال سابق ، و ( أبدعتُ ) الشيءَ و ( ابتدعته ) : استخرجته وأحدثته ،
ومنه قيل للحالة المخالفة ( بدعة ) ، وهي اسم من ( الابتداع ) ، كالرفعة من
الارتفاع(7)
، ومعنى ( البدعة ) : الشيء الذي يكون أولاً(8) ، وجمع ( البدعة ) ( البدع )(9)
، وانّما سميت ( بدعة ) لانَّ قائلها ابتدعها هو نفسه(10).
وفي أسماء الله تعالى ( البديع ) : وهو الخالق
المخترع لا على مثال سابق(11)
.
يقول الله تعالى : ( بَدِيعُ السَّمواتِ وَالاَرضِ )(12) : أي مبتدعها ومبتدئها لا على مثال سبق(13)
، وبديع الحكمة غرئبها ، ومنه الحديث : « روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فانها
تكلّ كما تكل الابدان »(14)
.
ويقول الله تعالى : ( وَرَهبَانيَّةً ابَتَدعُوها )(15) : أي أحدثوها من عند أنفسهم(16).
فيتحصل لدينا من خلال كل ما تقدَّم انَّ المعنى
اللغوي لـ ( البدعة ) : هو الشيء الذي يُبتكر ويُخترع من دون مثال سابق ، ويُبتدأ
به بعد أن لم يكن موجوداً من قبل .
البدعة في الاصطلاح الشرعي :
اكتنف مفهوم ( البدعة ) بالكثير من التشويش والغموض
في كلمات العلماء والباحثين ، فوردت في مقام تحديد هويته ، وتوضيح قيوده ، عدة
تعريفات متفاوته ومختلفة .
وكان أن اختلفت تبعاً لذلك رؤى هؤلاء الاعلام في
المفردات التطبيقية لهذا المفهوم على الواقع العملي ، حتى وصل الامر الى أن تقاطعت
بعض هذهِ الحدود والتعريفات فيما بينها .. مما أدّى الى تكفير بعض الطوائف
الاسلامية للبعض الاخر ، بذريعة ( الابتداع ) ، والخروج عن حياط السنة النبوية
الشريفة .وقد استُغل هذا المفهوم الاسلامي أبشع استغلال من قبل بعض المتطرفين ،
الذين عمدوا الى تحريفه عن واقعه ، والتدليس في حقيقته ، من أجل النيل من معتقدات
أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، واتهامهم بمختلف الاباطيل .وقد عُدَّ هذا
الامر من أبرز الوسائل التي أعلنتها ( الوهابية ) ، واتخذتها شعاراً في أمر
التشنيع على أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، والصاق التهم المفتعلة بهم ،
كذباً وبهتاناً وزوراً .وفي حقيقة الامر انَّه على الرغم من الملابسات التي اكتنفت
هذا المفهوم الاسلامي الواضح ، والهالة المفتعلة من التشويش والغموض التي اُحيطت
به.. إلاّ انّا نرى بأنَّ جلاءه ووضوحه في التشريع أكبر من أن تنال منه تلك
الاقاويل ، أو أن تحجب حقيقته يدُ التزوير ، كما انَّ حضوره في صفوف المفردات
البارزة للتشريع ، قد تركَ الارتكاز الواضح عنه في أذهان المسلمين ، والانطباع
الذي لا يتعرض الى الاهتزاز والتحريف بمجرد ما يُطلق حوله من ادّعاءات . ولهذا نرى
انَّ المعنى النظري لمفهوم ( البدعة ) قد أخذ موقعه المتقدم من الوضوح في النصوص
الشرعية التي تعرضت له ، وفي أقوال الكثير من العلماء الذين تعرَّضوا لبيان حدِّه
ومفهومه ، ولكن نقطة الاضطراب التي انطلق منها التشويش على هذا المفهوم ، انما
بدأت عندما حاول البعض أن يعكس آثار الموارد التطبيقية على أصل المفهوم ، ويكيّف
الحدَّ والتعريف تبعاً لتلك الموارد المدّعاة .فوقع الخلاف والتقاطع في الاراء
التي تعرضت لتحديد هوية الابتداع ، في الجانب العملي للمفهوم ، إن صحَّ هذا
التعبير .على انَّ من الواضح انَّ محاولة التوفيق بين المفهوم والمصداق الذي
يعبِّر عنه ، لا ينبغي أن تلجىء الباحث الى حرف المفهوم عن واقعه وحقيقته ، لجعله
متلائماً ومنسجماً مع مصداق خارجي محدَّد ، ومورد تطبيقي معيَّن ، فتقع حنيئذ هوية
الحد والمفهوم ضحيةً لمثل هذا التلاعب غير المشروع ، وهذا ما حدث مع مفهوم
(البدعة) الذي يُعد من أكثر المفاهيم الاسلامية دقةً وحساسيةً وعمقاً
.كما انَّ من المفترض أن تحدد اُولاً هوية المفهوم الواقعية بدقة متناهية ،
ارتكازاً على الاسس والمباني السليمة والثابتة ، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تطبيق ذلك
المفهوم على موارده ، من دون تحيّز أو استثناء .ومما يؤسف له انَّ مفهوم ( البدعة
) قد خضع مع جملة اُخرى من مفردات الثقافة الاسلامية الى هذا النوع من المهاترات
.ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة في النصوص الاسلامية المستفيضة التي تعرَّضت لتحديد
مفهوم ( البدعة ) ، ومن ثم محاولة اعداد قاسم مشترك لاقوال العلماء في تحديد هذا
المفهوم بشكل مجمل ، يمكن لنا أن ننتزع قدراً متيقناً يمثل نحواً من الاتفاق على
انَّ معنى ( البدعة ) هو : ( إدخال ما ليس من الدين فيه ) .ولعلَّ هذا المعنى
المذكور قد حظي بهذا التواطؤ المطرد ، بسبب وضوح أمره في التشريع ، وارتكاز معناه
في أذهان المتعاملين مع النصوص الاسلامية ، ولو على مستوى الاطلاع .ولذا نلاحظ
انَّ هذا المفهوم بمعناه المتقدم ، ما برح يُلقي بظلاله الطويلة على كل الدراسات ،
والاقوال التي تعرضت لتحديد هويته ، وبيان معناه ، من خلال قوة التصريحات الواردة
على لسان صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأنه .
الامر الذي لم يكن بوسع أحد أن يحرفه نظرياً عمّا هو
عليه، إلاّ ثلّة قليلة ممن حاول عبثاً أن يغيِّر مسار المفهوم عمّا هو عليه ، ويعطيه
بعداً ضيِّقاً وأُفقاً محدوداً ، إلا انه ما يلبث أن ينجرف الى حقيقته ، بفعل تيار
الوضوح المشار اليه آنفاً .وهذا يدعونا الى الحديث عن قيود احترازية وتوضيحية
ينطوي عليها تعريف (البدعة ) المذكور آنفاً ، ولكنَّ الحديث الاهم يبقى حول
وضع الضابطة التي يتم بموجبها انطباق مفهوم ( البدعة ) على هذا المورد دون ذلك ،
باعتبار أن أصل الخلاف ينطلق من هذهِ النقطة ويتفرع عليها ، وهذا ما سنتعرض له
مفصلاً تحت عنوان ( مفهوم البدعة بين الاطراد والانعكاس ) إن شاء الله تعالى .وقبل
الخوض في بيان هذين المطلبين نرى أن ضرورة البحث العلمي تدعونا الى التعرض لموضوع
( تقسيم البدعة ) ، باعتبار انه يرتبط ارتباطاً وثيقاً ، بتحديد مفهومها وتوضيح
معالمها ، كما سنلاحظه بين طيات البحث .وقصدُنا من ( تقسيم البدعة ) هنا هو
تقسيمها الى ممدوحة ومذمومة على ما يُدّعى ، دون بقية التقسيمات ، لانَّ هذا
التقسيم هو الذي يعنينا بحثه في معرض الحديث عن هوية الابتداع ، وهو الذي يتصل اتصالاً
مباشراً برسم الصورة النهائية لمفهوم (البدعة ) ، ويدخل في صميم التعريف .
الفصل الثاني
تـقسيم البدعـة
هناك ملاحظة بارزة تطرح نفسها أمام المتتبع
للتعريفات الواردة في مقام تحديد هوية ( البدعة )
ورسم معالمها . وخصوصاً التعريفات التي أوردها أبناء العامة
لهذا المفهوم.. تلك الملاحظة تتلخص في انَّ الكثير من هذهِ التعريفات قد
طُبعت بخاصيتين متميزتين:الخاصية
الاولى : انَّ هذهِ
الحدود قد جعلت تقسيم ( البدعة ) الى ممدوحة ومذمومة أساساً لتوضيح مفهومها ،
وتحديد هويتها ، وانطلقت في بناء أصل التعريف على هذا الاساس .والخاصية الثانية : انَّ هذهِ الحدود قد سيقت بطريقة لا تصطدم فيها مع
قول عمر بشأن صلاة التراويح : « نعمت البدعة هذه » .والملاحظ انَّ هاتين الخاصيتين
متداخلتان ، اذ انَّ المؤشرات العلمية تدلل على أنَّ السبب الذي ألجأ القائلين
بالتقسيم الى انتهاج هذا السبيل انَّما يكمن في محاولة تخريج المقولة المتقدمة
آنفاً ، ومحاولة تبرير اطلاق لفظ ( البدعة ) على ما يُعتقد انَّه من الامور
الممدوحة وهو ( التراويح ) .فقد ورد في اُمهات الكتب الحديثية لدى أبناء العامة ،
بما في ذلك صحيح البخاري أنَّ عمر قد اطّلع في زمان خلافته على الناس ، وهم
يتنفلون ليلاً في المسجد النبوي ، في شهر رمضان ، فرأى أن يجمعهم على قارئ واحد ،
ليصلوا النوافل جماعةً ، بدلاً من أن يصلوها فرادى، فجمعهم على أبيّ بن كعب
، ثم اطّلع عليهم ليلةً اُخرى ، وهم يصلّون هذهِ النافلة في جماعة ، فأعجبه ذلك
وقال : « نعمت البدعة هذه » .وقد كان مفهوم ( البدعة ) قد أخذ بعده الارتكازي
المستفاد من الشريعة في أذهان الاصحاب آنذاك ، نتيجة لتناول النصوص النبوية له
بكثرة وتكرار ، وتأكيدها على ذم الابتداع ، وانتقادها له بشدة ، ودعوتها الى ضرورة
مواجهته ، ومكافحته ، واستئصاله، وتنكيلها بالمبتدعين ، ووعدهم بأشد وأقسى
أنواع العقوبات الدنيوية والاخروية.وشأن ( البدعة ) في ذلك شأن المصطلحات
الاسلامية المنقولة الاخرى ، التي كانت لها مداليل لغويّة معينة قبل النقل ، وفي
الاصطلاح اللغوي العام ، إلاّ انها استُعملت من قبل الشارع المقدس في معان اصطلاحية
جديدة ، واتخذت طابعاً شرعياً محدداً لا تربطه مع المعنى السابق في مجالات
الاستعمال ، الاّ تلك العلاقة التي جوَّزت عملية النقل، ونتيجة لكثرة
استعمال هذهِ المصطلحات المنقولة الجديدة في حياة المسلمين في معانيها
الشرعية، فقد بدأت الذهنية المتشرعة تهجر تلك المعاني اللغوية القديمة ،
وتنصرف تلقائياً الى المعنى الاصطلاحي الشرعي من دون حاجة الى ذكر القرائن
والقيود.فالصلاة ، والزكاة ، والحج ، والخمس .. وغير ذلك من المصطلحات
الشرعية الاخرى ، قد خضعت لعملية النقل هذه ، وأخذت بعدها الواضح في أذهان
المسلمين ، من خلال معانيها الشرعية الجديدة .ومفهوم ( البدعة ) واحد من تلك
المفاهيم التي سلكت عين الطريق ، وسارت في ذات المسار الذي ضمَّ الاعداد الغفيرة
من المنقولات .ولم يكن ليشك أحد بعد عملية النقل هذهِ في دلالة لفظ ( البدعة ) على
الحادث المذموم ، والممارسة المقيتة والمرفوضة في نظر الشريعة الاسلامية ، ولم يكن
ليتردد شخص في طبيعة المورد الذي يستعمل فيه هذا المفهوم ، بعد هذا التداول
المتكرر والتأكيد الحثيث.
ولكن بعد أن ورد لفظ ( البدعة ) في حديث التراويح
بالذات ، انقلبت تلكَ الموازين والمرتكزات ، وتوقف إعمال الاسس العلمية التي يتم
بموجبها التعامل مع المواقف والاحداث ، وقامت الدنيا ولم تقعد ، من أجل تبرير
اطلاق لفظ ( البدعة ) على هذهِ الصلاة ، وتوجيه معناها الجديد !
وتحيَّر القوم في هذا الامر .. فهم بين حشد كبير من
النصوص الصريحة التي تناولت هذا المفهوم بالذم الواضح ، والتقريع الصريح ، والتي
ما فتئت حيةً وساخنةً في وجدان المسلمين وقت اطلاق ذلك القول .. وبين مقولة « نعمت
البدعة هذه » التي عاكست ذلك الاتجاه ، وسارت في طريق مضاد له تماماً .
وكان أن تمخَّـض الحـل في رأي هؤلاء المبررين والمـدافعين
بتشطير مفـهوم (البدعة)، وتقسيمه إلى قسمين : بدعة مذمومة ، وهي
التي تناولتها أحاديث الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالذم والانتقاد ،
وبدعة ممدوحة ، وهي التي يمكن أن تندرج تحتها صلاة التراويح ، فيتوجه بذلك القول
السابق المذكور في الحديث .
ولنحاول في البداية أن نتناول الاقوال التي نصت على
تقسيم البدعة ، ثم ننظر بعد ذلك في حقيقة هذا التقسيم .
مع القائلين بالتقسيم :
نرجو من القارئ الكريم أن يركِّز عند مطالعة الاقوال
التالية على نقطة مهمة جداً في التقسيم ، وهي بناء التقسيمات المزعومة على أساس
واحد ، وهو عبارة عن مقولة «نعمت البدعة هذه » ، وانطلاقها من هذا الاتجاه .
وأهم هذهِ الاقوال هي :
1 ـ الشافعي : روى البيهقي باسناده عن
الشافعي أنه قال : « المحدثات من الامور ضربان : أحدهما ما اُحدث مما يخالف كتاباً
، أو سنة ، أو أثراً ، أو إجماعاً ، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما اُحدث
من الخير ، لاخلاف فيه لواحد من العلماء ، وهذه محدثة غير مذمومة ، وقال عمر(رضي
الله عنه) في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه
(17) .
قال الربيع معقباً على ذلك :« وقد استند في كلا التعبيرين إلى قول عمر(رضي الله عنه) في صلاة
التراويح : « نعمت البدعة هذه »(18) .
2 ـ ابن حزم : يقول بصدد التقسيم : « البدعة في الدين : كل ما لم يأتِ في القرآن،
ولا عن رسول الله ، إلاّ انَّ منها ما يؤجر عليه صاحبُه ، ويُعذر بما قصد إليه من
الخير ، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ، ويكون حسناً ، وهو ما كان أصله الاباحة ، كما
روي عن عمر(رضي الله عنه) عنه : نعمت البدعة هذه »(19) .
3 ـ ابن الاثير : يقول في ( جامع الاصول ) عن
هذا التقسيم : « فأما الابتداع من المخلوقين ، فان كان في خلاف ما أمر الله به
ورسوله ، فهو في حيِّز الذم
والانكار ، وان كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه ، وحضَّ عليه ، أو رسولُه ،
فهو في حيِّز المدح ، وان لم يكن مثالُه موجوداً ، كنوع من الجود ، والسخاء ، وفعل
المعروف .. ويعضد ذلكَ قول عمر بن الخطّاب(رضي الله عنه) في صلاة التراويح : نعمت
البدعةُ هذه »(20)
.
4 ـ الجاكمودي : يقول في قصيدة له :
فبدعة فعلكَ ما لم
يُعهد في عهد
سيِّد الورى محمّد
قد قُسمت كالخمسة
الاحكام من
الوجوب الندب والحرام
كذاك مكروه وجائز
تمام قد قاله عزّ
بن عابد السلام
فكل بدعة ضلالة
حُمِل على التي
قد حُرِّمت فقط نُقل
من بدع واجبة
تعلّم النحو إذ به الكتاب يُفهمُ
ومثّلوا الحرامَ
في المكاتب كالقدرية
من المذاهب
وانَّما زخرفة
المساجد من بدع
مكروهة للعابد
ومثّلوا المندوب
كاجتماع عند
التراويح بلا نزاعِ(21)
5 ـ عز الدين بن عبد السلام : وقد
بالغ في تقسيم ( البدعة ) ، وسحب عليها الاحكام الشرعية الخمسة ، وهو الذي قصده (
الجاكمودي ) في أبياته المتقدمة ، فيقول في أواخر ( القواعد ) :
« البدعة : خمسة أقسام ، فالواجبة : كالاشتغال بالنحو الذي يُفهم
به كلام الله ورسوله ، لانَّ حفظ الشريعة واجب ، ولا يتأتى إلاّ بذلك ، فيكون من
مقدمة الواجب ، وكذا شرح الغريب ، وتدوين اُصول الفقه ، والتوصل إلى تمييز الصحيح
والسقيم، والمحَّرمة : ما رتبه مَن خالف السنة من القدرية ، والمرجئة ،
والمشبهة ، والمندوبة : كل إحسان لم يُعهد عينُه في العهد النبوي ، كالاجتماع على
التراويح ، وبناء المدارس والربط، والكلام في التصوف المحمود ، وعقد مجالس
المناظرة ، إن اُريد بذلكَ وجهُ الله ، والمباحة : كالمصافحة عقب صلاة الصبح
والعصر ، والتوسع في المستلذات من أكل ، وشرب ، وملبس ، ومسكن ، وقد يكون ذلكَ
مكروهاً ، أو خلاف الاولى ، والله أعلم »(22) .
6 ـ الغزالي : يقول في الاحياء بصدد الاكل على السفرة ما يستفاد منه تبنّيه للتقسيم
المذكور : « وقيل : أربع اُحدثت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : الموائد
، والمناخل ، والاشنان ، والشبع ، واعلم انّا وان قلنا الاكل على السفرة أولى ،
فلسنا نقول الاكل على المائدة منهي عنه نهي كراهة أو تحريم ، إذ لم يثبت فيه نهي .
وما يُقال أنه اُبدع بعد رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، فليس كل ما اُبدع منهياً عنه ، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة ،
وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته ، بل الابداع قد يجب في بعض الاحوال إذا تغيرت
الاسباب »(23).
7 ـ الشيخ عبد الحق الدهولي : يقول في شرح المشكاة مصرحاً بالتقسيم:
«اعلم انَّ كل ما ظهر بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بدعة،
وكل ما وافق اصول سنته وقواعدها ، أو قيس عليها فهو بدعة حسنة ، وكل ما خالفها فهو
بدعة سيئة وضلالة »(24).
انعكاسات القول بالتقسيم :
إنَّ القول بتقسيم ( البدعة ) لو كان قد توقف عند
هذا الحد الذي استعرضناه قبل قليل، لكان الامر هيّناً ويسيراً ، ولكنَّ بعض
كتب اللغة التي يُفترض انَّها تتناول المعاني بشكل توقيفي لا اجتهاد فيه ، وتستعرض
اللغات بأمانة ودقّة متناهية .. قد تأثرت بهذا التقسيم أيضاً ، وحمَّلت مفهوم (
البدعة ) هذا المعنى الخاطئ في تسامع خطير ، وتبع هذهِ الكتب اللغوية بعض دوائر
المعارف المشهورة أيضاً .ومما ينبغي الالتفات إليه انَّ هذه الكتب لم تجعل تقسيم (
البدعة ) مختصاً بمعناها اللغوي ، لكي يُلتمس لها العذر فيما قالت وادَّعت ، وانما
نصت على انَّ التقسيم من خواص (البدعة ) في الاصطلاح الشرعي .واليكَ أيها
القارئ الكريم نماذج من ذلك :1
ـ المصباح المنير : « وأبدعتُ الشي وابتدعته : استخرجته وأحدثته ، ومنه قيل للحالة المخالفة
: ( بدعة ) ، وهي اسم من ( الابتداع ) ، كالرفعة من الارتفاع ، ثم غلب استعمالها
فيما هو نقص في الدين أو زيادة ، لكن قد يكون بعضها غير مكروه فيسمى: بدعة
مباحة ، وهو مصلحة يندفع بها مفسدة ، كاحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس »(25)
.
فمن الملاحظ هنا انَّ ( المصباح المنير ) بعد أن
يستعرض المعنى اللغوي للبدعة ، ينتقل الى بيان معناها الشرعي ، فينص على انَّها
يمكن أن تكون مباحة كذلك ، ويمثل لها باحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس ، الذي لم
يكن موجوداً في عصر التشريع الاول ، وانما اُحدث بعد ذلك في الازمنة المتأخرة ،
ويُعدُّ ذلكَ بدعة مباحة .2
ـ تهذيب الاسماء واللغات : « ( بدع ) : البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي منقسمة الى حسنة وقبيحة »(26)
.3
ـ النهاية(27) : « وفي حديث عمر(رضي الله عنه) في قيام رمضان : نعمت
البدعة هذه ، البدعة بدعتان : بدعة هدى ، وبدعة ضلال ، فما كان في خلاف ما أمر
الله به ورسولُه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو في حيِّز الذم والانكار ،
وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه ، وحضَّ عليه الله ، أو رسولُه ، فهو في
حيِّز المدح، ومالم يكن له مثال موجود ، كنوع من الجود ، والسخاء ، وفعل
المعروف ، فهو من الافعال المحمودة ... ومن هذا النوع قول عمر(رضي الله عنه) :
نعمت ا لبدعة هذه، لما كانت من أفعال الخير ، وداخلة في حيِّز المدح سمّاها
بدعةً ، ومدحها ، لانَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسنَّها لهم ، وانما
صلاّها ليالي ثم تركها(28) ، ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس لها، ولا كانت فى زمن أبي بكر ، وانما
عمر(رضي الله عنه) جمع الناس عليها ، وندبهم اليها ، فبهذا سمّاها بدعة، وهي
على الحقيقة سنة ، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( عليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين من
بعدي ) ، وقوله : ( اقتدوا بالذين من بعدي ابي بكر و عمر)(29) .وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الاخر :
( كل محدثة بدعة ) ، انَّما يريد ما خالف اُصول الشريعة ، ولم يوافق
السنة . واكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم »(30)
.وقد أصبح تقسيم ابن الاثير لـ ( البدعة ) في هذا الكلام الى : مذمومة وممدوحة ، أساساً
تناقلته كتب لغوية اُخرى، وجعلته أحد الاراء المعتبرة للمعنى الشرعي لها ،
من دون أن تتبناه .ومن تلك الكتب ( لسان العرب ) لابن منظور ، حيث نقل كلام ابن
الاثير هذا بتمامه، ونسبه إليه من دون تعليق(31) ، كما نقله
بتمامه أيضاً صاحب ( تاج العروس ) ، ونسبه الى قائله(32) ، ونقل بعضه
أيضاً الطريحي في ( مجمع البحرين ) ، ولم يصرّح باسم قائله(33).ونحن
لا نريد أن نسجل ملاحظة على هذه النقولات ، وعلى هذا التسامح في طريقة عرض الاراء
، بغثها وسمينها ، أكثر من أن نقول بأنَّ للانسان أن يركن الى هذهِ الكتب في مجال
تخصصاتها اللغوية، باعتبار انَّها أسفار علمية معتبرة ، وخصوصاً الكتب اللغوية
المشهورة منها ، ولا كلام لنا في ذلك ، إلاّ انه من غير الصحيح أن ينساق المرء مع
كل ما يُطرح في هذهِ الكتب ، على مستوى تقرير المعاني الاصطلاحية للالفاظ ،
ويتلقاها من دون تثبُّت ، وإمعان نظر ، وذلك لما ثبت عن طريق التتبع و الاستقراء ،
من عدم توفر الدقة الكافية في تحقيق هذهِ المعاني الاصطلاحية ، والتي قد لا تضبط
بشكل كامل ودقيق حتى من قبل أصحاب الفن أنفسهم ، ومن جهة خروج هذا المطلب عن أصل
التخصص الذي يدور حوله البحث في مثل هذهِ المصنفات .4 ـ دائرة المعارف الاسلامية : « وهناك تصنيف دقيق يفرّق البدع على أحكام الفقه
الخمسة ، والبدع التي هي فرض كفاية على الجماعة الاسلامية : دراسة فقه اللغة
العربية ، توصلاً الى فهم القرآن .. الخ ، والاخذ بشهادة العدول أو رفضها ، وتمييز
الحديث الصحيح من غيره ، وترتيب أحكام الفقه ، والرد على الزنادقة ، ومذاهب
الزنادقة المخالفة للسنة حرام . وإنشاء الرباطات والمدارس وأشباهها من البدع
المندوبة. وتزيين المساجد ، وتوشية المصاحف ، من البدع المكروهة . ومن أمثلة
البدع المباحة : الانفاق على المآكل والمشارب وغيرها »(34) .5 ـ دائرة معارف
القرن العشرين : « البدعة
: ما اختُرع على غير مثال سابق ، وهي مؤنت بدع ، وقد اُطلقت على الخصلة المحدثة في
الدين ، سواء أكانت حسنة أم سيئة ، وقد كثر اطلاقها على المستحدثات السيئة في
العقائد ، والعوائد ، والمعاملات »(35) .ومن
الانعكاسات السلبية الاخرى للقول بتقسيم البدعة الى مذمومة وممدوحة ، هو انَّ بعض
علماء العامة أطلق لفظ ( البدعة ) على جملة من الاعمال الجائزة شرعاً ، والمندرجة
تحت الادلة العامة المقطوعة الصدور ، وان لم تكن موجودة في العصر الاول للتشريع ،
كالاحتفال بيوم المولد النبوي مثلاً ، فهو عمل مشروع ومندوب من وجهة نظر الكثير من
علماء العامة ، إلاّ انّا نجد انَّ هؤلاء القائلين بمشروعية هذا العمل وجوازه ،
أبوا إلاّ ان يطلقوا عليه لفظ الابتداع وينعتوه بذلك ، فقالوا بانَّ عمل المولد
بدعة ، إلاّ انها بدعة ممدوحة، وكأنَّ اللغة العربية ، والتراكيب اللغوية
المترامية فيها ، قد ضاقت بسعتها عن انجاب لفظ آخر ينطبق على الامور الحادثة المشروعة
.
وكان أن سبَّب اطلاقهم للفظ البدعة في مثل هذهِ
الموارد التباساً عند الاخرين، فظنوا انَّ هذا العمل غير مشروع باعتبار
الارتكاز الحاصل في ذهنية المتشرعة عموماً على رفض هذا المفهوم ، وانسباق صورة
مقيتة عنه بسبب الاحاديث الكثيرة الواردة في شجبه وذمه ، ويزداد الامر تعقيداً
والتباساً عندما تُقتطع الالفاظ عن تتماتها ومكملاتها، وتُعرض بصورة ناقصة
بتراء ، من باب الاختصار ، أو التسامح ، أو التمويه .
ولعلَّ هذا الاطلاق يهيء مخرجاً سهلاً لاولئكَ الذين
اصرّوا على تحاشي الاصطدام مع مَن يرمي مثل هذا العمل بالابتداع ، ويخرجه عن دائرة
التشريع، باعتبار الاشتراك الموجود بين اللفظين .
فبدلاً من التصريح بجواز هذا العمل ومشروعيته ،
يُقِال بانَّ هذا العمل بدعة ممدوحة ، في الوقت الذي يطلق الاخرون القول عنه
بانَّه بدعة أيضاً وبصورة قاطعة ، من دون شك أو ترديد .
وهناك نماذج كثيرة لاستخدام لفظ ( البدعة ) في مثل
هذهِ الموارد ، على الرغم من القول بجوازها ، ومشروعيتها، فمن تلك الموارد :
ما قاله ابن حجر حول المولد النبوي : « عمل المولد
بدعة ، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنها مع ذلك قد
اشتملت على محاسن وضدَّها ، فمن تحرّى في عملها المحاسن ، وتجنَّب ضدها ، كان
بدعةً حسنة ، والاّ فلا »
(36) .
وقال الحلبي الشافعي حول نفس الموضوع أيضاً : « جرت
عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وصفه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوموا
تعظيماً له ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها ، أي ولكن هي بدعة حسنة »
(37).
بطلان القول بالتقسيم :
وبعد هذه الجولة السريعة في مجمل الاراء التي تعرضت
لتقسيم ( البدعة ) الى مذمومة و ممدوحة ، وملاحظة الخلفيات التي دعت الى القول
بهذا التقسيم ، من خلال صراحة النصوص المتقدمة ، واعتمادها بشكل واضح على مقولة :
« نعمت البدعة هذه » ، ومَع هذا ، فسواء أكان التقسيم مبنياً على هذا الاساس وصحَّ
هذا الامر ، أم لم يكن مبنياً على ذلك .. فسوف نذكر أدلتنا على بطلان القول بتقسيم
البدعة الى مذمومة وممدوحة ، أو الى الاحكام الخمسة التي ادُعيت في بعض الكلمات .
ثم نتعرض بعد اتمام ذلك الى أقوال النافين للتقسيم
من أعلام الفريقين .
وقبل أن نستعرض أدلة نفي التقسيم ، يجدر بنا أن نشير
الى انَّ القول بتقسيم (البدعة) يستند أساساً على الخلط بين المعنى
اللغوي والمعنى الاصطلاحي لهذا المفهوم .
فانّا لو كنّا مع مفهوم ( البدعة ) بمعناها المجرّد
عن مراد الشريعة وقصدها ، فانَّها تعني: الامر المحدث الذي ليس له سابق مثال
، وهذا المعنى يتحمل أن يكون مذموماً ، وأن يكون ممدوحاً ، لانَّ هناك اُموراً
كثيرة تحدث وتُبتدع بعد عصر التشريع ، مما لم تنلها الاحكام ، والادلة الخاصة ،
فتتصف بالمدح تارةً ، وبالذم اُخرى ، بل يمكن أن تتصف بالعناوين الشرعية الخمسة
أيضاً .
ولكن بعدَ أن تضيَّقت دائرة دلالة هذا المفهوم ،
وأصبح شاملاً لخصوص الامر المحدث الذي يُدخل في الدين من دون أن يكون له أصل شرعي
فيه ، فلا يمكن حينئذ ان نتصور له قسماً ممدوحاً بشكل مطلق.
وأما أدلة نفي التقسيم فهي :
الدليل الاول :
هو انَّ الضرورة العقلية تقضي وتحكم بعدم امكانية
طروّ وعروض التقسيم على مفهوم ( البدعة ) ، فمن خلال التدقيق في المعنى الاصطلاحي
الوارد لتحديد مفهوم ( البدعة ) في النصوص الشرعية ، نلاحظ انَّ هذا المفهوم غير
قابل للتقسيم بحد ذاته أصلاً ، ولا يمكن أن يعتريه أيّ استثناء أو استدراك أساساً
، إذ انَّ معنى ( البدعة ) في الاصطلاح الشرعي هو : « ادخال ما ليس من الدين فيه »
كما تقدمت الاشارة اليه ، وهذا يعني انَّ ( البدعة ) تشريع وضعي ينصب نفسه في
مقابل التشريع الالهي المقدس ، ويضاهي السنة الشريفة ، ويتحدى تعاليم السماء ، فهل
يُعقل أن نتصور قسماً ممدوحاً لمثل هذا اللون من الادخال ؟ وهل يمكن أن يتصف مثل
هذا التشريع بالمدح والاطراء ؟! أو أن يتصف بواحد من الاحكام الشرعية الخمسة غير
التحريم المطلق ؟
إنَّ شأن الابتداع في المصطلح الشرعي شأن الكذب على
الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أفهل يُعقل أن يكون هناك قسم ممدوح لهذا
اللون من الكذب ؟ وهل يقول أحد بانَّ هناك كذباً وافتراءاً على الله ورسوله(صلى
الله عليه وآله وسلم) يتصف بالمدح ، أو الاباحة ، أو حتى بالكراهة والعياذ
بالله؟!.
الدليل الثاني :
إنَّ اللغة التي تحدثت بها النصوص الشرعية حول
مفهوم (البدعة) تأبى التقسيم المذكور أيضاً ، فقد مرَّ معنا انَّ هذهِ
النصوص المستفيضة جعلت (البدعة ) ندّاً مقابلاً للسنة ، وضدّاً لا يلتقي
معها أبداً ، وذمت المبتدع وأكالت له أنواع الذم، والتوبيخ والتقريع ،
وأوعدت بعذاب المبتدع بأقسى أنواع العقوبات الدنيوية ، والاخروية، ودعت الى
مقاطعته ، وهجرانه ، وأطلقت القول بعدم قبول توبته .. فكيف يمكن مع كل هذا أن يكون
هناك قسم ممدوح للابتداع ؟ وكيف يمكن لهذا القسم أن يتخطى هذا الحجم الغفير من النصوص
الصريحة ، ويحيد عنها نحو اتجاه آخر ، لا أثر له ولا دليل عليه؟.
الدليل الثالث :
ورد في الحديث المتفق عليه بين الفريقين انَّ
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:« .. ألا وكل بدعة ضلالة ، ألا وكل ضلالة في
النار »
(38) ، وورد بلفظ: « فانَّ كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة تسير الى النار »(39) .
فدلالة هذا الحديث على استيعاب جميع أنواع البدع
بالذم والضلال ، لا تحتاج منّا إلى مزيد بيان ، ولا تقبل الجدل والانكار .
الدليل الرابع :
إنَّ المورد الوحيد الذي تناولته النصوص الشرعية
المتقدمة على اختلاف مضامينها ، وتنوع مداليلها ، هو المورد المذموم ، الذي يُعد (
البدعة ) خصوص الامر الحادث الذي يقابل الكتاب ، والسنة ، والتشريع الالهي المقطوع
، وبهذا فقد تعرض هذا المورد إلى الذم والانتقاد الشديد ، ولو كان هناك نحو من أنحاء
الاستثناء في موارد معينة مفترضة ، وحتى لو كانت تلك الموارد المستثناة موارد
جزئية ومحدودة ، لما كان بوسع الشريعة المقدسة أن تتجاهلها ، وتغض النظر عنها بشكل
من الاشكال ، في الوقت الذي نترقب حصول مثل هذا الاستثناء من قبل الشريعة ، فيما
لو وُجد أمر من هذا القبيل ، باعتبار انَّ لسان بيان التشريع يتحدث من موقع
استيفاء جميع شؤون الاحكام والتعاليم.
فمفهوم ( الكذب ) مثلاً ، وردت في شأنه نصوص صريحة
وقاطعة ، تناولته بالذم الشديد ، حتى أصبح الايمان بقبحه من مسلمات الاعتقاد ،
وضروريات الدين ، إلاّ انَّ الشريعة لم تتجاهل في نفس الوقت بعض الموارد التي
يرتفع فيها موضوع الذم ، ولا تسير في نفس الاتجاه الاصلي المذكور ، وانما نرى انَّ
هناك نصوصاً شرعية مماثلة في الصراحة، وقوة الدلالة على استثناء بعض أنواع
الكذب من أصل التحريم ، إذ قد يخرج من دائرة التحريم إلى دائرة الوجوب ، فيما لو
توقف عليه حفظ نفس مؤمنة من القتل والهلاك مثلاً .
ومفهوم ( الغيبة ) كذلك ، يخضع لنفس التعامل الذي
صدر من الشريعة بشأن الكذب ، فهو مذموم ممقوت في نظر الشريعة ، ويُعدّ من كبائر
الذنوب ، إلاّ انَّ هناك موارد ذكرتها النصوص الاسلامية تحت عنوان ( جواز الاغتياب
) ، يتم الانتقال بموجبها من الحكم الاولي بالتحريم ، إلى أحكام اُخرى كالجواز
مثلاً ، فيما لو كان المغتاب متجاهراً بالفسق ، ومعلناً له .
وهكذا الامر في الكثير من المفاهيم الاسلامية
المذمومة الاخرى ، حيث يرد الاستثناء صريحاً فيها ، فتتحول بواسطة هذا الاستثناء
من الحكم الاوّلي المحرَّم ، إلى أحكام ثانوية أخرى ، كالاباحة ، أو الندب ، أو
الوجوب ، أو الكراهة ، بحسب مقدار دائرة وحدود ذلك الاستثناء ، ونوع القيود التي
وضعتها الشريعة له .
وما دمنا نتفق على أنه لا يوجد أيّ لون من ألوان
الاستثناء الشرعي الصريح في خصوص الادلة التي تناولت بأجمعها ذم الابتداع وانتقاده
الشديد ، وما دام لا يمكن لاي أحد أن يّدعي ذلك ، وحتى اُولئكَ الذين يقولون
بالتقسيم ، إذ انَّهم لا يبنونه على النص الشرعي الصريحُ وانما على التنظير العقلي
المحض ، أو على استفادات بعيدة المنال من بعض النصوص الشرعية .. فما دمنا نتفق على
ذلك ، فلابد أن نتفق أيضاً على انَّ مفهوم (البدعة) لا يمتلك إلاّ
قسماً واحداً مذموماً ، وإلاّ لو وجد له قسم آخر ، لاعربت عنه الشريعة ، ولما
تجاهلته وأهملته ، كما هو الشأن في جميع المفردات التشريعية الاخرى .
وربما يُعترض على ما قررناه من بيان بانَّ ( البدعة
) قد وردت مقيَّدة بـ(الضلالة)، وهذا يعني وجود قسم آخر لها لا يتصف
بالضلالة ، فقد ورد في الحديث : « انَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لبلال بن الحارث :
اعلم ! قال : ما أعلم يا رسول الله ؟ ، قال(صلى الله عليه
وآله وسلم) : اعلم
يا بلال ! قال : وما
أعلم يا رسول الله ؟ ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
أنه مَن أحيى سنة من سنتي قد اُميتت بعدي
، فانَّ له من الاجر مثل مَن عمل بها ، من غير ان ينقص من أجورهم شيئاً ، ومَن
ابتدعَ بدعة ضلالة ، لا تُرضي الله ورسوله ، كان عليه مثل آثام مَن عمل بها ، لا
ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً »(40) .
فقيد ( الضلالة ) كما يدّعي هؤلاء المقسمون في قوله(صلى
الله عليه وآله وسلم) : « ومَن
ابتدعَ بدعة ضلالة » ، يفيد في مفهومه انَّ هناكَ لوناً من البدع لا يتصف بالضلالة ، وإلاّ فما
هي فائدة ذكر القيد في الحديث ؟
والجواب على ذلك انّا لو سلَّمنا صحة هذا الحديث ،
فانَّ منطوق قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : « كل بدعة ضلالة » الدال على الاستيعاب والعموم بالاداة ( كل ) يعارض
المفهوم المستفاد من «
بدعة ضلالة » ويتقدم
عليه ، هذا أولاً .
وثانياً : انَّ مثل هذا المفهوم غير ثابت عند أهل
التحقيق والنظر من علماء الفريقين، ولو سلمنا ثبوته فانه لا ينفعنا في المقام
شيئاً ، لانَّ الادلة الصريحة والمستفيضة قد دلَّت بصراحة وبالاطلاق على لزوم
الضلالة لـ ( البدعة ) من دون انفكاك ، فيكون القيد في هذا الحديث ، من قبيل القيد
في قوله تعالى : (
يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعافاً مُّضاعَفَةً )(41) .
كما قد يُعترض على ما تقرر من انَّ ( البدعة ) في
الاصطلاح الشرعي لم تستعمل إلاّ مذمومة ، ولم تطلق إلاّ على خصوص الحادث المذموم ،
بورود الاستثناء المستفاد من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الشريف :
« عمل قليل في سنة ، خير من عمل كثير في بدعة »(42) .
فيدل الحديث كما يُدَّعى على المفاضلة بين قليل
السنة وكثير ( البدعة ) ، وهذا يعني انَّ لكثير البدعة نحواً من القبول والصحة ،
وإلاّ لما وقعت هذه المفاضلة المذكورة .
وفي الحقيقة انَّ مَن له أدنى اطلاع على طبيعة
الخطابات الشرعية ، ومَن يمتلك ولو مقداراً يسيراً من التعامل والتماس مع النصوص
الاسلامية ، يدرك بأنَّ المقصود من الحديث هنا مجاراة الخصم ومسايرته ، أي لو كان
في البدعة خير ، فقليل السنة خير من كثير البدعة ، لا سيما إذا ضممنا إلى ذلك تلك
النصوص الشرعية المصرِّحة بذم البدعة ، وانتقادها بشكل مطلق ، وإذا ما التفتنا إلى
انَّ هذهِ الصيغة من الخطاب ، أي الصيغة المذكورة في حديث :
« قليل في سنة ، خير
من كثير في بدعة » جارية في جملة من النصوص الشرعية الاخرى ، وفي المحاورات العرفية العامة
.
الدليل الخامس :
ثبت معنا انَّ كلمة ( البدعة ) في الاصطلاح الشرعي
لم تُستعمل إلاّ مذمومةً ، والروايات الواردة عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) تصل في كثرتها إلى حد الاستفاضة في هذا النحو من
الاستعمال ، وهذهِ الاحاديث إما أن نكون قد استعرضناها سابقاً ضمن بحث ( مواجهة
الابتداع ) ، وإما سوف نتعرض لها تحت عنوان (البدعة في النصوص الاسلامية ) ،
أو بين طيات البحث ، والمهم في الامر انَّ الاستقراء والتتبع لهذه الاحاديث ،
يوقفنا على النتيجة التي انتهينا اليها ، وهي انَّ ( البدعة ) لم تستعمل في اصطلاح
الشارع إلاّ مذمومةً .
ويمكن أن يضاف إلى هذا المقدار من الاستعمال ، قرائن
ظنية قوية ، مستفادة من تتبع واستقراء استعمالات المتشرعة الذين رافقوا الزمن
الاول للتشريع ، ومَن بعدهم بقليل ، والوصول من خلال ذلك إلى عين النتيجة السابقة
، وهي انَّ المتشرعة لم يستعملوا البدعة إلاّ مذمومة أيضاً ، فنحن نرى من خلال
استعراض استعمالات هذهِ الطبقة التي كانت تتلقى المفاهيم الاسلامية من قرب ، انَّ
تطبيق هذا المفهوم لم يكن يتجاوز الحادث المذموم بشكل عام ، وأما قصة التقسيم فهي
قضية حدثت في فترة متأخرة عن بدايات عصر التشريع ، وكانت لها خلفياتها ودواعيها
الخاصة ، ومنطلقاتها التي قد نكون ألمحنا للبعض منها فيما مضى من دراستنا هذه .
والان نحاول أن نستعرض بعض التطبيقات التي قد
استُعملت ( البدعة ) فيها مذمومةً ، مع اعتقادنا بانَّ الاستعمال بحدِّ ذاته لا
يكشف ذاتياً عن حقيقة الوضع الشرعي لهذا المفهوم في معناه الحقيقي ، الاّ اننا حين
نضم إلى ذلك الاستعمال الواردة على لسان صاحب الشريعة(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، والتي لم تخرج عن هذا الاطار ، وباعتبار
انهم(عليهم السلام) في مقام بيان كل تفاصيل التشريع ، ومن جهة النظر إلى الادلة
المتقدمة التي قضت ببطلان التقسيم المزعوم .. فبالنظر لكل هذا وذاك ، تشكّل هذهِ
الاستعمالات بمجموعها قرينة مؤثرة في الحسابات العلمية ، وتؤيد بطلان القول
بالتقسيم .
ونود أن نذكّر أنـّا لسنا بصدد تقويم هذهِ النصوص
المعروضة ، أو بيان صحة أو عدم صحة مواردها واستعمالاتها ، أو مناقشة مؤدياتها ،
وانما نحن بصدد الاستشهاد بنحو استعمال لفظ ( البدعة ) الوارد فيها ، ومن خلال
النظر إلى هذه الزاوية ليس غير .
وأمّا الكلام في معنى الحادث المذموم ، وفي حقيقة
التطبيق وحدوده ، فهذا ما سوف نعالجه في موضعه الخاص من هذه الدراسة باذن الله
تعالى .
وسوف نذكر ما يتيسر مما ورد في استعمال لفظ ( البدعة
) مذمومةً ضمن مرحليتن:
المرحلة الاولى : ما ورد من ذلك على ألسنة الصحابة
وبالاخص بعد وفاة الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
والمرحلة الثانية : ما ورد من ذلك على ألسنة مَن يلي
اولئك بقليل . |