الخط الرابع : التوقّف عند الشبهات
اكّدت الشريعة على ضرورة
التوقف عند الشبهات ، وعدم اقتحامها ، وضرورة
التثّبت عندها ، من أجل الاحتياط في الدين ،
وضمان سلامة التحرك في حدوده المشروعة وفي
ضمن اطاراته المقررة ، ولكي لا يقع المكلف في
مخالفة شرعية ولو على مستوى الاحتمال ، حرصاً
على ايجاد الفواصل المنيعة بين المحللات
والمحّرمات ، وتلافياً لاحتمال اختلاط بعضها
بالبعض الاخر .
قال رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) : «
أيها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة ،
وحرامي حرام إلى يوم القيامة ، ألا وقد
بيَّنهما الله عزَّوجلَّ في الكتاب ،
وبيَّنتُهما في سيرتي وسنتي ، وبينهما شبهات
من الشيطان وبدع بعدي ، مَن تركها صلح له أمر
دينه ، وصلحت له مروته وعرضه ، ومَن تلبَّس
بها ووقع فيها واتبعها كان كمن رعى غنمه قرب
الحمى ، ومَن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته
نفسه أن يرعاها في الحمى ، ألا وانَّ لكل ملك
حمى ، ألا وانَّ حمى الله عزَّ وجلَّ محارمه ،
فتَوقَّوا حمى الله ومحارمه ».
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم)
أنه قال :« دع
ما يريبكَ إلى ما لا يريبكَ ، فانكَ لن تجد
فقدَ شيء تركته لله عزَّوجلَّ »
).
وعن أمير المؤمنين(عليه
السلام) في وصيته لكميل بن زياد أنه قال :« يا
كميل أخوكَ دينكَ فاحتط لدنيك بما شئت »
(97)
وعن أبي عبد الله الصادق(عليه
السلام) أنه قال :«
الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة
، وتركُكَ حديثاً لم تروه خير من روايتكَ
حديثاً لم تحصه »
(98).
وعنه أيضاً(عليه السلام) أنه
قال : «
أورع الناس مَن وقفَ عند الشبهة »
(99) .
الخط الخامس : الرجوع في تفاصيل التشريع إلى العلماء
تظافرت الادلة على أمرِ ارجاع الشريعة الاسلامية مكلَّفيها إلى العلماء
المؤتمنين على الدين في فروع المسائل الشرعية وتفصيلاتها ، والترغيب في طلب
المعرفة قدر المستطاع، قال تعالى :( فَلوْلاَ نَفرَ مِن كُلِّ
فِرقة مِنهمْ طَائِفةٌ لِيَتفقهُواْ فِي الدِينِ وَلينذِرواْ قَومَهمْ إذَا
رَجعُواْ إِليهِمْ لَعلَّهُم يَحذَرونَ )(100).
وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال :« عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد »(101).
وعن معاوية بن عمّار قال :« قلتُ لابي عبدالله(عليه السلام) : رجل راوية لحديثكم يبث ذلكَ في الناس
، ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ، ولعلَّ عابداً من شيعتكم ليس له هذه الرواية ،
أيهما أفضل ؟ قال : الراوية لحديثنا
يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد »
(102).
وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال :« سمعتُ الرضا(عليه السلام) يقول :
رحمَ اللهُ عبداً أحيى أمرنا ، قلت : وكيف يحيي
أمركم ؟ قال : يتعلم علومنا ويعلمها
الناس »(103) .
وقد حمَّلت الشريعة هؤلاء العلماء وظيفة حفظ معالم التشريع ، واستفراغ
الوسع في الذب عن حريم الاسلام العظيم ، واعلاء كلمته ، وادامة خط الانبياء
والمرسلين(عليهم السلام)في تبليغ الرسالة ، وأدائها للناس ، وفي تحّمل مهامهم
الجسيمة ، ووظائفهم الثقيلة ، فيكونوا بذلك ورثة حقيقيين لمعارفهم وعلومهم ، فقد
ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« اللهم ارحم خلفائي ، قيل
: يا رسول الله ، ومَن خلفاؤك ؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي »(104).
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« الفقهاء اُمناء الرسل ، ما لم يدخلوا في الدنيا ، قيل : يا رسول الله ، وما دخولهم في الدنيا ؟ قال (صلى الله عليه وآله
وسلم) : اتباع السلطان ، فان فعلوا ذلك ، فاحذروهم على دينكم »(105) .
ولم يكن هذا التأهيل تأهيلاً عفوياً ، وانّما كان مبنياً على اُسس موضوعيه
دقيقة ، ومؤهلات ذاتية مقوِّمة ، فقد افترضت الشريعة الاسلامية فيهؤلاء
العلماء المتصدين شروطاً دقيقة وحساسة ترشحهم لهذا المنصب الخطير ، فعن أبي
عبدالله(عليه السلام) في قول الله عزَّوجلَّ : (
إِنّما يخشَى اللهَ مِن عِبادهِ العُلماءُ )(106) ، قال :« يعني بالعلماء : مَن صدقَ فعلُه قولَه ، ومَن لم يصدق فعله قوله فليس
بعالم »(107)
.
وورد عن الامام العسكري(عليه السلام) أنه قال :« مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ،
مخالفاً لهواه ، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه »(108) .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« ألا اُخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ مَن لم يُقَّنِطّ
الناس من رحمة الله ، ولم يؤّمنهم من عذاب الله ، ولم يرخّص لهم في معاصي الله ،
ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره ، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم ، ألا لا
خير في قراءة ليس فيها تدبّر ، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر »(109) .
وعن الامام الرضا(عليه السلام) أنه قال :« إنَّ من علامات الفقيه الحلم والصمت »(110) .
فاذا توفرت هذه الشروط والمؤهلات في عالم معَّين وجب على العوام الرجوع
إليه في شؤون ، دينهم وتحتم عليهم أن يأخذوا عنه معالم التشريع ، فقد ورد عن اسحاق
بن يعقوب انه قال :« سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل
أشكلت عليَّ ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان(عليه السلام)...
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ،
فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم »(111) .
وعن أبي يعفور قال :« قلت لابي عبدالله(عليه السلام) : أنه ليس كلّ ساعة ألقاك ، ولا يمكن
القدوم ، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني ، وليس عندي كل ما يسألني عنه ،
فقال(عليه السلام) : فما يمنعكَ من
محمّد بن مسلم الثقفي ؟ فانه قد سمع عن أبي وكان عنده وجيهاً»(112).
وعن الحسن بن علي بن يقطين قال :« قلت لابي الحسن الرضا(عليه السلام) : جُعلت فداكَ لا أكاد أصل اليكَ
لاسئلكَ عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني ، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما
أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال(عليه السلام) :
نعم »(113) .
ومن جانب آخر نجد أنَّ الشريعة قد أوصت هؤلاء العلماء المتصدّين لامر
الفتيا في الدين بالتقيّد بالحجة ، واعتماد الدليل المقر من قبل الشريعة ، وأن
يوثِّقوا كل ما يصدر عنهم من أقوال في شأن التشريع بالادلة والبراهين والمدارك
المعتبرة ، كما جاء التحذير الشديد عن مخالفة هذه الضوابط والحدود ، والافتاء
للناس من غير علم ، فقد قال تعالى:( وَلاَ تَقوُلوا لِمَا تَصِفُ
أَلسِنَتُكمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْترواْ عَلَى اللهِ
الكَذِبَ إنَّ الِذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللهِ الكذِبَ لا يُفلِحونَ )(114) .
وقال تعالى :( وَمَنْ أظْلمُ مِمنِ افْترَى
عَلَى اللهِ كَذِباً أوْ كذَّبَ بآيَاتِهِ إنَّه لا يُفلِحُ الظالِمُونَ)(115).
وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال :« مَن أفتى الناس بغير علم ولا هدىً لعنته ملائكة
الرحمة ، وملائكة العذاب ، ولحقه وزر مَن عمل بفتياه »(116) .
وعن زرارة بن أعين قال :« سألت أبا جعفر(عليه السلام) : ما حق الله على العباد ؟ فقال(عليه
السلام): أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا
عند ما لا يعلمون »(117) .
وعن المفضل بن يزيد قال :« قال لي أبو عبدالله(عليه السلام) :
أنهاكَ عن خصلتين فيهما هلاك الرجال : أنهاكَ أن تدينَ الله بالباطل ، وتفتي الناس
بما لا تعلم »(118)
الخط السادس : عدم جواز الاجتهاد في مقابل التشريع
يتمثل الخط السادس ببيان أنَّ التشريع الالهي
أمر توقيفي لا يجوز الاجتهاد في مقابله ، أو
الادلاء برأي شخصي في شأنه ، لانَّه صادر من
الكمال المطلق المحيط بكل جزئيات الحياة ،
والمستوعب لمختلف أجوائها وظروفها ،
والتشديد على أية ظاهرة تشريعة تحاول أن تحدث
منفذاً في هذا الاطار العام ، أو تصنع نفسها
بديلاً عن القوانين الالهية الشاملة ، وكان
بسبب ذلك أن حذَّرت الشريعة الاسلامية
تحذيراً شديداً من الكذب والافتراء على الله
ورسوله ، من خلال حشد كبير من الايات القرآنية
والاحاديث الشريفة ، فمن ذلك قوله تعالى :( فَمنْ أظَلمُ مِمنِ افْترَى عَلَى اللهِ
كَذِباً أوْ كَذَّبَ بِآيَاتهِ إِنَّهُ لاَ
يُفْلحُ المُجرِمونَ)(119)
.
وقوله تعالى ( قُلْ أَرأيتُم مَّا أَنزَل
اللهُ لَكُم مِن رِزق فَجَعلتُم مِنْهُ
حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ اللهُ أذِنَ لَكُم
أمْ عَلَى اللهِ تَفْترونَ ... )(120).
وقوله تعالى ( إنّمَا يَفْترِي الْكَذِبَ
الَّذينَ لاَ يؤمِنونَ بِآيَاتِ اللهِ )(121)
.
وقوله تعالى (وَلاَ تَقولُواْ لِما تَصِفُ
السِنتُكمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا
حَرامٌ لِتفْترُواْ عَلَى اللهِ الكَذِبَ
إِنَّ الَّذِينَ يَفترُونَ عَلَى اللهِ
الكَذِب لاَ يُفلحُونَ )(122)
.
وقوله تعالى : (وَيَومَ القِيامَةِ تَرى
الَّذِينَ كَذبُواْ عَلَى اللهِ وُجُوههُم
مُّسَودّةٌ أليسَ فِي جَهنَّمَ مَثْوى
لِلمُتكَبرِينَ )(123)
.
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انه
قال :« اتقوا تكذيب الله ! ، قيل : يا رسول الله وكيف
ذاك ؟ قال : يقول أحدكم : قال الله، فيقول
الله عزَّوجلَّ : كذبت لم أقله ، ويقول لم يقل
الله ، فيقول عزَّوجلَّ : كذبت قد قلته»(124)
.
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال :« مَن قال عليَّ ما لم أقله فليتبوأ مقعده من
النار »(125)
.
وفي حديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
قال :« مَن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من
النار »(126)
.
وعن الامام الرضا(عليه السلام) أنه قال :« والله ما أحد يكذّب علينا إلاّ ويذيقه الله
حرَّ الحديد »(127)
.
كما حذَّرت الشريعة تحذيراً شديداً من أي لون
من ألوان الاستدلال العقلي الذي لا يحمل
غطاءاً شرعياً ، ولا يستند إلى اساس راسخ في
الدين ، من أمثال الرأي والقياس والاستحسان ،
وغلَّظت على هذه الحالة الدخيلة في مجموعة
كبيرة من الايات والروايات أيضاً ، قال تعالى
:( وَمَنْ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبعَ هَوَاهُ
بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللهِ )(128)
.
وقال تعالى : ( وَلاَ تَتبعِ الْهَوى فُيضلكَ
عَن سَبيلِ اللهِ إنَّ الَّذِينَ يَضلّونَ
عَن سَبيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيد بِمَا
نَسُواْ يَوْمَ الحِسابِ )(129)
، وقال تعالى : ( أَمْ لَهُمْ شُركَاء شَرعُواْ
لَهمُ مِن الدِينِ مَا لَمْ يَأذَن بِهِ
اللهُ )(130)
.
وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه
قال :« قال الله جلَّ جلاله : ما آمن بي مَن فسَّر
برأيه كلامي ، وما عرفني مَن شبَّهني بخلقي ،
وما على ديني مَن استعمل القياس في ديني »(131).
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال :« لا رأي في الدين »(132).
وعن ابي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال :« إنَّ السنة لا تُقاس ، وكيف تقاس السنة
والحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة »(133).
وعن سعيد الاعرج قال :« قلتُ لابي عبدالله(عليه السلام) : إنَّ من
عندنا ممن يتفقه يقولون: يرد علينا ما لا
نعرفه في كتاب الله ولا في السنة ، فنقول فيه
برأينا ، فقال أبو عبدالله(عليه السلام) :
كذبوا ، ليس شيء إلاّ وقد جاءَ في الكتاب ،
وجاءت فيه السنة »(134)
.
وعن سماعة قال :« قلت لابي الحسن(عليه السلام) : إنَّ عندنا
مَن قد أدرك أباك وجدَّك وانَّ الرجل منّا
يبتلي بالشيء لا يكون عندنا فيه شيء ، فيقيس ؟
فقال : إنَّما هلكَ مَن كان قبلكم حين قاسوا»(135)
. |