|
قال :
ولكتب الشيعة في حيلة التقّية
غرام قد شغفها حبّاً(164)...الخ.
فأقول :
إنّ إخواننا من أهل السنّة ـ أصلح اللّه
شؤونهم ـ يستفظعون أمر التقيّة، وينددون
بها، ويعدّونها وصمة في الشيعة، مع أنّ العمل
بها عند الخوف على النفس أو العرض أو المال،
ممّا حكم بوجوبه الشرع والعقل، واتّفقت عليه
كلمة اُولي الالباب من المسلمين وغيرهم،
فالتقيّة غير خاصّة بالشيعة، وإن توهّم ذلك
بعض الجاهلين، وقد هبط بها الروح الامين، على
قلب سيّد النّبيين والمرسلين(صلى الله عليه
وآله وسلم) فتلا عليه: ( لا
يتّخِذِ المؤْمِنُونَ الكافِرينَ أولياءَ من
دُون الْمُؤمِنينَ ومَنْ يَفْعَلْ ذلك فليسَ
مِن اللّهِ في شيء إلاّ أنْ تَتَّقُوا
مِنهُمْ تقاةً ويُحذّرُكُمُ اللّهُ نفسهُ
وإلى اللّه المَصِيرُ )(165). وتلا عليه مرة اُخرى:
( مَن كَفَرَ
باللّهِ مِن بعدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ اُكرهَ
وَقَلبُهُ مُطمئنٌ بالايمان ولكن مَن شرحَ
بالكُفر صَدراً فَعلَيهمْ غضبٌ مِن اللّهِ
ولهُمْ عذابٌ عَظيمٌ )(166).
والصحاح
الحاكمة بالتقيّة عند الاضطرار اليها
متواترة، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرة،
وحسبك ما صحّ على شرط الشيخين، عن أبي عبيدة
بن محمّد بن عمّار بن ياسر، عن أبيه، قال :
أخذ المشركون عمّاراً، فلم يتركوه حتّى سبّ
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر آلهتهم
بخير ثمّ تركوه، فلمّا أتى رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله وسلم) قال : « ما
وراءك ؟ »
قال : شرّ يا رسول اللّه ما تُركت حتّى نلت
منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال(صلى الله عليه
وآله وسلم) : « كيف
تجد قلبك » قال : مطمئنٌ
بالايمان، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : « إن
عادوا فعد »(167).
وصحّ
على شرط الشيخين أيضاً عن ابن عبّاس في تفسير
قوله تعالى : ( إلاّ
أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً )، قال :
التقاة التكلّم باللسان، والقلب مطمئنّ
بالايمان، فلا يبسط يده فيقتل. الحديث(168).
قلت :
هذا حكم الشرع كتاباً وسنّة، والعقل بمجرّده
حاكم بهذا لو كانوا ينصفون.
وقد
مني الشيعة بملوك الجور، وولاة الظلم، فكانوا
يسومونهم سوء العذاب، يقطّعون أيديهم
وأرجلهم، ويصلّبونهم على جذوع النخل،
ويسملون أعينهم، ويصطفون أموالهم، كانت
سياستهم الزمنيّة تقتضي هذه الجرائم، وكانوا
يعوّلون في ارتكابها على الظنّ والتهمة، وكان
قضاتهم من علماء السوء والتزلف، يتقرّبون
اليهم بما يبيح لهم ما كانوا يرتكبون، فاضطرت
الشيعة وأئمّة الشيعة عندها إلى التقيّة
مخافة الاستئصال، جرياً على قاعدة العقلاء
والحكماء والاتقياء في مثل تلك الشدائد، وكان
عملهم هذا دليلاً على عقلهم وحكمتهم وفقههم،
وما كان اللّه عزّ وجلّ ليمنعهم ـ والحال
هذه ـ من التقيّة، وهو القائل تبارك اسمه: ( لا يُكَلّفُ اللّهُ نفْساً إِلاّ
وُسْعَها )(169)، ( وَما جَعَلَ
عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَج )(170)، ( يُريدُ اللّهُ بِكُمُ
الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(171)،
( لا يُكَلّفُ اللّهُ
نَفْساً إلاّ ما آتاها )(172)
وقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة»(173).
لكن
أهل البطر يعدّون التقيّة من مساوئ الشيعة ـ فويل
للشجيّ من الخلي ـ ولو ابتلوا بما ابتلي به
الشيعة لاخلدوا إلى التقية، وقبعوا فيها قبوع
القنفذ، كما فعل أهل السنّة إذ اتّقوا شرّ
جنگيز خان وهولاكو حقناً لدمائهم، وما يصنع
الضعيف العاقل إذا ابتلي بالشديد الغاشم؟
ولمّا
دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن، أجابه
كثير من أبرار أهل السنّة إلى ذلك بألسنتهم،
وقلوبهم منعقدة على القول بقدمه، فأظهروا له
خلاف ما يدينون به تقيّة منه.
كما
يفعله المسلمون اليوم في الحجاز; حيث لا
يتظاهرون بالاقوال والاعمال التي لا تجوز
شرعاً في مذهب الوهابيّة، كزيارة قبور
الاولياء، وتقبيل الضريح النبوي الاقدس،
والتبرّك به، وكالاستغاثة بسيّد الانبياء،
والتوسّل به إلى اللّه عزّ وجلّ في غفران
الذنوب، وكشف الكروب، فإنّ الحجّاج وغيرهم من
سنيّين وشيعيّين لا يتظاهرون بشيء منها تقيّة
من الفتنة، وخوفاً من الاذى، بل لا يتظاهرون
بالادعية المستحبّة عندهم في تلك المواقف
الكريمة والمشاهد العظيمة، عملاً بالتقية.
وذكر
ابن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من
مقدّمته الشهيرة مذاهب أهل السنّة، وانتشار
مذهب أبي حنيفة في العراق، ومذهب مالك في
الحجاز، ومذهب أحمد في الشام وفي بغداد،
ومذهب الشافعي في مصر، وهنا قال ما هذا لفظه :
ثمّ انقرض فقه أهل السنّة من مصر بظهور دولة
الرافضة، وتداول بها فقه أهل البيت، وتلاشى
من سواهم، إلى أن ذهبت دولة العبيديين من
الرافضيين على يد صلاح الدين يوسف بن أيّوب،
ورجع اليهم فقه الشافعي(174).
قلت :
من تأمّل بهذا علم أنّ أهل السنّة في مصر
أخذوا بالتقيّة أيّام الفاطميين أكثر ممّا
أخذ بها الشيعة أيّام معاوية ويزيد وبني
مروان والعبّاسيّين والسلجوقيّين
والايّوبيين والعثمانيين وغيرهم، وشتّان بين
خوف أهل مصر من الفاطميين، وخوف الشيعة من تلك
الدول، ولا سيّما الدولة الاُموية، فقد كان
ملوكها وعمّالها وعلماؤها ورؤساؤها والعامّة
بأجمعها لا يتحمّلون ولا يطيقون ذكر الشيعة،
وكانت الكلمة متّفقة على سحقهم ومحقهم، فلولا
خلودهم إلى التقيّة ما بقيت منهم هذه البقيّة.
فأيّ
مسلم أو غير مسلم يرتاب في جوازها لهم ؟ ولا
سيّما بعد أن صدع القرآن بها، ونصّ في آيتين
محكمتين على إباحتها، ومن يشك في ذلك ؟ بعد
أن قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)
لعمّار : « إن
عادوا فعد »، وإذا جاز لعمّار أن
يعود إلى سبّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
تقيّة، فأيّ شيء بعد هذا لا تبيحه التقيّة ؟.
على أنّ النفوس بفطرتها مجبولة عليها في مقام
الخوف، كما لا يخفى على كلِّ ذي نفس ناطقة.
وموسى
جار اللّه ندد أوّلاً بها ثمّ اعترف، فقال ما
هذا لفظه : نعم التقيّة في سبيل حفظ حياته
وشرفه، وفي حفظ ماله وفي حماية حقّ من حقوقه
واجبة على كلّ أحد إماماً كان أو غيره(175).
قلت :
تعالوا وانظروا بمن ابتلاني، كأنّ الشيعة
وأئمّتهم يأخذون بالتقيّة حيث لا خوف على
حياتهم، ولا على شرفهم، ولا على مالهم، ولا
على شيء من حقوقهم، الحمد للّه الذي عافانا
ممّا ابتلي به هذا الرجل من الحمق، ولو شاء
لفعل.
وأحمق
من كلمته هذه تسوّره على مقام الائمّة من آل
محمّد(صلى الله عليه وآله) اذ يقول : أمّا
التقيّة بالعبادة بأن يعمل الامام عملاً لم
يقصد به وجه اللّه، وإنّما أتاه وهماً خوفاً
من سلطان جائر، والتقيّة بالتبليغ بأن يسند
الامام إلى الشارع حكماً لم يكن من الشارع،
فإنّ مثل هذه التقيّة لا تقع أبداً أصلاً من
أحد له دين، ويمتنع صدورها من إمام له عصمة
وحمل رواية الامام وعبادة الامام على التقيّة
طعن على عصمته، وطعن على دينه(176)،
إلى آخر هذيانه في طغيانه، وكأنّه وجد ممّا
تؤآخذ عليه أئمّة العترة في عملهم بالتقيّة
أمرين :
أحدهما :
أنّهم كانوا يعملون أعمالاً لا يقصدون بها
وجه اللّه، وإنّما يعملونها خوفاً من الجائر.
والجواب :
أنّ هذا خطأ واضح، فانّهم(عليهم السلام) كانوا
يقصدون وجه اللّه في كلّ ما يعملون، وأخذهم
بالتقيّة كان من أفضل أعمالهم التي قصدوا بها
وجه اللّه لانّها السبب الوحيد في حياتهم
وحياة شيعتهم، وبها كان إحياء امرهم، وانتشار
دعوتهم، ولو قلنا لحضرة هذا ـ الفيلسوف ـ
دلّنا على مورد من أعمالهم التي لم يقصد بها
وجه اللّه لاحرجنا موقفه.
والثاني :
أنّهم كانوا يسندون إلى الشارع على سبيل
التقيّة أحكاماً لم تكن صادرة منه على مذهبهم
ومعتقدهم، وهذا ممّا لا تبيحه التقيّة لامام
له دين.
والجواب :
أنّ هذا كسابقه خطأ واضح، فإنّ أئمّة أهل
البيت أعدال الكتاب، وبهم يعرف الصواب،
وكانوا ذوي مذهب تلقّوه عن جدّهم رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله وسلم); وكان من مذهبهم أنّ
التقيّة تبيح لهم بالمسائل الخلافيّة أن
يفتوا أهل الخلاف لهم بما جاء عن أئمّتهم،
ويفتوا شيعتهم بما يرونه الحقّ في مذهبهم،
فتعارض النقل عنهم بسبب ذلك، لكنّ العلماء من
أوليائهم، العارفين بأسرارهم، محصوا تلك
الاحكام المأثورة عنهم في الاخبار
المتعارضة، فعرفوا ما كان منها لمخالفيهم
فصرّحوا بحمله على التقيّة، وما كان منها
لاوليائهم فتعبّدوا به.
أمّا
ما اقترحه موسى جار اللّه على أئمّة أهل البيت
من السكوت عن الفتوى في مقام التقيّة، ففي غير
محلّه; لانّ اللّه عزّ وجلّ أخذ على أمثالهم
أن يصدعوا بأحكامه، ويبيّنوا للنّاس ما
اختلفوا فيه من شرائعه، وقد فعلوا ذلك
ببيانها لاوليائهم على ما يقتضيه مذهبهم،
واضطرّوا إلى بيانها لمن سألهم عنها من
مخالفيهم على ما تقتضيه مذاهب المخالفين لهم،
ولو لم يؤثر عنهم الثاني لحلّت بهم اللاواء،
ونزل بهم البلاء، وإذا أباحت التقيّة لعمّار
ما أباحته من سبّ رسول اللّه وذكر الاوثان
بخير كما سمعت، فبالاحرى أن تبيح للامام
إفتاء مخالفيه بما تقتضيه مذاهبهم، وأيّ مانع
من هذا يا مسلمون ؟.
قال
موسى جار اللّه : وعلي أمير المؤمنين عليه
وعلى أولاده السلام كان يحافظ على الصلوات،
ويراعي الاوقات، ويحضر الجماعات ويصلّي
المكتوبات ويصلّي صلاة الجمعة مقتدياً خلف
الاوّل والثاني والثالث كان يقصد بها وجه
اللّه فقط; ولم يكن يصلّي صلاة إلاّ تقرّباً
وتقوى وأداءً الخ(177).
قلت :
حاشا أمير المؤمنين أن يصلّي إلاّ تقرّباً
للّه وأداءً لما أمره اللّه به، وصلاته خلفهم
ما كانت إلاّ للّه خالصة لوجهه الكريم، وقد
اقتدينا به(عليه السلام)، فتقربنا إلى اللّه
عزّ وجلّ بالصلاة خلف كثير من ائمة جماعة أهل
السنّة، مخلصين في تلك الصلوات للّه تعالى،
وهذا جائز في مذهب أهل البيت، ويثاب المصلّي
منّا خلف الامام السنّي، كما يثاب بالصلاة
خلف الشيعيّ، والخبير بمذهبنا يعلم أنّا
نشترط العدالة في إمام الجماعة إذا كان
شيعيّاً، فلا يجوز الائتمام بالفاسق من
الشيعة ولا بمجهول الحال، أما السنيّ فقد
يجوز الائتمام به مطلقاً.
* *
*
قال :
في كتب الشيعة أنّ عليّاً أمير المؤمنين طلّق
فلانة(178)
ثمّ نقل خبرين آخرين من هذا القبيل.
فأقول :
هذه الاخبار وأمثالها لا أثر لها عندنا علماً
ولا عملاً، فهي غير معتبرة بالاجماع، ويوشك
أن يكون هذا الرجل وجدها في حديث المفوّضة،
فإن البلاء فيها وفي أمثالها إنّما جاء منهم،
لكنّ النواصب أبوا إلاّ أن يحملونا من أوزار
الغالية ما يشاؤون أو يشاء ورعهم في النقل،
كما بيّناه في فصولنا المهمّة(179)، واللّه
المستعان على ما يصفون.
* *
*
تتعلّق بعول الفرائض، وهو نقصان
التركة عن ذوي السهام، كأختين وزوج، فإنّ
للاختين الثلثين، وللزوج النصف(180).
وقد التبس الامر فيها على الخليفة
الثاني إذ لم يدر أيّهم قدّم اللّه فيها
ليقدّمه، وأيّهم أخّر ليؤخّره، فقضى بتوزيع
النقص على الجميع بنسبة سهامهم، وهذا غاية ما
يتحرّاه من العدل مع التباس الامر عليه.
لكن علماء أهل البيت ولا سيّما الاثنا
عشر من أئمّتهم، عرفوا المقدّم عند اللّه
فقدّموه، وعرفوا المؤخّر فأخّروه، وأهل
البيت أدرى بالذي فيه.
قال الامام الباقر(عليه السلام) :
« كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول :
إنّ الذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا
تعول على ستّة(181)
لو يبصرون وجهها »(182).
وكان ابن عبّاس يقول : من شاء باهلته
عند الحجر الاسود إن اللّه لم يذكر في كتابه
نصفين وثلثاً(183).
وقال أيضاً : سبحان اللّه العظيم
أترون أنّ الّذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في
مال نصفاً ونصفاً وثلثاً ؟ فهذان النصفان
قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث ؟ فقيل(184)
له : يا أبا العبّاس فمن أوّل من أعال
الفرائض ؟ فقال : عمر بن الخطاب لما
التفّت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضاً، قال :
واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه، وأيّكم
أخّر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسّم
عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي حقّ
ما دخل عليه من عول الفريضة. قال ابن عباس :
وأيم اللّه أن لو قدّم من قدّم اللّه، وأخّر
من أخّر اللّه، ما عالت فريضة، فقيل(185) له : أيّها
قدّم اللّه وأيّها أخّر ؟ فقال : كلّ
فريضة لم يهبطها اللّه عزّ وجلّ عن فريضة إلاّ
إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه، وأمّا ما أخّر
فكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاّ
ما بقي، فتلك التي أخّر.
قال : وأمّا التي قدّم فالزّوج له
النّصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى
الرّبع ولا يزيله عنه شيء. ومثله الزوجة والام.
قال : وأمّا التي أخّر، ففريضة
البنات والاخوات لها النصف والثلثان، فإذا
أزالتهنَّ الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلاّ ما
بقي، قال : فإذا اجتمع ما قدّم اللّه وما
أخّر، بدأ بما قدّم فأعطي حقّه كاملاً، فإن
بقي شيء كان لمن أخّر اللّه(186) الحديث أورده شيخنا
الشهيد الثاني في الروضة، قال : وانّما
ذكرناه مع طوله لاشتماله على أمور مهمة(187).
قلت : وأخرج الحاكم في كتاب الفرائض
عن ابن عبّاس، أنّه قال : أوّل من أعال
الفرائض عمر، وأيم اللّه لو قدّم من قدّم
اللّه، وأخّر من أخّر اللّه، ما عالت فريضة،
فقيل له : وأيّها قدّم اللّه وأيّها أخّر ؟
فقال : كلّ فريضة لم يهبطها اللّه عزّ وجلّ
عن فريضة إلاّ إلى فريضة، فهذا ما قدّم اللّه
عزّ وجلّ، وكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم
يكن لها إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر اللّه
عزّ وجلّ، كالزوج والزوجةوالاُمّ، والذي
أخّر كالاخوات والبنات، فإذا اجتمع من قدّم
اللّه عزّ وجلّ ومن أخّر بُدئ بمن قدّم، فأعطي
حقّه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخّر(188)،
الحديث.
قال الحاكم بعد ايراده : هذا حديث
صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
قلت : والذهبي لم يتعقّبه إذ أورده
في التلخيص(189)
إذعاناً بصحّته، و قد أجمع أهل البيت على
مفاده، وأخبارهم بذلك متضافرة، لكن موسى جار
اللّه ممّن لا يأبه بذلك، إذ يقول : وكتب
الشيعة وإن ردّت القول بالعول وأنكرت على
الاُمّة(190) إعالة الفرائض،
إلاّ أنها لم تنج من إشكال ابن عبّاس و الامام
الباقر : إن الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في
مال نصفاً وثلثين ولا نصفاً ونصفاً
وثلثاًمثلاً، فانّ إدخال النقص في المؤخّر
أخذ بقسم كبير من العول، ولا يدفع أصل الاشكال(191)
إلى آخر كلامه الملحق بالهذيان.
وكيف يكون إدخال النقص على المؤخّر
عند اللّه عولاً يا مسلمون ؟ أترون هذا
الرجل يرى أنّ من مصاديق العول تقديم الوارث
شرعاً على غير الوارث شرعاً ؟ وإذاً فالعول
ممّا لا بدّ منه ولا مناصّ عنه أبداً، ولو كان
هذا الرجل من أولي الالباب لعلم أنّ من أخّره
اللّه في الارث لا حقّ له مع وجود من قدّمه
اللّه عليه في ذلك، وحيث لا معارضة بينهما فلا
إشكال.
والى هذا أشار ابن عباس بقوله رضي
اللّه عنه : أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً
جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً الخ. يعني :
أنّه إنّما فرض هذه الفرائض حيث لا تتعارض،
ومحال عليه أن يفرضها مع التعارض، والخليفة
الثاني يعلم ذلك، لكنّه لم يعرف أيّهم قدّم
الله ليقدّمه، وأيّهم أخّر اللّه ليؤخّره،
فلمّا التبس الامر عليه قضى بتوزيع النقص على
الجميع بنسبة سهامهم، كما صرّح به فيما سمعته
من كلامه، وقوله : «واللّه ما أدري أيّكم
قدّم اللّه وأيّكم أخّر» نصّ صريح بأنّ اللّه
قدّم في صورة التعارض بعضهم وأخّر بعضاً.
وكفى بهذا دليلاً على عدم المعارضة
فيما فرضه اللّه تعالى، وحجّة على أن اللّه
عزّ وجلّ لم يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً،
وأنّه إنّما جعل هذه الفرائض لاربابها حيث لا
تتعارض، أمّا مع التعارض فيقدّم منهم من
قدّمه اللّه ويؤخّر من أخّره عزّ وجلّ، وحيث
التبس المقدّم والمؤخّر على الخليفة أضطرّ
إلى العول، إذ وجده أقرب المجازات إلى حقيقة
العدل المتعذّرة عليه.
ولموسى جار اللّه هنا من الغلط والشطط
ما يعرفه كلّ من وقف على كلامه، وذلك حيث نقض
على الباقر وابن عبّاس في امرأة ماتت عن زوج
وأمّ واُختين، قال : فالزوج فرضه بتسمية
القرآن النصف، والاُختان لهما بتسمية القرآن
الثلثان(192) والاُمّ لها في حكم
القرآن الثلث أو السدس.
قـال والسهام فـي تسميـة القـرآن
الكـريـم زائـدة، والنقـص فـي جـمـيـع
السهام، وهـو العـول العـادل(193)، أو فـي سهـم
المـؤخّـر فـقـط، وهـو العـول الجـائـر(194) ضـروري
اقتسمته الاُمّة والشيعة(195).
قال : والذي قسّم المال وسمّى
السهام هو الذي أحصى رمل عالج، بل وجميع ذرّات
جميع الكائنات(196).
قال : ويغلب على ظنّي أنّ القول بأن
لا عول عند الشيعة قول ظاهري قيل ببادئ الرأي
عند بيان الاختلاف ردّاً لمذهب الاُمّة(197)،
فإنّ العول هو النقص فإن كان النقص في جميع
السهام بنسبة متناسبة فهو العول العادل(198). أخذت به الاُمّة، وقد
حافظت على نصوص الكتاب(199)
وإن كان النقص في السهم المؤخّر فقط، فهو
العول الجائر، أخذت به الشيعة(200) وخالفت به نصوص الكتاب.
قال : والاشكال الذي تحيّر فيه ابن عبّاس
وأنتحله الامام الباقر ثابت راس(201).
قال : ولا أريد اليوم كما أراد ابن
عبّاس في يومه أن ابتهل أو أباهل في المسألة
أحداً، وانّما أريد أن تعلّموني ممّا علمتم
في إزالة الاشكال رشداً، هذا كلامه فأقول له
متمثلاً :
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني
أو كنت أجهل ما أقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني
وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا(202)
* * *
قال هذا المسكين : أعجبني دين
الشيعة في تحريم كلّ شراب يسكر كثيره، قليله
حرام، حتّى أنّ المضطرّ لا يشرب الخمر ساعة
الاضطرار، إلى أن قال : ولم يعجبني فتواهم
في جزئـيّات مسائل الربا، ووجدت ما طالعته من
كتب الشيعة مقصّرة في بيان مسائل الربا(203)
... الخ.
فأقول : دين الشيعة إنّما هو
الاسلام الّذي بعث اللّه به خاتم الرسل وسيّد
الانام، محمّداً عليه وآله الصلاة والسلام،
فلا معنى لقول هذا الرجل : أعجبني دين
الشيعة ( كبُرتْ كلمَةً تَخرجُ مِن
أفواهِهم إن يقُولُونَ إِلاّ كذِباً )(204).
وقد صدق فيما نقله عن الشيعة من تحريم كلّ
شراب يسكر، غير أنّه أخطأ فيما نقله عنهم من
حكم المضطرّ، إذ يجوز عندهم تناول الحرام عند
خوف التلف بدون تناوله، أو حدوث المرض أو
زيادته، أو الضعف المؤدّي إلى التخلّف عن
الرفقة، مع ظهور أمارة العطب على تقدير
التخلّف، أو غير ذلك من سائر مصاديق الاضطرار.
والظاهر عدم الفرق في هذا الحكم بين
الخمر وغيرها من المحرّمات، كالميتة والدم
ولحم الخنزير، وإن كان في هذا غير الخمر موضع
وفاق، أمّا فيها فمحلّ خلاف، والظاهر جواز
إستعمالها عند ا لاضطرار، لعموم الاية(205) الدّالة على
جواز تناول المضطرّ، والاخبار المانعة من
استعمالها مطلقاً محمولة على تناولها لطلب
الصحّة لا لطلب السلامة من التلف، نعم يجب
تقدير الضرورة بقدرها في الخمر وغيرها من
المحرّمات، ولو قام غير الخمر مقامها قدّم
عليها، وإن كان محرّماً لاطلاق النهي الكثير
عنها، والتفصيل في هذا كلّه موكول إلى مظانّه(206)
من فقه الاماميّة .
أمّا قول هذا الرجل : لم يعجبني
فتواهم في جزئيّات مسائل الربا، ووجدت ما
طالعته من كتب الشيعة مقصّرة في بيان مسائل
الربا(207) الخ.
فأقول في جوابه :
والبدر تستصغر الابصار رؤيته
والذنب للطرف ليس الذنب للقمر
ومن راجع فقه الاماميّة وحديثهم،
وجدهما لا يغادران صغيرة ولا كبيرة من
مسائل الربا إلاّ أحصياها، وأنا أحيل
الباحثين عن ذلك على مباحث الربا من باب
التجارة من كتاب شرائع الاسلام وشروحه،
كجواهر الكلام، وهداية الانام، ومسالك
الافهام، وغيرها كقواعد العلاّمة، وشروحها
مفتاح الكرامة، وجامع المقاصد، وغير ذلك من
الالوف المؤلّفة المنتشرة في بلاد الاسلام،
وحسبه من كتب الحديث، وسائل الشيعة إلى أحكام
الشريعة.
* * * |
|