1 ـ السذاجة والجهل والتسامح في أمر الدين :
السذاجة ، والجهل ، والتسامح .. ظواهر اجتماعية عامة كانت تسود مجتمع
الجزيزة العربية حين بعثة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وانبثاق فجر
التشريع.. إذ لم يكن المجتمع آنذاك ، وبعد أن آمن بالدين الاسلامي الجديد ،
متحرراً من جميع الرواسب والمخلَّفات التي تركتها الحياة الجاهلية عليه ، حيث
الاعراف والنواميس البعيده عن القيم والاخلاق والمثل الانسانية الرفيعة التي دعى
اليها الاسلام العظيم .
وكان للطابع المادي المحض الذي ساد الحياة آنذاك ، وتحكَّم في جميع
أبعادها ، وأصبح مقياساً للتفاضل والقيم ، قبل إطلالة الاسلام ... الاثر الكبير في
قتل روح الابداع والتفكير الحر ، والنزوع نحو العلم والمعرفة والابتكار ، فانسان
ذلك الوقت كان يعيش حالة الجهل المطبق ، وخصوصاً بالنسبة إلى العلوم والمعارف
الحقّة ، ولا يعي أبسط الاشياء من حوله ، وإذا ما أدرك شيئاً من ذلك ، فانَّ
الجوَّ الجاهلي القاتم الذي يلفّه ويحيط به ، يمنعه من أن ينتشل نفسه من ذلك
الواقع المدلهم.
ولذا فانَّ الاسلام بتعاليمه السماوية المشرقة ، يمثل في أول أبعاده ،
وأهم اشعاعاته، صحوةً فكرية متألقة ، اكتسحت تلك الطبقات الكثيفة المظلمة من
الجهل والتخلف والانحطاط ، التي كانت تلبّد حياة الانسان ، وتقطع طريق العلم
والمعرفة عليه ، ففي اللحظات الاولى لاتصال الارض بالسماء ، وفي بداية شوط الرسالة
الاول ، صدع الوحي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقول:( اقْرأ بِاسمِ رِّبكَ الذِي
خَلَقَ )(1) .
فالاسلام دعى إلى العلم الذي يعني في أحد بعديه مواكبة الحياة في نموها
وتطورها، والتطلّع المستمر لكشف أسرارها وكنوزها ، واثراء الفكر البشري
بمختلف المعارف العلمية والانسانية المتنوعة ، التي لا تقف عند حدِّ ولا تنتهي إلى
أمد .
ويعني العلم في منظار الشريعة من خلال بعده الثاني ، الانفتاح على المعرفة
الاسلامية ، وعدم الجمود في تلقي أحكامها ومفاهيمها ، وضرورة تحريك الطاقة الفكرية
الخلاّقة التي أودعها الله تعالى في النفس الانسانية ، في مجال التأملات المشروعة
، ومحاولة انتزاع الرؤى والمفاهيم والصياغات المتنوعة في كافة مجالات الحياة
والكون ، بالاعتماد على التراث الفكري ، والثروة الغنية التي يمتلكها الاسلام
العظيم ، والادراك الواعي للاحكام ، والفهم المعمَّق للتشريع ، من دون أن يتجاوز
العقل حدوده المشروعة ، ويضع نفسه في مقابل الاحكام الالهية ، أو يتقهقر إلى حيث
التحجم والانزواء ، فيُشل عن الفاعلية والتأثير .
من هنا نرى تأكيد الشريعة واصرارها على محاربة الجهل ، واعتباره العدو
الاول الذي يجب مكافحته واستئصاله من جسد الامة الاسلامية ، كما نرى الحث الاكيد
على ضرورة التعلم والتفقه في الدين ، من خلال مجموعة كبيرة من النصوص الاسلامية
الواردة في هذا المجال ، فمن ذلك قوله تعالى :( يَرفَعِ اللهُ الذِينَ
آمنُوا مِنكمْ وَالذِينَ اُوتُواْ العِلمَ دَرجَات )(2) .
وقوله تعالى : ( قُلْ هَلْ
يَستَوي الذِينَ يَعلَمونَ وَالذِينَ لاَ يَعلمُونَ انّمَا يَتذَكرُ أُولواْ
الالبَابِ (3) .
وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):« طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم ، ألا انَّ الله يحب
بغاة العلم »(4) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن طلب علماً فأدركه كتب الله له كفلين من الاجر ،
ومن طلب علماً ولم يدركه كتب الله له كفلاً من الاجر »
(5) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن طلب العلم فهو كالصائم نهاره ، القائم ليله ،
وانَّ باباً من العلم يتعلمه الرجل، خير له من أن يكون له أبوقبيس ذهباً ، فأنفقه في
سبيل الله »(6) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن جاءَه الموت وهو يطلب العلم ، ليحيي به الاسلام
، كان بينه وبين الانبياء درجة واحدة في الجنة »
(7) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« اطلبوا العلم ولو بالصين »(8) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهَّل الله له طريقاً
إلى الجنة »(9) .
وروي أنه خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا في المسجد مجلسان
، مجلس يتفقهون ، ومجلس يدعون الله ويسألونه ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« كلا المجلسين إلى خير ، أما هؤلاء فيدعون الله ،
وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل ، هؤلاء أفضل بالتعليم ، ارسلت لما ارسلت ،
ثم قعد معهم »(10)
.
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« تعلم العلم ، فانَّ تعلمه حسنة ، ومدارسته تسبيح ،
والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وهو عند الله لاهله قربة ، لانه
معالم الحلال والحرام ، وسالك بطالبه سبيل الجنة ، فهو أنيس في الوحشة ، وصاحب في
الوحدة ، وسلاح على الاعداء ، وزين الاخلاء ، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في
الخير أئمة يُقتدى بهم ، تُرمق أعمالهم ، وتقبس آثارهم ، وترغب الملائكة في خلتهم
، يمسحونهم بأجنحتهم في صلواتهم ، لانَّ العلم حياة القلوب ، ونور الابصار من
العمى ، وقوة الابدان من الضعف ، ينزل الله حامله منازل الابدال ، ويمنحه مجالسة
الاخيار في الدنيا والاخرة ، بالعلم يُطاع الله ويُعبد ، وبالعلم يُعرف الله
ويوحَّد ، وبالعلم توصل الارحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام ، والعلم إمام العقل ،
والعقل تابعه ، يلهمه الله السعداء ، ويحرمه الاشقياء »
(11) .
وعن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال :« عليكم بالتفقه في دين الله ، ولا تكونوا أعراباً ،
فانَّه مَن لم يتفقه في دين الله ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولم يزكِ له
عملاً »(12) .
وعنه(عليه السلام) أيضاً أنه قال :« لوددتُ أنَّ أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى
يتفقهوا »(13) .
لقد شخَّصت الشريعة الاسلامية أنَّ أخطر المخاطر التي تهدد كيانها إنَّما
تكمن في أن يتعامل معها الفرد المسلم من موقع الجهل واللامبالاة ، ويجري على ظواهر
أحكامها بسذاجة واسترسال ، وقد شجبت الشريعة هذا النمط من السلوك ، وعدَّت العبادة
الخالية من العلم والفقه والتفكر ، عبادةً خاوية جوفاء ، لا تفرز معطياتها ، ولا
تنتج ثمارها المرجوّة من قبل التشريع .
جاءَ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الصدد أنه قال :« مَن عمل بغير علم ، كان ما يفسد أكثر مما يصلح »(14) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« لا خير في عبادة لا فكر فيها ، ولا في قراءة لا
تدبُّر فيها »(15).
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« من خرج يطلب باباً من العلم ليردَّ به باطلاً من حق
، أو ضلالاً من هدى ، كان كعبادة متعبد أربعين عاماً »
(16) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« تذاكر العلم ساعة خير من قيام ليلة »(17) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم
ليلة البدر»(18) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم »(19) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« ركعتان يصليهما العالم ، أفضل من ألف ركعة يصليها
العابد »(20) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« والذي نفس محمد بيده ، لعالم واحد أشد على ابليس من
ألف عابد ، لانَّ العابد لنفسه ، والعالم لغيره »
(21) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« فضل العالم على العابد بسبعين درجة ، بين كل درجتين
حضر الفرس سبعين عاماً ، وذلكَ انَّ الشيطان يضع البدعة للناس ، فيبصرها ، العالم
فينهى عنها ، والعابد مقبل على عبادته ، لا يتوجه لها ، ولا يعرفها »
(22) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل،
لانَّ العالم تأتيه الفتنة ، فيخرج منها بعلمه ، وتأتي الجاهل ، فتنسفه نسفاً »
(23) .
وعن الامام الباقر(عليه السلام) أنه قال :« عالم ينتفع بعلمه ، أفضل من عبادة سبعين ألف عابد »
(24) .
فمن الواضح أنَّ على المسلم على ضوء التعاليم الاسلامية أن يتحّرى ويفكّر
ويعمل بوعي ، ويسأل عن معالم دينه ، ويستزيد من العلم بشريعته ، حيناً بعد حين ،
من دون توقف أو انقطاع .
وهذا لا يتنافى طبعاً مع التسليم لامر الله تعالى ، وأمر رسوله الكريم(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، وهذا التحرّي والسؤال
لا يصطدم بطبيعة الحال مع وجوب الانقياد والامتثال المطلق لتعاليم الشريعة المقدسة
، والاذعان للاحكام الاسلامية المشتملة على علل وملاكات غيبية وخفية ـ في الاغلب ـ
على الانسان .. إذ انَّ التسليم والانقياد لاحكام الشريعة وتعاليمها ، مع الوعي
بفلسفة هذهِ الاحكام وحقائقها ، يُعد غاية الامتثال ، ومنتهى الطاعة والتسليم لامر
الله عزَّوجلَّ ، فكم هو الفرق بين مَن يطاوع الشريعة في كلِّ ما تقول عشوائياً ،
من دون أن يعي فلسفة انقياده لها ، ومن دون أن يدرك عظمة التشريع ، وأسرار إحكامه
وإتقانه .. وبين مَن يطاوع الشريعة وهو مستشعر لحقيقة الامر ، وعارف بخلفياته
ومبانيه .
وبسبب من الجهل ، والتسامح ، والسذاجة في أمر الدين ، والسطحية في تلقّي
الاحكام وامتثالها ، والخلط بين ما هو محلل ومحرَّم ، من دون الالتفات إلى توقيفية
التشريع وقدسيته، فقد ظهرت في حياة المسلمين بدع كثيرة في حياه النبي
الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد وفاته قريباً من عصر التشريع ، وسوف
نقوم بدرج نماذج لبعض هذهِ الحالات فيما يلي :
1- روي في ( الموطأ ) :
« انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى
رجلاً قائماً في الشمس ، فقال : ما بال هذا ؟
فقالوا : نذرَ أن لا يتكلَّم ولا يستظل من
الشمس ، ولا يجلس ، ويصوم ، فقال رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) : مُرهُ فليتكلَّم ،
وليستظل ، وليجلس ، وليتم صيامه »
(25).
فمن الواضح من خلال هذهِ الرواية أنَّ هذا
الرجل قد اندفع بتسامح وعفوية الى ارتكاب هذا
العمل المحظور ، ولم يدرك حقيقة النذر
المشروع ، وشروطه ، وضوابطه ، وموارده
المسموح بها ، فابتكر من وحي نفسه عملاً يظنُّ
أنه داخل في حيِّز التشريع ، وألزم نفسه
بتطبيقه ، وتحمّلِ آثاره .
ولا شك في انَّ هذا العمل يُعدّ إدخالاً لشيء
من خارج الدين فيه ، فيكون من مصاديق الابتداع
وموارده .
وبما انَّ هذا العمل قد اشتمل على جزء صحيح
ومشروع ، فانّا نرى انَّ رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) قد فصَّل النهي ، ولم يطلق
القول بعدم مشروعية العمل كلِّه ، فقد نهى(صلى
الله عليه وآله وسلم) عن الامور غير المشروعة
، وهي نذره للوقوف في الشمس ، والقيام ، وعدم
التكلم ، وبيَّن صحة نذره للامر المشروع وهو
الصيام ، ولذا أمره باتمام صيامه ، لانَّ نذر
الصيام جائز من وجهة نظر الفقه الاسلامي .
2 ـ جاءَ في ( الاعتصام ) عن قيس بن حازم أنه قال
:
« دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على
امرأة من قيس يُقال لها زينب ، فرآها لا
تتكلَّم ، فقال : ما لها ؟ فقيل : حجة مصمتة ،
فقال لها : تكلَّمي فانَّ هذا لا يحلّ ، هذا من
عمل الجاهلية »(26)
فنلاحظ هنا أيضاً انَّ هذهِ الحالة تشبه
الحالة السابقة ، إذ انَّ هذهِ المرأة قد
ابتدعت من عند نفسها عملاً دخيلاً على
التشريع ، وتصورت انه عمل مشروع تريد التقرب
به إلى الله تعالى ، وكان ذلك بسبب الجهل ،
وعدم الاطلاع على حدود الدين وتعالميه بدقّة
، فنهاها النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) عن ذلك ، وعَّد سلوكها هذا من عمل
الجاهلية .
3 ـ روي عن أنس أنه قال :
« رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
رجلاً يهادي بين ابنين له ، فقال : ما هذا ؟
فقالوا : يا رسول الله ، نذر أن يحج ماشياً ،
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) إنَّ الله لغني
عن تعذيبه نفسه ، فليركب »(27) .
وهذه الحادثة ناشئة من الجهل بامور التشريع
أيضاً ، ومتولدة من عدم إدراك أحكام الفقه
الاسلامي بالشكل الصحيح ، وهذا الجهل يشكل
النواة الاولى لنشوء البدع، والخروج إلى
حيث الاجتهاد الشخصي في مقابل النص الشرعي ،
والسلوك الخاطئ الوارد إلى الدين من خارج
حدوده .
ولذا
نرى أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
بادر إلى معالجة هذا الموقف ، ونبَّه إلى انَّ
هذا العمل عمل غير مشروع بصورته الحالية التي
توجب مشقة النفس وتعذيبها ، وان كان اصل
مشروعية الحج مشياً على الاقدام ثابت ومقر من
قبل الاسلام ، وللانسان أن ينذر ذلك ، ولكن لا
إلى الدرجة التي تؤدي بالمكلّف إلى المشقة
والحرج .
4 ـ روي عن رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده :
« أنه حجَّ مع ذي قرابة له مقترناً به ، فرآه
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : ما هذا ؟
قال : أنه نذر . فأمر(صلى الله عليه وآله وسلم)
بالقران أن يُقطع »(28).
وهذه ظاهرة دخيلة على التشريع أيضاً ، وهي ان
يقترن شخصان بقران يربطهما معاً ، ويؤدّيان
مناسك الحج بهذه الصورة ، وأغلب الظن ان هذه
الظاهر نشأت من حالة العفوية والسذاجة والجهل
باحكام الشريعة الاسلامية أيضاً .
وكان موقف الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله
وسلم) تجاه هذهِ الحادثة موقفاً حاسماً ، إذ
بعد أن سأل عن الامر ، وتبيَّن له أنه قد بُني
على أساس خاطىء وتصور موهوم ، أمر بقطع القران
الذي يربط بين الرجلين .
5 ـ قال جابر بن عبدالله :
« انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان
في سفر ، فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلل عليه ،
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما هذا ؟ قالوا
: صائم ! قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : ليس من
البر الصيام في السفر »(29).
ومن خلال هذهِ الحادثة ندرك أنَّ رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) هو الذي كان يتحّرى
ويبادر إلى السؤال والاستفسار عن مختلف
الظواهر التي قد تمسّ تعاليم الشريعة
الاسلامية ، وتتجاوز حدودها ، وعندما يرى(صلى
الله عليه وآله وسلم) أنَّ هذا الشخص قد أحدثَ
أمراً لا وجود له في الشريعة ، بل وارتكب ما
ورد النهي بشأنه ، معتقداً انَّ ذلك يقّربه
إلى الله تعالى ، ويصب في طريق طاعته وعبادته
، وجَّه(صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين
إلى عدم مشروعية هذا العمل ، وعدم صحة الصيام
في السفر .
6 ـ عن معاوية السلمي قال :
« صليت مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
فعطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمكَ الله ،
فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أُمياه !
ما شأنكم تنظرون اليَّ؟! قال : فجعلوا
يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فعرفت أنهم
يصمتوني ، لكنّي سكت !
فلما قضى النبي الصلاة ـ بأبي هو وامي ، ما
شتمني ، ولا كهرني ، ولا ضربني ـ فقال : إنَّ
هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس
هذا ! إنّما هي التسبيح ، والتكبير ، وقراءة
القرآن »(30).
ولعلَّ هذه الحادثة تكشف لنا بوضوح كامل عن
طبيعة التفكير الساذج الذي كان يحمله بعض
المسلمين آنذاك ، والطريقة السطحية والعفوية
التي يتعاملون بها مَعَ الامور التشريعية
التوقيفية ، التي لا يصح فيها الزيادة ولا
النقصان ، وخصوصاً مثل الصلاة التي تمثل عمود
الدين وأساسه .
فنرى من خلال الحديث المذكور انَّ هذا الشخص
الذي جاءَ يصلي خلف رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) قد بدأ بالحديث والحوار مَعَ بقية
المصلّين ، من غير أن يكثرث بما أوجبه الله
تعالى في هذهِ العبادة التوقيفية من تعاليم
وحدود ، لابد من الالتزام بها ومراعاتها ،
والتي من أهمها أن يقتصر المصلّي على أذكارها
وأفعالها المخصوصة ، ولا يتجاوز ذلك إلى حيث
الامور غير المشروعة ، ولكنَّ هذا الرجل كان
يتعامل مَع الصلاة وكأنَّه متحرر من كلِّ
إلزام شرعي .
ومن الطبيعي انَّ هذا الامر إذا لم يُعالج ولم
يُستأصل منذ البدايات ، فانَّه سوف يكون
منشأً لدخول ما ليس من الدين فيه ، واختلاط
المحللات بالمحَّرمات ، وهو يعني الابتداع .
ولذا نرى انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) قد بادر إلى معالجة الموقف واستدراكه
بهدوء كامل، وتوجيه رسالي مثالي رفيع ،
فوجَّه الرجل إلى حيث الالتزام بالحدود
المشروعة للصلاة والتقيدّ بها ، وعدم الخروج
من ذلك إلى حيث التصرفات المحَّرمة والمبطلة
لها .
7 ـ ذكر ابن سيرين :
« ان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج فلقيه
حذيفة ، فحاد عنه ، فاغتسل ثم جاء ، فقال(صلى
الله عليه وآله وسلم)مالكَ ؟ قال : يا رسول
الله كنت جنباً ! فقال : رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) : إنَّ المسلم لا ينجس »
(31).
فبدافع من الجهل هنا نرى انَّ هذا الصحابي
يبتدع من عند نفسه حكماً خاصاً ، ليس له أي
أساس في التشريع ، فيدرك النبي الاكرم(صلى
الله عليه وآله وسلم) ذلك منه ، ويأمره
بالعودة إلى حيث تعاليم السنة الناصعه وترك
ما ظن أنه من المحظورات الشرعية ، ولو استمر
هذا الصحابي على ما كان عليه من الاعتقاد
بنجاسة الجنب ، لكان ذلك يعني تشريع وتأسيس
حكم جديد في مقابل التشريع الالهي الثابت .
8 ـ روى ( ابن وضاح ) عن أبي اسحاق أنه قال :
« انَّ الناس نودي فيهم بعدَ نومة : انه مَن
صلّى في المسجد الاعظم دخل الجنة ، فانطلق
النساء والرجال حتى امتلا المسجد قياماً
يصلّون ، قال أبو اسحاق : انَّ امي وجدتي فيهم .
فاُتي بن مسعود فقيل له : أدرك الناس ، فقال :
ما لهم ، قيل : نودي فيهم بعد نومة أنه مَن صلّى
في المسجد الاعظم دخل الجنّة .
فخرج ابن مسعود يشير بثوبه : ويلكم اخرجوا لا
تُعذَّبوا ، انما هي نفخة من الشيطان ، أنه لم
يُنزل كتاباً بعد نبيكم ، ولا ينزل بعد نبيكم .
فخرجوا ، وجلسنا إلى عبدالله فقال : انَّ
الشيطان إذا أراد أن يوقع الكذب ، انطلق فتمثل
رجلاً ، فيلقى آخر فيقول له : أما بلغكَ الخبر
؟ فيقول الرجل : وما ذاك ، فيقول : كان من الامر
كذا وكذا ، فانطلق فحدِّث أصحابك ، قال :
فينطلق الاخر فيقول : لقد لقينا رجلاً إني لا
أتوهمه أعرف وجه ، زعم أنه كان من الامر كذا
وكذا ، وما هو إلاّ الشيطان»
(32).
فعلى تقدير صحة هذه الرواية نجد انَّ الاعداد
الكبيرة من الناس قد انجرفت مَعَ دعاية لا
أساس لها بدافع من الجهل أيضاً ، وعدم التمعّن
في اصول الشريعة وأحكامها ، والسير على نهجها
بوعي .
ومن غير شك ان هذا الانجراف العفوي ،
والمبادرة إلى ذلك العمل المزعوم ، تعدّ من
مصاديق الابتداع ومن الموارد التي دخلت إلى
الدين عن طريق التسامح والجهل واللامبالاة .
9 ـ ما روي في ( الاعتصام ) عن الزبير بن بكار
أنَّه قال :
« سمعت مالكَ ابنَ أنس وقد أتاه رجل فقال : يا
أبا عبدالله من أين اُحرم ؟ قال : من ذي
الحليفة ، من حيث أحرم رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) ، فقال : إني اُريد أن اُحرم من
المسجد من عند القبر ، قال : لا تفعل فاني أخشى
عليكَ الفتنة . قال وأي فتنة هذه ؟ انما هي
أميال أزيدها ! قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى
انكَ سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) ؟ إني سمعتُ الله يقول : (فَليَحذرِ
الّذينَ يُخالِفُونَ عَن أمِرِه أنْ
(تُصيبَهُم فِتنةٌ أو يُصيبَهُم عَذابٌ أليمٌ(33)
(34).
وفي الحقيقة ان توجيه مالك بن أنس لهذا الرجل
لم يبتعد عن الصواب ، فانَّ الرجل يرى أنَّ
الامر لا يعدو أن يكون قضيه ذوقية ، يستطيع أن
يزيد منها أو ينقص ما يشاء ! لا سيما وأنه يعطي
لنفسه المبرر المشروع ، وينتحل لها العذر ،
لانَّه يريد أن يتطّوع بأكثر من المطلوب !
وهذا أيضاً من قبيل الابتداع المحَّرم الذي
ينشأ عن حالة الجهل والتسامح في أمر الدين .
2 - النظرة البتراء للدين :
رافقت الاديان السماوية بشكل عام ظاهرة خطيرة
تجنح إلى فصل الدين عن الحياة ، والاقتصار على
الامور العبادية الفردية التي لا علاقة لها
بالمجتمع والامور التي تحيط بالانسان .
وقد أخذت هذهِ الظاهرة المجال الاوسع لها من
الدين الاسلامي أيضاً ، ومنذ بدايات التشريع
، من خلال ظهور دعوات متعددة ومتكررة ، لازال
الواقع الاسلامي يعاني من رواسبها
ومخّلفاتها الشيء الكثير .
وكان للظروف السياسية والحكومات التي تآمرت
على الاسلام الدخل الكبير في تشجيع هذه
الظاهرة ، والايحاء إلى المسلمين بأنَّ الدين
لا يعني أكثر من الصلاة والدعاء وإقامة
الشعائر العبادية الاخرى ، وأما شؤون المجتمع
والحياة والادارة والحكم فهي من وظائف الحكام
والامراء ، ولا دخل للتشريع بها ، ولا يحق لهم
التدخل فيها .
ولذا نجد انَّ هذا السلوك الديني الشاذ ، يجد
في مختلف العصور الدعم السياسي الكامل ،
والارضية المهيئة لانتشاره ، واتساع نطاق
تأثيره من قبل حكومات الجور والضلال ، لانَّ
الامر لا يقتصر فيه على عدم التقاطع مَعَ تلك
الحكومات ، وعدم تهديد مصالحها من قريب أو
بعيد فحسب ، وانما نجد أنَّه يقدم الخدمات
الكبيرة لها في أغلب الاحيان .
ومن غير شك انَّ الدين الاسلامي الذي يدعو
الفرد إلى أن يدخل في غمار الحياة ، ويتفاعل
مع المجتمع باالاخذ والعطاء ، ويغيِّر وجه
الحياة إلى ما هو أفضل دائماً ، ويوجهها نحو
الفضيلة والطهر والصفاء .. يحارب هذهِ الظاهرة
بقوة ، ويؤكد على استئصالها وقلعها من الجذور
، ويعّدها من أخطر الظواهر التي تهدد الشريعة
بالانزواء والتلاشي والاضمحلال .
ولذا نجد أنَّ الاسلام قد دعى إلى أن يأخذ
الانسان نصيبه من هذه الحياة ، عن طريق السلوك
المحلل ، وأن يعطي لكل عضو من أعضائه حظّاً من
الراحة ، وأن يهب لنفسه حقها من الالتذاذ بما
أباحه الله لعباده من طيبات الرزق ، وجعله
بذلك مقوماً لحركة الانسان التكامليه نحوه
عزَّوجلَّ ، قال الله تعالى :( يا بَنِي آدمَ خُذُوا زينَتَكم عِندَ كلِّ
مسجد )(35)
.
وقال تعالى ( قل مَن حرَّم زينةَ اللهِ الّتي
أخرَجَ لعبادِهِ والطيباتِ منَ الرزقِ قُلْ
هيَ للّذينَ آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا
خالصةً يَومَ الِقيامَةِ )(36)
.
فشجب الاسلام حالة الرهبنة ، والقسوة بحق
النفس ، وتحميلها المشاق والصعوبات البالغة ،
ووجَّه المجتمع نحو السلوك المتوازن ، الذي
يحفظ حقَّ الله تعالى وحقَّ النفس معاً ، ولا
ينأى عن الحياة الاجتماعية ، ويغرق في
الاذكار والاوراد والعبادات المحضة ،
الخالية من النفع والعطاء .
وفي الحقيقة انِّ هذه التوسعة تعبِّر عن أحد
المقومات الاساسية التي تساهم في إثراء حركة
الانسان التكاملية نحو الله تعالى ، وإعطائها
صورة متكافئة ، لا تتحجم في الجانب العبادي
وتنعزل عن دورها في الحياة بشكل مطلق ، ولا
تنساب مع الزخارف والملاذ من دون قيود .
وهناك دواع عديدة تؤدي إلى نشوء حالة (
الرهبنة ) ، والانقطاع للعبادة ، والانزواء عن
الحياة ، من أبرزها الخوف من الدخول في شؤون
الحكم والسياسة ، والتجبجب عن ممارسة الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ،
والابتعاد عن سطوة الظالمين ، وبطشهم ،
وارهابهم ، ومما يصلح أن يكون مؤشراً على ذلك
ما رواه الطبرسي في ( مجمع البيان ) عن ابن
مسعود أنه قال :« كنت رديف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
على حمار ، فقال : يا ابن ام عبد ! هل تدري من
أين أحدثت بنو اسرائيل الرهبانيه ؟ فقلت :
الله ورسوله أعلم ، فقال : ظهرت عليهم
الجبابرة بعد عيسى ، يعملون بمعاصي الله ،
فغضب أهل الايمان ، فقاتلوهم، فهُزم أهل
الايمان ثلاث مرات ، فلم يبقَ منهم إلاّ
القليل ، فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم
يبقَ للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق في
الارض ، إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به
عيسى ـ يعنون محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)
ـ فتفرقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية
، فمنهم مَن تمسكَ بدينه ، ومنهم مَن كفر ، ثم
تلا هذهِ الاية : ( ورهبانيةً ابتَدَعُوها ما
كَتبناها عَليهِم إلاّ ابتِغاءَ رضوانِ
اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رعايَتِهـا
فآتَينا الّذيـنَ آمنُوا مِنهُم أجرَهُم
وَكَثيرٌ مِنهُم فاسِقُونَ)(37)،
ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : يا ابنَ ام
عبد ! أتدري ما رهبانية امتي ؟ قلت : الله
ورسوله أعلم ، قال : الهجرة والجهاد والصلاة
والصوم والحج والعمرة .. »(38)
.
ومن الدواعي الاخرى لنشوء الرهبنة ، المشاكل
النفسية ، والازمات الروحية ، أو الانتكاسات
الاجتماعية التي قد يصاب بها الانسان في
حياته ، فقد يضطره ذلك إلى الانزواء ، وملء
الفراغ الذي يعيش فيه ، بالذكر والعبادة
والدعاء ، وقد روي في هذا الشأن عن أنس أنه قال
:« توفي ابن لعثمان بن مضعون ، فاشتد حزنه عليه
، حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه ، فبلغ
ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال
له : يا عثمان إنَّ الله تبارك وتعالى لم يكتب
علينا الرهبانية ، إنَّما رهبانية امتي
الجهاد في سبيل الله »(39)
.
وذكر الكراجكي في كنز الفوائد ما يشير إلى هذا
المعنى أيضاً حيث يقول :« لقد اضطررتُ يوماً إلى الحضور مع قوم من
المتصوفين ، فلما ضمهم المجلس ، أخذوا فيما
جرت به عادتهم من الغناء والرقص ، فاعتزلتهم
إلى احدى الجهات ، وانضاف إليَّ رجل من أهل
الفضل والديانات ، فتحادثنا ذم الصوفية على
ما يصنعون ، وفساد أغراضهم فيما يتناولون ،
وقبح ما يفعلون من الحركة والقيام ، وما
يدخلون على أنفسهم في الرقص من الالام ، فكان
الرجل لقولي مصوِّباً ، وللقوم في فعلهم
مخطّئاً .
ولم نزل كذلكَ إلى أن غنّى مغنّي القوم هذهِ
الابيات :وما اُمُّ مكحول المدامع ترتعى
ترى الاُنسوحشاً وهيتأنسُبالوحشِ
غدت فارتعت ثم انتشت لرضاعه فلم
تلف شيئاً من قوائمه الخمشِ فطافت بذاك القاع ولهاً فصادمت
سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ بأوجع منّي يوم ظَّلت أنامل
تودّعني بالدرِّ من شبكِ النقشِ فلما سمع صاحبي ذلك نهض مسرعاً مبادراً ، ففعل
من القفز والرقص والبكاء واللطم ما يزيد على
ما فعله مَن قبله ممن كان يخطئه ويستهجنه ،
وأخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته ،
ولا جرت عادتهم بالطرب على مثله وهو قوله : فطافت بذاك القاع ولهاً فصادفت
سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ حتى بلغ من نفسه المجهود ، ووقع كالمغشي عليه
من الموت ، فحيَّرني ما رأيت من حاله ، وأخذتُ
افكر في أفعاله المضادة ، لما سمعت من أقواله
، فلما أفاق من غشيته ، لم أملك الصبر دون
سؤاله عن أمره ، وسبب ما صنعه بنفسه ، مع
تجهيله من قبل لفاعله ، وعن وجه استعادته من
الشعر ما لم تجرِ عادتهم باستعادة مثله ، فقال
لي : لستُ أجهل ما ذكرت ، ولي عذر واضح فيما
صنعت ، اعلمكَ أنَّ أبي كان كاتباً ، وكان بي
برّاً وعليَّ شفيقاً ، فسخط السلطان عليه
فقتله ، فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من
الحزن عليه ، فوجدته ملقى والكلاب ينهشون
لحمه ، فلما سمعت المغنّي يقول :
فطافت بذاك القاع ولهاً فصادفت
سباع الفلا ينهشنه أيّما نهشِ ذكرت ما لحق أبي ، وتصور شخصه بين عيني ، وتجدد
حزنه عليَّ ، ففعلتُ الذي رأيتَ بنفسي »(40)
.
وقد يكون في نفس هذه الاتجاه ما رواه أبو
سلمان الداراني عن الربيع بن خثيم: «أنه
كان جالساً على باب داره إذ جاءه حجر فصكَ
جبهته فشجه فجعل يمسح الدم ويقول: لقد
وُعظت يا ربيع ، فقام ودخل داره ، فما جلس بعد
ذلك على باب داره حتى اُخرجت جنازته »(41)
.
وقد تُبطَّن ظاهرة الاعتزال والرهبنة برغبة
الخلوة بالله تعالى ، والانفراد به ، الفرار
من مخالطة الناس ، التي تكدِّر ـ على زعمهم ـ
صفو هذا الانفراد ، وتقطع الانسان عن مزاولة
عباداته بالشكل المطلوب .
ولعَّل أكثر ظواهر الرهبنة والاعتزال تبتني
أساساً على هذا الهدف ، وترفع شعار الدعوة
إليه وتبرير الموقف من خلاله .
فيذكر الغزالي في ( الاحياء ) عن بعض الصالحين
أنه قال : « بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام ،
إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال ، فلّما
نظر اليَّ تنحّى إلى أصل شجرة، وتستَّر
بها ، فقلت : سبحان الله ! تبخل عليَّ بالنظر
اليك ؟ فقال : يا هذا إني أقمت في هذا الجبل
دهراً طويلاً ، اُعالج قلبي في الصبر عن
الدنيا وأهلها ، فطال في ذلك بقائي ، وفني فيه
عمري ، فسألت الله تعالى أن لا يجعل حظّي من
أيامي في مجاهدة قلبي ، فسكّنه الله عن
الاضطراب ، وألفه الوحدة والانفراد ، فلما
نظرت اليكَ خفت أن اوقع في الامر الاول :
فاليكَ عني ، فاني أعوذ من شرِّك بربِّ
العارفين وحبيب القانتين .. »(42).
ولمّا بنى عروة قصره بالعقيق ، ولزمه ، ولم
يخرج منه ، قيل له : « لزمت القصر، وتركت
مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال
: رأيت مساجدكم لاهية ، وأسواقكم لاغية ،
والفاحشة في فجاجكم عالية ، وفيما هنالك عمّا
أنتم فيه عافية »(43)
.
ويُنقل عن سفيان بن عيينة انه قال : « لقيت
ابراهيم بن أدهم في بلاد الشام فقلت له : يا
ابراهيم تركت خراسان ، فقال : ما تهنأت بالعيش
إلاّ هنا ، أفرُّ بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن
رآني يقول : موسوس أو حّمال أو فلاّح »(44)
.
وقال الفضيل : « إذا رأيتُ الليل مقبلاً فرحتُ
به ، وقلت : أخلو بربّي ، وإذا رأيت الصبح
أدركني ، استرجعت كراهية لقاء الناس ، وأن
يجيء من يشغلني عن ربّي »(45)
.
وقال الربيع بن خثيم : « إن استطعت أن تكون في
موضع لا تَعرف ولا تُعرف فافعل »(46)
.
وقال وهيب بن الورد : « بلغنا أنَّ الحكمة عشرة
أجزاء ، فتسعة منها في الصمت، والعاشرة في
عزلة الناس »(47)
.
وقال الفضيل أيضاً : « إني لاجد للرجل عندي
يداً ، إذا لقيته أن لا يسلِّم عليَّ ، وإذا
مرضتُ أن لا يعودني »(48)
.
وقد تعود ظاهرة الرهبنة والاعتزال في بعض
مظاهرها وحالاتها إلى الجهل الذي تمت الاشارة
إليه عند ذكر العامل الاول من العوامل التي
أدَّت إلى نشوء البدع في حياة المسلمين ، أو
إلى غير ما ذكرناه من دواع ومسببات .
وعلى أية حال فنحن في غنى لانَّ نستغرق في
الرد على هذا النمط من التفكير والسلوك ،
المخالف لصريح النصوص الشرعية القطعية ،
الواردة بشأن حث الانسان على التعامل
والاختلاط مع باقي أبناء البشر ، وأداء الدور
الرسالي الملقى على عاتقه ، ومواصلة الناس ،
وبِّرهم ، والاحسان اليهم ، والصبر على آذاهم
، ومداراتهم بالخلق الحسن ، والهدي الطيب ،
والتأثير فيهم بالكلمة الطيبة والموعظة
الحسنة .. كما انَّ هذا السلوك المتطرف يخالف
الاهداف العليا لايجاد الانسان على وجه هذهِ
الارض ، والغايات التي من اجلها اُنزلت
الشرائع ، وبعث الانبياء ، وتظافرت الاديان ،
فكيف يمكن للانسان الذي يمثل المخلوق المنتقى
لخلافة الله على وجه الارض ووراثتها أن يمارس
سلوكه فى الحياة ، ويدرك هذه الاهداف ، وهو
يعيش في زوايا المجتمع ، ويسير على هامش الزمن
، ولا يُحسن من الدين إلاّ الاذكار والاوراد
المجرَّدة ، ولا يمنح المجتمع الذي يعيش فيه
أملاً يُرتجى ، أو عطاءاً يُذكر ؟
وهل يمكن أن يكون هناك مَن هو أكثر قداسةً
وأشداً قرباً إلى الله تعالى من صاحب الرسالة(صلى
الله عليه وآله وسلم) الذي كان يجسِّد السلوك
الامثل ، ويمارس كل ما يمكن أن تترقبه الشريعة
من أهداف وأبعاد ، ولا يتسنى لنا أن نتصور
أنـَّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تخطّى
طموحاً قد أمرت به الشريعة ، أو تجاوز كمالاً
من كمالاتها وقيمها بشكل مطلق ، فسيرة النبي
الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حافلة
بالممارسات الاجتماعية المتنوعة ، كما هي
حافلة كذلك بالابعاد الروحية والعبادية
المثلى ، وهو يمثل بجمعه بين هذين الجانبين
السلوك الامثل الذي أمرت الشريعة به ، وحثَّت
عليه.
أضف إلى أنَّ الشريعة الاسلامية لم تلغِ
الخلوة والانفراد للعبادة بشكل كامل ، وانّما
ندبت الانسان المسلم إلى بعض الممارسات
العبادية التي تسير به في اتجاه تربية الروح
وتهذيبها وتعرضيها للنفحات الالهية ، ويعد (
الاعتكاف ) من أبرز العبادات التي تلبيّ هذه
الغاية ، وتعكس هذا الاهتمام ، فهو يمثل في
مرتكزاته التشريعية وفلسفته الدينية النقاط
المضيئه التي تتخلل مسيرة الانسان الروحية
نحو الله سبحانه وتعالى ، فتمنح سلوكه عزماً
مستئنفاً ، ونشاطاً وداباً جديدين .
والان نحاول أن نستعرض جملة من البدع
والمواقف المحدثة التي ظهرت في الحياة
الاسلامية بسبب هذه النظرة القاصرة إلى الدين
:
1- « روي أنَّ
سلمان الفارسي(رضي الله عنه) جاءَ زائراً لابي
الدرداء فوجد ام الدرداء مبتذلة ، فقال : ما
شأنكِ ؟ قالت : إنَّ أخاكَ ليست له حاجة في شيء
من أمر الدنيا .
فلما جاءَ أبو الدرداء رحَّب بسلمان وقرَّب
إليه طعاماً ، فقال لسلمان أطعم ، فقال : أني
صائم ، قال أبو الدرداء : أقسمت عليكَ إلاّ
ما طعمت ، فقال سلمان : ما أنا بآكل حتى تأكل
.
وبات عنده ، فلما جاءَ الليل قام أبو الدرداء
، فحبسه سلمان ، وقال : يا أبا الدرداء،
إنَّ لربكَ عليكَ حقاً ، وانَّ لجسدكَ عليكَ
حقاً ، ولاهلكَ عليكَ حقاً ، فصم وافطر ،
وصلِّ ونم ، وأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، فأتى
أبو الدرداء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
فأخبره بما قال سلمان ، فقال له مثل قول سلمان
»(49) .
2 ـ روي عن جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) عن
آبائه(عليهما السلام) أنه قال :« كان رسول الله يأتي أهل الصُفّة ، وكانوا
ضِيفان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى
المدينة ، فأسكنهم رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) صفّة المسجد ، وهم أربعمائه رجل ،
فكان يسلِّم عليهم بالغداة والعشي، فأتاهم
ذات يوم ، فمنهم مَن يخصف نعله ، ومنهم مَن
يرقع ثوبه ، ومنهم مَن يتفلّى ، وكان رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يرزقهم مداً
مداً من تمر في كل يوم .
فقام رجل منهم فقال : يا رسول الله ! التمر الذي
ترزقنا قد أحرقَ بطوننا ، فقال رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) : أما اني لو استطعت أن
اُطعمكم الدنيا لاطعمتكم ، ولكن مَن عاش منكم
من بعدي ، يُغدى عليه بالجفان ، ويُراح عليه
بالجفان ، ويغدو أحدكم في قميصه، ويروح في
اخرى ، وتنجّدونَ بيتوتكم ، كما تنجّد الكعبة
.
فقام رجل فقال : يا رسول الله إنّا إلى ذلكَ
الزمان بالاشواق ! فمتى هو ؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : زمانكم هذا خير
من ذلك الزمان ، إنَّكم إن ملاتم بطونكم من
الحلال ، توشكون أن تملؤوها من الحرام .
فقام سعد بن أشج فقال : يا رسول الله ما يفعل
بنا بعد الموت ؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
الحساب والقبر، ثم ضيقه بعد ذلك ، أو
سعته ، فقال : يا رسول الله هل تخاف أنت ذلك ؟
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ولكن أستحي
من النعم المتظاهرة التي لا اُجازيها ولا
جزءاً من سبعة ، فقال سعد بن أشج : إني اُشهد
الله ، واُشهد رسوله ، ومَن حضرني ، أنَّ نوم
الليل عليَّ حرام ، والاكل بالنهار عليَّ
حرام، ولباس الليل عليَّ حرام ، ومخالطة
الناس عليَّ حرام واتيان النساء عليَّ حرام ،
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : يا
سعد لم تصنع شيئاً ، كيف تأمر بالمعروف ،
وتنهى عن المنكر ، إذا لم تخالط الناس ،
وسكونُ البرية بعد الحضر كفر للنعمة ، نَم
بالليل ، وكل بالنهار ، والبس ما لم يكن ذهباً
، أو حريراً ، أو معصفراً ، وآتِ النساء »(50)
.
3 ـ « روي انَّ رجلاً أتى الجبل ليتعبد به ،
فجيء به إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تفعل
أنت ، ولا أحد منكم ، لصبر أحدكم في بعض مواطن
الاسلام خير من عبادة أحدكم أربعين عاماً »(51)
.
4 ـ ورد في ( الاحياء ) عن أبي هريرة أنه قال : « غـزونا عـلى عهـد رسـول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، فمـررنا بشعب فيه عُيينة طيبةُ
الماءِ ، فقـال واحـد من القـوم : لـو
اعـتزلتُ النسـاء فـي هذا الشعب ، ولن أفعل
ذلك حتى أذكـر لرسـول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) ، فـذكر لـه ، فقال رسول الله(صلى الله
عليه وآله وسلم) لا تفعل ، فانَّ مقام أحدكم
فـي سبيل الله ، خير من صلاته في أهله ستين
عاماً ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، وتدخلون
الجنة ؟ اغزوا في سبيل الله ، فانَّه مَن قاتل
في سبيل الله فواقَ ناقة ، أدخله الله الجنة »(52)
.
5 ـ روي عن أنس أنـَّه قال : « جاءَ ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم)يسألون عن عبادة النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، فلما اُخبروا ، كأنّهم
تقالّوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، وقد غفر الله له ما
تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ ، فقال أحدهم : أما أنا
فاُصلّي الليل أبداً ، وقال الاخر ، اني أصوم
الدهر ولا افطر ، وقال الاخر : إني أعتزل
النساء فلا أتزوج أبداً ، فجاء رسول الله(صلى
الله عليه وآله وسلم)فقال : أنتم الذين قلتم
كذا وكذا ؟ أما والله اني لاخشاكم لله ،
وأتقاكم له ، لكنّي أصوم ، وأفطر ، واصلي ،
وارقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس
مني »(53).
6 ـ خرَّج اسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة
أنه قال : « أراد ناس من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) أن يرفضوا الدنيا ، وتركوا النساء،
وترهبوا ، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) ، فغلَّظ فيهم المقالة ، وقال : إنما هلك
مَن كان قبلكم بالتشديد ، شدَّدوا على أنفسهم
، فشدَّد الله عليهم ، فاولئكَ بقاياهم في
الديار والصوامع ، اُعبدوا الله ، ولا تشركوا
به شيئاً ، وحجّوا ، واعتمروا ، واستقيموا ،
يُستقم بكم ، قال : ونزلت فيهم : ( يا أيُّها
الّذيَن آمنُوا لا تُحرِّمُوا طيِّباتِ ما
أحَلَّ اللهُ لَكُم ولا تَعتَدوا إنَّ اللهَ
لا يُحبُ المُعتَدينَ(54)
(55).
7 ـ ذكر اسماعيل عن يحيى بن يعمر :
« انَّ عثمان بن مضعون همَّ بالسياحة ، وهو
يصوم النهار ، ويقوم الليل ، وكانت امرأته
امرأةً عطرةً ، فتركت الكحل والخضاب ، فقالت
لها امرأة من ازواج النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) : أشهيد أنتِ أم مغيَّب ؟ قالت : بل شهيد ،
غير انَّ عثمان لا يريد النساء ، فذكرت ذلك
للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلقيه رسول
الله ، فقال له : أتؤمن بما نؤمن به ؟ قال:
نعم ، قال : فاصنع مثل ما نصنع ، لا تحرّموا
طيبات ما أحلَّ اللهُ لكم »(56)
.
8 ـ خرَّج ابن المبارك :
« انَّ عثمان بن مضعون أتى البني(صلى الله
عليه وآله وسلم) فقال : ائذن لي في الاختصاء ،
فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : ليس
منّا مَن خصي ولا اختصى ، إنَّ اختصاء امتي
الصيام ، قال : يا رسول الله! ائذن لي في
الترهب ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنَّ
ترهب اُمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة»(57).
9 ـ عن أنس بن مالك قال : « دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
المسجد ، وحبل ممدود بين ساريتين ، فقال : ما
هذا ؟ قالوا : لزينب تصلّي ، فاذا كسلت أو فترت
أمسكت به ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
حلّوه ، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
ليصلِّ أحدكم نشاطه ، فإذا كسل أو فتر فليقعد
»(58)
.
10 ـ روي عن علي(عليه السلام) أنه قال : « انَّ جماعة من الصحابة كانوا حرّموا على
أنفسهم النساء ، والافطار بالنهار،
والنوم بالليل ، فأخبرت اُم سلمة رسولَ الله(صلى
الله عليه وآله وسلم) ، فخرج إلى أصحابه ، فقال
: أترغبونَ عن النساء ، إني آتي النساء ، وآكل
بالنهار ، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنتي
فليس مني»(59).
11 ـ روي أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) قد مرَّ على رجل يصلّي على صخرة بمكة ،
فأتى ناحية مكة ، فمكث مليّاً ، ثم انصرف فوجد
الرجل يصلّي على حاله فقال(صلى الله عليه وآله
وسلم) : أيها الناس عليكم بالقصد والقسط ـ
ثلاثاً ـ فانَّ الله لن يملَّ حتى تملّوا »(60). |