فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

المقدمه

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تهدف الدراسة التي أضعها بين يدي القارئ الكريم باختصار إلى رسم صورة واقعية لمفهوم ( البدعة ) ، من خلال دراسة مستفيضة للقيود الدخيلة في صياغة الحدّ النهائي لهذا المفهوم ، ووضع الضابطة العامة التي يتم بموجبها تطبيقه على هذا المورد دون ذاك .
وتأتي الاهمية التي يحظى بها هذا البحث من خلال النظر في أمرين :
أولاً : انَّا نجد أنَّ البحث في مفهوم ( البدعة ) يكاد أن يكون غائباً في الدراسات التخصصية المستقلة ، والبحوث الموضوعيّة الشاملة ، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى قوة الوضوح التي يحملها هذا المفهوم ، وسعة حضوره في صفوف مفردات الثقافة الاسلامية البارزة .
وثانياً : انَّه على الرغم من الوضوح الذي يحمله هذا المفهوم من الوجهة النظريّة، إلاّ أنـّا نجد خللاً واضحاً في تطبيق هذا المفهوم على مصاديقه ، وارتباكاً ملحوظاً في تحديد موارده ، الامر الذي جعل هذهِ النقطة بالذات تمثل مشكلة حقيقية باتت ترافق المفهوم باطّراد من خلال تلك التطبيقات العملية الخاطئة ، وأصبحت بمثابة التيار الموجّه لتفتيت وحدة المسلمين ، وتمزيق شملهم ، وشق عصا تآلفهم وتضامنهم على مبادئ الاسلام المثلى .
ومما يؤسف له حقاً أن يقع هذا المفهوم الاسلامي الحساس ضحيةً لالوان شتى من الايهام والتمويه ، ويُستغل بطريقة غير مشروعة لتحقيق منافع ذاتية ومآرب خاصة لا تعود على المسلمين إلاّ بالتفرق والتشتيت .
فبالنظر لاهمية دراسة هذا الموضوع من مختلف جوانبه وأبعاده ، وإعطاء نظرة تفصيلية حول حدوده وشرائط تطبيقه ، فقد عمدت إلى وضع هذهِ الدراسة المتواضعة بين يدي القارئ الكريم .
وانطلاقاً من كون التشريع الاسلامي تشريعاً شاملاً لمختلف جوانب الحياة وأبعادها ، فانّا نرى انَّه قد اختزن ذاتياً الرصيد الاكبر من مقومات الحصانة والبقاء أولاً ، وعناصر الديمومة والاستمرار ثانياً .
ولعلَّ من أبرز مظاهر هذهِ الحصانة هو إعلان المواجهة الشاملة مَعَ البدع والمحدثات ، والسعي الحثيث نحو قلعها واجتثاثها من الجذور ، والتثقيف المركّز باتجاه خلق وعي التعبّد والانقياد في نفوس المسلمين ، وقطع الطريق على كلّ بادرة تحاول أنَّ تخترق غطاء الحصانة الشرعي الذي وفّره الاسلام لمختلف مفردات الشريعة وأحكامها ومبادئها .
هذا الامر يدعونا إلى أن نتعرف إجمالاً على الخطوط الرئيسية لحصانة التشريع، والانتهاء من خلال ذلك إلى بيان خطورة ظاهرة الابتداع في الدين ، ومن ثم بيان أهم الاسباب التي أدَّت إلى نشؤ هذه الظاهرة في حياة المسلمين .
وهذا ما ستطالعه أيها القارئ الكريم في الباب الاول من أبواب هذه الدراسة .
وبما انَّ إعطاء الصورة النهائية لاي مفهوم لا يمكن أن تتم بمعزل عن النظر إلى طبيعة الصياغات التطبيقية له ، ووضع الضابطة التي تجعله شاملاً لجميع أفراده ، وغير منطبق على شيء من غير أفراده ، فقد خضع مفهوم ( البدعة ) في دراستنا الماثلة إلى نفس هذهِ المنهجية ، وحاولنا أن نسير مَعَ المفهوم في معناه اللغوي ، ثم الاصطلاحي ، ثم نتبيَّن ما يمكن أن يفي به من مداليل ، وما يُدّعى له من تقسيم ، ثمَّ نترك الحكم للنصوص الاسلامية للافصاح عن المعنى الواقعي
لهذا المفهوم ، ونستنطقها فيما يتعلق بموارده وتطبيقاته ، ونتخذ من هذهِ النصوص أساساً لوضع القيود الدخيلة في إجلاء حقيقة هذا المفهوم ، وتأسيس منهجية ثابتة يتم على ضوئها تطبيق ( البدعة ) على مواردها الواقعية ، ورفعها عمّا لا يصح إطلاقها عليه . وهذا يتطلب في الواقع اماطة اللثام عن هوية الابتداع ، وبيان قيوده وخصوصياته ، وهو ما خصصنا له جوهر هذهِ الدراسة ضمن الباب الثاني الذي يشتمل على موضوعين رئيسيين وهما : ( تقسيم البدعة ) ، و ( مفهوم البدعة بين الاطّراد والانعكاس ) .
ولا يخفى ما للمثال من دور كبير في تجسيد الفكرة واقعياً ، وتوضيح معالمها بكل ما تحمله من خصوصيات وتفاصيل ، لا سيما إذا كان لاختيار المثال مدخلية في القاء نظرة أعمق على المفهوم ، ومساهمة ثانوية في تكريس ما يشتمل عليه من عناصر وقيود .
فكانت ضرورة البحث العلمي تدعو لان ننتقي للقارئ الكريم نموذجين بارزين للابتداع في الباب الثالث من هذهِ الدراسة ، ثم نعطف بعد ذلك الكلام حول حديث ( سنة الخلفاء الراشدين ) ، ونبحثه من ناحيتي السند والمضمون ، ونناقش الاراء التي أخرجت بواسطته الكثير من البدع عن حِّيز الذم والانتقاد .
ثم ننتقل إلى الباب الرابع والاخير من هذهِ الدراسة فنستهل الحديث فيه باستعراض موجز لمعنى التشيع ، وإبطال الرأي القائل بأنـَّه بدعة حدثت في فترة متأخرة عن حياة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من خلال دراسة مختصرة لنشأة التشيع ، ومناقشة الاراء المختلفة في هذا المجال .
ثم نستعرض روائياً مجمل الدور الرسالي الذي تحمّل أعباءَه أهلُ البيت(عليهم السلام) في مواجهة البدع والمحدثات الدخيلة على الدين ،وقد اقتصرنا خلال ذلك على بيان الخطوط العامة للمواجهة مَعَ البدع المتعلقة بالجوانب الاعتقادية في حياه المسلمين ، لعدم إمكانية استقصاء مراحل المواجهة وحجمها ضمن هذهِ الدراسة ، وتعذُّر استيفاء ذلك .
ولا يفوتني في الختام أن أتقدم بوافر الشكر وجميل الثناء إلى أخي المفضال الشيخ مصطفى قصير العاملي الذي تجشم عناء المطالعة النهائية لفصول هذهِ الدراسة ، وساهم من خلال ملاحظاته السديدة ووجهات نظره البنّاءة في تنضيج مضمونها ، وترشيد محتواها ، فجازاه الله عن الاسلام وعنّا خير الجزاء .
وأعترف مسبقاً انَّ الكتابة في مثل هذا الموضوع الحساس لا تخلو من عثرة في القول أو زلة في القلم ، على الرغم من أنّي قد بذلت غاية الوسع في تغطية جوانب هذا الموضوع ، واستقصاء شوارده بالدراسة والتحليل ، فلا ادّعي لنفسي العصمة والكمال ، إذ لا عصمة إلاّ لمن عصم الله ، ولا كمال إلاّ لله وحده .
( سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاّ ما عَلَّمتَنا إنَّكَ أنتَ العَليمُ الحَكيمُ ) .

قم المقدسة         
جعفر محمد علي الباقري