فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الباب الاول

حصانة التشريع وخطورة الابتداع

عناصر ديمومة التشريع

 

تمهيد

يعتبر عنصر العمومية والشمول الذي تتميَّز به تعاليم الشريعة الاسلامية الخاتمة من أبرز العناصر والمقومات التي تمنح هذهِ الشريعة المقدّسة قابلية الديمومة والبقاء ومواكبة السلوك الانساني المتحّرك والمتغيِّر باستمرار .
فقد اُريد لهذه الشريعة أن تمتد في اُفق الحياة إلى حيث اللحظات الاخيرة، وتلبيّ جميع احتياجاتها ، وتستوعب مختلف أبعادها، بالرؤية الواضحة، والتكليف المشخص، والموقف العملي المحدّد ، من خلال المفاهيم والاحكام المتنوعة التي عالجت جميع جوانب الوجود، ودخلت في كل تفاصيله، انطلاقاً من كون الشريعة الاسلامية هي الشريعة الخاتمة، وهي الشريعة الشاملة، قال تعالى :
( اليَومَ أكملتُ لَكمْ دِينَكُم وَأتْممتُ عَليكُم نِعمتي وَرضيتُ لَكُم الاسلام دِيناً)(1).
وقال أيضاً : ( وَأنزلنَا إِلَيكَ الْكتابَ بِالحقِ مُصدّقاً لِما بينَ يَديهِ مِن الْكتابِ وَمُهيمناً عَليهِ)( 2 ).

فيترشح على أساس ذلك جوهر الاهداف التي تكمن وراء بعثة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)برسالته الخاتمة، والتي تتمثل بتنظيم حياة الانسان ، وتقنين حركته، وبرمجة تصرفاته وتعاملاته المختلفة، مع نفسه ومع اسرته، ومع مجتمعه، ومع خالقه .. بما يضمن سيره في طريق الكمال، واتجاهه نحو السعادة الابدية، والخلود الدائم، والنعيم المقيم، الذي خُلق الانسان من أجل بلوغه وادراكه، فهو الكائن الاجتماعي الذي يأتلف مع باقي البشر من أبناء جنسه ، وينصهر معهم في مختلف الرؤى والاهداف، فيشكل بذلك جزءاً فاعلاً في المجتمع الذي ينتمي إليه ، ويحقق من خلال السلوك المتزن، والهدي الاسلامي الرفيع أمل الرسالة المعقود عليه ، وهو الطاعة والعبادة لله وحده، قال تعالى : ( وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالانسَ إِلاّ لِيعْبدُونِ )( 3 ) .

ولنا أن نقطع بانَّ سرَّ هذا الشمول والاستيعاب يكمن في انبثاق هذه التعاليم والقوانين التشريعية من عالم الغيب والكمال المطلق، واتصالها بالقدرة الالهية المهيمنة على هذا الكون ، والمدركة لجميع مصالحه ومفاسده بكل تفصيل .
كما انَّ اليد الالهية هي التي تقف وراء حفظ هذهِ التعاليم والذب عنها إلى آخر لحظة في الوجود ، يقول الله عزَّ شأنه :
( إنّا نحنُ نزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنّا لهُ لَحافظُونَ )( 4 ) .

إذن فهناك عنصران رئيسيان يقفان وراء ديمومة وبقاء الشريعة الاسلامية المقدسة في حياة الانسان ، وهما : استيعاب مساحة التطبيق، وغيبية النشوء، وهذا الامر نجده مفقوداً في كل القوانين والانظمة والنظريات الوضعية التي حاولت معالجة مشكلة الكون والانسان ، وسعت إلى رسم المسار الصحيح للبشرية، وتشخيص الوضع الامثل لها، لانَّها تفتقد لكلا العنصرين المتقدمين ، فهي محدودة ضمن إطار المكان الذي تتحرك عليه، والزمان الذي تُطبق فيه من جانب ، ومن جانب آخر نرى انَّها ناشئة من معطيات العقل البشري القاصر الذي ينحصر عطاؤه في حدود ظرف الامكان، ولا يتعدى ذلك إلى حيث التمامية والكمال .
والتجربة الانسانية غنيّة بمثل هذهِ الطروحات الوضعية التي ما انفكت تتهاوى الواحدة تلو الاخرى أمام تيار الزمن المتجدد ، والتطلعات الانسانية الصاعدة، فهي ما برحت تعاني من الانكفاء والتخلّف ومواكبة الواقع المتغير، وتتعرض إلى الاصلاح والترقيع والترميم على مدى الازمنة المتعاقبة ، ولكن دون جدوى، قال تعالى :
( أَفلاَ يَتدَبَّرونَ القُرآنَ وَلوْ كانَ مِنْ عندِ غَيرِ اللهِ لَوجَدُواْ فِيهِ اخْتلافاً كَثيراً) ( 5 ).

فالقوة الغيبية المطلقة إذن هي صاحبة الدور الوحيد في صياغة الرؤية الاسلامية المحددة إلى مختلف الوقائع والاحداث التي تكتنف بها الحياة، وهي التي تحدد للسوك الانساني طبيعةَ سيره وحركته ضمن مفردات هذا الكون الواسع .
وقد كان القرآن الكريم هو المجسد الاول لهذه الغاية ، والملبي الامثل لذلك الغرض المرتجى والهدف المرسوم ، نظراً لما اشتمل عليه من أنظمة وقوانين وأحكام تملا جميع مساحات الواقع، وتستجيب لمختلف متطلباته واحتياجاته، فلا تبقى واقعة في الحياة تخلو من حكم ، ولا يمكن أن تعترضَ الانسانَ مشكلةٌ في طريق سعادته وكماله إلاّ وتجد لها الحل بين طيّات الكتاب الكريم، قال تعالى :
( وَنَزَّلْنا عَليكَ الكتابَ تِبياناً لكلِ شَيء وَهدىً وَرحمَةً وَبُشرى لِلمُسلِمينَ) ( 6 ).
وقال تعالى :( ما فَرَّطنا فِي الْكِتابِ مِن شيء )( 7 ) .

وجاءت الايات الكثيرة تأمر المسلمين باتباع القرآن الكريم ، واسترشاده ، والاستلهام منه ، كما قال تعالى : ( وَهذا كِتابٌ أَنزَلناهُ مُباركٌ فَاتَّبعوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحمُونَ )( 8 ).
وقال تعالى : (اتَّبِعُوا مَا اُنزِل إِليْكُم مِن رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبعُوا مِن دُونِهِ أَوْليَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكّرونَ )( 9 ) .

هذا هو الخط التشريعي الاول المتصل بالسماء ، وأما الخط الثاني الذي يكمّل شوط هذه المهمة، ويتناول تفاصيلها باستيعاب ، فهو عبارة عن سنة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ، قولاً وفعلاً وتقريراً ، حيث التجسيد العملي الامثل لتلك التعاليم القرآنية، والتوضيح المتمم للخصوصيات والتفاصيل الجزئية التي انطوت عليها عموميات الكتاب الكريم ، إذ انَّ من المفترض أن يتناول الكتاب الكريم اصول التشريع الاسلامي، وخطوطه العامة ، دون الجزئيات والتفاصيل ، فقد قال تعالى: ( وَأَنزلنَا إِليْكَ الِذّكرَ لتُبيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِليْهِمْ وَلعَلَّهُمْ يَتفَكَّرُونَ )(10) .

وقد قرن الله تعالى في كتابه الكريم طاعة الرسول بطاعته ، مقرراً أنَّ كلَّ واحد من هذين المصدرين يكمّل الاخر ، ويوضح معالمه ، كما قال تعالى :
( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلّوْا فَإنَّ اللهَ لاَ يُحبُّ الكافِرينَ )(11).
وقال تعالى : (وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلكُمْ تُرحَمُونَ )(12) .
وقال تعالى : ( يا أيها الذينَ آمنُوا أطيعُوا اللهَ ورسولَه ولا تَولّوا عنه وأنتُم تَسمعُونَ )(13).
وقال تعالى : (ومَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقهِ فَأُولئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ)(14).
وقال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقدْ فَازَ فَوزاً عَظِيماً )(15).
وقال تعالى : (يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِى الاَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنازَعتُمْ فِي شَيء فَردُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إن كنتُمْ تُؤْمنُونَ بِاللهِ وَاليوْمِ الاخرِ ذَلكَ خيْرٌ وَأَحْسنُ تَأْويلاً )(16) .
وقال تعالى : ( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطيعُواْ الرَّسُولَ فإن تَولوْاْ فَإنَّما عَليهِ مَاحُمِّلَ وَعليْكُم مّا حُمِّلْتُمْ وإن تُطيعُوهُ تهْتدُوا وَما عَلى الرَّسُولِ إلاّ البَلاغُ المُبينُ )(17) .

كما تظافرت الايات على ضرورة احترام شخصية الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتبجيله ، وتوقيره ، ونصرته ، واتباع سيرته وسلوكه، كما في قوله تعالى: ( لقد كانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوةٌ حَسَنةٌ )(18).
وقوله تعالى : ( الَّذِين يَتَّبعُونَ الرسُولَ النبِي الاُمّي الَّذي يَجدُونَهُ مَكتُوباً عِندهُمْ فِي التَّوْراةِ والانجِيلِ يَأمُرهُم بِالْمعروفِ وَينهاهُمْ عَن المنكِرِ ويُحلُّ لَهمُ الطيباتِ ويحرِّمُ عَليهِمْ الخبائثَ وَيَضعُ عَنْهُم إصْرَهُمْ وَالاغْلالَ التي كانتْ عَليهمْ فَالَّذينَ آمَنُواْ بهِ وَعزَّروهُ وَنَصروهُ وَاتَّبعُوا النورَ الذي اُنزِلَ مَعهُ أولئكَ هُم المُفْلحونَ* قُلْ يَا أيُّها النَّاسُ إنّي رَسولُ اللهِ اليكُمْ جَميعاً الذي لَه مُلكُ السِّمواتِ وَالارضِ لا الهَ إلاّ هوَ يُحْيِ ويمِيتُ فآمِنواْ بِاللهِ وَرسُولهِ النَّبي الامي الَّذِي يُؤمِنُ بِاللهِ وكَلِماتِه وَاتَّبِعُوه لَعلَّكُم تَهْتدُونَ )(19) .
وقال تعالى مخاطباً نبيَّه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم): ( قُل إن كُنتمْ تُحِبّون اللهَ فَاتَّبعُوني يُحبِبكُمُ اللهُ وَيَغفرْ لَكُمْ ذُنوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(20) .
كما وَرَدَ التحذير في الكتاب الكريم عن مخالفة أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والخروج عن جادة السعادة التي اختطها للبشرية بعنائه ، وجهاده ، وصبره على أداء الرسالة السماوية المقدسه، كما في قوله تعالى: ( لاَ تَجْعلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكمْ كَدُعاءِ بَعضِكم بَعْضاً قَدْ يَعلمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسللُونَ مِنكمْ لِوَاذاً فَلْيحذَرِ الَّذينَ يُخَالِفونَ عَن أمرِهِ أن تُصيبَهُمْ فِتنَةٌ أو يُصيبَهمْ عَذابٌ أليمٌ ) (21).
وجاءت الاحاديث عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لتؤكد على نفس هذا المعنى، وتحث المسلمين على اتباع سنته وتحذِّر من مخالفته ، فقد ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « مَن تمسكَ بسنتي في اختلاف امتي كان له أجر مائة شهيد »(22) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « كلّ امتي يدخلون الجنةَ إلاّ مَن أبى ! ، قالوا : يا رسولَ الله ! ومَن يأبى ؟ قال : مَن أطاعني دخل الجنة ، ومَن عصاني فقد أبى »(23) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « ستة لعنتُهم لعَنَهُم الله وكل نبي مجاب : المكذّب بقدر الله، والزائد في كتاب الله، والمتسلط بالجبروت يُذِلُ مَن أعزَّ الله ويُعزّ مَن أذلَّ الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرَّمَ الله ، والتارك لسنتي »(24) .
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا »(25) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : « لا قول إلاّ بعمل، ولا قول ولا عمل إلاّ بنية ، ولا قول ولا عمل ولا نية إلاّ باصابة السنة »(26) .
وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنـَّه قال : « إنَّ الفقيه حق الفقيه : الزاهد في الدنيا ، الراغب في الاخرة، المتمسك بسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) »(27) .
وجاءَ في ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال : « اقتدوا بهدي نبيكم فانَّه أفضل الهدي ، واستنّوا بسنته فانها أهدى السنن »(28) .
وفي الحقيقة ان قضية اتباع سنة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) تُعد من القضايا البديهية التي يقوم عليها عود الاسلام، وترتكز على أساسها مجمل تعاليمه وأحكامه، حتى أصبح أصل اتباع سنة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) مورداً لاجماع المسلمين على الاطلاق، وان كان هناك اختلاف بينهم في طريقة الاخذ بالسنة وشروط ذلك .
ومن المقطوع به ان انكار هذا المعنى الشرعي بخصوص السنة النبوية يساوق انكار الاسلام من الاساس، وعدم الايمان بأهم أولياته ومرتكزاته، لانَّ هذا المصدر يعتبر عصب الحياة بالنسبة إلى الشريعة الاسلامية، ويشكّل القاعدة الثانية للتشريع بعد القرآن الكريم، ولولا السنة النبوية لما أمكننا أن نفهم أحكام الشريعة ، ونعيَ مقاصدها الحقيقية بشكل مطلق .
وقد ورد في الاحاديث ان المخالف لسنة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمتحدّي لها يُعد خارجاً عن دائرة الايمان بالله، فضلاً عن المنكر لها من الاساس، فقد ورد عن ابي عبدالله الصادق(عليه السلام) في أمر التشديد على مخالفة السنة النبوية أنه قال: « مَن خالف كتابَ الله وسنةَ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كفر »(29) .
وورد عنه(عليه السلام) أيضاً أنه قال: « لو أنَّ قوماً عبدوا اللهَ وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة ، وحجّوا البيت ، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه الله تعالى : ألا صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلكَ في قلوبهم ، لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا قوله تعالى:
 ( فَلا وربِّكَ لا يؤمنونَ حتى يُحكِموكَ فِيمَا شَجرَ بَيْنهمْ ثُم لاَ يَجِدواْ فِي أنفُسِهمْ حَرَجاً مِما قَضيْتَ وَيُسلِّمواْ تَسلِيماً ) (30) ، ثم قال أبو عبدالله (عليه السلام) وعليكم بالتسليم »(31) .
وهكذا الامر بالنسبة إلى سنة أهل البيت(عليهم السلام) الذين أذهبَ الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فهي الامتداد الشرعي لسنة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والسبيل المتمم للشوط الذي بدأ به(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد دلَّ عليها الكتاب الكريم، ودلَّت عليها السنة النبوية الشريفة.
وفي الحقيقة ان منصب الامامة الذي يتقلده أهل البيت(عليهم السلام) منصب يتأهل له المعصوم عن طريق النص ، ليكمل مسيرة النبوة ، وشوط الرسالة ، ويتحمل اعباءَها بأمانة واخلاص، ولا يصح بحكم العقل أن يترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) امته من دون ولي وقيِّم عليها ، وقد ورد النص بتعيين الولي من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم في عدة مواضع اتفق على شأن نزولها الفريقان وذكروها بالطرق الصحيحة المعتبرة في كتب الحديث ، منها قوله تعالى :
( إنّما وَليكمُ اللهُ وَرسولُهُ وَالذينَ آمنُوا الذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيؤْتونَ الزَّكاةَ وَهُم رَاكعونَ ) (32) .
وقوله تعالى : ( أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعواْ الرَّسولَ وَاوْلي الاَمرِ مِنكمْ )(33) .
وقوله تعالى : ( إنمَا يُريدُ اللهُ لِيُذهبَ عَنكمُ الرّجسَ أَهلَ الَبيتِ ويطهّرَكُمْ تَطهيراً )(34) .
وأما السنة ، فقط طفحت الكتب الحديثية منها بالروايات المتواترة والمستفيضة على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام تعيين الولي من بعده ، والوصية الصريحة له بالخلافة ، وبيان منزلة أهل البيت(عليهم السلام) ، وأنهم أولى الناس بالرسالة ، وأجدرهم بحملها ، والحث الاكيد على اتباعهم ، والتمسك بسيرتهم ، والسير على هداهم ، وبيَّنت ان هذا الامر من تمام النعمة وكمال الدين ، فقرنهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وخلَّفهم شهداء على الامة ، وادلاّء على الطريق ، من خلال جملة كبيرة من الاحاديث التي جاءت بها كتب الفريقين ، ونحن نذكر من بين هذه الاحاديث الكثيرة التي دلَّت على تعيين الولي من بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثةَ أحاديث فقط على سبيل المثال ، ونشير إلى بعض مصادرها في كتب العامة :

1 ـ حديث الدار :

روى ابن الاثير والطبري وغيرهما من المؤرخين عن علي(عليه السلام)ما مفاده : انَّه لما نزل قوله تعالى : ( وَأَنذِرْ عَشيرَتكَ الاَقربِينَ ) (35) أمَرَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)علياً(عليه السلام) أن يصنع صاعاً من الطعام ، ويجعل عليه رجل شاة ، ويملا عساً من لبن ، ويجمع بني عبد المطلب ، وهم يومئذ أربعونَ رجلاً ، يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب .
فاجتمعوا وأكلوا وشربوا ، وبعد ان انتهوا أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكلمهم إلاّ انَّ أبا لهب قاطعه ، وتفرَّق القوم .
فدعاهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مرةً اُخرى ، وصنع لهم ما صنع في المرة الاولى ، ثم تكلم وقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فايكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم ؟
فاحجم القوم عنها جميعاً ، ـ يقول علي(عليه السلام) ـ قلت وانّي لاحدثهم سناً ، وأرمصهم عيناً ، واعظمهم بطناً ، وأحمشهم ساقاً:
أنا يا نبي الله اكون وزيرك عليه .
فأخذ برقبتي ثم قال :
إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .
فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمركَ أن تسمع لابنكَ وتطيع »(36) .

2 ـ حديث الثقلين :

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، احدهما أعظم من الاخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض ، وعتري أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما » (37).

3 ـ حديث الغدير :

روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عند نزول قوله تعالى : ( يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغ مَا اُنزِلَ إليكَ مِن ربِّكَ وإِن لَمْ تَفْعلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسالَتهُ واللهُ يَعصمُكَ مِن الناسِ ..)(38) أنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد علي(عليه السلام) عند غدير خم ، بعد العودة من حجة الوداع قائلاً أمام حشود المسلمين الذين كانوا يرافقونه المسير: أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم ؟
قالوا : بلى يا رسول الله ، قال: مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهمَّ والِ مَنْ والاه ، وعادِ مَن عاداه ، وانصر مَن نصره ، واخذل مَن خذله ، وأدرِ الحقَّ معه كيفما دار..»(39) .
والاحاديث في هذا المجال متواترة وكثيرة ، وقد ذكرتها الكتب المختصة بهذا الشأن ، وأما الاحاديث التي حدَّدت هوية أهل لبيت(عليهم السلام) ، وذكرت عددهم ، وشخصتهم من بين المسلمين ، فهي مذكورة في مضانها أيضاً ، وسنأتي على قسم منها في لاحق دراستنا هذه إن شاء الله تعالى .
وبهذا تتظافر نظرة الاسلام إلى جميع جوانب الوجود وأبعاده ، ويبقى التشريع الالهي ملازماً لحياة الانسان ، ضمن دائرة الغيب ، وفي اطار الاستلهام المباشر وغير المباشر من السماء ، فالطريق المباشر يتمثل بسنة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، الذي اختصه الله تعالى بالوحي ، وتميَّز بذلك دون أهل البيت(عليهم السلام) ، فقد قال تعالى بشأن نبيه الكريم : (وَمَا ينطقُ عَنِ الهَوى * إن هُوَ إلاّ وَحيٌ يُوحَى )(40) .
وقال تعالى على لسان نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) : ( إنْ اتَّبعُ إلاّ مَا يُوحَى إلىَّ وَمَا أنا إلاّ نذِيرٌ مُّبِينٌ )(41) .
والطريق غير المباشر هو سنة أهل البيت(عليهم السلام) فقد جاءَ عن ابي عبدالله الصادق(عليه السلام) أنه قال: « حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قول الله عزَّوجلَّ »(42) .
وورد عن سماعة أنه قال : قلت لابي الحسن موسى(عليه السلام) : أكلّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) أو تقولونَ فيه ؟ قال(عليه السلام) : « بل كلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) »(43) .
وعن قتيبة أنه قال : سأل رجل أبا عبدالله(عليه السلام) عن مسألة فأجابه فيها ، فقال الرجل : أرأيتُ ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ فقال(عليه السلام) له: « مَه ، ما أجبتكَ فيه من شيء فهو عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لسنا من : ( أرأيتَ ) في شيء»(44) .
وروي عن محمّد بن حكيم أنه قال للامام الصادق(عليه السلام) : جعلتُ فداك أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يكتفون به ؟ فقال(عليه السلام): « أتى رسول الله بما استغنوا به في عهده ، وبما يكتفون به من بعده إلى يوم القيامة، قال: قلت: ضاع منه شيء . فقال(عليه السلام): لا هو عند أهله »(45) .

(1)المائدة : 3 .
(2)المائدة : 48 .
(3)الذاريات : 56 .
(4)الحجر : 9 .
(5)النساء : 82 .
(6)النحل : 89 .
(7)الانعام : 38 .
(8)الانعام : 155 .
(9)الاعراف : 3 .
(10)النحل : 44 .
(11)آل عمران : 32 .
(12)آل عمران : 132 .
(13)الانفال : 20 .
(14)النور : 52 .
(15)الاحزاب : 71 .
(16)النساء : 59 .
(17) النور : 54 .
(18) الاحزاب : 21 .
(19) الاعراف : 157 ـ 158 .
(20) آل عمران : 31 .
(21) النور : 63 .
(22) أبو جعفر البرقي ، المحاسن ، تحقيق : مهدي الرجائي ، ج : 1 ، باب : ثواب الاخذ بالسنّة ، ح : 7 ، ص : 95 .
(23) البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب : الاعتصام بالكتاب والسنة ، ج : 8 ، ص : 139 .
(24) الحاكم الينسابوري ، المستدرك على الصحيحين وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي ، ج : 1 ، ص : 36 .
(25) ابن ماجة ، سنن ابن ماجة ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، ج : 1 ، باب : اتّباع سنة رسول الله ، ح : 1 ، ص : 3.
(26) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب ، ح : 9 ، ص : 70 .
(27) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب ، ح : 8 ، ص : 70 .
(28) نهج البلاغة : خ / 110 .
(29) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : الاخذ بالسنة .. ، ح : 6 ، ص : 70 .
(30) النساء : 65 .
(31) أبو جعفر البرقي ، المحاسن ، ج : 1 ، باب : تصديق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ح : 371 ، ص : 423 .
(32) المائدة : 55 ، انظر للاطلاع على سبب نزول الاية : ( علي في الكتاب والسنة ) لحسين الشاكري ، ج : 1 ، ص : 95 ـ 103 ، نقلاً عن السيوطي في تفسير الدر المنثور ، ج : 20 ، ص : 293 ، والرازي في تفسيره ، ج : 2 ، ص : 618 ، والزمخشري في تفسيره ، ج : 1 ، ص : 154 ، والبيضاوي في تفسيره ، ص : 154 ، والنيسابوري في تفسير غرائب القرآن ، ج : 2 ، ص : 82 ، وغير ذلك من المصادر .
ولمزيد من التفصيل راجع ( احقاق الحق ) ، ج : 2 ، ص : ( 399 ـ 408 ) .
(33) النساء : 59 ، انظر ( علي في الكتاب والسنة ) ، ج : 1 ، ص : 79 ـ 80 ، نقلاً عن ( شواهد التنزيل ) للحاكم الحسكاني ، ج : 1 ، ص : 148 ـ 152 ، وغيره من المصادر .
ولمزيد من التفصيل راجع : ( احقاق الحق ) ، ج : 3 ، ص : 424 ، وج : 14 ، ص : 348 ـ 350 .
(34) ( الاحزاب : 33 ، انظر ( علي في الكتاب والسنة ) ، ج : 1 ، ص : 411 ـ 424 ) نقلاً عن الترمذي في (الجامع الصحيح ) ، ج : 5 ، ص : 351 ، ح : 3205 و ص : 352 ، ح : 3206 ، وص : 663 ، ح : 3787 ، وص : 699 ، ح : 3871 ، وفي مسند أحمد بن حنبل ، ج : 1 ، ص : 330 ، وج : 4 ، ص : 107 .. والطبراني في المعجم الصغير ج : 1 ، ص : 65 و 134 ، وتاريخ بغداد ، ج : 9 ، ص : 126 ، وفي فتح الباري ج : 7 ، ص : 60 وفي الاصابة ج : 2 ، ص : 169 و 503 ، وج : 4 ، ص : 366 ، وغير ذلك من الكتب الحديثية المعتبرة عند ابناء العامة فضلاً عن مصادرنا المتواترة بهذا الشأن .
(35) الشعراء : 214 .
(36) ابن الاثير ، الكامل في التاريخ ، ج : 2 ص : 62 ـ 63 ، والطبري ، تاريخ الطبري ، ج : 2 ، ص : 62 ـ 63 .
انظر لمزيد من التفصيل مصادر الحديث في احقاق الحق ، ج : 3 ، ص : 562 ، و ( علي في الكتاب والسنة ) للشاكري ، ج : 1 ، ص : 204 ـ 206 .
(37) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ، سنن الترمذي ، تحقيق : أحمد محمد شاكر ، المجلد الخامس ، ص : 612 ، ح : 3786 . والمتقي الهندي في كنز العمال ، ج : 1 ، ص : 381 ، ح : 1657 .
وقد أخرج الحفّاظ والمحدّثون هذا الحديث بطرق كثيرة صحيحة ، حتى ناهز عدد رواته من الصحابة بضعة وثلاثين صحابياً وصحابية ، راجع للتفصيل مجلة ( رسالة الثقلين ) ، العدد الرابع ، ص : ( 112 ـ 119) .
(38) المائدة : 67 .
(39) حديث الغدير أشهر من أن يشار بشأنه إلى مصدر معيَّن ، ودونَك موسوعة ( الغدير في الكتاب والسنة ) للعلامة الاميني ، وانظر مدارك الحديث الغفيرة من كتب أبناء العامة في ( احقاق الحق ) ، ج : 2 ، ص : 415 ـ 466 ، وقد ذكر السيّد محسن الامين في أعيان الشيعة ان مجموع ما اُلف في موضوع الغدير من السنة والشيعة قد بلغ ستاً وعشرين مؤلفاً .
(40) النجم : 3 ـ 4 .
(41) الاحقاف : 9 .
(42) زين الدين العاملي ، منية المريد في اداب المفيد والمستفيد ، ص : 194 .
(43) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : الرد إلى الكتاب والسنة ، ح : 10 ، ص : 62 .
(44) محمد بن يعقوب الكليني ، الاصول من الكافي ، ج : 1 ، باب : البدع والرأي والمقائيس ، ح : 21 ، ص : 58 .
(45) محمد باقر المجلسي ، بحار الانوار ، ج : 2 ، باب : 34 ، ح : 49 ، ص : 305 .