مـواجهة الابتـداعمن خلال هذا الاستعراض المجمل للخطوط الرئيسية التي تشكل مفردات الحصانة لوقاية التشريع من الدس والافتراء والتحريف .. ندرك الفلسفة التي تقف وراء الكفاح النبوي اللاحب لمواجهة البدع ومحدثات الامور ، والتشديد على مرتكبها بألوان التهديد والوعيد ، وتحميل العلماء مسؤولية الذب عن الدين ، وحماية حريمه ومقدساته ومضامينه ، من خلال اظهار علومهم ، ونشر معارفهم ، في حالة نشوء هذه المحدثات المعرقلة لحركة الشريعة ، والمعطّلة لفاعليتها وتأثيرها في الحياة على الوجه المطلوب ، وقد اعتبرت الشريعة العالم الذي لا يقوم بواجبه الديني عند بروز هذه الظواهر الخطيرة إنساناً خائناً لموقعه ورسالته في المجتمع ، وكاتماً لما أنزله الله تعالى على نبيه الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)من تعاليم وأحكام ، إذ انَّ هذا الذب والدفاع يعتبر من أبرز مهام العالم الديني الذي ائتمنته الشريعة على تعاليمها ومقدساتها ، وأول الواجبات الملقاة على عاتقه في هذا السبيل ، فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: « إذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله » ( 1 ) . وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « إذا ظهرت البدع ، ولعن آخر هذه الامة أولها ، فمن كان عنده علم فلينشره ، فانَّ كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمّد » ( 2 ). وعن الصادقين(عليهما السلام) انهما قالا : ا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ، فإن لم يفعل سُلب نور الايمان »( 3 ).
وسوف نستعرض معاً طائفة من الروايات التي واجهت ظاهرة الابتداع ، وأكدت
على استئصالها ضمن هذه العناوين : 1 ـ ذم البدع والتحذير منها :قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ »( 4 ) . وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« الامر المفظع ، والحمل المضلع ، والشر الذي لا ينقطع ، إظهار البدع»( 5 ) . وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم »( 6 ). وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« إيّاكم والبدع ، فانَّ كلَّ بدعة ضلالة ، وكل ضلالة تسير إلى النار »( 7 ). وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« مَن غشّ من امتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، قالوا : يا رسول الله : وما الغش ؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها »(( 8 ) . وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« لا يُقبل قول إلاّ بعمل ، ولا يُقبل قول وعمل إلاّ بنية ، ولا يقبل قول وعمل ونية إلاّ باصابة السنة »( 9 ) . وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :« ألا وكل بدعة ضلالة ، ألا وكل ضلالة في النار »( 10 ) . وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« ما اُحدثت بدعة إلاّ تُركَ بها سنّة ، فاتقوا البدع ، والزموا المهيَع(11) ، وانَّ عوازم الامور أفضلها ، وانَّ محدثاتها شرارها »(12) . وعنه(عليه السلام) :« أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع ، وأحكام تُبتدع ، يُخالف فيها كتاب الله ، يقلِّد فيها رجال رجالاً على غير دين الله »(13) . وعنه(عليه السلام) :« إنَّ الله بعث رسولاً هادياً بكتاب ناطق وأمر قائم ، لا يهلك عنه إلاّ هالك ، وان المبتدعات المشبهات هنَّ المهلكات ، إلاّ ما حفظ الله منها »(14) . 2 ـ التنكيل باصحاب البدع وذمهمجاءَ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« أصحاب البدع كلاب النار »(15). وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« أهل البدع شر الخلق والخليقة »(16). وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« يجيء قوم يُميتون السنّة ، ويوغلونَ في الدين ، فعلى اولئكَ لعنة الله ، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين »(17). وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :« أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأياً فيحب عليه ويبغض عليه »(18). وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى : ( وَالذِينَ كَسبُواْ السَّيئَاتِ جَزاءُ سَيِئة بِمثلِهَا وَتَرهقُهمْ ذِلةٌ مَالَهم مِنَ اللهِ مِن عَاصِم )(19) قال(عليه السلام) :« هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات ، يسوّد اللهُ وجوههم ثم يلقونه »(20).
وعن يونس بن عبد الرحمن قال :« قلت لابي الحسن الاول(عليه السلام) : بمَ
أوحّد الله ؟ فقال : يا يونس لا تكوننَّ
مبتدعاً ، مَن نظر برأيه هلكَ ، ومَن ترك أهل
بيت نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)ضلَّ ، ومَن
ترك كتاب الله وقول نبيه كفر »(21). 3 ـ التأكيد على مقاطعة المبتدعين :
كما
جاءت جملة كبيرة من الاخبار لتدلل على ضرورة
مقاطعة المبتدعين ، وهجرانهم ، وعدم معاشرتهم
بشكل مطلق ، تأكيداً على بشاعة هذا الامر ،
وأيغالاً في شجبه ومواجهته ، فمن ذلكَ ما ورد
عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال
:« مَن وقَّر صاحب بدعة فقد أعانَ على هدم
الاسلام »(29)
.
وعنه(صلى
الله عليه وآله وسلم) :«مَن أرعبَ صاحب بدعة ، ملا الله قلبه أمناً
وايماناً ، ومَن انتهر صاحب بدعة ، آمنه الله
من الفزع الاكبر ، ومَن أهانَ صاحب بدعة ،
رفعه الله في الجنة درجة ، ومَن لانَ له لقيه
تبشبشاً ، فقد استخف بما اُنزل على محمّد »
(32). وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :«إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي ، فاظهروا البراءة منهم ، واكثروا من سبِّهم ، والقول فيهم والوقيعة ، وباهتوهم ، كي لا يطمعوا في الفساد في الاسلام ، ويحذرهم الناس ، ولا يتعلمون من بدعهم ، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ، ويرفع لكم به الدرجات في الاخرة » (35).
4 ـ عدم قبول توبة المبتدع :وبما
انَّ الاثر السيء لصاحب البدعة لا ينحصر في
نطاق شخص صاحبه ، وحياته الخاصة ، وانما يتعدى
ذلك إلى الحياة الاجتماعية العامة ، فيؤثر
فيها سلباً ، ويعرقل حركتها، ويشوّه
معالمها ، نتيجة الدس والتحميل والافتراء ،
ووضع العقبات أمام القانون الالهي من أن يأخذ
مساره الطبيعي في توجيه الفرد والمجتمع ،
والوصول بالبشرية إلى حيث السعادة والكمال ،
فقدتم التاكيد أيضاً على إغلاق باب التوبه في
وجه المبتدع ، وأنَّ أعمال البر لا تُقبل منه
، وأنَّ المبتدع يحمل وزره ووزر مَن عمل
ببدعته ، لانَّه المسؤول الاول عن ذلك ، قال
تعالى : (لِيحمِلواْ أوْزارهمْ كَامِلةً يَومَ
القِيامَةِ وَمِنْ أوْزارِ الذِينَ
يُضلونَهُم بِغَيرِ عِلم )
(36).
|
|
( 1 ) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : البدع والرأي والمقايئس
، ح : 2 ، ص : 54 . |