فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

أسباب نشوء الِبدَع

( البـدايـات )

 

هناك عوامل عديدة أدَّت إلى ظهور ( البدع ) في حياة المسلمين ، وقد بدأت ظاهرة الابتداع بالنشوء والترعرع ، ومن ثمَّ الاتساع في أوائل عهد الرسالة الاسلامية ، ومنذ بدايات التشريع ، وأخذت ( البدع ) تتزايد وتتنوع كلما ابتعد الانسان عن هذا العصر ، وكلما جنحت حياته نحو السعة والتعقيد .
وكان للتحديات التي واجهها الاسلام على مرّ العصور ، والسياسيات اللادينية الحاكمة ، وما مَّر به المسلمون من ظروف تاريخية معقدة .. الدور الكبير في نشوء (البدع) وازدياد حدّتها ، وتناميها ، في جسد الكيان الاسلامي الكبير .
والذي يلاحظه المتأمل في فصول التاريخ الاسلامي الاُولى أنَّ ظاهرة الابتداع حينما وُلدت في حياة المسلمين وُلدت وهي بسيطة وساذجة ، تحمل الطابع البدائي ، والاسلوب العفوي ، والاندفاع السطحي ، ولا سيما تلك التي نشأت في حياة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكنَّ هذهِ الظواهر وبعد أنَّ ارتحل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المليك الاعلى بدأت تتخذ طابعاً كيفيًّا مؤثراً ، وأُسلوباً تخريبياً خطيراً ، وخصوصاً تلك ( البدع ) و (المحدثات ) التي يقف وراءها قصد التشويه والتحريف ، وقلب الحقائق والموازين الشرعية الثابتة ، والتي تنشأ عن اتباع الاهواء ، والانقياد مع الباطل ، والصدِّ عن صراط الله المستقيم ، والهدي النبوي القويم .
وقد وردت الاشارة في القرآن الكريم إلى أنَّ الامة الاسلامية ستمر بهذا المخاض، وتوضع على محكّ الفتنة ، وموازين الاختبار ، بعد وفاة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، حيث يقول الله عزَّوجلَّ : ( وَمَا مُحمّدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خَلتْ مِنَ قَبلهِ الرسُلُ أفَئن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انقَلبْتمْ عَلَى أعْقابِكمْ وَمَن يَنقلِبْ عَلَى عَقبيهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيئاً وَسيَجزي اللهُ الشَّاكِرينَ )( 1 ).
ولم يكن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ليترك التعبير عمّا كان يقرأه في صفحات الغيب ، وما يراه على جبين المستقبل القريب ، مما سيؤول إليه أمر الامة الاسلامية من التشتت والتفرق والتمزيق ، بعد رحيله إلى الرفيق الاعلى ، فقد كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يحذِّر المسلمين بين الحين والاخر من مغبّة الوقوع في متاهات البدع والاهواء ، والانحراف عن الطريق الحق، والصراط المستقيم ، إلى حيث السبل المتشتتة ، والمسالك الضالة .
روي عن ابن مسعود أنه قال :« خط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خطاً بيده ثم قال : هذا سبيل الله مستقيماً ، ثمَّ خطَّ خطوطاً عن يمين ذلك وعن شماله ثم قال : وهذهِ السبل ، ليس من سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : ( وَأنَّ هَذا صِرَاطي مُستقِيماً فَاتّبِعوهُ وَلاَ تَتبعُواْ السبُلَ فَتفَرقَ بكُمْ عَن سَبيلِهِ( 2 ) ( 3 ) .
ويبِّين النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لامته أنَّهم سيمرون من بعده بفتن مظلمة ، ومخاضات عسيرة ، تنجرف معها طبقات كثيرة من المسلمين ، فهو يقول :« يوشك الامم أن تداعى عليكم كما تداعى الاكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : من قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن ، قيل : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت »( 4 ) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : « بادروا بالاعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا»( 5 ) .
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« إذا فُتحت عليكم فارس والروم أيّ قوم أنتم ، قال عبد الرحمن بن عوف : نقول كما أمرنا الله ، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : أو غيرُ ذلك ، تتنافسون ، ثم تتحاسدون ، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون ، أو نحو ذلك ، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين ، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض »( 6 ) .
وعن افتراق الامة الاسلامية وتمزقها واتباعها سنن الامم الماضية من التيه والضلال والانحراف ، يتحدث الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً :« كل ما كان في الامم السالفة ، فانَّه يكون في هذهِ الامه مثله ، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة »( 7 ) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى : ( لَتركَبُنَّ طَبقاً عَن طَبَق )( 8 ) أنه قال :« حالاً بعد حال ، لتركبنَّ سنة مَن كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة ، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ ، شبر بشبر ، وذراع بذراع ، وباع بباع ، حتى أنه لو كان قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : اليهودَ والنصارى تعني يا رسول الله ؟ قال : فمن أعني ؟ لتنقضنَّ عرى الاسلام عروة عروة ، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الامانة ، وآخره الصلاة »( 9 ) .
ونلاحظ أنَّ النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) مبالغةً في إيضاح معالم الطريق الحق أمام المسلمين ، وتحديد الرؤية الدقيقة التي لا تسمح بالشك والتوقف والترديد ، ينص على الفرقة الناجية من هذهِ الفتن والمدلهمات ، ويشخّص الرائد الاول لمسيرة النجاة ، فيقول(صلى الله عليه وآله وسلم) :« يا علي مثلكَ في امتي مثل المسيح عيسى بن مريم ، افترق قومه ثلاث فرق ، فرقة مؤمنون به وهم الحواريون ، وفرقة عادوه وهم اليهود ، وفرقة غلّوا فيه فخرجوا عن الايمان ، وانَّ امتي ستفترق فيكَ ثلاث فرق ، فرقة شيعتُكَ وهم المؤمنون ، وفرقة أعداؤك وهم الناكثون ، وفرقة غلّوا فيكَ وهم الجاحدونَ السابقون ، فانت يا علي وشيعتكَ في الجنة ، ومحبُّو شيعتك في الجنة ، والغالي فيكَ في النار »(10) .
وذكر علي(عليه السلام) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة ، سبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة ، وهي التي اتبعت وصيَّه ، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة ، فاحدى وسبعون فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة، وهي التي اتبعت وصيَّه ، وستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة ، اثنان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، وهي التي اتبعت وصيي ، ـ يقول علي(عليه السلام) ـ وضرب بيده على منكبي ثم قال :اثنان وسبعون فرقة حلَّت عقدَ الاله فيك ، وواحدة في الجنة ، وهي التي اتخذت محبتكَ ، وهم شيعتُكَ » (11) .
ويذكر النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) مسمّيات صريحة للانشقاقات البارزة ، والمحدثات الخطيرة التي ستحصل من بعده ، تكريساً لمفهوم الفرقة الناجية ، وبلورة أبعادها ومعالمها بكل تفصيل ، وايغالاً في إلقاء الحجّة البالغة على المسلمين ، فنراه(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواضع متعددة يُسمّي الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين ، وغير هؤلاء من فرق الضلال الاخرى ، فقد روي .
« إنَّ رجلاً أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم حنين ، وهو يقسِّم تبراً فقال: يا محمَّد اعدل ! فقال : ويحكَ مَن يعدل إذا لم أعدل ؟! ـ أو عند مَن يلتمس العدل بعدي ؟! ـ ثم قال : يوشك أن يأتي قوم مثل هذا ، يسألون كتاب الله وهم أعداؤه ، يقرأون كتاب الله ولا يحل حناجرهم ، محلقة رؤوسهم ، فإذا خرجوا فاضربوا رقابهم »(12) .
وجاء في ( شرح النهج ) لابن ابي الحديد عن علي(عليه السلام) :« انَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال له : إنَّ الله قد كتب عليكَ جهاد المفتونين ، كما كتب عليَّ جهاد المشركين ، قال : فقلت : يا رسول الله ، ما هذهِ الفتنة التي كتب عليَّ فيها الجهاد ؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :قوم يشهدون ان لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ، وهم مخالفون للسنة .
فقلتُ : يا رسول الله ، فعلامَ اُقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :على الاحداث في الدين ، ومخالفة الامر . فقلت : يا رسول الله ، إنكَ كنتَ وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يجعلها لي بين يديكَ ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :فمن يقاتل الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين ؟ أما اني وعدتك الشهادة ، وستستشهد ، تُضرب على هذهِ فتخضب هذه ، فكيف صبرك إذن ؟
قلت : يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر ، هذا موطن شكر ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :أجل أصبت ، فاعدَّ للخصومة ، فانكَ مخاصَم .
فقلت : يا رسول الله لو بَّينت لي قليلاً ! فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :انَّ امتي ستُفتن من بعدي ، فتتأول القرآن ، وتعمل بالرأي ، وتستحل الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية ، والربا بالبيع ، وتحِّرف الكتاب عن مواضعه ، وتغلب كلمة الضلال ، فكن جليس بيتكَ حتى تقلَّدها ، فإذا قلَّدتها ، جاشت عليكَ الصدور ، وقلبت لك الامور ، تقاتل حينئذ على تأويل القرآن ، كما قاتلتَ على تنزيله ، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى .
فقلت : يا رسول الله فبأي المنازل اُنزل هؤلاء المفتونين من بعدك ؟ أبمنزلة فتنة ، أم بمنزلة ردّة ؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدْل .
فقلت : يا رسول الله ، أيدركهم العدل منّا ، أم من غيرنا ؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :بل منّا ، بنا فتح الله ، وبنا يختم ، وبنا ألَّف الله بين القلوب بعد الشرك ، وبنا يؤلّف بين القلوب بعد الفتنة .
فقلت : الحمد لله على ما وهبَ لنا من فضله »(13) .
وعن قيس بن أبي حازم قال :« قال علي للزبير : أما تذكر يوم كنت أنا وأنت في سقيفة قوم من الانصار ، فقال لكَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أتحبُّه ؟ فقلت : وما يمنعني ، قال : أما انكَ ستخرج عليه ، وتقاتله وأنت ظالم » (14) .
وجاءَ في ( مسند أحمد ) عن قيس أنه قال :« لمّا أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً ، نبحت الكلاب ، قالت : أيُّ ماء هذا ؟ قالوا : ماء الحوأب قالت : ما أظنني إلاّ اني راجعة ، فقال بعض مَن كان معها : بل تقدمين فيراكِ المسلمون فيصلح الله عزَّوجلَّ ذات بينهم ، قالت : إنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لها ذات يوم : كيف باحداكنَّ تنبح عليها كلابُ الحوأب »(15) .
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أنه قال لعلي(عليه السلام) :« أنه سيكون بينكَ وبين عائشة أمر ، فإذا كان كذلك فارددها إلى مأمنها »(16) .
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لازواجه :« أيتكنَّ صاحبة الجمل الازَبّ ، تُقتل حولها قتلى كثيرة ، تنجو بعد ما كادت »(17) .
وعن حذيفة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« أرأيتكم لو حدّثتكم أنكم تأخذون كتابكم فتحرقونه وتلقونه في الحشوش صدّقتموني ؟ قالوا : سبحانَ الله ! ويكونُ هذا ؟ قال : أرأيتكم لو حَّدثتكم أنكم تكسرون قبلتكم صدقتموني ؟ قالوا : سبحانَ الله ! ويكون هذا ؟ قال : أرأيتكم لو حدّثتكم أنَّ امَّكم تخرج في فرقة من المسلمين وتقاتلكم صدقتموني؟ قالوا : سبحانَ الله ! ويكون هذا؟!» (18).
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« ويح ابن سُميّة ! تقتله الفئة الباغية »(19) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« من لقي الحرورية فليقتلهم »(20) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« مَن قتله الحرورية فهو شهيد »((21) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« .. عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن اقاتل الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين »(22) .
وعن أنس قال :« أشهد اني سمعت رسول الله يقول : إنَّ قوماً يتعمقون في الدين يمرقون منه ، كما يمرق السهم من الرمية » (23) .
وعن أبي أيوب الانصاري قال :« انَّ رسول الله عهد الينا أن نقاتل مع علي الناكثين ، فقد قاتلناهم ، وعهد الينا أن نقاتل معه القاسطين ، فهذا وجَّهنا اليهم ـ يعني معاوية وأصحابه ـ وعهد الينا ان نقاتل مع علي المارقين ، فلم أرهم بعد » (24).
وقال ( ابن أبي الحديد ) في ( شرح النهج ) :« قد تظافرت الاخبار حتى بلغت حدَّ التواتر بما وعد الله تعالى قاتلي الخوارج من الثواب على لسان رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) »(25).
إذن فبداية وقوع الفتن والمحدثات رافقت بدايات التشريع الاسلامي زماناً ، وكانت بذورها موجودةً في فترة وجود النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بين ظهراني الامة ، إلاّ ان بعض الدعوات والاصوات لم يكن بامكانها الجهر بمآربها وطموحاتها المقاطعة لشريعة الاسلام ومبادئه ومبانيه ، باعتبار الحصانة التي كان يمتلكها التشريع الاسلامي آنذاك بوجود شخص الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ أنه كان يمثل المحور الذي تلتف حوله الامة الاسلامية بشكل عام ، من دون أن يتجرأ أحد ـ أيّاً كان ـ من أن يعلن أيَّ مظهر من مظاهر الخلاف ، وأن يصرح بدعوة من هذا القبيل .
ولم يكن من السهل اكتشاف تلك الطبقات المبطّنة من قبل المسلمين ، وظهور دخائل نفوسهم للملا العام ، لانهم كانون يتسترون في الظاهر بالاسلام ، ويحتمون بعنوانه العام ، الذي اتخذوه وسيلة للتآمر على الشريعة المقدسة من قرب ، واضمار المنازلة معها بعد غياب صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ساحة الصراع المبيَّت .
وكان أن لقي الاسلام أعنف ضربة تاريخية لثوابته ومبادئه على أيدي بعض تلك المجاميع التي كانت تعيش حول الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتنتظم ضمن طبقة اصحابه ومرافقيه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد ساهمت بعض تلك المجاميع مساهمة كبيرة في تأجيج جذوة الفتن والمحدثات الاولى ، التي اصبحت بعد ذلك أساساً ومصدراً لكل ألوان التحريف والفساد التي اُصيب بها الاسلام في منطلقاته ومواقعه اللاحقة كافة .
وفي نفس الوقت نجد أنَّ هناك طبقة كبيرة من الصحابة وقفت بوجه البدع والمحدثات مواقف رسالية خالدة ، أخذ يرددها التاريخ بفخر واعتزاز .
روى البخاري في صحيحه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« أنا على حوضي أنتظر مَن يرد عليَّ فيؤخذ بناس من دوني ، فأقول امتي ، فيقول : لا تدري مشوا على القَهقرى »(26) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« أنا فرطكم على الحوض ، ليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم ، حتى إذا أهويت لاناولهم ، اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربِّ أصحابي ! فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك»(27).
وروت ام سلمة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« إنَّ من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبداً »(28) .
وروى سهل بن سعد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« اني فرطكم على الحوض ، مَن مرَّ عليَّ شرب ، ومَن شرب لم يظمأ أبداً ، ليردنَّ عليَّ أقوام ، أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم .. فأقول انَّهم مني ، فيقال ، إنكَ لا تدري ما أحدثوا بعدَكَ ، فاقول : سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي »(29) .
وعن عبدالله بن مسعود عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« وإني فرطكم على الحوض ، وإني ساُنازع رجالاً ، فاغلب عليهم ، فأقول : يا ربِّ أصحابي ، فيقول : إنكَ لا تدري ما أحدثوا بعدك »(30) .
وقد مَّرت الامة الاسلامية نتيجة لتلك الفتن الحالكة بمنعطفات حادة كادت أن توجّه إليه الضربة القاتلة ، لو لا ما كان يتمتع به أهل البيت(عليهم السلام) وعلى رأسهم أمير المؤمنين(عليه السلام) بالصبر والحكمة واليقظة الدائمة ، والحرص على بقاء اُسس التشريع الاسلامي ثابتة ، ومعاملة الرئيسية محفوظة ، على الرغم من ان الامة الاسلامية قد ابتعدت في مسيرتها عن الكثير من الخصوصيات والتفاصيل التي تتعلق بحقوقهم(عليهم السلام) .
وسوف نتعرض إلى مجمل الدور الرسالي الذي تحمِّل أعباءه أهل البيت(عليهم السلام) في إطار مواجهة ظاهرة ( الابتداع ) ومكافحتها بمختلف الوسائل والاساليب في لاحق دراستنا هذه إن شاء الله تعالى .
والان ننتقل إلى استعراض أهم العوامل التي أدت إلى نشوء ظاهرة ( الابتداع ) في حياة المسلمين ، وخصوصاً تلك التي نشأت في بدايات التشريع الاسلامي وأصبحت أساساً تتفرع منه البدع الاخرى ، وذلك ضمن النقاط التالية :

( 1 )آل عمران : 144 .
( 2 )الانعام : 153 .
( 3 )جلال الدين السيوطي ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ج : 3 ، ص : 56 .
( 4 )أبو داود السجستاني ،سنن أبي داود ، ج : 4 ، كتاب الملاحم ، ح : 4297 ، ص : 111 .
( 5 ) الترمذي ، سنن الترمذي ، ج : 4 ، كتاب الفتن ، باب : 30 ، ح : 2195 ، ص : 422 .
( 6 )مسلم ، صحيح مسلم بشرح النووي ، ج : 18 ، كتاب الزهد ، ص : 96 .
( 7 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 28 ، كتاب الفتن والمحن ، باب : 1 ، ح : 15 ، ص : 10 .
( 8 ) الانشقاق : 19 .
( 9 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 28 ، كتاب الفتن والمحن ، باب : 1 ، ح : 11 ، ص : 8 .
(10) الخوارزمي ، المناقب ، تحقيق : مالك المحمودي ، الفصل : 19 ، ح : 318 ، ص : 317 .
(11) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 28 ، كتاب الفتن والمحن ، باب : 1 ، ح : 30 ، ص : 13 .
(12)علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31220 ، ص : 199 .
(13) ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج : 9 ، ص : 206 .
(14) الحاكم النيسابوري ، المستدرك على الصحيحين ، وبذيله التلخيص للحاكم الذهبي ، ج : 3 ، كتاب معرفة الصحابة ، ص : 366 .
(15) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 6 ، ح : 23733 ، ص : 52 .
(16) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31212 ، ص : 197 .
(17) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31667 ، ص : 333 .
(18)
علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31693 ، ص : 341 .
(19)
ابن منظور ، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ، تحقيق روحية النحاس ، ج : 18 ، ص : 218 .
(20)
علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31257 ، ص : 208 .
(21)
علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31258 ، ص : 208 .
(22)
علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31649 ، ص : 327 .
(23) علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31543 ، ص : 288 .
(24)
علاء الدين الهندي ، كنز العمال ، ج : 11 ، ح : 31720 ، ص : 352 .
(25)
ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج : 2 ، ص : 265 .
(26)
البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 8 ، كتاب الفتن ، ح : 1 ، ص : 86 .
(27) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 7 ، كتاب الرقاق ، ص : 206 .
(28 أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 6 ، ح : 26119 ، ص : 312 .
(29) البخاري ، صحيح البخاري ، ج : 7 ، كتاب الرقاق ، ص : 208 .
(30) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، ج : 1 ، ح : 3856 ، ص : 408 .