فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

3 ـ السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات :

جرت عادة البشر على أن يرجع الادنى إلى الاعلى في مختلف الحقول والميادين، بما في ذلك حقل العلم والمعرفة .. وكان ( السؤال ) يمثل الوسيلة الاساسية التي تفي بهذا الغرض ، وتعبِّر عنه ، فيُستعان عادة بالسؤال لغرض التعرف على خصوصيات الامور ، واستجلاء حقائقها ، وسبر أغوارها المختلفة .
وفي حقيقة الامر انَّ السؤالُ ولد في نفس الانسان منذ اللحظات الاولى التي وُجد فيها على وجه هذه الارض ، ورافقه في لحظات مسيرته الاولى في هذا الوجود ، فهو، لكي يلبّي غريزة حُبِّ الاستطلاع المغروسة في نفسه ـ يسأل عن كل ما يحيط به من ظواهر ووقائع وأحداث ... ومن هذه النقطة بدأ الانسان سيره العلمي الطويل ، وعلى هذا الاساس انبثق في داخله كيان المعرفة الجبّار .
فـ ( السؤال ) إذن مظهر من مظاهر التطلّع نحو الكمال ، والتزود من العلم ، وسبر الحقائق واكتشافها .
وانطلاقاً من هذهِ الاهمية التي يتخذها السؤال في حياة الانسان ، أكدت الشريعة الاسلامية على ضرورة ممارسة الانسان المسلم لهذه الظاهرة باستمرار ، واستجلاء المعارف الدينية عن هذا الطريق ، قال تعالى :( فَاسْئَلُوا أهلَ الذِكرِ إنْ كُنتُم لا تَعلَمونَ)(1) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال :« العلم مخزون عند أهله ، وقد اُمرتم بطلبه منهم »(2) .
وروي عن أبي موسى أنه قال :« كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلّى الفجر ، انحرفنا إليه ، فمنّا مَن يسأله عن القرآن ، ومنّا مَن يسأله عن الفرائض ، ومنّا مَن يسأله عن الرؤيا »(3) .
وورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يقول :« لا تسألوني عن شيء إلى يوم القيامة ، إلاّ حدثتكم »(4) .
وورد في ( الكافي ) وعن أبي عبدالله(عليه السلام) أنَّه قال :« إنّما يهلك الناس ، لانَّهم لا يسألون »(5) .
وفيه أيضاً عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا قال :« سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن مجدور أصابته جنابة ، فغسلوه ، فمات ، قال(عليه السلام) : قتلوه! ألا سألوا ، فانَّ داء العيِّ السؤال »(6) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) :« القلوب أقفال ، ومفاتيحها السؤال »(7) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :« العلم خزائن ، ومفاتيحه السؤأل ، فاسألوا رحمكم الله ، فانَّه يؤجر أربعة : السائل ، والمتكلم ، والمستمع ، والمحب لهم »(8)) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« السؤال نصف العلم »(9)) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) :« سلوني قبل أن تفقدوني ، فلانا بطرق السماء ، أعلم منّي بطرق الارض »(10) .
وقد كان النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يحث المسلمين على ضرورة تتبع أمر الدين ، وتحرّي أحكامه وتعاليمه ، عن طريق السؤال ، ويشجعهم على ممارسة هذا السلوك النافع ، من خلال اصغائه العميق لهم ، واهتمامه البالغ بما يبثوه إليه من مسائل واستفسارات ، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتوانى ، ولا يصيبه الضجر ، من الاستماع إلى أية مسئلة شرعية ، صغيرة كانت أم كبيرة ، وانما كان من خُلقه العظيم ، وهديه الرفيع ، أن يعير حواسه باهتمام إلى مَن يقصده بالسؤال والحديث ، ويستمع لهذا ، ويجيب ذاك ، من دون أي ملَل أو امتعاض ، يقول الله تعالى مبيناً هذه الصفة القيادية الفذّة في شخصية الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :
(وَمنهُم الذينَ يُؤذُونَ النَبيَّ ويَقُولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُل هو اُذنُ خير لَكُم يُؤمنُ باللهِ ويُؤمُن للمؤمنينَ ورحمةٌ للَّذينَ آمنُوا منكُم والَّذينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُم عَذابٌ أليمٌ )(11) .

وقد تحدَّث القرآن الكريم عن موارد متعددة ، كان يسأل الاصحابُ عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيرجىء النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) الاجابة عنها إلى حين نزول الوحي ، وينتظر بشأنها أمر السماء ، ومن تلك النماذج قوله تعالى : (يَسألونَكَ عَنِ الشَهرِ الحَرام قتال فيه)(12) .
وقوله : ( يَسألونَكَ عَن الخَمرِ والمَيسرِ )(13) .
وقوله : ( ويسألونَكَ عَنِ اليَتامى )(14) .
قوله : ( وَيسألونَكَ عَنِ المَحِيضِ )(15) .
وقوله : ( يَسألونَكَ عَنِ الانفالِ)(16) .
وقوله : ( ويسألونَكَ ماذا يُنفقون )(17) .
وقوله : ( يَسألونَكَ عنِ الاهّلة)(18) .
وقوله : ( يَسألونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُم )(19) .
وقوله : ( يسألونَكَ عنِ الساعةِ أيّانَ مرساها )(20) .
وقوله : ( ويسألونَكَ عَنِ الرُّوحِ )(21) .
وقوله :( ويَسألونَكَ عن ذِي القَرنَينِ )(22) .
وقوله : ( وَيسألونَكَ عَنِ الِجبالِ)(23) .

وكان من أمر النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يبادر أصحابه السؤال ، ويحرِّك في أنفسهم كوامن التطلع والمعرفة ، ويستنطقهم عن اُمور الشريعة المقدسة ، ليقرأ ما تمكّنوا من استيعابه وهضمه ، فيصحح ما أخطأوا في فهمه ، ويُقرُّ لهم ما أصابوه ، ويوقفهم على ما جهلوه ، فحياة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) ملئية بهذا النمط من المبادرات ، وطافحة بالكثير منها ، ولو أردنا أن نستوفي الحديث عن ذلك لما وسعتنا المؤلفات الكبيرة، ولكنّا نقتصر على ذكر نماذج توضيحية ، تدلل على عمق الاهتمام الذي كان يوليه النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) بهذا الجانب ، لضمان سلامة الرسالة ، والاطمئنان على تطبيق تعاليمها من قبل المسلمين بدقة كاملة ، والتأكّد من فهم المسلمين الواعي لمفردات الثقافة الاسلامية ، وعدم التعامل معها من موقع السذاجة ، والجهل الذي يسبب الوقوع في البدع والمحدثات ، والابتعاد عن تعاليم الشريعة السمحاء .
فمن الموارد التي كان يبادر النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها أصحابه بالسؤال ، ليفتح لهم آفاقاً جديدة من تعاليم السماء ما روي عن معاذ بن جبل أنَّه قال :« كنت ردف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال : يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد ؟ ، قال: قلت : الله ورسوله أعلم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئاً ، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : فهل تدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلكَ ؟ قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يعذبهم »(24) .
وورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لابي موسى :« هل أدلكَ على كنز من كنوز الجنة ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا حول ولا قوة إلاّ بالله »25) .
وسئل(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه يوماً :« أيكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله ؟ قالوا : يا رسول الله ! ما من أحد إلاّ ماله أحبُّ إليه من مال وارثه ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : اعلموا أنه ليس منكم أحد إلاّ مال وارثه أحب إليه من ماله ، مالَكَ من مالِكَ إلاّ ما قدّمت ، ومال وارثكَ ما أخرت »(26) .
وبينما يدخل(صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد ذات يوم وإذا به يرى رجلاً قد طاف حوله الناس والتفّوا به ، فبادر النفر الذين كانوا معه بالقول :« مَن هذا ؟ فقالوا : أنـّه علاّمة يا رسول الله ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : وما العلاّمة ؟ قالوا : هو أعلم الناس بأنساب العرب ، ووقائعها ، وأيام الجاهلية ، والاشعار العربية ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ذاك علم لا يضر مَن جهله ، ولا ينفع مَن علمه ! إنما العلم ثلاثة : آية محكمة ، وفريضة عادلة ، وسُنّة قائمة ، وما خلاهنَّ فهو فضل »(27) .
ومن أجل أن يعطي الاصحاب فهماً أعمق لمفردات الحياة ، يسأل النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه قائلاً :
« ما الصرعة فيكم ؟ فيجيب الاصحاب : الشديد القوي الذي لا يوضع جنبه ، فيقول(صلى الله عليه وآله وسلم) : بل الصرعة حقّ الصرعة ، رجل وكز الشيطان في قلبه ، واشتد غضبه ، وظهر دمه ، ثم ذكر الله ، فصرعَ بحلمه غضبه »(28) .
وفي موضع آخر نراه(صلى الله عليه وآله وسلم) يبادر أصحابه :« ما تعدّون فيكم الرقوب ؟ قالوا : الذي لا ولد له ، فيقول(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ، ولكنَّ الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً »(29) .
ويقول لاصحابه تارةً اخرى :« ما تعّدونَ الشهيد فيكم ؟ قالوا : الذي يقاتل ، فُيقتل في سبيل الله تعالى ، فيقول(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنَّ شهداء اُمتي إذاً لقليل ! القتيل في سبيل الله تبارك وتعالى شهيد ، والمبطون شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيد ـ يعني النفساء ـ »(30) .
وجاءَ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لاصحابه :« ما تقولونَ في الزنا ؟ قالوا : حرَّمه الله ، فهو حرام إلى يوم القيامة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لاصحابه : لان يزني الرجل بعشر نسوة ، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره .
ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما تقولون في السرقة ؟ قالوا : حرَّمها الله ورسوله ، فهي حرام ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : لئن يسرق الرجل من عشرة أبيات ، أيسر عليه من أن يسرق من جاره »(31) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لاصحابه ذات مّرة :« هل تدرون أول مَن يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أول مَن يدخل الجنة من خلق الله ، الفقراء المهاجرون ، الذين تُسد بهم الثغور ، ويُتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم ، وحاجته في صدره ، لا يستطيع لها قضاء »(32) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« هل تدرون ما الغيابة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما ليس فيه»(33).
وعن أنس بن مالك قال :« أغفى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) اغفاءَة فرفع رأسه مبتسماً ـ امّا قال لهم ، وإمّا قالوا له ـ لم ضحكت ؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : انه اُنزلت عليَّ آنفاً سورة ، فقرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرحيم إِنّا أعطَيناكَ الكَوثرَ ..)(34) حتى ختمها، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : هل تدرون ما الكوثر ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : هو نهر أعطانيه ربي عزّوجلّ في الجنة ، عليه خير كثير ، يرد عليه اُمتي يوم القيامة ، آنيته عدد الكواكب ، يختلح العبد منهم ، فاقول : يا ربِّ أنه من اُمتي ، فيقال لي : انكَ لا تدري ما أحدثوا بعدَك »(35) .
ويروى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لاصحابه :« أتدرون ما المفلس ؟ فقيل :المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاعَ له ، فقال : المفلس من اُمتي ، مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم وقذف هذا ، وأكل مال ، هذا وسفَكَ دمَ هذا ، وضربَ هذا ، فيُعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، اُخذ من خطاياهم فُطرحت عليه ، ثم طُرح في النار ، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنَّ المفلس حقيقةً هو هذا »36) .
ويقول أبو ذر انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بادرني يوماً بالقول :« يا أبا ذر ! أترى كثرة المال هو الغنى ؟ قلت : نعم يا رسول الله ! قال(صلى الله عليه وآله وسلم) فترى قلة المال هو الفقر ؟ قلت : نعم يا رسول الله ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : انما الغنى غنى القلب والفقر القلب » .
ويروى عن علي(عليه السلام) في هذا الصدد ، أنه أبصر رجلاً ينقر بصلاته ، فبادره : القول : « منذ كم صليت بهذه الصلاة ؟ قال : منذ كذا وكذا ، فقال(عليه السلام) : مثلك عند الله كمثل الغراب ، لومُتَّ مُتَّ على غير ملّة أبي القاسم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم قال(عليه السلام) أنَّ أسرق الناس مَن سرق صلاته»(37) .
وروي عن سليمان بن جعفر النهدي أنه قال : قال لي جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) :« يا سليمان مَن الفتى ؟ قال : قلت له جُعلتُ فداك ، الفتى عندنا الشاب ، قال لي ، أما علمت انَّ أصحاب الكهف كانوا كلّهم كهولا ، فسماهم الله فتية بايمانهم ، يا سليمان ! مَن آمن بالله واتقى فهو الفتى »(38) .
بل ونرى انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يتحرى بالسؤال ، ويبادر الاصحاب في كل موضع يعتقد فيه انَّ من الممكن أن تقترب ممارسات هؤلاء الاصحاب من دائرة التشريع، فيحصل أن يرتكب البعض العمل من منطلق خاطئ ، أو نظرة ناقصة ، أو فهم مرتبك لحقائق التشريع ، فيروى مثلاً :« انَّ الاصحاب كانوا يسيرون مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسير ، فنام رجل منهم ، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها ، فلما استيقظ الرجل فزع ، فضحكَ القوم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما يضحككم ؟ فقالوا : لا ، إنّا أخذنا نبل هذا ففزع ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً »(39) .
وروي أيضاً أنه خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيه حذيفة ، فحاد عنه ، فاغتسل ثم جاء ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مالكَ ؟ قال : يا رسول الله كنت جنباً ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنَّ المسلم لا ينجس »(40) .
ولعلَّ من غير الخفي علينا أنَّ ( السؤال ) الذي ورد الحث عليه في لسان النصوص الشرعية المتقدمة ، إنما يتعلق بالامور التي ينبغي للانسان أن يطلع عليها ، ويتعلمها ، ويجري على مقتضياتها ، في تعديل سلوكه ، وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية ، والتحرّي عن تفاصيل الاحكام الشرعية ، وتحصيل أكبر رصيد منها ، عن طريق التعلم والاكتساب ، ولذا يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) :« سل عمّا لابدَّ لكَ من علمه ، ولا تُعذر في جهله »(41) .
هذا النوع من السؤال يكتسب الاهمية العلمية أولاً ، من خلال ما يفتح للانسان من آفاق المعرفة ، وما يدركه الانسان بواسطته من آثار ايجابية متعددة ، وثمار علمية كثيرة ، ويكتسب الخلفية الشرعية ثانياً ، من خلال النصوص الشرعية المتعددة التي ساهمت في اقراره ، بل والدعوة إليه ، في المجالات التي تتعلق بتنظيم حياة الانسان، وسلوكه الخاص والعام.
ولكننا نواجه في نفس الوقت نوعاً آخر من ( السؤال ) ، وهو ( السؤال ) الذي لا يمتلك هذين المقومين معاً ، فهو لا يحظى بالاهمية العلمية ، لانه يعرقل سير الحياة، وحركتها العلمية ، ومقتضياتها الواقعية ، كما أنـَّه لا يكتسب الخلفية الشرعية ، لانه وقع مورداً لذم الشريعة ، ونقدها الحاد .
ويمكن لنا أن نحصر ( السؤال ) المذموم في نظر الشريعة الاسلامية عند ثلاث زوايا:الزاوية الاولى : أن يسأل الانسان عن الشيء تعنتاً واختباراً ، ولكي يوقع المسؤول في موقع الحرج والارتباك ، أو لكي يظهر للاخرين أنـَّه من أصحاب المراعاة والاهتمام ، فقد نهت الشريعة عن هذا النوع من الاسئلة ، ودعت إلى ( السؤال ) الذي ينطلق من موقع الاستفادة ، والتفقه في أمر الدين .
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل ، كي يُغلِّطوا بها العلماء »(42) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال لسائل سأله عن معضلة :« سَل تفقهاً ، ولا تسأل تعنتاً ، فانَّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم ، وانَّ العالم المتعسِّف شبيه بالجاهل المتعنت »(43) .
وعنه(عليه السلام) :« والناس منقوصون مدخولون ، إلاّ مَن عَصَم الله : سائلهم متعنت ، ومجيبهم متكلِّف »44) .
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال :« شهدت علي بن أبي طالب يخطب ، فقال في خطبته : سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدثتكم به ، سلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلاّ أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل نزلت أم في جبل .
فقام إليه ابن الكّواء فقال : يا أمير المؤمنين ، ما الذاريات ذرواً ؟ فقال له : ويلك سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً ، والذاريات ذرواً : الرياح ، فالحاملات وقراً : السحاب ، فالجاريات يسرا : السفن ، فالمقسمات أمراً : الملائكة »(45) .
الزاوية الثانية : أن يسأل الانسان عن تفاصيل الامور الشرعية التي تمَّ السكوت عنها ، ولم تُبيَّن للناس في أحكام الشريعة الواردة والواصلة إليه من قريب أو بعيد ، وقد يكون السؤال هنا ناتجاً عن اللامبالاة ، أو محاولة التنصل والخلاص من التكليف ، أو الرغبة في التحدي والتعجيز .. أو غير ذلك من الدواعي الاخرى ، إلاّ انّا نجد في الغالب انَّ هذا السائل حينما ينكشف له واقع الامر ، ويقف على حقيقة هذه الاحكام ويُشرَّع بشأنه منها ما لم يكن قد كُلِّف به سابقاً .. نجده يتهرب من أداء هذا التكليف والقيام بواجب الله فيه .
ولذا نرى أنَّ الشريعة الاسلامية ، ومن باب الرحمة بالانسان ، والارفاق به ، تنهاه عن تكلّف الامور ، والالحاح في طلبها واستقصائها ، والاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية ، والوسائل المتاحة ، لانَّ الشارع المقدس لو كان يريد الزيادة على ذلك، لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس ، ولم يكتفِ بذكرها اجمالاً ، ولو كانت هناك ضرورة تقتضي في ملاكات الشريعة ان يرتكب الانسان سلوكاً خاصاً في حياته ، على نحو الالزام ، أو مما هو دون ذلك ، مما فيه رغبة مولوية خاصة ، لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه .. فما سكتت عنه الشريعة إذن فهو عفو ، وخارج عن مساحة وجوب الانقياد والامتثال .
ورد عن رسول الله أنه قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إنَّ اللهَ فرض فرائض فلا تضيِّعوها ، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها ، وحَّرم أشياء فلا تقربوها ، وتركَ أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها »(46) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« ذروني ما تركتكم فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه »(47) .
وعن سلمان الفارسي قال :« سئل رسول الله عن أشياء ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : الحلال ما أحلَّ الله في كتابه ، والحرام ما حَّرمه الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما قد عفى عنه ، فلا تتكلَّفوا»(48) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« لولا انَّ بني اسرائيل قالوا : ( وانّا إنْ شاءَ اللهُ لَمهتَدُونَ )49) ما اُعطوا أبداً ، ولو انَّهم اعترضوا بقرةً من البقر فذبحوها ، لاجزأت عنهم ، ولكنَّهم شددوا فشدَّدَ الله عليهم»(50) .
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى : ( وإذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ إنَّ اللهَ يأمُرُكُم أنْ تَذبَحُوا بَقَرةً قالُوا أتَتخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ باللهِ أنْ أكونَ مِنَ الجاهِلينَ * قالوا ادعُ لنا رَبَّك يُبَيِّن لَنا ما هِيَ ..)(51) أنه قال :« انهم اُمروا بأدنى بقرة ، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسهم ، شدَّد اللهُ عليهم ، وايم الله، لو لم يستثنوا ما بُيِّنت لهم إلى آخر الابد »(52) .
وفي قوله تعالى : ( يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَسألوا عَن أشياء إن تُبدَ لكُم تَسؤكُم)(53) خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال :« إنَّ الله كتب عليكم الحج ، فقام عكاشة بن محصن ، ويروى سراقة بن مالك ، فقال : أفي كلِّ عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى عاد مرتين أو ثلاثة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ويحكَ وما يؤمنكَ أن أقول : نعم ، والله لو قلتُ نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه »(54) .
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« إنَّ اعظم المسلمينَ في المسلمينَ جرماً ، مَن سأل عن شيء لم يُحرَّم على الناس ، فُحرِّم من أجل مسألته »(55) .
الزاوية الثالثة : أن يسأل الانسان عن الامور التي تفتح أمامه مجال الشك والترديد في اعتقاداته الفطرية السليمة ، وتزعزع ثقته واذعانه بالمسلِّمات الشرعية الثابتة .
وأنَّه لمن الواضح لدينا أنه على الرغم من القدرة العقلية الخلاّقة ، والمواهب الذهنية الجبّارة ، التي أودعها الله تعالى في صميم الانسان ، إلاّ انَّ هذا المخلوق يبقى عاجزاً عن فهم الكثير من الظواهر الكونية المحيطة به ، وقاصراً عن ادراكها . ولا يتسنّى لاي بشر مهما كانت قابلياته الذهنية ، وقدراته العقلية ، من أن يحيط بعلم واحد من العلوم المتاحة ، من جميع جوانبه وجهاته ، وفي مختلف مراحله وأدواره ، فضلاً عن أن يحيط بكل العلوم البشرية ، ويلم بها جميعاً ، إلاّ اللهمَّ مَن وهبه الله العصمة ، وخصَّه بالالهام ، من أنبيائه وأوصيائه(عليهم السلام) ، فأودعهم علم ما كان وما يكون ، ضمن خصوصيات تفصيلية ، لا يمكن التطرق اليها في هذا البحث .
وإذا كان شأن الانسان في المعارف الحسيّة كذلك ، فانَّ مما لا شك فيه ، أنه سوف لن يكون نصيبه من معارف الغيب بأحسن من ذلك ، فهناك الكثير من المعارف الغيبية التي يقف عقل الانسان عاجزاً عن فهمها ، والاحاطة بها ، وادراكها ، على ما هي عليه في واقع الامر ، على الرغم من أنه يكوِّن فكرةً عامة لها ، ويأخذ مفهوماً اجمالياً عنها .
والشريعة الاسلامية قد كلَّفت الانسان في مثل هذه الموارد بأن يؤمن بهذه المعارف والتعاليم ، بشكلها الذي يتوصل إليه الادراك الطبيعي ، ومن خلال الفهم الواعي لخطوطها الاجمالية العامة ، ومن دون حاجة إلى أن يكّلف نفسه الاستغراق في أبعادها التفصيلية ، التي قدَّرت الشريعة أنها تكون عادةً خارج حدود امكاناته الخاصة ، وقدراته الذهنية الطبيعية .
ولا أروع من كلمات صادق أهل البيت(عليه السلام) إذ يبِّين هذهِ الحقيقة بالقول :« يا ابنَ آدم لو أكل قلبَك طائرٌ لم يُشبعه ، وبصركَ لو وُضع عليه خرقُ ابرة لغطّاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السموات والارض ! إنْ كنتَ صادقاً ، فهذهِ الشمس خلق من خلق الله ، فان قدرتَ أن تملا عينيكَ منها ، فهو كما تقول »(56) .
ومن هذا الباب جاءَ النهي عن السؤال عن الذات الالهية المقدسة ، والتفكير في هذا الجانب الغيبي العميق ، إذ لا يمكن لمن يعيش الامكان من أساسه ، أن يدرك خصائص الواجب بالذات ، الذي تقف عنده سلسلة العلل والاسباب .
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« لن يبرح الناس يتساءلون : هذا الله خالق كل شيء ، فمن خلقَ الله ؟ »(57) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« لا تقوم الساعة حتى يُكفر بالله جهراً ، وذلكَ عند كلامهم في ربِّهم»(58) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا »(59) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إنَّ الشيطان يأتي أحدكم فيقول : مَن خلق السماء ؟ فيقول : الله ، فيقول مَن خلق الارض ؟ فيقول : الله ، فيقول : مَن خلقَ الله ؟ فإذا وجدَ ذلكَ أحدكم ، فليقل : آمنتُ بالله ورسوله »(60) .
وعن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال :« إيّاكم والتفكر في الله ، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة الله ، فانظروا إلى عظيم خلقه »(61) .
وعن أبي عبد الله الصـادق(عليه السلام) فـي قول الله عزَّوجلَّ : ( وأنَّ إلى ربِّكَ المُنتَهى)(62) أنَّه قال(عليه السلام) :
« إذا انتهى الكلام إلى الله عزَّوجلَّ ، فأمسكوا »(63) .
وعن ابي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« إياكم والتفكر في الله ، فانَّ التفكر في الله لا يزيد إلاّ تيهاً ، إنَّ الله لا تدركه الابصار ، ولا يوصف بمقدار »(64) .
وعنه(عليه السلام) :« تكلموا في خلق الله ، ولا تتكلموا في الله ، فانَّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيراً »(65) .
ومن هذا الباب أيضاً ورد النهي عن الخصومة في أمر الدين ، والجدال بآيات الله ، والاخذ والرد في المعارف الغيبية العميقة التي ورد النهي عن الخوض فيها ، وخصوصاً من قبل مَن لا يمتلك الحصيلة العقلية الكافية ، والادلة والبراهين الاستدلالية المقنعة على ما يتفوه به من مناظرات وكلام ، قال تعالى :( ومِنَ الناس مَن يُجادل في اللهِ بغَيرِ علم وَيتَّبع كُلَّ شَيطان مُريد )(66) .
وقال تعالى : ( وَمنَ الناسِ مَن يُجادل في اللهِ بَغيرِ عِلم ولا هُدىً ولا كِتاب مُنير * ثانيَ عطفِهِ ليُضلّ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُ في الدُّنيا خِزي وَنُذيقُه يَومَ القيامةِ عَذابَ الحَرِيقِ )(67) .
وقال تعالى : ( إنَّ الذينَ يُجادِلونَ في آياتِ اللهِ بغيرِ سلطان أتاهُم إنْ في صدورِهِم إلاّ كِبرٌ ماهُم ببالغيهِ )(68) .
وجاء عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« مَن طلب الدين بالجدل تزندق »(69) .
وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال لابي عبيدة :« يا أبا عبيدة إياكَ وأصحاب الخصومات والكذابين علينا ، فانهم تركوا ما اُمروا بعلمه ، وتكلَّفوا ما لم يؤمروا بعلمه ، حتى تكلفوا علم السماء ، يا أبا عبيدة خالقوا الناس بأخلاقهم ، وزايلوهم باعمالهم ، انّما لا نعد الرجل فقيهاً عاقلاً حتى يعرف لحن القول ، ثم قرأ قوله تعالى : ( وَلَتعرِفَنَّهم في لحنِ القول )(70) . »(71) .
وعن زرارة قال : سألت ابا جعفر(عليه السلام) : ما حجه الله على العباد ؟ قال(عليه السلام) :« أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا عند ما لا يعلمون »(72) .
وعنه(عليه السلام) أنه قال لزياد :« يا زياد إياكَ والخصومات ، فانها تورث الشك ، وتحبط العمل ، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم الرجل بالشي فلا يُغفر له ، انَّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به ، وطلبوا علم ما كُفُوهُ ، حتى انتهى كلامُهُم إلى الله عزَّوجلَّ فتحيَّروا »(73) .
وعنه(عليه السلام) :« الخصومة تمحق الدين ، وتحبط العمل ، وتورث الشك »(74) .
وعن ابي الحسن(عليه السلام) أنه قال لعلي بن يقطين :« مُر أصحابكَ أن يكفّوا من ألسنتهم ، ويدعوا الخصومة في الدين ، ويجتهدوا في عبادة الله عزَّوجلَّ »(75) .
كما انَّ من هذا الباب أيضاً ما ورد من نواهيَ مستفيضة على لسان الشرع من الخوض في القضاء والقدر .. وغير ذلك من المعاني الدقيقة ، والمطالب الاعتقادية الخطيرة، التي لا يمكن أن ينجو منها إلاّ مَن تحصَّن بالعلم والبصيرة واليقين .
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« مَن تكلَّم في شيء من القدر سُئل عنه يوم القيامة ، ومَن لم يتكلم فيه لم يُسأل عنه »76) .
فالتعمق في مثل هذه الامور إذن يكون غالباً عكسي التأثير على قناعات الانسان، وايمانه بالله عزَّوجلَّ ، وبالتالي على سلوكه ، وطريقة تعامله مع ظواهر الوجود المختلفة التي تحيط به .
فلابدَّ أن تتوفر للانسان القناعة الراسخة بأنَّ الوسائل الحسيّة التي زُوّدَ بها ، لا يمكن أن تنال إلاّ ما هو داخل في دائرة ادراكها ومتناولها ، وأما الامور الغيبية الدقيقة ، فهي اُمور يتعامل معها القلب والوجدان ، وتسلِّم لها النفس في قناعاتها الفطرية السليمة ، ويذعن لها الفؤاد والعقل من خلال السير العقلي المعزَّز بالادلة والبراهين ، ويشتد هذا التسليم ويتعاظم كلما صفت نفس الانسان ، وطهرت روحه من الاعلاق الدنيوية الزائلة، وانقشعت عن قلبه حجب الخطايا ، وظلمات المعاصي ، وتسامى عقله عن التأثر والتلوث بالاهواء ، والانانيات ، والمصالح الذاتية الحاكمة .
ولعلنا لا نضيف للقارئ الكريم جديداً حين نقول بأنَّ هذا الذي تقدم ، من التوجيهات الشرعية الحثيثة ، حول ضرورة الكف عن الخوض في ما لا يحسن الخوض فيه ، من المعاني الدقيقة ، والمفاهيم الحساسة .. لا يعني الدعوة إلى شلِّ الطاقة العقلية التي يختص بها الانسان عن باقي مخلوقات الوجود ، واقصاء الفكر والوعي والادراك عن ساحة الاعتقاد ، والسير عشوائياً في طريق الايمان بالله تعالى ، من دون تأمل وتفكير وتدقيق .. فانَّ الاسلوب القرآني ، يعدُّ أكبر حجة على المنحى العقلي في الاقناع والاثبات والاستدلال ، كما انَّ النصوص الشرعية المتظافرة في أبواب الاعتقادات المختلفة ، والتي وردت عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، تصب في هذا الاتجاه أيضاً بما لا يقبل الشك والترديد ، ودعوةُ الاسلام إلى التفكّر في آيات الله ، والتطلع إلى أرقى مستويات المعارف البشرية ، والحث الاكيد على طلب العلم ، وإعمال العقل في مختلف المجالات ، لهي أكبر من أن ينالها نقاش ، أو يعتريها لبس وترديد .
وانّما الذي نفهمه من هذه النصوص ، هو أنْ لا يؤدي ( السؤال ) أو ( التفكير ) أو (الجدال ) إلى ما يخل بأساسيات الدين ، وان لا يتجاوز العقل البشري حدوده في التعامل مع الاشياء ، وأن يترك الغيب مستأثراً بالمعارف والاحكام التي لم يستطع تفسير الحكمة منها ، والخلفيات التي تقف وراءها ، ما دام قد أذعن لاصل وجود الحكمة ، والمصلحة الالهية ، في كل تفاصيل التشريع .
كما انَّ الدعوة المذكورة تحذِّر من أن يعالج الانسان مسائل الدين ، من منطلق الجهل أو العفوية أو التنظير الشخصي المحض ، الذي لا يستند إلى اُسس شرعية قاطعة ومسلّمة .
بالاضافة إلى أنها تدعو الانسان المسلم ، وقبل أن يسترسل ويتعمق في هذه المطالب الشائكة والمعقدة ، إلى أن يتحصن بقاعدة فكرية رصينة ، ومبادئ اعتقادية واضحة ومستحكمة ، تحميه من أن يتزلزل أمام عواصف الشبهات المثارة ، وتمنحه الثبات في مهب التيارات الجدلية المتضاربة .
وعلى أية حال فانَّ ما تقدم الحديث عنه من طريقة شاذة في السؤال ، والتفكير ، والالحاح في طلب معرفة الاشياء المحظورة شرعياً ، أو التي لا يؤمَن من أن يقع الانسان بسبب ولوجها في مهاوي الشك والترديد ، ... انما هو ناتج عن نزوع النفس الانسانية إلى الاطلاع على غوامض الامور ، وخبايا الاشياء ، وإثارة الجدل حول المعاني الخفية والعميقة ، وعن محاولة العقل التدخل في كل أمر يعرض عليه ، وإبداء وجهة النظر الاستقلالية في فهم ذلك ، ونقله إلى الاخرين ، فهي غريزة انسانية راسخة في ذات البشر ، ومستحكمة في أعماقه ، لا تنفك عنه ، ولا تنفصل عن ذاته ، إلاّ إذا كان بصيراً بدينه ، عارفاً بقدرة نفسه ، متواضعاً للعلم والمعرفة ، وماتلك الدعوات والادعاءات التي ظهرت في فترات مختلفة من عمر البشرية ، كادّعاء القيادة ، والنبوة ، والالوهية ، والاحاطة بكل شيء .. وما إلى ذلك من اُمور ، إلاّ صدىً لتلك الرغبة الكامنة ، وافرازاً عن ذلك النزوع الانساني ، الذي يسعى دائماً لان يجعل العقل بديلاً عن تعاليم السماء ، ولكنَّه يبتلي أبداً بالانتكاس والخسران .
وكان من جراء هذا التفكير الملتوي ، والسلوك المنحرف ، أن ظهرت بدع كثيرة في حياة المسلمين ، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالاعتقادات ، وترتبط بمعارف اُصول الدين، فنشأت فرق ، ومذاهب ، ومشارب متعددة ، تتقاطع مع تعاليم الشرع الاسلامي المبين ، وتدعو إلى ألوان شتى من الانحراف الفكري ، والاعتقاد المغلوط .
وكانت مفاتيح هذهِ الطائفة من البدع والمحدثات ، بيد تلك المجاميع التي دخلت في عالم الاعتقادات بكل ماله من أبعاد وتفاصيل ، وطرقت المفاهيم الاسلامية الحساسة، من موقع الجهل ، وقلة الخبرة ، واللامبالاة .
وسوف نقوم باستعراض بعض المواقف والاحداث ، التي شكلت النواة الاساسية الاولى لهذا النمط من الابتداع ، والمظاهر التي انساقت مع هذا التيار في ، بدايات عمر التشريع :1 ـ « روي أنَّ رجلاً أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول الله ! لتعلمني من غرائب العلم! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما صنعتَ في رأس العلم ؟ قال : وما رأس العلم ؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : هل عرفتَ الرب ؟ قال : نعم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : فما صنعتَ في حقِّه ؟ قال : ما شاءَ الله ! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : اذهب فاحكم ما هنالك ، ثم تعالَ اُعلّمكَ من غرائب العلم »(77) .
وفي كتاب ( التوحيد ) للشيخ ( الصدوق ) : « قال الرجل : وما رأس العلم يا رسول الله ؟ قال : معرفة الله حقّ معرفته ، قال الاعرابي : وما معرفة الله حق معرفته ؟ قال : تعرفه بلا مثل ، ولا شبه ، ولاندٍّ ، وانَّه واحد ، أحد ، ظاهر ، باطن ، أول ، آخر ، لا كفو له ، ولا نظير ، فذلك حق معرفته »78) .
فنرى انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد وجَّه هذا الرجل نحو العمل الصالح ، ومعرفة الاصول الشرعية المطلوبة أولاً ، ومن ثمَّ إذا ما أحكم ذلك ، وترسخ أمر الدين في نفسه، من خلال عنصري العلم والعمل ، فانَّ بامكانه أن يطّلع إلى ما يطمح إليه من غرائب العلم ، وزوائد الاعتقاد .
وهذا يدل على انَّ الانسان ، ما لم يتسلح بسلاح الايمان والمعرفة والبصيرة أولاً، ويتزود بقدر كاف من التقوى والعمل الصالح . ثانياً ، فان دخلوه في مثل هذهِ الغرائب والاستفاضات ، سيؤدي به إلى الانحراف الفكري والعقائدي من دون ريب.
2 ـ جاءَ في كتاب ( التوحيد ) للشيخ ( الصدوق ) باسناده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبدالله(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) أنـَّة قال :« مرَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل ، وهو رافع بصره إلى السماء يدعو ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : غُضَّ بصرَكَ فانكَ لن تراه .
وقال : ومَّر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل ، رافع يديه إلى السماء ، وهو يدعو ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : اقصر من يديكَ فانكَ لن تناله »(79) .
فهذا التوجيه النبوي يهدف إلى صرف ذهنية المسلمين من الادراك الساذج لمعارف التوحيد ، ومن الشعور البدائي المختمر بالحس ، إلى حيث الادراكات القلبية ، والمعاني التجريدية العقلية ، فبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين أنَّ الله تعالى لا تناله الحواس، ولا تدركه الابصار ، وأنَّ ما ارتكز في أذهانهم جهلاً ، من أنه تعالى كائن في السماء ، هو أمر خاطئ لا أساس له ، فالله تعالى حاضر وموجود في كلِّ آن ومكان ، ولا نحتاج في مخاطبتنا إيّاه أن نرفع بأيدينا إلى السماء ، أو نشخص بابصارنا نحوها ، بهذهِ الطريقة المبنية على السذاجة والجهل ، لانّا لا نراه ، ولا نناله .
3 ـ عن أبي هريرة قال :« خرج علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونحن نتنازع في القدر ، فغضب حتى أحمَّر وجهه ، حتى كأنما فقيء في وجنتيه الرمان ، فقال : أفبهذا اُمرتم ؟ أم بهذا اُرسلت اليكم ؟ إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الامر ، عزمتُ عليكم ، عزمتُ عليكم ، ألاّ تنازعوا فيه »(80) .
4 ـ ورد في ( مجمع الزوائد ) عن ثوبان أنه قال :« اجتمع أربعون من الصحابة ينظرون في القدر والجبر ، فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فنزل الروح الامين جبرائيل صلىّ الله عليه وسلّم ، فقال : يا محمَّد اخرج على امتكَ فقد احدثوا ، فخرج عليهم في ساعة لم يكن يخرج عليهم في مثلها ، فانكروا ذلك ، وخرج عليهم متلمعاً لونه ، متوردة وجنتاه ، كأنما تفقأ بحب الرمان الحامض ، فنهضوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حاسرين أدرعتهم ، ترعد أكفهم وأذرعهم ، فقالوا : تُبنا إلى الله ورسوله ، فقال : اولى لكم ان كنتم لتوجبون ، أتاني الروح الامين فقال : اُخرج على اُمتكَ يا محمد فقد أحدثت »(81) .
5 ـ روي أنه : جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال :« يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال(عليه السلام) : بحر عميق فلا تلجه ! فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال(عليه السلام) : طريق مظلم فلا تسلكه ! قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر : قال(عليه السلام) : سر الله فلا تتكلفه !...»82) .
6 ـ روي أنه : « مرَّ أمير المؤمنين(عليه السلام) على قوم من أخلاط المسلمين ، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري ، وهم قعود في بعض المساجد ، في أول يوم من شعبان ، وإذا هم يخوضون في أمر القدر ، وغيره مما اختلف الناس فيه ، قد ارتفعت أصواتهم ، واشتد فيه جدالهم ، فوقف عليهم ، وسلّم ، فردّوا عليه ، ووسعوا له ، وقاموا إليه يسألونه القعود اليهم ، فلم يحفل بهم ، ثم قال لهم ـ وناداهم ـ :يا معشر المتكلمين ألم تعلموا انَّ لله عباداً قد أسكتتهم خشيتُه من غير عيٍّ ولا بكم؟ وانَّهم هم الفصحاء البلغاء الالباء ، العالمون بالله وأيامه ، ولكنّهم إذا ذكروا عظمة الله ، انكسرت السنتهم ، وانقطعت أفئدتهم ، وطاشت عقولهم ، وتاهت حلومهم ، إعزازاً لله وإعظاماً واجلالاً ، فإذا أفاقوا من ذلكَ ، استبقوا إلى الله بالاعمال الزاكية ، يعدّون أنفسهم من الظالمين والخاطئين ، وانَّهم براء من المقصرين والمفرطين ، إلاّ أنهم لا يرضونَ الله بالقليل ، ولا يستكثرون الله الكثير ، ولا يدلّون عليه بالاعمال ، فهم إذا رأيتهم مهيَّمون ، مروَّعون ، خائفون ، مشفقون ، وجلون ، فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين ، ألم تعلموا انَّ أعلم الناس بالضرر أسكتهم عنه ، وانَّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟»(83).
7 ـ عن جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) أنه قال :« إنَّ رجلاً قال لامير المؤمنين(عليه السلام) : هل تصف ربَّنا نزداد له حباً وبه معرفةً ؟! فضغب وخطب الناس فقال فيما قال : عليكَ يا عبد الله بما دلَّكَ عليه القرآن من صفته ، وتقدسكَ فيه الرسول من معرفته ، فائتم به ، واستضيء بنور هدايته ، فانَّما هي نعمة وحكمة اُوتيتها ، فخذ ما اُوتيت ، وكن من الشاكرين ، وما كلَّفك الشيطان علمه ، مما ليس عليكَ في الكتاب فرضه ، ولا في سنة الرسول وائمة الهداة أثره ، فكِل علمه إلى الله ، ولا تقدّر عليه عظمة الله .
واعلم يا عبد الله انَّ الراسخين في العلم ، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دونَ الغيوب ، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا : آمنّا بهِ كلٌّ من عند رِّبنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً »(84) .
8 ـ روي عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال : يا أمير المؤمنين ! هل رأيتَ ربكَ حين عبدته ؟ فقال(عليه السلام) : ويلكَ ! ما كنت اعبد رباً لم أره ، قال : وكيف رأيته ، قال(عليه السلام) : ويلكَ ! لا تدكره العيون في مشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان »(85) .
9 ـ روي انَّ رجلاً قال للحسين بن علي(عليه السلام) : اجلس حتى نتناظر في الدين ، فقال(عليه السلام) :
« يا هذا أنا بصير بديني ، مكشوف عليَّ هداي ، فان كنتَ جاهلاً بدينكَ ، فاذهب واطلبه ، مالي وللمماراة ؟ وانَّ الشيطان ليوسوس للرجل ، ويناجيه ويقول : ناظر الناس في الدين كيلا يظنوا بكَ العجز والجهل ..»(86) .
10 ـ جاءَ في ( التوحيد ) عن جعفر بن محمد(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) قال :« قيل لعلي(عليه السلام) : إنَّ رجلاً يتكلَّم في المشيئة ، فقال(عليه السلام) : ادعُه لي ، قال : فدُعي له ، فقال(عليه السلام) : يا عبد الله خلقَكَ الله لما شاءَ ، أو لما شئتَ ؟! قال : لما شاء ، قال(عليه السلام) : فيمرضُكَ إذا شاء ، أو إذا شئت ؟! قال : إذا شاء ، قال(عليه السلام) : فيشفيكَ إذا شاء ، أو إذا شئت ؟! قال : إذا شاء ، قال(عليه السلام) : فيدخلكَ حيث شاءَ ، أو حيث شئت ؟! قال : حيثُ شاء ، قال : فقال علي(عليه السلام): لو قلتَ غير هذا لضربتُ الذي فيه عيناك »(87) .
والذي يبدو أنَّ هذا الرجل كان يقول بتفويض الامور إلى العباد ، وانَّ الله تعالى ليست له علاقة بمخلوقاته بعد خلقهم وانشائهم ، فحذَّره أمير المؤمنين(عليه السلام) من الانسياق مَعَ هذا التفكير الخطير ، وبَّين له انَّ إرادة الله تعالى ومشيئته تبقى مرافقةً للانسان ، ولا يمكن أن تنفك عنه مطلقاً ، وسيأتي في آخر هذهِ الدراسة تسليط الضوء من خلال حديث أهل البيت(عليهم السلام) على هذهِ النقطة بشكل أوضح وأوسع ، إن شاء الله تعالى .

4 ـ اتّباع الاهواء :

ومن الاسباب الاخرى التي أدَّت إلى نشوء البدع في حياة المسلمين ، ظاهرة اتباع الاهواء ، والانحراف عن جادة الصواب ، وصراط الله المستقيم .
فالنفس الانسانية تتجاذبها تيارات وشهوات متعددة ، وهي تنساق مع مغريات الحياة وملاذِّها بروية ، وتستعصي على الحق ، وتأبى قبوله ، والسير على هداه ، لما فيه من منع للنفس عن آهوائها ، ومشتهياتها الفانية .
فقد يدين الانسان بالاسلام ، ويُعدّ فيمن يُعدُّ من المسلمين ، إلاّ أنه ما يلبث أن ينتحل الاعذار ، ويسِّوف في امتثال الاوامر الالهية ، نتيجة لاستسلامه لضغوط قوة الهوى عليه ، وقد يندفع الانسان إلى ما هو أبشع من ذلك ، تلبيةً للنزعات الانانية الكامنة في نفسه ، فيحرف التعاليم السماوية ، وفق أهوائه وميوله الخاصة ، من أجل أن يبرر لنفسه المعتَقد والعمل ، أو من أجل أن يُضلّ الاخرين بغير علم ، فيردى ويُردي الاخرين معه في الاهواء والمبتدعات .
هذا العامل لم يكن ليتحرر منه الانسان الذي عاش في العصر الاول للتشريع ، كما أنه لا يمكن أن يتحرر منه انسان اليوم وانسان غد ، ما زال يحمل أعدى أعدائه بين جوانحه ، وهي نفسه الامّارة بالسوء .
قال تعالى : ( ومَن أضلُّ مِمَّن اتَّبعَ هَواهُ بِغيرِ هُدىً مِنَ اللهِ )(88) .
وقال تعالى : ( ولا تتَّبعِ الهَوى فيُضلَّكَ عَن سَبيلِ اللهِ إنَّ الذينَ يَضلّونَ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُم عذابٌ شَديدٌ بما نَسوا يَومَ الحِسابِ )(89) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« ما تحت ظِلّ السماء من إله يُعبد من دون الله أعظم عند الله ، من هوىً متّبع »90) .
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) :« إنَّما أخاف عليكم اثنين : اتّباع الهوى ، وطول الامل ، أما اتّباع الهوى ، فانَّه يصدّ عن الحق ، وأما طول الامل ، فينسي الاخرة »(91) .
وقال أبو جعفر الباقر(عليه السلام) :« قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : يقول الله عزَّوجلَّ : وعزتي ، وجلالي ، وعظمتي ، وكبريائي، ونوري ، وعلوّي ، وارتفاع مكاني ، لا يؤثر عبد هواه على هواي ، إلاّ شتّتُ عليه أمره ، ولبّستُ عليه دنياه ، وشغلتُ قلبه بها ، ولم اُوته منها إلاّ ما قدَّرتُ له .
وعزتي ، وجلالي ، وعظمتي ، ونوري ، وعلوّي ، وارتفاع مكاني ، لا يؤثر عبدٌ هواي على هواه ، إلاّ استحفظته ملائكتي ، وكفّلت السموات والارضين رزقه ، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر ، وأتته الدنيا وهي راغمة »(92) .
وعن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« احذروا أهواءكم ، كما تحذرون أعداءكم ، فليس شيء أعدى للرجال من اتّباع أهوائهم ، وحصائد السنتهم »(93) .
وفي الحقيقة انَّ اتّباع الاهواء يعدّ من أبرز العوامل التي ساهمت في ظهور البدع والمحدثات ، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) :« أيها الناس إنَّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبَّع ، وأحكام تُبتدع ، يُخالف فيها كتاب الله ، يتولى فيها رجال رجالاً ، فلو انَّ الباطل خلص ، لم يخفَ على ذي حجى ، ولو انَّ الحق خلص ، لم يكن اختلاف ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ، ومن هذا ضغث ، فيُمزجان فيجيئان معاً ، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ، ونجا الذينَ سبقت لهم من الله الحسنى »(94).
ويمكن لنا أن نلتمس بعض المصاديق التي تولّدت عن هذا العامل في بدايات التشريع ، على أنـّا نذكّر قبل ذلك انَّ أغلب الفتن التي مرَّت بها الامة الاسلامية ، وأكثر الانقسامات التي حصلت فيها ، إنَّما هي ناشئة في واقعها من جراء اتّباع الاهواء ، والابتعاد عن كتاب الله وعترة أهل البيت(عليهم السلام) الذين أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) امته بأن تتمسك بهما ، وتلوذ في حماهما ، لانهما لن يفترقا حتى يردا عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) الحوض .
1 ـ جاءَ في الاعتصام ما نصه :« شرب نفر من أهل الشام الخمر ، وعليهم يزيد بن أبي سفيان ، فقالوا : هي لنا حلال ، وتأولوا هذهِ الاية : ( لَيسَ عَلى الّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالحاتِ جُناحٌ فيما طَعمُوا إذا ما اتّقوا وآمنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتقّوا وآمنُوا ثُمَّ اتقّوا وأحسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنينَ )(95) ، قال : فكتب فيهم إلى عمر ، فكتب عمر إليه : أن ابعث بهم اليَّ قبل أن يفسدوا مَن قِبَلَكَ ، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! نرى انَّهم قد كذبوا على الله ، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به ، فاضرب أعناقهم ! وعلي(رضي الله عنه)ساكت ، قال : فما تقوليا أبا الحسن ؟ قال : أرى أن تستتيبهم ، فان تابوا جلدتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر ، وإن لم يتوبوا ضربتَ أعناقهم ، فانهم قد كذبوا على الله ، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به »(96) .
2 ـ مرَّ الامام علي(عليه السلام) بقتلى الخوارج فقال :« بؤساً لكم ! لقد ضرَّكم مَن غرَّكم ، فقيل : ومَن غرَّهم ؟ فقال : الشيطان المضل ، والنفس الامارة بالسوء ، غرَّهم بالاماني ، وفَسَحت لهم في المعاصي ، ووعدتهم الاظهار ، فاقتحمت بهم النار »(97) .

(1) النحل : 43 .
(2) ابن جمهور ، غوالي اللئالي ، ج : 4 ، الجملة الثانية ، ح : 8 ، ص : 61 .
(3) نور الدين الهيثمي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، ج : 1 ، ص : 159 .
(4) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 3 ، ح : 11633 ، ص : 107 .
(5) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : سؤال العالم ، ح : 2 ، ص : 40 .
(6) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : سؤال العالم ، ح : 1 ، ص : 40 .
(7) غرر الحكم : الحكمة / 1426 .
(8) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 10 ، ح : 28662 ، ص : 133 .
(9) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 10 ، ح : 29260 ، ص : 238 .
(10) نهج البلاغة : الخطبة / 189 .
(11) التوبة : 61 .
(12) البقرة : 217 .
(13) البقرة : 219 .
(14) البقرة : 220 .
(15) البقرة : 222 .
(16) الانفال : 1 .
(17) البقرة : 219 .
(18) البقرة : 189 .
(19) المائدة : 4 .
(20) الاعراف : 187 .
(21) الاسراء : 85 .
(22) الكهف : 83 .
(23) طه : 105 .
(24) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 5 ، ح : 21486 ، ص : 228 .
(25) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 4 ، ح : 19107 ، ص : 402 .
(26) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 1 ، ح : 3619 ، ص : 382 .
(27) زين الدين العاملي ، منية المريد في اداب المفيد والمستفيد ، ص : 31 .
(28) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج 77 ، ح 86 ، ص : 150 .
(29) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 1 ، ح : 3619 ، ص : 382 .
(30) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 5 ، ح : 22177 ، ص : 315 .
(31) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 6 ، ح : 23343 ، ص : 8 .
(32) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 2 ، ح : 6534 ، ص : 168 .
(33) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 2 ، ح : 9586 ، ص : 458 .
(34) الكوثر : 1 .
(35) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 3 ، ح : 11585 ، ص : 102 .
(36) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 69 ، باب : 94 ، ح : 3 ، ص : 6 .
(37) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار ، ج : 81، كتاب الصلاة باب : 16 ، ح : 27 ، ص : 242،عن المحاسن للبرقي، ص:82.
(38) العياشي ، تفسير العياشي ، ج : 2 ، ص : 323 .
(39) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 6 ، ح : 22555 ، ص : 362 .
(40) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 5 ، ح : 22907 ، ص : 402 .
(41) غرر الحكم : الحكمة / 5595 .
(42) ابن الاثير ، جامع الاصول في أحاديث الرسول ، ج : 7 ، ح : 3067 ، ص : 58 .
(43) نهج البلاغة : الحكمة / 320 .
(44) نهج البلاغة : الحكمة / 343 .
(45) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 2 ، ح : 4740 ، ص : 565 .
(46) ابن الاثير ، جامع الاصول في أحاديث الرسول ، ج : 5 ، ح : 3070 ، ص : 59 .
(47) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 1 ، ح : 916 ، ص : 181 .
(48) ابن الاثير ، جامع الاصول في أحاديث الرسول ، ج : 5 ، الكتاب الرابع ، ح : 3069 ، ص : 58 ـ 59 .
(49) البقرة : 70 .
(50) جلال الدين السيوطي ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ج : 1 ، ص : 77 .
(51) البقرة : 67 ـ 68 .
(52) الفضل بن الحسن الطبرسي ، تفسير مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 172 .
(53) المائدة : 101 .
(54) عبد علي الحويزي ، تفسير نور الثقلين ، ج : 1 ، ح : 406 ، ص : 682 .
(55) ابن الاثير ، جامع الاصول في إحاديث الرسول ، ج : 5 ، الكتاب الرابع ، ح : 3062 ، ص : 54 .
(56) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : النهي عن الكلام في الكيفية ، ح : 8 ، ص : 93 .
(57) ابن الاثير ، جامع الاصول في احاديث الرسول ، ج : 5 ، الكتاب الرابع ، ح : 3065 ، ص : 57 .
(58) نور الدين الهيثمي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، ج : 1 ، ص : 81 .
(59) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 3 ، ح : 5705 ، ص : 106 .
(60) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 3 ، ح : 1247 ، ص : 247 .
(61) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، تحقيق : هاشم الطهراني ، باب : 67 ، ح : 20 ، ص : 458 .
(62) النجم : 42 .
(63) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 67 ، ح : 9 ، ص : 456 .
(64) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 3 ، كتاب التوحيد ، باب : 9 ، ح : 4 ، ص : 259 .
(65) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : النهي عن الكلام في الكيفية ، ح : 1 ، ص : 92 .
(66) الحج : 3 .
(67) الحج : 8 ـ 9 .
(68) المؤمن : 56 .
(69) محسن الكاشاني ، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء ، ج : 1 ، كتاب العلم ، ص : 107 .
(70) محمّد (ص) : 30 .
(71) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 67 ، ح : 24 ، ص : 458 .
(72) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 67 ، ح : 27 ، ص : 459 .
(73) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 67 ، ح : 11 ، ص : 456 .
(74) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 67 ، ح : 29 ، ص : 460 .
(75) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 67 ، ح : 11 ، ص : 456 .
(76) ابن ماجة ، سنن ابن ماجة ، ج : 1 ، ح : 84 ، ص : 33 .
(77) أبو اسحاق الشاطبي ، الاعتصام ، ج : 2 ، ص : 13 .
(78) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 42 ، ح : 5 ، ص : 284 ـ 285 .
(79) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 8 ما جاء في الرؤية ، ح : 1 ، ص : 107 .
(80) الترمذي ، سنن الترمذي ، ج : 4 ، كتاب : القدر ، باب : 1 ، ح : 2133 ، ص : 386 .
(81) نور الدين الهيثمي ، مجمع الزوائد ، ج : 7 ، باب : النهي عن الكلام في القدر ، ص : 201 .
(82) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 5 ، كتاب : العدل والمعاد ، باب : 3 ، ح : 35 ، ص : 110 .
(83) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 3 ، كتاب : التوحيد ، باب : 9 ، ح : 30 ، ص : 265 .
(84) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 3 ، باب : 9 ، ح : 1 ، ص : 257 .
(85) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : في ابطال الرؤية ، ح : 6 ، ص : 98 .
(86) محسن الكاشاني ، المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء ، ج : 1 ، كتاب العلم ، ص : 107 .
(87) أبو جعفر الصدوق ، التوحيد ، باب : 55 ، ح : 2 ، ص : 237 .
(88) القصص : 50 .
(89) ص : 26 .
(90) نور الدين الهيثمي ، مجمع الزوائد ، ج : 1 ، باب : في البدع والاهواء ، ص : 188 .
(91) محمد يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 2 ، باب : اتّباع الهوى ، ح : 3 ، ص : 325 .
(92) محمد يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 2 ، باب : اتّباع الهوى ، ح : 2 ، ص : 335 .
(93) محمد يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 2 ، باب : اتّباع الهوى ، ح : 1 ، ص : 335 .
(94) نهج البلاغة : الكلام / 50 .
(95) المائدة : 93 .
(96) أبو اسحاق الشاطبي ، الاعتصام ، ج : 2 ، ص : 46 .
(97) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج : 19 ، ص : 235 .