فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

المسألة الثامنة عشرة

تتعلّق في حجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال المغرور موسى جار اللّه : حجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الهجرة حجّة واحدة، ويقول الامام الباقر والامام الصادق : إنّ النّبيّ قد حجّ بمكّة مع قومه عشرين حجّة، فهل كان يحضر في موسم الحجّ مع الناس ؟(335).

فأقول : من أنت يا هذا لتنكر على سادة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أقوالهم، وتنتقد أفعالهم؟ ألا تربع على ضلعك، وتتأخّر حيث أخّرك القدر؟ إنّ الباقر والصادق(عليهما السلام) أعرف النّاس بهدي جدّهما(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأعلم النّاس بسنّته، والقول قولهم على رغم كلّ خارج عليهم، أو ناصب لهم كائناً من كان.

سلّمنا أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما حجّ بعد الهجرة إلاّ حجّة واحدة ـ هي حجّة الوداع ـ فمن أخبرك يا مسكين بأنّه لم يحجّ قبلها مع قومه، وهو في مكّة لتنكر على الامامين قولهما بذلك؟ وما يدريك لعلّه حجّ وهو بمكّة عشرين حجّة أو أكثر؟ وقد كانت مدّة إقامته فيها ثلاثاً وخمسين سنة. وما أحمق هذا الرجل إذ يقول : وهل كان يحضر في مواسم الحجّ مع النّاس ؟ وكيف يحجّ مع قومه ولا يكون حاضراً معهم ؟ وما المانع من حضوره ؟ نعوذ باللّه من الخرف.

* * *

 

المسألة التاسعة عشرة

تتعلّق بموسم الحجّ في السنة التاسعة للهجرة

قال هذا الرجل : حجّ أبو بكر وعلي أمير المؤمنين مع النّاس في السنة التاسعة، قال : وتقول كتب الشيعة : أنّ حجّ التاسعة كان في ذي القعدة في دور النسيء، وكيف يصحّ ذلك ؟ والكتاب سمّاه بيوم الحجّ الاكبر(336).

فأقول : ليس هذا القول مختصّاً بكتب الشيعة، ومن ألمَّ بكتب التفسير علم ذلك، فراجع منها تفسير قوله تعالى ـ في سورة التوبة ـ : ( انَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَر شَهراً )(337) يتّضح لك الامر.

قال : الزمخشري في تفسيرها من الكشّاف ـ بعد أن ذكر خطبة النبيّ التي أبطل بها النسيء في حجّة الوداع ـ ما هذا لفظه : وقد وافقت حجّة الوداع ذا الحجّة، وكانت حجّة أبي بكر(رضي الله عنه) قبلها في ذي القعدة(338).

وقال مجاهد : كان المشركون يحجّون في كلّ شهر عامين، فحجّوا في ذي الحجّة عامين، ثمّ حجّوا في المحرّم عامين، ثمّ حجّوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، حتّى وافقت الحجّة التي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة، ثمّ حجَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في العام القابل حجّة الوداع، فوافقت في ذي الحجّة، فذلك حين قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر في خطبته : «ألا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والارض، السنة إثنا عشر شهراً منها أربعة حرمٌ، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجّة والمحّرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان»، قال : أراد(عليه السلام) الاشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحجّ إلى ذي الحجّة وبطل النسيء(339).

أما تسمية الموسم من السنة التاسعة بالحجّ الاكبر، فلا يدلّ على وقوعه في ذي الحجّة بأيّ معنى كان من المعاني التي ذكرها المفسّرون للحجّ الاكبر، فحجّة موسى جار اللّه داحضة.

نعم قد يقال : كيف يوقع أمير المؤمنين وأبو بكر الحجّ في غير ذي الحجّة؟ والجواب : انّ هذا نظير استقبالهم بيت المقدس أوّلاً، ثمّ نسخ باستقبال القبلة .

* * *

 

المسألة العشرون

تتعلّق بحفظ القرآن العظيم وقراءته

قال عفا اللّه عنه : لم أر بين علماء الشيعة، ولا بين أولاد الشيعة لا في العراق، ولا في ايران من يحفظ القرآن، ولا من يقيمه بعض الاقامة بلسانه، ولا من يعرف وجوه القرآن اللغويّة والادائـيّة، قال : ما السبب في ذلك(340)؟ إلى آخر ما شط به قلمه، فضلّ ضلالاً مبيناً.

والجواب : إنّي على بعد الدار عن العراق أعرف فيها إمام القُـرّاء والحفّاظ السيد حسين ابن السيد علي رضا الحسيني الهندي المدراسي المولود والمتوطّن في مشهد الكاظميين(عليهما السلام)، فإنّ لهُ في حفظ القرآن وتجويد قراءته مكانة الامام في ذلك، لا ينازعه فيها من الخاصّة والعامّة أحد، ونِعمَ القارئان أخواه المتخرجان في ذلك على يده، السيّد موسى والسيد كاظم، وحال شيعة العراق في حفظ القرآن وقراءته حال السنيّين فيها لا يقلّون عنهم. أمّا شيعة إيران، فحالهم كحال السنيّين من أهل البلاد الاعجميّة(341)، وعندنا في جبل عامل قرّاء وحفّاظ لا يقلّون عن قرّاء غيرنا، ولا عن حفّاظهم، ولو شئنا لذكرنا منهم عدّة وافرة.

نعم لا يشقّ للمصريّين ـ في هذا الشأن ـ غبار، ولا يلحقهم فيه لاحق، فلهم السبق في هذه الفضيلة من حيث أنّهم مصريّون، لا من حيث أنّهم سنيّون، وإلاّ فالشيعة والسنّة سيّان في سائر البلدان، ولعلّ السرّ في عدم اشتهار الشيعة في هذه الفضيلة رأيهم في ألحان الغناء، فإنها حرام عندهم مطلقاً، بل هي في القرآن أشدّ حرمة منها في غيره.

فيا حضرة الاخ موسى جار اللّه الفاضل، هذا هو السبب الوحيد لا ما ذكرتموه، هداكم اللّه إذ جعلتموه من آثار انتظار الشيعة مصحف علي الذي غاب بيد قائم آل محمّد(صلى الله عليه وآله)بغيبته; إلى آخر ارجافكم بالمؤمنين، وبهتكم إيّاهم بالقول بنقصان القرآن العظيم، وقد بيّنا لكم في المسألة الرابعة رأي الشيعة في القرآن الحكيم، ووفينا المقام حقّه من كلّ النواحي(342) فلا حاجة بنا إلى الاعادة: ( وَما كَانَ لَنا أَنْ نَّأتيكُم بِسُلْطان إلاّ بِاذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّل الْمُؤمِنُونَ * وَما لَنا ألاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنَا وَلَنَصْبرنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللّهِ فَلَيْتَوَكَّلِ المُتوَكِّلُون )(343).

*  *  *

 

خاتمة

إنّ أُولي الالباب ليعلمون بالضرورة انقطاع الشيعة الاماميّة خلفاً عن سلف في اُصول الدين وفروعه إلى أئمّة العترة الطاهرة، فرأيهم تبعٌ لرأيهم في الفروع والاُصول، وسائر ما يؤخذ من الكتاب والسنّة، أو يتعلّق بهما من جميع العلوم(344)، فكتبهم مستودع علوم آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)(345) وقد استخفّ بها موسى جار اللّه فقشبها(346) بعيبه، ورماها بحجره ( يُرِيدُون أَنْ يُطفِئُواْ نُورَ اللّهِ بأَفواهِهِمْ ويأبى اللّهُ إِلاّ أن يُتّم نورَهُ )(347) ألا يربع هذا المسكين على هفواته؟ ألا يلهو بمساويه وفرطاته؟

وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال : جاء ملك الموت إلى موسى(عليه السلام)، فقال له : أجب ربّك، قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال : فرجع الملك إلى اللّه تعالى، فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني، قال : فردّ اللّه إليه عينه، وقال : ارجع إلى عبدي، فقل : الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت بيدك من شعرة، فإنّك تعيش بها سنة. الحديث(348).

وأنت ترى ما فيه ممّا لا يجوز على اللّه تعالى، ولا على أنبيائه، ولا على ملائكته، أيليق بالحقّ تبارك وتعالى أن يصطفي من عباده من يبطش على الغضب بطش الجبّارين ؟ ويوقع بأسه في ملائكة اللّه المقرّبين ؟ ويعمل عمل المتمرّدين ؟ ويكره الموت كراهة الجاهلين ؟ وكيف يجوز ذلك على موسى وقد اختاره اللّه لرسالته ؟ وائتمنه على وحيه ؟ وآثره بمناجاته ؟ وجعله من سادة رسله ؟

وكيف يكره الموت هذا الكره مع شرف مقامه ؟ ورغبته في القرب من اللّه تعالى، والفوز بلقائه، وما ذنب ملك الموت(عليه السلام) ؟ وإنّما هو رسول اللّه إليه، وبم استحق الضرب والمثلة فيه بقلع عينه ؟ وما جاء إلاّ عن اللّه، وما قال له سوى أجب ربَّك، أيجوز على أُولي العزم من الرُّسل إهانة الكروبيين من الملائكة حين يبلغونهم رسالات اللّه وأوامره عزّ وجلّ ؟ تعالى اللّه وتعالت أنبياؤه وملائكته عن ذلك علوّاً كبيراً.

ونحن لم برئنا من أصحاب الرسّ، وفرعون موسى، وأبي جهل، وأمثالهم، ولعنّاهم بكرة وأصيلا؟ أليس ذلك لانّهم آذوا رسل اللّه حين جاؤوهم بأوامره ؟ فكيف نجوّز مثل فعلهم على أنبياء اللّه  وصفوته من عباده ؟ حاشا للّه، إنّ هذا لبهتان عظيم.

ثمّ إنّ من المعلوم أنّ قوة البشر بأسرهم، بل قوّة جميع الحيوانات منذ خلقها اللّه تعالى إلى يوم القيامة، لا تثبت أمام قوّة ملك الموت، فكيف ـ والحال هذه ـ تمكّن موسى(عليه السلام) من الوقيعة فيه ؟ وهلاّ دفعه الملك عن نفسه مع قدرته على إزهاق روحه وكونه مأموراً من اللّه تعالى بذلك ؟ ومتى كان للملك عين يجوز أن تفقأ ؟ ولا تنس تضييع حقّ الملك وذهاب عينه ولطمته هدراً; إذ لم يؤمر الملك من اللّه بأن يقتصّ من موسى صاحب التوراة التي كتب اللّه فيها: ( أنَّ النَّفسَ بالنَّفسِ والعَينَ بالعَينِ والاَنفَ بالانَفِ والاُذُنَ بالاُذُنِ والسّنَّ بالسِّنّ والجُرُوحَ قصاصٌ )(349) ولم يعاتب اللّه موسى على فعله هذا، بل أكرمه إذ خيّره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور، وما أدري واللّه ما الحكمة في ذكر شعر الثور بالخصوص ؟!!

وأخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة أيضاً : قال : كانت بنو اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى(عليه السلام) يغتسل وحده، فقالوا : واللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدر أي، ذو فتق قال : فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه ! فجمع موسى بأثره يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر، حتّى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا : واللّه ما بموسى من بأس، فقام الحجر بعد حتى نُظر إليه، فأخذ موسى ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً، واللّه إنّه بالحجر ندبٌ(350) ستة أو سبعة(351) الحديث.

وفي الصحيحين(352) عن أبي هريرة أنّ هذه الواقعة هي التي أشار اللّه اليها بقوله عزّ من قائل: ( يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تكُونُوا كالَّذينَ آذَوْا مُوسى فَبرّأَهُ اللّه ممَّا قَالُوا وكان عِندَ اللّهِ وجيهاً )(353).

وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلاً، فإنّه لا يجوز تشهير كليم اللّه بابداء سوأته على رؤوس الاشهاد من قومه، لان ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولا سيّما إذا رأوهُ يشتدّ عارياً ينادي الحجر ـ وهو لا يسمع ولا يبصر ـ : ثوبي حجر، ثوبي حجر، ثمّ يقف عليه وهو عار أمام النّاس فيضربه والنّاس تنظر إليه وإلى عورته ! وأيّ أثر لضرب الجماد ؟! وأي ذنب للحجر ؟!

وهذه الحركة لو صحّت فإنّما هي من فعل اللّه تعالى، فكيف يغضب منها كليم اللّه فيعاقب الحجر عليها ؟! أترى أبا هريرة كان يظنّ أنّ موسى يجهل كون الحركة ضدّ طبيعة الحجر ؟ وأنّه إنّما حرّكه اللّه عزّ وجلّ لامر يريده.

ثمّ أنّ هرب الحجر بثياب موسى(عليه السلام) لا يبيح له إبداء عورته، إذ كان في إمكانه أن يبقى في مكانه حتّى يؤتى بثيابه، أو بساتر آخر، كما يفعله كلّ ذي وقار، أو احتشام إذا ابتلي بمثل هذه القصة. على أنّ هرب الحجر من المعجزات وخوارق العادات التي لا تكون إلاّ في مقام التحدّي، كمقام حنين الجذع، وانتقال الشجرة في مكّة لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن المعلوم أن مقام موسى(عليه السلام) حين كان يغتسل لم يكن مقام تحدّ وتعجيز، ومحال عادة أن يقع فيه شيء من المعجزات، كما هو مقرّر في محلّه، ولا سيّما إذا ترتّب على هذه المعجزة فضيحة نبي بإبداء سوأته للملا من قومه على وجه يستخفّ به كلّ من رآه أو سمع به.

وأمّا براءته من الادرة، فليست من الاُمور المهّة التي تبيح هتكه، وتقدم على تشهيره، وتصدر بسببها الايات، على أنّه يمكن الحكم ببراءته منها باطّلاع نسائه عليه وأخبارهنّ عنه، ولو فرض ابتلاؤه بالادرة، فأيّ بأس عليه بذلك ؟ وقد أُصيب شعيب(عليه السلام) ببصره، وأيّوب(عليه السلام) بجسمه، وأنبياء اللّه كافّة تمرّضوا وماتوا، ولا يجب انتفاء مثل هذه الاُمور عن أنبياء اللّه ورسله ومن ذا الّذي قال : إنّ بني إسرائيل كانوا يظنوّن أنّ في موسى أدرة ؟ وهل نقل هذا عنهم إلاّ في هذا الحديث المحترم ؟

وأما الواقعة التي أشار اللّه اليها بقوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا ) فالمروي عن علي وابن عبّاس أنّها قضية اتهامهم إيّاه بقتل هارون، وهو الذي اختاره الجبائي، وقيل : هي قضيّة المومسة التي أغراها قارون بقذف موسى(عليه السلام) بنفسها، فأنطقها اللّه بالحقّ، وقيل : آذوه من حيث نسبوه إلى السحر والكذب والجنون بعد ما رأوا الايات.

والعجب من مسلم يذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل موسى من صحيحه وما أدري أيّ فضيلة بضرب ملائكة اللّه المقرّبين عند إرادتهم إنفاذ ما أمرهم اللّه به ؟ وأي فضيلة بابداء السوأة للناظرين ؟ إن كليم اللّه ونجيّه لاكبر من هذا، وحسبه ما صدع به الذكر الحكيم، والفرقان العظيم من خصائصه(عليه السلام).

وأخرج الشيخان فيما جاء في السهو من صحيحيهما، عن أبي هريرة أيضاً، قال : صلّى النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إحدى صلاتي العَشيّ، قال محمّد : وأكثر ظنّي العصر ركعتين، ثمّ سلّم ثُّم قام إلى خشبة في مقدّم المسجد فوضع يدهُ عليها، وفيهم أبو بكر و عمر فهابا أن يكلماهُ، وخرج سرعانُ النّاس، فقالوا : أقصُرَت الصّلاةُ ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ذُو اليدين(354)فقال : أنسيت اُم قَصُرَتْ ؟ فقال لم اُنس ولم تُقصْر، قال : بلى قد نسيت، فصلّى ركعتين، ثُّم سلّم ثّم كبَّر فَسَجدَ. الحديث(355) وفيه كيفيّة سجود السهو.

وأنت ترى ما فيه من الوجوه الحاكمة بامتناعه :

أحدها : أنّ مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممّن فرَّغ للصّلاة شيئاً من قلبه، أو أقبل عليها بشيء من لبّه، وإنّما يكون من الساهين عن صلاتهم، اللاهين عن مناجاتهم، وحاشا أنبياء اللّه من أحوال الغافلين، وتقدّسوا عن أقوال الجاهلين فأنّ أنبياء اللّه عزّ وجلّ، ولا سيّما سيّدهم وخاتمهم أفضل ممّا يظنّون، على أنّه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد، ولا أظنّ وقوعه إلاّ ممّن يمثل حال القائل :

أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها     اثنتين صلّيت الضحى أم ثمانيا

وأما وسيّد النبيّين، وتقلّبه في الساجدين، أنّ مثل هذا السهو لو صدر منّي لاستولى عليّ الحياء، وأخذني الخجل، واستخف المؤتمون بي وبعبادتي، ومثل هذا لا يجوز على أنبياء اللّه أبداً.

الثاني : أنّ الحديث قد اشتمل على أن النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : لم أنس ولم تقصر، فكيف يمكن أن يكون قد نسي بعد هذا ؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن مثل هذا السهو، فانّ عصمته عن المكابرة والتسرّع بالاقوال المخالفة للواقع ممّا لابدّ منه عند جميع المسلمين.

الثالث : أنّ أبا هريرة قد اضطرب في هذا الحديث و تعارضت أقواله، فتارة يقول : صلّى بنا إحدى صلاتي العَشيّ : إمّا الظهر، وإمّا العصر على سبيل الشكّ. وأخرى يقول : صلّى لنا صلاة العصر، على سبيل القطع بأنّها العصر : وثالثة يقول : بينا أنا اُصلّي مع رسول اللّه صلاة الظهر، على سبيل القطع بأنّها الظهر.

وهذه الروايات كلّها ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم كليهما، وقد ارتبك فيها شارحو الصحيحين ارتباكاً دعاهم إلى التعسّف والتكلّف، كما تكلّفوا وتعسّفوا في الردّ على الزهري، إذ جزم بأنّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد لا اثنان، كما أوضحناه في كتابنا تحفة المحدّثين.

الرابع : أنّ ما اشتمل هذا الحديث عليه من قيام النّبي عن مصلاّه، ووضع يده على الخشبة، وخروج سرعان النّاس من المسجد، وقولهم أقصُرَت الصلاة، وقول ذي اليدين أُنسيت أم قصرت، وقول النبيّ : لم أَنس ولم تقصر; فقال له : بلى قد نسيت، وقول النّبيّ لاصحابه : أحقٌ ما يقول ؟ قالوا : نعم. وغير ذلك ممّا نقله أبو هريرة(356) لممّا يمحو صورة الصلاة بتاتاً، والمعلوم من الشريعة المقدّسة يقيناً بطلان الصلاة بكلّ ماح لصورتها، فلا يمكن مع هذا بناؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) على الركعتين الاوليين، لانه يناقض الحكم المقطوع بثبوته عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتأمّل .

الخامس : ان ذا اليدين المذكور في الحديث، إنّما هو ذو الشمالين(357) ابن عبد عمرو حليف بني زهرة، وقد استشهد في بدر، نصَّ على ذلك إمام بني زهرة، وأعرف النّاس بحلفائهم محمّد بن مسلم الزهري، كما في الاستيعاب(358) والاصابة(359) وشروح الصحيحين كافّة، وهو الذي صرّح به الثوري في إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة حين تركوا العمل بهذا الحديث، وأفتوا بخلاف مفاده، كما في أواخر باب السهو والسجود له من شرح النووي لصحيح مسلم(360).

وحسبك ما رواه النسائي ممّا يدلّ على أنّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وإليك لفظه، قال : فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو : أنقصت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما يقول ذو اليدين(361)، فصرّح بأنّ ذا الشمالين هو ذو اليدين.

ومثله بل أصرح منه ما أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، كليهما عن أبي هريرة، قال : صلّى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر أو العصر، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو، قال وكان حليفاً لبني زهرة : أخففت الصّلاة أم نسيت ؟ فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : ما يقول ذو اليدين، قالوا : صدق(362)، الحديث.

وأخرج أبو موسى من طريق جعفر المستغفري ـ كما في ترجمة عبد عمرو بن نضلة من الاصابة ـ(363) بالاسناد إلى محمّد بن كثير عن الاوزاعي، عن الزهري، عن كلّ من سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة، وعبيد اللّه بن عبداللّه، عن أبي هريرة، قال : سلّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في الركعتين، فقام ابن عبد(364) عمرو بن نضلة رجل من خزاعة حليف لبني زهرة، فقال : أقصرت الصلاة أم نسيت(365) ؟ الحديث، وفيه قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : أصدق ذو الشمالين.

فهذه الاحاديث كلّها صريحة في أنّ ذا اليدين المذكور في حديث أبي هريرة إنّما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف بني زهرة، ولا ريب في أنّ ذا الشمالين المذكور قتل يوم بدر، قبل أن يسلم أبو هريرة بأكثر من خمس سنين، وأنّ قاتله أسامة الجشمي، نصّ على ذلك ابن عبد البر(366) وسائر أهل الاخبار، فكيف يمكن أن يجتمع مع أبي هريرة في الصلاة خلف النبي يا أولي الالباب ؟ !.

وقد اعتذر بعضهم بأنّ الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو من صحابي آخر، فموت ذي اليدين قبل إسلام أبي هريرة لا يمنع من روايته لهذا الحديث.

وأنت تعلم أنّ هذا الاعتذار غلط، لانّ دعوى الحضور من أبي هريرة محفوظة من رواية ثقاتهم وحفّاظهم، وحسبك ما أخرجه البخاري فيما جاء في السهو من صحيحه(367)، عن آدم بن شعبة، عن سعد بن ابراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال : صلّى بنا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر أو العصر، وساق حديث ذي اليدين.

وأخرج مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه، عن محمّد بن سيرين، قال : سمعت أبا هريرة يقول : صلّى بنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر(368) وساق الحديث.

وقد ارتبك الامام الطحاوي في هذه الاحاديث لبنائه على صحّتها، مع جزمه بما جزم به الامام الزهري من أنّ ذا اليدين إنّما هو ذو الشمالين حليف بني زهرة المستشهد في بدر قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فلا يمكن اجتماعهما في الصلاة أبداً، لذلك اضطر إلى التأويل، فحمل ـ كما في إرشاد الساري للقسطلاني ـ قول أبي هريرة في هذه الاحاديث صلّى بنا على المجاز، وأنّ المراد صلّى بالمسلمين(369).

والجواب : أنّه قد ثبت عن أبي هريرة النصّ الصريح بحضوره على وجه لا يقبل التأويل أبداً، وحسبك ما أخرجه مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه عن أبي هريرة، قال : بينا أنا أصلّي مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الظهر، سلّم في الركعتين(370) وساق الحديث، فهل يتأتى التجوز فيه؟ كلاّ بل ( الحمد للّه الذي هدانا لهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَولا اَنْ هَدانَا اللّه )(371).

وصلّى اللّه على خاتم رسله، وأهدى سبله محمّد وآله الهداة الميامين، وسلّم تسليماً كثيراً.

تمت والحمد للّه هذه الرسالة في مدينة صور من جبل عامل، سلخ ربيع الاوّل سنة (1354) بيد مؤلّفها الاقلّ الاحقر عبدالحسين بن يوسف بن الجواد بن اسماعيل بن محمّد ابن محمّد بن ابراهيم ـ شرف الدين ـ بن زين العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن الحسين آل أبي الحسن الموسوي(372) العاملي عامله اللّه بالفضل والحسنى، وختم له ولموسى جار اللّه ولجميع المؤمنين والمؤمنات بما هو أحمد في العقبى، واللّه المسؤول أن يجمع كلمتنا على الهدى انّه السميع لمن دعا تبارك اللّه ربنا وتعالى .  

* * *  

(355)  نقلناه بلفظ البخاري في باب من يكبر في سجدتي السهو، واخرجه أيضاً في كل من البابين المذكورين قبله بلا فصل فراجع ابواب ما جاء في السهو صفحة (145) من الجزء الاول من صحيحه، وأخرجه أيضاً في مواضع أخر كثيرة يعرفها المتتبعون ـ أما مسلم فقد اخرجه في باب السهو من الصلاة والسجود له بطرق عديدة فراجع صفحة (215) من الجزء الاوّل من صحيحه «منه(قدس سره)».

أما النسخة التي اعتمدناها في تحقيقنا من الصحيحين في هذه الواقعة كالاتي: صحيح البخاري: 2 / 66، باب يكبر في سجدتي السهو، كتاب الكسوف. وصحيح مسلم بشرح النووي: 5 / 67 ـ 69، باب السهو في الصلاة نقل الحديث المذكور بألفاظ متعددة فراجع.

(356)  فإنّ من جملة ما نقله في رواية اُخرى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دخل الحجرة، ثمّ خرج ورجع الناس، وفي رواية : انّه سألهم فقال : أحقّ ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : نعم، وكلّ هذه الروايات في الصحاح وغيرها، فراجع «منه(قدس سره)» .

(357)  اسمه عمير ويقال عمرو كذا في الاصابة «منه(قدس سره)».

(358)  الاستيعاب في هامش الاصابة 1 : 479 .

(359)  الاصابة 3 : 33 ـ 34 .

(360)  صحيح مسلم بشرح النّووي 5 : 71 .

(361)  سنن النسائي 3 : 27 ـ 28 ط . دار المعرفة ـ بيروت .

(362)  مسند الامام أحمد 2 : 271، ح: 7610 .

(363)  الاصابة 3 : 33 ـ 34 .

(364) كذا في الاصابة، وقد عرفت أنه قد قال: إن اسم ذي الشمالين عبد عمرو «منه(قدس سره)» .

(365)  الاصابة 2 : 422 .

(366)  تأريخ الاسلام للذهبي: كتاب المغازي ص: 65 ط. دار الكتاب العربي ـ بيروت، وسيرة ابن هشام: 1 / 681 ط. دار الوفاء ـ بيروت، والاستيعاب بهامش الاصابة: 1 / 479 ط. دار الكتاب ـ بيروت.

(367) راجع الباب الثالث من ابواب ما جاء في السهو وهو باب اذا سلَّم في ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول ص145 من جزئه الاول «منه(قدس سره)» .

(368)  صحيح مسلم بشرح النّووي 5 : 67 ـ 68 .

(369)  إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 3 : 321 كتاب السهو ـ ح ـ 1227 ط . دار الفكر ـ بيروت .

(370)  صحيح مسلم بشرح النّووي 5 : 70 .

(371)  الاعراف : 43 .

(372)  نسبة إلى جدّه الامام موسى الكاظم(عليه السلام)، على ما هو المصطلح عليه عند النّسابين، تمت التعليقة والحمد للّه رب العالمين بيد مؤلّفها الاقل الاحقر عبدالحسين شرف الدين الموسوي غفر اللّه ذنوبه وستر عيوبه، وكان الفراغ من وضعها عند الفراغ من طبعها سابع ذي القعدة سنة (1355) في مدينة صيدا وللّه الحمد «منه(قدس سره)» .