فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

المسألة الثالثة عشرة

تتعلّق في البداء والمتعة والبراءة والمسح على الخفّين

فهنا أربعة مباحث:

المبحث الاوّل

في البداء

وقد زعم النواصب أنّا نقول : بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الامر بخلاف ما اعتقد، وهذا إفك منهم و بهتان، وظلم لال محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدوان، وحاشا أهل البيت(عليهم السلام) وأولياءهم أن يقولوا بهذا الضلال المبين المستحيل على اللّه عزّ وجلّ، فإنّ علم اللّه تعالى عين ذاته عندهم، فكيف يمكن دخول التغيير والتبديل فيه لو كان النواصب ينصفون؟ وحاصل ما تقوله الشيعة هنا : إنّ اللّه عزّ وجلّ قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الاجل والصحّة والمرض والسعادة والشقاء، والمحن والمصائب والايمان والكفر وسائر الاشياء، كما يقتضيه قوله تعالى: ( يَمْحُوْ اللّهُ ما يشاءُ ويُثْبِتُ وعِندهُ اُمُّ الكِتابِ )(208).

وهذا مذهب عمر بن الخطّاب، وابن مسعود(209)، وأبي وائل، وقتادة(210)، وقد رواه جابر عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرّعون إلى اللّه تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشيقاء(211)، وقد تواتر ذلك عن أئمّتنا في أدعيتهم المأثورة(212)، وورد في السنن الكثيرة أنّ الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر(213) وصحّ عن ابن عبّاس أنّه قال : لا ينفع الحذر من القدر، ولكنّ اللّه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر(214).

هذا هو البداء الّذي تقول به الشيعة تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لان اللّه عزّ وجلّ أجرى كثيراً من الاشياء التي ذكرناها على خلاف ما كان يظنّه النّاس، فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الامارات والدلائل، وكان مآل الاُمور فيها مناقضاً لاوائلها، واللّه عزّ وجلّ هو العالم بمصيرها ومصير الاشياء كلّها، وعلمه بهذا كلّه قديم أزلي.

لكن لمّا كان تقديره لمصير الاُمور فيها يخالف تقديره لاوائلها، كان تقدير المصير أمراً يشبه البداء، فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللفظ مجازاً، وكأنّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوّز، وبهذا ردّ بعض أئمّتنا قول اليهود : إنّ اللّه قدّر في الازل مقتضيات الاشياء، وفرغ اللّه من كلّ عمل إذ جرت الاشياء على مقتضياته، قال(عليه السلام) : « بأن للّه عزّ وجلّ في كلِّ يوم قضاءً مجدّداً بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهراً لهم، وما بدا للّه في شيء إلاّ كان في علمه الازلي »(215).

فالنزاع في هذه المسألة بيننا وبين أهل السنّة لفظيّ، لانّ ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على اللّه عزّ وجلّ تبرأ الشيعة منه وممّن يقول به براءتها من الشرك باللّه ومن المشركين، وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامّة المسلمين، وهو مذهب عمر بن الخطّاب وغيره كما سمعت، وبه جاء التنزيل ( يمحُو اللّه ما يَشاءُ وُيثْبِتُ وعندَهُ أُمّ الكِتابِ )(216)، ( يسألُه مَن في السماواتِ والارضِ كُلَّ يوم هُوَ في شأن )(217) أَي : كلّ وقت وحين يحدث اُموراً ويجدّد أحوالاً من إهلاك وإنجاء وحرمان وإعطاء، وغير ذلك، كما روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قيل له : ما ذلك الشأن ؟ فقال : من شأنه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنباً، ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين(218).

هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسمّيه بداءً، وغير الشيعة يقولون به، لكنّهم لا يسمّونه بداءً، فالنزاع في الحقيقة إنّما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به. ولو عرف غير الشيعة أن الشيعة إنما تُطلِق عليه هذا الاسم مجازاً لا حقيقة لتبيّن حينئذ لهم أن لا نزاع بيننا وبينهم حتّى في اللفظ، لان باب المجاز واسع عند العرب إلى الغاية.

ومع هذا كلّه فإن أصرّ غيرنا على هذا النزاع اللفظي، وأبى التجّوز بإطلاق البداء على ما قلناه، فنحن نازلون على حكمه، فليبدّل لفظ البداء بما يشاء ( وليتق اللّه ربّه )في أخيه المؤمن  ( ولا يبخس منه شيئاً )، ( ولا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أشياءَهُمْ ولا تَعْثَوْا في الاَرضِ مُفسِدين * بَقيَّةُ اللّهِ خَيرٌ لَّكُم إنْ كُنْتُم مؤمِنيِنَ )(219).

* * *

 

المبحث الثاني

في المتعة أعني متعة النساء

والكلام هنا يقع في خمسة اُمور :

الامر الاوّل :

في تحرير محلّ النزاع فيها

فنقول : محلّ النزاع بين الشيعة والسنّة هنا إنّما هو في أنّ تزوّجك المرأة الحرّة الكاملة المسلمة أو الكتابية نفسها، حيث لا يكون لك مانع في دين الاسلام عن نكاحها، من نسب، أو سبب، أو رضاع، أو إحصان، أو عدّة، أو غير ذلك من الموانع الشرعية، ككونها معقوداً عليها لابيك، أو كونها اُختاً لزوجتك مثلاً، أو نحو ذلك، تزوّجك هذه نفسها بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بعد نكاح جامع لشرائط الصحّة الشرعيّة، فتقول لك ـ بعد تبادل الرضا والاتّفاق بينكما ـ : زوّجتُك أو أنكحتُك أو متّعتك نفسي بمهر قدره كذا يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين مثلاً، أو تذكر مدّة معيّنة على الضبط، فتقول ـ أنت لها على الفور ـ : قَبلتُ.

وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود، وبتمامه تكون زوجة لك، وأنت تكون زوجاً لها إلى منتهى الاجل المسمّى في العقد، وبمجرّد انتهائه تبين من غير طلاق كالاجارة.

وللزوج فراقها قبل انتهائه بهبة المدّة المعيّنة لا بالطلاق، عملاً بالنصوص الخاصّة الحاكمة بذلك، ويجب عليها مع الدخول وعدم بلوغها سنّ اليأس أن تعتدّ بعد هبة المدّة، أو انقضائها بقرأين، إذا كانت ممّن تحيض، وإلاّ فبخمس و أربعين يوماً كالامة، عملاً بالادلّة الخاصّة أيضاً، فإذا وهبها المدّة، أو انقضت قبل أن يمسّها، فما له عليها من عدّة، كالمطلّقة قبل المسّ، ولا عدّة على من بلغت سنّ اليأس، كالمطلّقة أيضاً، وأولات الاحمال في المتعة أجلهنّ أن يضعن حملهنّ كالمطلّقات، أمّا عدّة المتوفّى عنها زوجها في نكاح المتعة، فهي عدّة المتوفّى عنها زوجها في النكاح الدائم مطلقاً(220).

وولد المتعة ذكراً كان أو أُنثى يلحق ـ كغيره من الابناء ـ بأبيه، ولا يدعى إلاّ له ( أُدعوهم لابائهم )(221) وله من الارث ما أوصانا به اللّه سبحانه حيث يقول: ( يُوصِيكُم اللّه في أولادِكُمْ للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الاُنثَيَينِ )(222) ولا فرق بين ولديك المولود أحدهما منها والاخر من النكاح المألوف بين عامّة المسلمين، وجميع العمومات الشرعيّة الواردة في الابناء والاباء والاُمهات شاملة لابناء المتعة وآبائهم وأمّهاتهم، وكذا القول في العمومات الواردة في الاخوة والاخوات وأبنائهما، والاعمام والعمّات، والاخوال والخالات وأبنائهم ( وأُولُو الارحامِ بَعضُهُمْ أَوْلى ببعض في كتابِ اللّهِ)(223) مطلقاً.

نعم نكاح المتعة لا يوجب توارثاً بين الزوجين نفسهما، ولا ليلة ولا نفقة للمتمتّع بها، وللزوج أن يعزل عنها، عملاً بالادلّة الخاصّة المخصّصة للعمومات الواردة في أحكام الزوجات.

هذه هي متعة النساء التي فهم الاماميّة من الكتاب والسنّة دوام إباحتها، وأهل المذاهب الاربعة يعترفون بأنّ اللّه تعالى شرعها في دين الاسلام، لكنّهم يعتقدون نسخها وتحريمها، وليس عندنا متعة نساء غيرها بحكم الضرورة من مذهبنا المدوّن في الاُلوف من مصنّفات علمائنا المنتشرة في أكثر بلاد الاسلام.

 

الامر الثاني :

في أصل مشروعيّة المتعة

يجب أن يعلم أنّ هذا القدر ثابت بإجماع المسلمين، وبالكتاب الحكيم، وبالسنّة المقدّسة.

أمّا الاجماع، فلانّ أهل القبلة كافّة، متّفقون على أنّ اللّه تعالى شرّع متعة النساء في دين الاسلام، بحيث لا ريب في ذلك لاحد من أهل المذاهب الاسلاميّة على اختلافهم في المشارب والاراء، بل لعلّ هذا ملحق ـ عند أهل العلم ـ بالضروريّات الثابتة عن سيّد النبيّين(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا ينكره أحد من المسلمين مطلقاً.

وأما الكتاب، فقوله تعالى في سورة النساء: ( فَمَا استَمتَعتُمْ بِهِ مِنهن فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )(224). حتّى أنَّ كلاًّ من أُبي بن كعب، وابن عبّاس، وسعيد بن جبير; والسدّي، وغيرهم كانوا يقرأونها: ( فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى ) أخرج ذلك عنهم الامام الطبري في تفسير الاية من أوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير، ورواه عنهم و عن ابن مسعود جماعة كثيرون من أثبات الاُمّة وحفظتها(225) لا يسعنا استقصاؤهم، وصرّح عمران بن حصين الصحابي بنزول هذه الاية في المتعة، وأنهّا لم تنسخ حتّى قال رجل برأيه ما شاء(226).

ونصّ على نزول الاية في المتعة مجاهد أيضاً فيما أخرجه عنه الطبري في تفسيره الكبير(227)، ويشهد لنزول الاية في متعة النساء أنّ اللّه سبحانه قد أبان في أوائل السورة حكم النكاح الدائم بقوله عزّ من قائل: ( فانكحُوا ما طَابَ لكُم من النساءِ مَثنَى و ثُلاثَ ورباع ) إلى أن قال: ( وآتواْ النساءَ صدُقاتِهِنَّ نحِلَةً )(228).

فلو كانت هذه الاية في بيان الدائم أيضاً للزم التكرار في سورة واحدة، أمّا إذا كانت لبيان المتعة، فانّها تكون لبيان معنى جديد، وأولو الالباب ممّن تدبّروا القرآن الحكيم يعلمون أن سورة النساء قد اشتملت على بيان الانكحة الاسلاميّة كلّها، فالدائم وملك اليمين تبينا بقوله تعالى: ( فَانكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُم )(229) ونكاح الاماء مبين بقوله تعالى : ( ومَنْ لَم يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الُمحصناتِ الْمُؤمِناتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤمِناتِ وَاللّهُ اَعْلَمُ بإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِاذْنِ أَهْلِهنَّ وَآتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )(230) إلى آخر ما شرع من أحكامهن، والمتعة مبينة بآيتها ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فَريضَة )(231).

وأمّا السنّة، فنصوصها في مشورعيّة المتعة متواترة، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرة، وقد أخرج الشيخان في أصل مشروعيّتها أحاديث في صحيحيهما كثيرة، عن كلّ من سلمة بن الاكوع، وجابر بن عبداللّه، وعبداللّه بن مسعود، وابن عبّاس، وسبرة بن معبد، وأبي ذرّ الغفاري، وعمران بن حصين، والاكوع بن عبداللّه الاسلمي(232)، وأخرجها أحمد بن حنبل في مسنده من حديث هؤلاء كلّهم(233)، ومن حديث عمر، وحديث ابنه عبداللّه(234).

وأخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه عن جابر بن عبداللّه، وسلمة بن الاكوع، قالا : خرج علينا منادي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : إنّ رسول اللّه أذِن لكم أن تستمتعوا يعني متعة النساء(235) انتهى بلفظه، والصحاح في هذا المعنى أكثر من أن تستقصى في هذا الاملاء .

 

الامر الثالث :

في دوام حلّها

وهو مذهب ائمّتنا الاثني عشر وأوليائهم(عليهم السلام)، وحسبك حجّة لهم ما قد سمعته من إجماع أهل القبلة على أنّ اللّه شرعها في دينه القويم، وأذن في الاذن بها منادي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يثبت نسخها عن اللّه تعالى، ولا عن رسوله اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انقطع الوحي باختيار اللّه تعالى لنبيّه دار كرامته، بل ثبت عدم نسخها بحكم صحاحنا المتواترة عن أئمّة العترة الطاهرة، فراجعها في مظانّها من حديث الشيعة، على أنّ في صحاح أهل السنّة ما تتمّ به الحجّة، واليك لمعة منها بعين ألفاظهم.

أخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه عن عطاء، قال : قدم جابر بن عبداللّه معتمراً، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر اهـ.

وأخرج مسلم في الباب المذكور أيضاً عن أبي الزبير، قال : سمعت جابر بن عبداللّه يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الا يّام على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث اهـ.

وأخرج في الباب المذكور أيضاً عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبداللّه فأتاه آت، فقال : إنّ ابن عبّاس وابن الزبير، اختلفا في المتعتين ـ متعة الحجّ ومتعة النساء ـ فقال جابر : فعلناهما مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما(236).

والاخبار في هذا لا تستقصى، ويعجبني قول بعضهم :

إنّ التمتّع سنّة مشروعة     صدع الكتاب بها وسنّة أحمد

وروى المخالف أنّ ذلك قد جرى     زمن النبيّ وبعد فقد محمّد

ثمّ استمرّ الامر في تحليلها     إذ صحّ ذلك بالحديث المسند

عن جابر و عن ابن مسعود وفي     نصّ ابن عبّاس كريم المولد

حتّى نهى رجل بغير دلالة     عنها فكدر صفو ذاك المورد

* * *

 

الامر الرابع :

فيما زعموا من نسخها

وقد أمعنا النظر في الاحاديث التي تشبّثوا بها، فإذا هي أحاديث ملفّقة وضعها المتأخّرون عن زمن الصحابة تصحيحاً لرأي من حرّمها، وقد استقصيناها في رسالتنا الموسومة بالنجعة في أحكام المتعة، فأثبتنا من طريق خصومنا تضعيف تلك الاحاديث; وإن اخرجها البخاري ومسلم، ونقلنا كلمات البعض من أئمّتهم في الجرح والتعديل الدالّة على ذلك.

على أن تلك الاحاديث الملفّقة تناقض صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة، بل تناقض ما سمعته وما ستسمعه من صحاحهم الدالّة على عدم نسخها، بل تناقض نفسها بنفسها، كما فصّلناه في النجعة تفصيلاً، وقد سمعت نصّ جابر على أنّ التحريم والنهي إنّما كان من عمر في بادرة ابن حريث، وستسمع كلام عمران بن حصين، وعبداللّه بن مسعود، وعبداللّه بن عمر، وعبداللّه بن عبّاس، وأمير المؤمنين، فتراه صريحاً بأنّ التحريم لم يكن بناسخ شرعيّ، وإنما كان بنهي عمر، ومحال أن يكون هناك ناسخ يجهلونه، وهم من علمت منزلتهم من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وملازمتهم إيّاه، وحرصهم على أخذ العلم منه.

على أنّه لو كان ثمّة ناسخ لنبّههم إليه بعض المطّلعين عليه، وحيث لم يعارضهم أحد فيما كانوا ينسبونه من التحريم إلى عمر علمنا أنّهم أجمع معترفون بذلك مقرون بأن لا ناسخ من اللّه تعالى، ولا من رسوله.

على أنّ عمر نفسه لم يدّعِ النسخ، كما ستسمعه من كلامه الصريح في إسناد التحريم والنهي إلى نفسه، ولو كان هناك ناسخ من اللّه أو من رسوله لاسند التحريم إلى اللّه تعالى أو إلى الرسول(صلى الله عليه وآله)، فإنّ ذلك أبلغ في الزجر، وأولى بالذكر.

*  *  *

 

فصل

ومن غريب الامور دعوى بعضهم النسخ بقوله تعالى: ( والَّذينَ هُمْ لِفُروجِهْم حافِظُون * إلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ اَيْمانُهُمْ )(237) بزعم أنّها ليست بزوجة ولا ملك يمين، قالوا : أمّا كونها ليست بملك يمين فمسلّم، وأمّا كونها ليست بزوجة، فلانّها لا نفقة لها ولا إرث ولا ليلة.

والجواب : أنّها زوجة شرعيّة بعقد نكاح شرعيّ، أمّا عدم النفقة والارث والليلة، فإنّما هو لادلّة خاصّة تخصّص العمومات الواردة في أحكام الزوجات، كما بيّناه في الامر الاوّل، على أنّ هذه الاية مكّيّة نزلت قبل الهجرة بالاتّفاق، فلا يمكن أن تكون ناسخة لاباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع.

ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلّفين أن يقولوا بأنّ «آية المؤمنون» ناسخة لمتعة النساء، إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين، فإذا قلنا لهم: ولم لا تكون ناسخة لنكاح الاماء المملوكات لغير الناكح، وهن لسن بزوجات للنكاح ولا بملك له؟ قالوا حينئذ: انّ آية المؤمنون مكيّة، ونكاح الاماء المذكورات إنّما شرع بقوله تعالى في سورة النساء وهي مدنيّة: ( ومَن لم يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المحصناتِ المُؤمناتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُم )(238) الاية، والمكّي لا يكون ناسخاً للمدني، لوجوب تقدّم المنسوخ على الناسخ، يقولون هذا القول وينسون أنّ المتعة إنّما شرعت في  المدينة، وانّ آيتها في سورة النساء أيضاً، وهي قوله عزّ من قائل: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ )(239) وقد منينا بقوم لا يتدبّرون، فإنا للّه وإنا اليه راجعون.

 

الامر الخامس :

في يسير من السنن الدالّة على أنّ التحريم

إنّما كان تأوّلاً من الخليفة الثاني

أخرج مسلم في باب المتعة بالحجّ والعمرة من صحيحه بالاسناد إلى أبي نضرة، قال : كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه، فقال : على يديَّ دار الحديث تمتّعنا مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا قام عمر، قال : إنّ اللّه كان يحلُّ لرسوله من شاء بما شاء، وإنَّ القرآن قد نزل منازلهُ، « فأتّموا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه وأبتُّوا نكاح هذه النساء، فَلَن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة »(240).

وأخرج الامام أحمد في مسنده من حديث عمر بالاسناد إلى أبي نضرة، قال: قلت لجابر بن عبد اللّه إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وان ابن عبّاس يأمر بها، فقال لي : على يديَّ جرى الحديث، تمتّعنا مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب النّاس، فقال : إنَّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول اللّه هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه أحدهما متعة الحجّ، والاُخرى متعة النساء(241).

وهذا كما ترى صريح فصيح، ولا تنس ما أوردناه في الامر الثالث من حديث جابر، فإنّه صريح فصيح أيضاً.

وقد استفاض قول الخليفة الثاني وهو على المنبر : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة الحجّ ومتعة النساء(242)، حتى نقل الرازي هذا القول عنه محتجّاً به على تحريم متعة النساء، فراجع تفسير آيتها من تفسيره الكبير.

والذي نقله متكلّم الاشاعرة، وحكيم أهل السنّة الامام القوشجي في أواخر مبحث الامامة من شرح التجريد : أنّ الخليفة الثاني قال وهو على المنبر : أيّها النّاس ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهنّ واُحرّمهنّ واُعاقب عليهنّ، متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل، ثمّ اعتذر بأنّ هذا إنّما كان منه عن تأوّل واجتهاد(243).

قلت : والاخبار في هذا ممّا يضيق عنه وسع هذه الرسالة، وقد استمتع في أيّام عمر، ربيعة بن اُمية بن خلف القرشي أخو صفوان فيما أخرجه مالك ـ في باب نكاح المتعة من موطّئه ـ عن عروة بن الزبير، قال : إنّ خولة بنت حكيم السلمية دخلت على عمر، فقالت : إنّ ربيعة بن أميّة استمتع بامرأة فحملت منه; فخرج عمر يجرّ رداءه، فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدّمت فيها لرجمت(244)، أي لو كنت تقدّمت في تحريمها والانذار برجم فاعلها قبل هذا لرجمت، إذ كان هذا القول منه قبل نهيه عنها، نصّ على ذلك ابن عبد البركما في شرح الزرقاني لهذا الحديث من موطأ مالك.

ولا يخفى أنّ هذا الكلام منه ظاهر في أنّ التصرّف في حكمها إنّما هو منه لا من سواه، وخطبته تلك على المنبر نصّ صريح بذلك(245).  

تـتـمـة

(208)  الرعد : 39 .

(209) نقله عنهما فخر الدين الرازي في تفسير هذه الاية من سورة الرعد ص 210 من الجزء الخامس من تفسيره الكبير ونقل ثمة حديث جابر الذي أشرنا إليه «منه(قدس سره)».

  (210) نقله عنهما وعن عمر وابن مسعود إمام المفسرين في معنى الاية من مجمع البيان ص 298 من مجلّده الثالث طبع العرفان «منه(قدس سره)».

(211)  التفسير الكبير للفخر الرازي 19 : 65 .

(212)  مجمع البيان للعلامة الطبرسي 3 : 385 .

(213) كنز العمال 6 : 371 ـ ح ـ 16111. والمُصَنفُ لابن أبي شيبة: 6 : 97 ط. دار الفكر ـ بيروت الحديث: الخامس عن ابن عمر .

(214)  المستدرك للحاكم 2 : 350 . وأخرجه الذهبي في تلخيصه مصرحين بصحته «منه(قدس سره)».

(215) لم أعثر على تلك الرواية بهذا المضمون في المصادر التي بين يدي.

(216)  الرعد : 39 .

(217)  الرحمن : 29 .

(218) التفسير الكبير للفخر الرازي 29 : 108 ط. دار الاحياء ـ بيروت. لكن لفظ الحديث يختلف يسيراً وهذا لفظه: يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع من يشاء ويضع من يشاء.

(219)  هود : 85 ـ 86.

(220)  يعني سواء كانت مدخولاً بها أو لا، وسواء كانت يائساً أو لا، وسواء كانت حبلى أو لا; إذ على غير الحبلى أن تعتدّ بأربعة أشهر وعشر، حتّى لو كانت يائساً وغير مدخول بها، وعلى الحبلى أن تعتدّ بأبعد الاجلين من مضيّ المدّة المذكورة ووضع الحمل، فزوجة المتعة في عدّة الوفاة كالزوجة في النكاح الدائم لا فرق بينهما «منه(قدس سره)» .

(221)  الاحزاب : 5 .

(222)  النساء : 11 .

(223)  الانفال : 75 .

(224)  النساء : 24 .

(225)  حتّى أرسل الزمخشري في كشّافه هذه القراءة عن ابن عبّاس ارسال المسلّمات، والرازي ذكر في تفسير الاية أنّه روي عن اُبيّ بن كعب أنّه كان يقرأ: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهن أجورهنّ، قال : وهذا أيضاً هو قراءة ابن عبّاس، قال : والامّة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة قال : فكان ذلك اجماعاً من الامّة على صحّة هذه القراءة.

قلت : هذا كلامه بلفظه فراجعه في ص 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير. ونقل القاضي عياض عن المأزري ـ كما = = في أوّل باب نكاح المتعة من شرح صحيح مسلم للنووي ـ أنّ ابن مسعود قرأ: «فما أستمتعتم به منهنّ إلى أجل» و الاخبار في ذلك كثيرة «منه(قدس سره)».

(226)  ستقف على كلام عمران في الامر السادس من الامور المتعلّقة بالمتعة «منه(قدس سره)» .

(227)  راجع الصفحة (9) من جزئه الخامس «منه(قدس سره)» .

(228)  النساء : 3 ـ 4 .

(229)  النساء : 3 .

(230)  النساء : 25 .

(231)  النساء : 24 .

(232) راجع صحيح مسلم بشرح النووي 9: (179 ـ 189) كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، وصحيح البخاري، كتاب التفسير، باب 33، ح 4156، وكتاب النكاح، باب 32، ح 4724، وكتاب الاعتصام، باب 28، ح 6819.

(233) مسند أحمد بن حنبل 1: 52، ح 347، 4: 47، ح 15907، 4: 51، ح 15937.

(234)  مسند احمد بن حنبل 1 : 49، ح 324، 1: 50، ح 332، 2: 95، ح 5436 .

(235)  صحيح مسلم بشرح النّووي 9 : 182 ط . دار الكتاب بيروت.

(236) أوردنا أحاديث جابر هذه في ص 58 من فصولنا المهمّة وتكلّمنا فيها بما يجدر بالباحثين أن يقفوا عليه «منه(قدس سره)». راجع: صحيح مسلم بشرح النووي 9: 183 ـ 184.

(237)  المؤمنون : 5 ـ 6 .

(238)  النساء : 25 .

(239)  النساء : 24 .

(240)  صحيح مسلم بشرح النّووي 8 : 168 .

(241)  مسند أحمد 1 : 52 ح 371.

(242)  التفسير الكبير للفخر الرازي 10 : 50. وموسوعة أطراف الحديث 9 : 356 ط . دار الفكر ـ بيروت . نقلاً عن التمهيد لابن عبد البر 8: 355.

(243)  شرح تجريد العقائد لعلاء الدين علي بن محمّد القُوشجي :  374 ط . ايران .

(244)  الموطّأ لمالك : ص 344 ح 1152 ط . دار الفكر ـ بيروت .

(245)  وقد قال العسكري ـ فيما نقله عن السيوطي في أحوال عمر من كتابه تاريخ الخلفاء ـ : هو أوّل من سمّي أمير المؤمنين، وأوّل من كتب التاريخ من الهجرة، وأوّل من اتّخذ بيت المال، وأوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وأوّل من = = عسّ بالليل، وأوّل من عاقب على الهجاء، وأوّل من ضرب في الخمر ثمانين، وأوّل من حرّم المتعة الخ، والذين صرحوا بهذا من أثبات الاُمّة لا تحيط بهم هذه العجالة «منه(قدس سره)» . تأريخ الخلفاء : 136 تحقيق : محمّد محيي الدين عبدالحميد. بمصر .