3 ـ السؤال عن المعضلات والخوض في المحظورات :
جرت عادة البشر على أن يرجع الادنى إلى الاعلى في
مختلف الحقول والميادين، بما في ذلك حقل العلم والمعرفة .. وكان ( السؤال )
يمثل الوسيلة الاساسية التي تفي بهذا الغرض ، وتعبِّر عنه ، فيُستعان عادة بالسؤال
لغرض التعرف على خصوصيات الامور ، واستجلاء حقائقها ، وسبر أغوارها المختلفة .
وفي حقيقة الامر انَّ السؤالُ ولد في نفس الانسان
منذ اللحظات الاولى التي وُجد فيها على وجه هذه الارض ، ورافقه في لحظات مسيرته
الاولى في هذا الوجود ، فهو، لكي يلبّي غريزة حُبِّ الاستطلاع المغروسة في
نفسه ـ يسأل عن كل ما يحيط به من ظواهر ووقائع وأحداث ... ومن هذه النقطة بدأ
الانسان سيره العلمي الطويل ، وعلى هذا الاساس انبثق في داخله كيان المعرفة
الجبّار .
فـ ( السؤال ) إذن مظهر من مظاهر التطلّع نحو الكمال
، والتزود من العلم ، وسبر الحقائق واكتشافها .
وانطلاقاً من هذهِ الاهمية التي يتخذها السؤال في
حياة الانسان ، أكدت الشريعة الاسلامية على ضرورة ممارسة الانسان المسلم لهذه
الظاهرة باستمرار ، واستجلاء المعارف الدينية عن هذا الطريق ، قال تعالى :(
فَاسْئَلُوا أهلَ الذِكرِ إنْ كُنتُم لا تَعلَمونَ)(1) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال :« العلم مخزون عند أهله ، وقد اُمرتم بطلبه منهم »(2) .
وروي عن أبي موسى أنه قال :« كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا صلّى الفجر ، انحرفنا
إليه ، فمنّا مَن يسأله عن القرآن ، ومنّا مَن يسأله عن الفرائض ، ومنّا مَن يسأله
عن الرؤيا »(3)
.
وورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يقول :« لا تسألوني عن شيء إلى يوم القيامة ، إلاّ حدثتكم »(4) .
وورد في ( الكافي ) وعن أبي عبدالله(عليه السلام)
أنَّه قال :« إنّما يهلك الناس ، لانَّهم لا يسألون »(5) .
وفيه أيضاً عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا قال :« سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن مجدور أصابته جنابة ، فغسلوه ،
فمات ، قال(عليه السلام) : قتلوه!
ألا سألوا ، فانَّ داء العيِّ السؤال »(6) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) :« القلوب أقفال ، ومفاتيحها السؤال »(7) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :« العلم خزائن ، ومفاتيحه السؤأل ، فاسألوا رحمكم الله ، فانَّه
يؤجر أربعة : السائل ، والمتكلم ، والمستمع ، والمحب لهم »(8)) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« السؤال نصف العلم »(9)) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) :« سلوني قبل أن تفقدوني ، فلانا بطرق السماء ، أعلم منّي بطرق
الارض »(10) .
وقد كان النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يحث
المسلمين على ضرورة تتبع أمر الدين ، وتحرّي أحكامه وتعاليمه ، عن طريق السؤال ،
ويشجعهم على ممارسة هذا السلوك النافع ، من خلال اصغائه العميق لهم ، واهتمامه
البالغ بما يبثوه إليه من مسائل واستفسارات ، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) لا
يتوانى ، ولا يصيبه الضجر ، من الاستماع إلى أية مسئلة شرعية ، صغيرة كانت أم
كبيرة ، وانما كان من خُلقه العظيم ، وهديه الرفيع ، أن يعير حواسه باهتمام إلى
مَن يقصده بالسؤال والحديث ، ويستمع لهذا ، ويجيب ذاك ، من دون أي ملَل أو امتعاض
، يقول الله تعالى مبيناً هذه الصفة القيادية الفذّة في شخصية الرسول الاكرم(صلى
الله عليه وآله وسلم) :(وَمنهُم
الذينَ يُؤذُونَ النَبيَّ ويَقُولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُل هو اُذنُ خير لَكُم يُؤمنُ
باللهِ ويُؤمُن للمؤمنينَ ورحمةٌ للَّذينَ آمنُوا منكُم والَّذينَ يُؤذُونَ
رَسُولَ اللهِ لَهُم عَذابٌ أليمٌ )(11) .
وقد تحدَّث القرآن الكريم عن موارد متعددة ، كان
يسأل الاصحابُ عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيرجىء النبي الاكرم(صلى
الله عليه وآله وسلم) الاجابة عنها إلى حين نزول الوحي ، وينتظر بشأنها أمر السماء
، ومن تلك النماذج قوله تعالى :
(يَسألونَكَ عَنِ الشَهرِ الحَرام قتال فيه)(12) .
وقوله : ( يَسألونَكَ عَن الخَمرِ والمَيسرِ )(13) .
وقوله : ( ويسألونَكَ عَنِ اليَتامى )(14) .
قوله : ( وَيسألونَكَ عَنِ المَحِيضِ )(15) .
وقوله : ( يَسألونَكَ عَنِ الانفالِ)(16) .
وقوله : ( ويسألونَكَ ماذا يُنفقون )(17) .
وقوله : ( يَسألونَكَ عنِ الاهّلة)(18) .
وقوله : ( يَسألونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُم )(19) .
وقوله : ( يسألونَكَ عنِ الساعةِ أيّانَ مرساها )(20) .
وقوله : ( ويسألونَكَ عَنِ الرُّوحِ )(21) .
وقوله :( ويَسألونَكَ عن ذِي القَرنَينِ )(22) .
وقوله : ( وَيسألونَكَ عَنِ الِجبالِ)(23) .
وكان من أمر النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)
أنه يبادر أصحابه السؤال ، ويحرِّك في أنفسهم كوامن التطلع والمعرفة ، ويستنطقهم
عن اُمور الشريعة المقدسة ، ليقرأ ما تمكّنوا من استيعابه وهضمه ، فيصحح ما أخطأوا
في فهمه ، ويُقرُّ لهم ما أصابوه ، ويوقفهم على ما جهلوه ، فحياة الرسول الاكرم(صلى
الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام) ملئية بهذا النمط من المبادرات ،
وطافحة بالكثير منها ، ولو أردنا أن نستوفي الحديث عن ذلك لما وسعتنا المؤلفات
الكبيرة، ولكنّا نقتصر على ذكر نماذج توضيحية ، تدلل على عمق الاهتمام الذي
كان يوليه النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) بهذا
الجانب ، لضمان سلامة الرسالة ، والاطمئنان على تطبيق تعاليمها من قبل المسلمين
بدقة كاملة ، والتأكّد من فهم المسلمين الواعي لمفردات الثقافة الاسلامية ، وعدم
التعامل معها من موقع السذاجة ، والجهل الذي يسبب الوقوع في البدع والمحدثات ،
والابتعاد عن تعاليم الشريعة السمحاء .
فمن الموارد التي كان يبادر النبي الاكرم(صلى الله
عليه وآله وسلم) فيها أصحابه بالسؤال ، ليفتح لهم آفاقاً جديدة من تعاليم السماء
ما روي عن معاذ بن جبل أنَّه قال :« كنت ردف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال :
يا معاذ ! أتدري ما
حق الله على العباد ؟ ، قال: قلت : الله ورسوله أعلم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : أن تعبدوه ، ولا
تشركوا به شيئاً ، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : فهل تدري ما حق العباد على
الله إذا هم فعلوا ذلكَ ؟ قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يعذبهم »(24) .
وورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لابي
موسى :« هل أدلكَ على كنز من كنوز الجنة ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال(صلى الله عليه وآله
وسلم)
: لا حول ولا قوة إلاّ بالله »25) .
وسئل(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه يوماً :« أيكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله ؟ قالوا : يا رسول الله ! ما من أحد إلاّ ماله أحبُّ
إليه من مال وارثه ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)
: اعلموا أنه ليس منكم أحد إلاّ مال وارثه أحب
إليه من ماله ، مالَكَ من مالِكَ إلاّ ما قدّمت ، ومال وارثكَ ما أخرت »(26) .
وبينما يدخل(صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد ذات
يوم وإذا به يرى رجلاً قد طاف حوله الناس والتفّوا به ، فبادر النفر الذين كانوا
معه بالقول :« مَن هذا ؟ فقالوا : أنـّه علاّمة يا رسول الله ! فقال(صلى الله
عليه وآله وسلم) : وما
العلاّمة ؟ قالوا : هو
أعلم الناس بأنساب العرب ، ووقائعها ، وأيام الجاهلية ، والاشعار العربية !
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ذاك
علم لا يضر مَن جهله ، ولا ينفع مَن علمه ! إنما العلم ثلاثة : آية محكمة ، وفريضة
عادلة ، وسُنّة قائمة ، وما خلاهنَّ فهو فضل »(27) .
ومن أجل أن يعطي الاصحاب فهماً أعمق لمفردات الحياة
، يسأل النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه قائلاً
:
« ما الصرعة فيكم ؟ فيجيب الاصحاب : الشديد القوي الذي لا يوضع جنبه ، فيقول(صلى الله عليه
وآله وسلم) : بل
الصرعة حقّ الصرعة ، رجل وكز الشيطان في قلبه ، واشتد غضبه ،
وظهر
دمه ، ثم ذكر الله ، فصرعَ بحلمه غضبه »(28) .
وفي موضع آخر نراه(صلى الله عليه وآله وسلم) يبادر
أصحابه :« ما تعدّون فيكم الرقوب ؟ قالوا : الذي لا ولد له ، فيقول(صلى الله عليه وآله
وسلم) :
لا ، ولكنَّ الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً »(29) .
ويقول لاصحابه تارةً اخرى :« ما تعّدونَ الشهيد فيكم ؟ قالوا : الذي يقاتل ، فُيقتل في سبيل الله تعالى ، فيقول(صلى
الله عليه وآله وسلم) : إنَّ
شهداء اُمتي إذاً لقليل ! القتيل في سبيل الله تبارك وتعالى شهيد ، والمبطون شهيد
، والمرأة تموت بجمع شهيد ـ يعني النفساء ـ »(30) .
وجاءَ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لاصحابه
:« ما تقولونَ في الزنا ؟ قالوا : حرَّمه الله ، فهو حرام إلى يوم القيامة ،
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لاصحابه :
لان يزني الرجل بعشر نسوة ، أيسر عليه من أن
يزني بامرأة جاره .
ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما تقولون في
السرقة ؟ قالوا :
حرَّمها الله ورسوله ، فهي حرام ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
لئن يسرق الرجل من
عشرة أبيات ، أيسر عليه من أن يسرق من جاره »(31) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لاصحابه ذات مّرة :« هل تدرون أول مَن يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال :
أول مَن يدخل الجنة
من خلق الله ، الفقراء المهاجرون ، الذين تُسد بهم الثغور ، ويُتقى بهم المكاره ،
ويموت أحدهم ، وحاجته في صدره ، لا يستطيع لها قضاء »(32) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« هل تدرون ما الغيابة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال :
ذكرك أخاك بما ليس
فيه»(33).
وعن أنس بن مالك قال :« أغفى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) اغفاءَة فرفع رأسه مبتسماً
ـ امّا قال لهم ، وإمّا قالوا له ـ لم ضحكت ؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم)
: انه اُنزلت عليَّ آنفاً سورة ، فقرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : (بسمِ
اللهِ الرَحمنِ الرحيم إِنّا أعطَيناكَ الكَوثرَ ..)(34) حتى ختمها، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم)
: هل تدرون ما
الكوثر ؟ قالوا :
الله ورسوله أعلم ! قال : هو
نهر أعطانيه ربي عزّوجلّ في الجنة ، عليه خير كثير ، يرد عليه اُمتي يوم القيامة ،
آنيته عدد الكواكب ، يختلح العبد منهم ، فاقول
: يا ربِّ أنه من اُمتي ، فيقال لي : انكَ لا تدري ما أحدثوا بعدَك »(35) .
ويروى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لاصحابه
:« أتدرون ما المفلس ؟ فقيل :المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاعَ له ،
فقال : المفلس
من اُمتي ، مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم وقذف هذا ، وأكل
مال ، هذا وسفَكَ دمَ هذا ، وضربَ هذا ، فيُعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ،
فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، اُخذ من خطاياهم فُطرحت عليه ، ثم طُرح في
النار ، ثم قال(صلى
الله عليه وآله وسلم) : إنَّ
المفلس حقيقةً هو هذا »36) .
ويقول أبو ذر انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) بادرني يوماً بالقول :« يا أبا ذر ! أترى كثرة المال هو الغنى ؟ قلت : نعم يا رسول الله ! قال(صلى الله عليه وآله
وسلم)
فترى قلة المال هو الفقر ؟ قلت : نعم يا رسول الله ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : انما الغنى غنى
القلب والفقر القلب » .
ويروى عن علي(عليه السلام) في هذا الصدد ، أنه أبصر
رجلاً ينقر بصلاته ، فبادره : القول : « منذ كم صليت بهذه الصلاة ؟ قال : منذ كذا وكذا ، فقال(عليه السلام) :
مثلك عند الله كمثل
الغراب ، لومُتَّ مُتَّ على غير ملّة أبي القاسم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم
قال(عليه السلام) أنَّ أسرق الناس مَن سرق صلاته»(37) .
وروي عن سليمان بن جعفر النهدي أنه قال : قال لي
جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) :« يا سليمان مَن الفتى ؟ قال : قلت له جُعلتُ فداك ، الفتى عندنا الشاب ، قال
لي ،
أما علمت انَّ أصحاب الكهف كانوا كلّهم كهولا ، فسماهم الله فتية بايمانهم ، يا
سليمان ! مَن آمن بالله واتقى فهو الفتى »(38) .
بل ونرى انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)
يتحرى بالسؤال ، ويبادر الاصحاب في كل موضع يعتقد فيه انَّ من الممكن أن تقترب
ممارسات هؤلاء الاصحاب من دائرة التشريع، فيحصل أن يرتكب البعض العمل من
منطلق خاطئ ، أو نظرة ناقصة ، أو فهم مرتبك لحقائق التشريع ، فيروى مثلاً :« انَّ الاصحاب كانوا يسيرون مع رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) في مسير ، فنام رجل منهم ، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها ، فلما استيقظ
الرجل فزع ، فضحكَ القوم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
ما يضحككم ؟ فقالوا : لا ، إنّا أخذنا نبل هذا ففزع ، فقال رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
: لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً »(39) .
وروي أيضاً أنه خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
فلقيه حذيفة ، فحاد عنه ، فاغتسل ثم جاء ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) :« مالكَ
؟ قال : يا رسول
الله كنت جنباً ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنَّ المسلم لا ينجس »(40) .
ولعلَّ من غير الخفي علينا أنَّ ( السؤال ) الذي ورد
الحث عليه في لسان النصوص الشرعية المتقدمة ، إنما يتعلق بالامور التي ينبغي للانسان
أن يطلع عليها ، ويتعلمها ، ويجري على مقتضياتها ، في تعديل سلوكه ، وتنظيم حياته
الفردية والاجتماعية ، والتحرّي عن تفاصيل الاحكام الشرعية ، وتحصيل أكبر رصيد
منها ، عن طريق التعلم والاكتساب ، ولذا يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) :« سل عمّا لابدَّ لكَ من علمه ، ولا تُعذر في جهله »(41) .
هذا النوع من السؤال يكتسب الاهمية العلمية أولاً ،
من خلال ما يفتح للانسان من آفاق المعرفة ، وما يدركه الانسان بواسطته من آثار
ايجابية متعددة ، وثمار علمية كثيرة ، ويكتسب الخلفية الشرعية ثانياً ، من خلال
النصوص الشرعية المتعددة التي ساهمت في اقراره ، بل والدعوة إليه ، في المجالات
التي تتعلق بتنظيم حياة الانسان، وسلوكه الخاص والعام.
ولكننا نواجه في نفس الوقت نوعاً آخر من ( السؤال )
، وهو ( السؤال ) الذي لا يمتلك هذين المقومين معاً ، فهو لا يحظى بالاهمية
العلمية ، لانه يعرقل سير الحياة، وحركتها العلمية ، ومقتضياتها الواقعية ،
كما أنـَّه لا يكتسب الخلفية الشرعية ، لانه وقع مورداً لذم الشريعة ، ونقدها
الحاد .
ويمكن لنا أن نحصر ( السؤال ) المذموم في نظر الشريعة
الاسلامية عند ثلاث زوايا:الزاوية الاولى : أن يسأل الانسان عن الشيء تعنتاً واختباراً ، ولكي
يوقع المسؤول في موقع الحرج والارتباك ، أو لكي يظهر للاخرين أنـَّه من أصحاب
المراعاة والاهتمام ، فقد نهت الشريعة عن هذا النوع من الاسئلة ، ودعت إلى (
السؤال ) الذي ينطلق من موقع الاستفادة ، والتفقه في أمر الدين .
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
قال :« شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل ، كي يُغلِّطوا بها
العلماء »(42) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال لسائل سأله
عن معضلة :« سَل تفقهاً ، ولا تسأل تعنتاً ، فانَّ الجاهل المتعلم شبيه
بالعالم ، وانَّ العالم المتعسِّف شبيه بالجاهل المتعنت »(43) .
وعنه(عليه السلام) :« والناس منقوصون مدخولون ، إلاّ مَن عَصَم الله : سائلهم متعنت ،
ومجيبهم متكلِّف »44) .
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال :« شهدت علي بن أبي طالب يخطب ، فقال في خطبته : سلوني ، فوالله لا
تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدثتكم به ، سلوني عن كتاب الله ،
فوالله ما من آية إلاّ أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل نزلت أم في جبل .
فقام إليه ابن الكّواء فقال : يا أمير المؤمنين ، ما
الذاريات ذرواً ؟ فقال له : ويلك
سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً ، والذاريات ذرواً : الرياح ، فالحاملات وقراً : السحاب
، فالجاريات يسرا : السفن ، فالمقسمات أمراً : الملائكة »(45) .
الزاوية الثانية : أن يسأل الانسان عن تفاصيل الامور الشرعية التي
تمَّ السكوت عنها ، ولم تُبيَّن للناس في أحكام الشريعة الواردة والواصلة إليه من
قريب أو بعيد ، وقد يكون السؤال هنا ناتجاً عن اللامبالاة ، أو محاولة التنصل
والخلاص من التكليف ، أو الرغبة في التحدي والتعجيز .. أو غير ذلك من الدواعي
الاخرى ، إلاّ انّا نجد في الغالب انَّ هذا السائل حينما ينكشف له واقع الامر ،
ويقف على حقيقة هذه الاحكام ويُشرَّع بشأنه منها ما لم يكن قد كُلِّف به سابقاً ..
نجده يتهرب من أداء هذا التكليف والقيام بواجب الله فيه .
ولذا نرى أنَّ الشريعة الاسلامية ، ومن باب الرحمة
بالانسان ، والارفاق به ، تنهاه عن تكلّف الامور ، والالحاح في طلبها واستقصائها ،
والاكتفاء بما يحصل عليه من الطرق الطبيعية الجارية ، والوسائل المتاحة ، لانَّ
الشارع المقدس لو كان يريد الزيادة على ذلك، لبيَّن تلك الزيادة إلى الناس ،
ولم يكتفِ بذكرها اجمالاً ، ولو كانت هناك ضرورة تقتضي في ملاكات الشريعة ان يرتكب
الانسان سلوكاً خاصاً في حياته ، على نحو الالزام ، أو مما هو دون ذلك ، مما فيه
رغبة مولوية خاصة ، لما كان يجدر بالشريعة أن تتهاون في توضيحه وبيانه .. فما سكتت
عنه الشريعة إذن فهو عفو ، وخارج عن مساحة وجوب الانقياد والامتثال .
ورد عن رسول الله أنه قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إنَّ اللهَ فرض فرائض فلا تضيِّعوها ، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها
، وحَّرم أشياء فلا تقربوها ، وتركَ أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها »(46) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« ذروني ما تركتكم فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم ،
واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن
شيء فدعوه »(47) .
وعن سلمان الفارسي قال :« سئل رسول الله عن أشياء ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم)
: الحلال ما أحلَّ
الله في كتابه ، والحرام ما حَّرمه الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما قد عفى
عنه ، فلا تتكلَّفوا»(48) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« لولا انَّ بني اسرائيل قالوا : ( وانّا إنْ شاءَ اللهُ
لَمهتَدُونَ )49) ما اُعطوا أبداً ،
ولو انَّهم اعترضوا بقرةً من البقر فذبحوها ، لاجزأت عنهم ، ولكنَّهم شددوا
فشدَّدَ الله عليهم»(50) .
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى :
(
وإذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ إنَّ اللهَ يأمُرُكُم أنْ تَذبَحُوا بَقَرةً قالُوا
أتَتخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ باللهِ أنْ أكونَ مِنَ الجاهِلينَ * قالوا ادعُ
لنا رَبَّك يُبَيِّن لَنا ما هِيَ ..)(51) أنه قال :« انهم اُمروا بأدنى بقرة ، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسهم ،
شدَّد اللهُ عليهم ، وايم الله،
لو لم يستثنوا ما بُيِّنت لهم إلى آخر الابد »(52) .
وفي قوله تعالى : ( يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَسألوا عَن أشياء
إن تُبدَ لكُم تَسؤكُم)(53)
خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال :« إنَّ الله كتب عليكم الحج ، فقام عكاشة بن محصن ، ويروى سراقة بن مالك ، فقال
: أفي كلِّ عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى عاد مرتين
أو ثلاثة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
ويحكَ وما يؤمنكَ أن
أقول : نعم ، والله لو قلتُ نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ،
فاتركوني ما تركتكم ، فانَّما هلكَ مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على
أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه
»(54) .
وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« إنَّ اعظم المسلمينَ في المسلمينَ جرماً ، مَن سأل عن شيء لم
يُحرَّم على الناس ، فُحرِّم من أجل مسألته »(55) .
الزاوية الثالثة : أن
يسأل الانسان عن الامور التي تفتح أمامه مجال الشك والترديد في اعتقاداته الفطرية
السليمة ، وتزعزع ثقته واذعانه بالمسلِّمات الشرعية الثابتة .
وأنَّه لمن الواضح لدينا أنه على الرغم من القدرة
العقلية الخلاّقة ، والمواهب الذهنية الجبّارة ، التي أودعها الله تعالى في صميم
الانسان ، إلاّ انَّ هذا المخلوق يبقى عاجزاً عن فهم الكثير من الظواهر الكونية
المحيطة به ، وقاصراً عن ادراكها . ولا يتسنّى لاي بشر مهما كانت قابلياته الذهنية
، وقدراته العقلية ، من أن يحيط بعلم واحد من العلوم المتاحة ، من جميع جوانبه
وجهاته ، وفي مختلف مراحله وأدواره ، فضلاً عن أن يحيط بكل العلوم البشرية ، ويلم
بها جميعاً ، إلاّ اللهمَّ مَن وهبه الله العصمة ، وخصَّه بالالهام ، من أنبيائه وأوصيائه(عليهم
السلام) ، فأودعهم علم ما كان وما يكون ، ضمن خصوصيات تفصيلية ، لا يمكن التطرق
اليها في هذا البحث .
وإذا كان شأن الانسان في المعارف الحسيّة كذلك ،
فانَّ مما لا شك فيه ، أنه سوف لن يكون نصيبه من معارف الغيب بأحسن من ذلك ، فهناك
الكثير من المعارف الغيبية التي يقف عقل الانسان عاجزاً عن فهمها ، والاحاطة بها ،
وادراكها ، على ما هي عليه في واقع الامر ، على الرغم من أنه يكوِّن فكرةً عامة
لها ، ويأخذ مفهوماً اجمالياً عنها .
والشريعة الاسلامية قد كلَّفت الانسان في مثل هذه
الموارد بأن يؤمن بهذه المعارف والتعاليم ، بشكلها الذي يتوصل إليه الادراك
الطبيعي ، ومن خلال الفهم الواعي لخطوطها الاجمالية العامة ، ومن دون حاجة إلى أن
يكّلف نفسه الاستغراق في أبعادها التفصيلية ، التي قدَّرت الشريعة أنها تكون عادةً
خارج حدود امكاناته الخاصة ، وقدراته الذهنية الطبيعية .
ولا أروع من كلمات صادق أهل البيت(عليه السلام) إذ
يبِّين هذهِ الحقيقة بالقول :« يا ابنَ آدم لو أكل قلبَك طائرٌ لم يُشبعه ، وبصركَ لو وُضع عليه
خرقُ ابرة لغطّاه، تريد أن تعرف بهما
ملكوت السموات والارض ! إنْ كنتَ صادقاً ، فهذهِ الشمس خلق من خلق الله ، فان
قدرتَ أن تملا عينيكَ منها ، فهو كما تقول »(56) .
ومن هذا الباب جاءَ النهي عن السؤال عن الذات
الالهية المقدسة ، والتفكير في هذا الجانب الغيبي العميق ، إذ لا يمكن لمن يعيش
الامكان من أساسه ، أن يدرك خصائص الواجب بالذات ، الذي تقف عنده سلسلة العلل
والاسباب .
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
قال :« لن يبرح الناس يتساءلون : هذا الله خالق كل شيء ، فمن خلقَ الله
؟ »(57) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« لا تقوم الساعة حتى يُكفر بالله جهراً ، وذلكَ عند كلامهم في
ربِّهم»(58) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا »(59) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إنَّ الشيطان يأتي أحدكم فيقول : مَن خلق السماء ؟ فيقول : الله
، فيقول مَن خلق الارض ؟ فيقول : الله ، فيقول : مَن خلقَ الله ؟ فإذا وجدَ ذلكَ
أحدكم ، فليقل : آمنتُ بالله ورسوله »(60) .
وعن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال :« إيّاكم والتفكر في الله ، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة
الله ، فانظروا إلى عظيم خلقه »(61) .
وعن أبي عبد الله الصـادق(عليه السلام) فـي قول الله
عزَّوجلَّ : (
وأنَّ إلى ربِّكَ المُنتَهى)(62)
أنَّه قال(عليه
السلام) :
« إذا انتهى الكلام إلى الله عزَّوجلَّ ، فأمسكوا »(63) .
وعن ابي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« إياكم والتفكر في الله ، فانَّ التفكر في الله لا يزيد إلاّ
تيهاً ، إنَّ الله لا تدركه الابصار ، ولا يوصف بمقدار »(64) .
وعنه(عليه السلام) :« تكلموا في خلق الله ، ولا تتكلموا في الله ، فانَّ الكلام في
الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيراً »(65) .
ومن هذا الباب أيضاً ورد النهي عن الخصومة في أمر
الدين ، والجدال بآيات الله ، والاخذ والرد في المعارف الغيبية العميقة التي ورد
النهي عن الخوض فيها ، وخصوصاً من قبل مَن لا يمتلك الحصيلة العقلية الكافية ،
والادلة والبراهين الاستدلالية المقنعة على ما يتفوه به من مناظرات وكلام ، قال
تعالى :(
ومِنَ الناس مَن يُجادل في اللهِ بغَيرِ علم وَيتَّبع كُلَّ شَيطان مُريد )(66) .
وقال تعالى : ( وَمنَ الناسِ مَن يُجادل في اللهِ بَغيرِ عِلم
ولا هُدىً ولا كِتاب مُنير * ثانيَ عطفِهِ ليُضلّ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُ في
الدُّنيا خِزي وَنُذيقُه يَومَ القيامةِ عَذابَ الحَرِيقِ )(67) .
وقال تعالى : ( إنَّ الذينَ يُجادِلونَ في آياتِ اللهِ بغيرِ
سلطان أتاهُم إنْ في صدورِهِم إلاّ كِبرٌ ماهُم ببالغيهِ )(68) .
وجاء عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« مَن طلب الدين بالجدل تزندق »(69) .
وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال لابي
عبيدة :« يا أبا عبيدة إياكَ وأصحاب الخصومات والكذابين علينا ، فانهم
تركوا ما اُمروا بعلمه ، وتكلَّفوا ما لم يؤمروا بعلمه ، حتى تكلفوا علم السماء ،
يا أبا عبيدة خالقوا الناس بأخلاقهم ، وزايلوهم باعمالهم ، انّما لا نعد الرجل
فقيهاً عاقلاً حتى يعرف لحن القول ، ثم قرأ قوله تعالى : ( وَلَتعرِفَنَّهم في
لحنِ القول )(70) . »(71) .
وعن زرارة قال : سألت ابا جعفر(عليه السلام) : ما
حجه الله على العباد ؟ قال(عليه السلام) :« أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا عند ما لا يعلمون »(72) .
وعنه(عليه السلام) أنه قال لزياد :« يا زياد إياكَ والخصومات ، فانها تورث الشك ، وتحبط العمل ،
وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم
الرجل بالشي فلا يُغفر له ، انَّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به ،
وطلبوا علم ما كُفُوهُ ، حتى انتهى كلامُهُم إلى الله عزَّوجلَّ فتحيَّروا »(73) .
وعنه(عليه السلام) :« الخصومة تمحق الدين ، وتحبط العمل ، وتورث الشك »(74) .
وعن ابي الحسن(عليه السلام) أنه قال لعلي بن يقطين :« مُر أصحابكَ أن يكفّوا من ألسنتهم ، ويدعوا الخصومة في الدين ،
ويجتهدوا في عبادة الله عزَّوجلَّ »(75) .
كما انَّ من هذا الباب أيضاً ما ورد من نواهيَ مستفيضة
على لسان الشرع من الخوض في القضاء والقدر .. وغير ذلك من المعاني الدقيقة ،
والمطالب الاعتقادية الخطيرة، التي لا يمكن أن ينجو منها إلاّ مَن تحصَّن
بالعلم والبصيرة واليقين .
فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
قال :« مَن تكلَّم في شيء من القدر سُئل عنه يوم القيامة ، ومَن لم
يتكلم فيه لم يُسأل عنه »76) .
فالتعمق في مثل هذه الامور إذن يكون غالباً عكسي
التأثير على قناعات الانسان، وايمانه بالله عزَّوجلَّ ، وبالتالي على سلوكه
، وطريقة تعامله مع ظواهر الوجود المختلفة التي تحيط به .
فلابدَّ أن تتوفر للانسان القناعة الراسخة بأنَّ
الوسائل الحسيّة التي زُوّدَ بها ، لا يمكن أن تنال إلاّ ما هو داخل في دائرة
ادراكها ومتناولها ، وأما الامور الغيبية الدقيقة ، فهي اُمور يتعامل معها القلب
والوجدان ، وتسلِّم لها النفس في قناعاتها الفطرية السليمة ، ويذعن لها الفؤاد
والعقل من خلال السير العقلي المعزَّز بالادلة والبراهين ، ويشتد هذا التسليم
ويتعاظم كلما صفت نفس الانسان ، وطهرت روحه من الاعلاق الدنيوية الزائلة،
وانقشعت عن قلبه حجب الخطايا ، وظلمات المعاصي ، وتسامى عقله عن التأثر والتلوث
بالاهواء ، والانانيات ، والمصالح الذاتية الحاكمة .
ولعلنا لا نضيف للقارئ الكريم جديداً حين نقول بأنَّ
هذا الذي تقدم ، من التوجيهات الشرعية الحثيثة ، حول ضرورة الكف عن الخوض في ما لا
يحسن الخوض فيه ، من المعاني الدقيقة ، والمفاهيم الحساسة .. لا يعني الدعوة إلى
شلِّ الطاقة العقلية التي يختص بها الانسان عن باقي مخلوقات الوجود ، واقصاء الفكر
والوعي والادراك عن ساحة الاعتقاد ، والسير عشوائياً في طريق الايمان بالله تعالى
، من دون تأمل وتفكير وتدقيق .. فانَّ الاسلوب القرآني ، يعدُّ أكبر حجة على
المنحى العقلي في الاقناع والاثبات والاستدلال ، كما انَّ النصوص الشرعية
المتظافرة في أبواب الاعتقادات المختلفة ، والتي وردت عن النبي الاكرم(صلى الله
عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، تصب في هذا الاتجاه أيضاً
بما لا يقبل الشك والترديد ، ودعوةُ الاسلام إلى التفكّر في آيات الله ، والتطلع
إلى أرقى مستويات المعارف البشرية ، والحث الاكيد على طلب العلم ، وإعمال العقل في
مختلف المجالات ، لهي أكبر من أن ينالها نقاش ، أو يعتريها لبس وترديد .
وانّما الذي نفهمه من هذه النصوص ، هو أنْ لا يؤدي (
السؤال ) أو ( التفكير ) أو (الجدال ) إلى ما يخل بأساسيات الدين ، وان لا
يتجاوز العقل البشري حدوده في التعامل مع الاشياء ، وأن يترك الغيب مستأثراً
بالمعارف والاحكام التي لم يستطع تفسير الحكمة منها ، والخلفيات التي تقف وراءها ،
ما دام قد أذعن لاصل وجود الحكمة ، والمصلحة الالهية ، في كل تفاصيل التشريع .
كما انَّ الدعوة المذكورة تحذِّر من أن يعالج
الانسان مسائل الدين ، من منطلق الجهل أو العفوية أو التنظير الشخصي المحض ، الذي
لا يستند إلى اُسس شرعية قاطعة ومسلّمة .
بالاضافة إلى أنها تدعو الانسان المسلم ، وقبل أن
يسترسل ويتعمق في هذه المطالب الشائكة والمعقدة ، إلى أن يتحصن بقاعدة فكرية رصينة
، ومبادئ اعتقادية واضحة ومستحكمة ، تحميه من أن يتزلزل أمام عواصف الشبهات
المثارة ، وتمنحه الثبات في مهب التيارات الجدلية المتضاربة .
وعلى أية حال فانَّ ما تقدم الحديث عنه من طريقة
شاذة في السؤال ، والتفكير ، والالحاح في طلب معرفة الاشياء المحظورة شرعياً ، أو
التي لا يؤمَن من أن يقع الانسان بسبب ولوجها في مهاوي الشك والترديد ، ... انما
هو ناتج عن نزوع النفس الانسانية إلى الاطلاع على غوامض الامور ، وخبايا الاشياء ،
وإثارة الجدل حول المعاني الخفية والعميقة ، وعن محاولة العقل التدخل في كل أمر
يعرض عليه ، وإبداء وجهة النظر الاستقلالية في فهم ذلك ، ونقله إلى الاخرين ، فهي
غريزة انسانية راسخة في ذات البشر ، ومستحكمة في أعماقه ، لا تنفك عنه ، ولا تنفصل
عن ذاته ، إلاّ إذا كان بصيراً بدينه ، عارفاً بقدرة نفسه ، متواضعاً للعلم
والمعرفة ، وماتلك الدعوات والادعاءات التي ظهرت في فترات مختلفة من عمر البشرية ،
كادّعاء القيادة ، والنبوة ، والالوهية ، والاحاطة بكل شيء .. وما إلى ذلك من
اُمور ، إلاّ صدىً لتلك الرغبة الكامنة ، وافرازاً عن ذلك النزوع الانساني ، الذي
يسعى دائماً لان يجعل العقل بديلاً عن تعاليم السماء ، ولكنَّه يبتلي أبداً
بالانتكاس والخسران .
وكان من جراء هذا التفكير الملتوي ، والسلوك المنحرف
، أن ظهرت بدع كثيرة في حياة المسلمين ، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالاعتقادات ،
وترتبط بمعارف اُصول الدين، فنشأت فرق ، ومذاهب ، ومشارب متعددة ، تتقاطع مع
تعاليم الشرع الاسلامي المبين ، وتدعو إلى ألوان شتى من الانحراف الفكري ،
والاعتقاد المغلوط .
وكانت مفاتيح هذهِ الطائفة من البدع والمحدثات ، بيد
تلك المجاميع التي دخلت في عالم الاعتقادات بكل ماله من أبعاد وتفاصيل ، وطرقت
المفاهيم الاسلامية الحساسة، من موقع الجهل ، وقلة الخبرة ، واللامبالاة .
وسوف نقوم باستعراض بعض المواقف والاحداث ، التي
شكلت النواة الاساسية الاولى لهذا النمط من الابتداع ، والمظاهر التي انساقت مع
هذا التيار في ، بدايات عمر التشريع :1 ـ « روي
أنَّ رجلاً أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول الله ! لتعلمني من
غرائب العلم! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما صنعتَ في رأس العلم ؟ قال : وما رأس العلم ؟ قال(صلى الله عليه وآله
وسلم)
: هل عرفتَ الرب ؟ قال : نعم ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : فما صنعتَ في حقِّه ؟ قال : ما شاءَ الله ! فقال رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم)
: اذهب فاحكم ما هنالك ، ثم تعالَ اُعلّمكَ من غرائب العلم »(77) .
وفي كتاب ( التوحيد ) للشيخ ( الصدوق ) : « قال
الرجل : وما رأس العلم يا رسول الله ؟ قال : معرفة الله حقّ معرفته ، قال الاعرابي : وما معرفة الله حق معرفته ؟ قال :
تعرفه بلا مثل ، ولا
شبه ، ولاندٍّ ، وانَّه واحد ، أحد ، ظاهر ، باطن ، أول ، آخر ، لا كفو له ، ولا
نظير ، فذلك حق معرفته »78) .
فنرى انَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد
وجَّه هذا الرجل نحو العمل الصالح ، ومعرفة الاصول الشرعية المطلوبة أولاً ، ومن
ثمَّ إذا ما أحكم ذلك ، وترسخ أمر الدين في نفسه، من خلال عنصري العلم
والعمل ، فانَّ بامكانه أن يطّلع إلى ما يطمح إليه من غرائب العلم ، وزوائد
الاعتقاد .
وهذا يدل على انَّ الانسان ، ما لم يتسلح بسلاح
الايمان والمعرفة والبصيرة أولاً، ويتزود بقدر كاف من التقوى والعمل الصالح
. ثانياً ، فان دخلوه في مثل هذهِ الغرائب والاستفاضات ، سيؤدي به إلى الانحراف
الفكري والعقائدي من دون ريب.
2 ـ جاءَ في
كتاب ( التوحيد ) للشيخ ( الصدوق ) باسناده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبدالله(عليه
السلام) عن آبائه(عليهم السلام) أنـَّة قال :« مرَّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل ، وهو رافع بصره
إلى السماء يدعو ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : غُضَّ بصرَكَ
فانكَ لن تراه .
وقال : ومَّر
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على رجل ، رافع يديه إلى السماء ، وهو يدعو ، فقال
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : اقصر من يديكَ فانكَ لن تناله »(79) .
فهذا التوجيه النبوي يهدف إلى صرف ذهنية المسلمين من
الادراك الساذج لمعارف التوحيد ، ومن الشعور البدائي المختمر بالحس ، إلى حيث
الادراكات القلبية ، والمعاني التجريدية العقلية ، فبين رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) للمسلمين أنَّ الله تعالى لا تناله الحواس، ولا تدركه الابصار ،
وأنَّ ما ارتكز في أذهانهم جهلاً ، من أنه تعالى كائن في السماء ، هو أمر خاطئ لا
أساس له ، فالله تعالى حاضر وموجود في كلِّ آن ومكان ، ولا نحتاج في مخاطبتنا
إيّاه أن نرفع بأيدينا إلى السماء ، أو نشخص بابصارنا نحوها ، بهذهِ الطريقة
المبنية على السذاجة والجهل ، لانّا لا نراه ، ولا نناله .
3 ـ عن أبي
هريرة قال :« خرج علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونحن نتنازع في
القدر ، فغضب حتى أحمَّر وجهه ، حتى كأنما فقيء في وجنتيه الرمان ، فقال :
أفبهذا اُمرتم ؟ أم
بهذا اُرسلت اليكم ؟ إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الامر ، عزمتُ
عليكم ، عزمتُ عليكم ، ألاّ تنازعوا فيه »(80) .
4 ـ ورد في
( مجمع الزوائد ) عن ثوبان أنه قال :« اجتمع أربعون من الصحابة ينظرون في القدر والجبر ، فيهم أبو بكر
وعمر رضي الله عنهما ، فنزل الروح الامين جبرائيل
صلىّ الله عليه وسلّم ، فقال : يا محمَّد اخرج على امتكَ فقد احدثوا ، فخرج عليهم في ساعة لم
يكن يخرج عليهم في مثلها ، فانكروا ذلك ، وخرج عليهم متلمعاً لونه ، متوردة وجنتاه
، كأنما تفقأ بحب الرمان الحامض ، فنهضوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
حاسرين أدرعتهم ، ترعد أكفهم وأذرعهم ، فقالوا : تُبنا إلى الله ورسوله ، فقال :
اولى لكم ان كنتم
لتوجبون ، أتاني الروح الامين فقال : اُخرج على اُمتكَ يا محمد فقد أحدثت »(81) .
5 ـ روي أنه
: جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال :« يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال(عليه السلام) : بحر عميق فلا
تلجه ! فقال : يا
أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال(عليه السلام) : طريق مظلم فلا تسلكه !
قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر : قال(عليه
السلام)
: سر الله فلا تتكلفه !...»82) .
6 ـ روي أنه
: « مرَّ أمير المؤمنين(عليه السلام) على قوم من أخلاط المسلمين ، ليس فيهم مهاجري
ولا أنصاري ، وهم قعود في بعض المساجد ، في أول يوم من شعبان ، وإذا هم يخوضون في
أمر القدر ، وغيره مما اختلف الناس فيه ، قد ارتفعت أصواتهم ، واشتد فيه جدالهم ،
فوقف عليهم ، وسلّم ، فردّوا عليه ، ووسعوا له ، وقاموا إليه يسألونه القعود اليهم
، فلم يحفل بهم ، ثم قال لهم ـ وناداهم ـ :يا معشر المتكلمين
ألم تعلموا انَّ لله عباداً قد أسكتتهم خشيتُه من غير عيٍّ ولا بكم؟
وانَّهم هم الفصحاء البلغاء الالباء ، العالمون بالله وأيامه ، ولكنّهم إذا ذكروا
عظمة الله ، انكسرت السنتهم ، وانقطعت أفئدتهم ، وطاشت عقولهم ، وتاهت حلومهم ،
إعزازاً لله وإعظاماً واجلالاً ، فإذا أفاقوا من ذلكَ ، استبقوا إلى الله بالاعمال
الزاكية ، يعدّون أنفسهم من الظالمين والخاطئين ، وانَّهم براء من المقصرين
والمفرطين ، إلاّ أنهم لا يرضونَ الله بالقليل ، ولا يستكثرون الله الكثير ، ولا
يدلّون عليه بالاعمال ، فهم إذا رأيتهم مهيَّمون ، مروَّعون ، خائفون ، مشفقون ،
وجلون ، فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين ، ألم تعلموا انَّ أعلم الناس بالضرر
أسكتهم عنه ، وانَّ أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟»(83).
7 ـ عن جعفر
بن محمد الصادق(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) أنه قال :« إنَّ رجلاً قال لامير المؤمنين(عليه السلام) : هل تصف ربَّنا
نزداد له حباً وبه معرفةً ؟! فضغب وخطب الناس فقال فيما قال
: عليكَ يا عبد الله بما دلَّكَ عليه القرآن من
صفته ، وتقدسكَ فيه الرسول من معرفته ، فائتم به ، واستضيء بنور هدايته ، فانَّما
هي نعمة وحكمة اُوتيتها ، فخذ ما اُوتيت ، وكن من الشاكرين ، وما كلَّفك الشيطان
علمه ، مما ليس عليكَ في الكتاب فرضه ، ولا في سنة الرسول وائمة الهداة أثره ،
فكِل علمه إلى الله ، ولا تقدّر عليه عظمة الله .
واعلم يا عبد الله
انَّ الراسخين في العلم ، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة
دونَ الغيوب ، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا : آمنّا
بهِ كلٌّ من عند رِّبنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً
، وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً »(84) .
8 ـ روي عن
أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه
فقال : يا أمير المؤمنين ! هل رأيتَ ربكَ حين عبدته ؟ فقال(عليه السلام) : ويلكَ !
ما كنت اعبد رباً لم أره ، قال : وكيف رأيته ، قال(عليه السلام) : ويلكَ ! لا
تدكره العيون في مشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان »(85) .
9 ـ روي
انَّ رجلاً قال للحسين بن علي(عليه السلام) : اجلس حتى نتناظر في الدين ،
فقال(عليه السلام)
:
« يا هذا أنا بصير بديني ، مكشوف عليَّ هداي ، فان كنتَ جاهلاً
بدينكَ ، فاذهب واطلبه ، مالي وللمماراة ؟ وانَّ الشيطان ليوسوس للرجل ، ويناجيه
ويقول : ناظر الناس في الدين كيلا يظنوا بكَ العجز والجهل ..»(86) .
10 ـ جاءَ في ( التوحيد ) عن جعفر بن محمد(عليه السلام) عن أبيه(عليه
السلام) قال :« قيل لعلي(عليه السلام) : إنَّ رجلاً يتكلَّم في المشيئة ،
فقال(عليه السلام) : ادعُه لي ، قال : فدُعي له ، فقال(عليه السلام) : يا عبد الله
خلقَكَ الله لما شاءَ ، أو لما شئتَ ؟! قال : لما شاء ، قال(عليه السلام) :
فيمرضُكَ إذا شاء ، أو إذا شئت ؟! قال : إذا شاء ، قال(عليه السلام) : فيشفيكَ إذا
شاء ، أو إذا شئت ؟! قال : إذا شاء ، قال(عليه السلام) : فيدخلكَ حيث شاءَ ، أو
حيث شئت ؟! قال : حيثُ شاء ، قال : فقال علي(عليه السلام):
لو قلتَ غير هذا لضربتُ الذي فيه عيناك »(87) .
والذي يبدو أنَّ هذا الرجل كان يقول بتفويض الامور
إلى العباد ، وانَّ الله تعالى ليست له علاقة بمخلوقاته بعد خلقهم وانشائهم ،
فحذَّره أمير المؤمنين(عليه السلام) من الانسياق مَعَ هذا التفكير الخطير ، وبَّين
له انَّ إرادة الله تعالى ومشيئته تبقى مرافقةً للانسان ، ولا يمكن أن تنفك عنه
مطلقاً ، وسيأتي في آخر هذهِ الدراسة تسليط الضوء من خلال حديث أهل البيت(عليهم السلام)
على هذهِ النقطة بشكل أوضح وأوسع ، إن شاء الله تعالى .
4 ـ اتّباع الاهواء :
ومن الاسباب الاخرى التي أدَّت إلى نشوء البدع في حياة
المسلمين ، ظاهرة اتباع الاهواء ، والانحراف عن جادة الصواب ، وصراط الله المستقيم
.
فالنفس الانسانية تتجاذبها تيارات وشهوات متعددة ،
وهي تنساق مع مغريات الحياة وملاذِّها بروية ، وتستعصي على الحق ، وتأبى قبوله ،
والسير على هداه ، لما فيه من منع للنفس عن آهوائها ، ومشتهياتها الفانية .
فقد يدين الانسان بالاسلام ، ويُعدّ فيمن يُعدُّ من المسلمين
، إلاّ أنه ما يلبث أن ينتحل الاعذار ، ويسِّوف في امتثال الاوامر الالهية ، نتيجة
لاستسلامه لضغوط قوة الهوى عليه ، وقد يندفع الانسان إلى ما هو أبشع من ذلك ،
تلبيةً للنزعات الانانية الكامنة في نفسه ، فيحرف التعاليم السماوية ، وفق أهوائه
وميوله الخاصة ، من أجل أن يبرر لنفسه المعتَقد والعمل ، أو من أجل أن يُضلّ
الاخرين بغير علم ، فيردى ويُردي الاخرين معه في الاهواء والمبتدعات .
هذا العامل لم يكن ليتحرر منه الانسان الذي عاش في
العصر الاول للتشريع ، كما أنه لا يمكن أن يتحرر منه انسان اليوم وانسان غد ، ما
زال يحمل أعدى أعدائه بين جوانحه ، وهي نفسه الامّارة بالسوء .
قال تعالى : ( ومَن أضلُّ مِمَّن اتَّبعَ هَواهُ بِغيرِ
هُدىً مِنَ اللهِ )(88) .
وقال تعالى : ( ولا تتَّبعِ الهَوى فيُضلَّكَ عَن سَبيلِ
اللهِ إنَّ الذينَ يَضلّونَ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُم عذابٌ شَديدٌ بما نَسوا يَومَ
الحِسابِ )(89) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« ما تحت ظِلّ السماء من إله يُعبد من دون الله أعظم عند الله ، من
هوىً متّبع »90) .
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) :« إنَّما أخاف عليكم اثنين : اتّباع الهوى ، وطول الامل ، أما
اتّباع الهوى ، فانَّه يصدّ عن الحق ، وأما طول الامل ، فينسي الاخرة »(91) .
وقال أبو جعفر الباقر(عليه السلام) :« قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : يقول الله عزَّوجلَّ :
وعزتي ، وجلالي ، وعظمتي ، وكبريائي،
ونوري ، وعلوّي ، وارتفاع مكاني ، لا يؤثر عبد هواه على هواي ، إلاّ شتّتُ عليه
أمره ، ولبّستُ عليه دنياه ، وشغلتُ قلبه بها ، ولم اُوته منها إلاّ ما قدَّرتُ له
.
وعزتي ، وجلالي ،
وعظمتي ، ونوري ، وعلوّي ، وارتفاع مكاني ، لا يؤثر عبدٌ هواي على هواه ، إلاّ استحفظته ملائكتي ،
وكفّلت السموات والارضين رزقه ، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر ، وأتته الدنيا وهي
راغمة »(92) .
وعن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« احذروا أهواءكم ، كما تحذرون أعداءكم ، فليس شيء أعدى للرجال من
اتّباع أهوائهم ، وحصائد السنتهم »(93) .
وفي الحقيقة انَّ اتّباع الاهواء يعدّ من أبرز
العوامل التي ساهمت في ظهور البدع والمحدثات ، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) :« أيها الناس إنَّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبَّع ، وأحكام تُبتدع
، يُخالف فيها كتاب الله ، يتولى فيها رجال رجالاً ، فلو انَّ الباطل خلص ، لم
يخفَ على ذي حجى ، ولو انَّ الحق خلص ، لم يكن اختلاف ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ،
ومن هذا ضغث ، فيُمزجان فيجيئان معاً ، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ، ونجا
الذينَ سبقت لهم من الله الحسنى »(94).
ويمكن لنا أن نلتمس بعض المصاديق التي تولّدت عن هذا
العامل في بدايات التشريع ، على أنـّا نذكّر قبل ذلك انَّ أغلب الفتن التي مرَّت
بها الامة الاسلامية ، وأكثر الانقسامات التي حصلت فيها ، إنَّما هي ناشئة في
واقعها من جراء اتّباع الاهواء ، والابتعاد عن كتاب الله وعترة أهل البيت(عليهم
السلام) الذين أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) امته بأن تتمسك بهما ،
وتلوذ في حماهما ، لانهما لن يفترقا حتى يردا عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) الحوض
.
1 ـ جاءَ في
الاعتصام ما نصه :« شرب نفر من أهل الشام الخمر ، وعليهم يزيد بن أبي سفيان ، فقالوا
: هي لنا حلال ، وتأولوا هذهِ الاية : ( لَيسَ عَلى الّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا
الصّالحاتِ جُناحٌ فيما طَعمُوا إذا ما اتّقوا وآمنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ
اتقّوا وآمنُوا ثُمَّ اتقّوا وأحسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنينَ )(95) ، قال : فكتب فيهم إلى عمر ، فكتب عمر إليه : أن
ابعث بهم اليَّ قبل أن يفسدوا مَن قِبَلَكَ ، فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم
الناس ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! نرى انَّهم قد كذبوا على الله ، وشرعوا في
دينه ما لم يأذن به ، فاضرب أعناقهم ! وعلي(رضي الله عنه)ساكت ، قال : فما تقوليا
أبا الحسن ؟ قال : أرى أن تستتيبهم ، فان تابوا جلدتهم
ثمانين ثمانين لشربهم الخمر ، وإن لم يتوبوا ضربتَ أعناقهم ، فانهم قد كذبوا على
الله ، وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به »(96) .
2 ـ مرَّ
الامام علي(عليه السلام) بقتلى الخوارج فقال :« بؤساً لكم ! لقد ضرَّكم مَن غرَّكم ، فقيل : ومَن غرَّهم ؟ فقال :
الشيطان المضل ،
والنفس الامارة بالسوء ، غرَّهم بالاماني ، وفَسَحت لهم في المعاصي ، ووعدتهم الاظهار
، فاقتحمت بهم النار »(97) . |