|
قال :
تعتقد الشيعة أنّ جهاد الاُمم الاسلاميّة لم
يكن مشروعاً، وهو اليوم غير مشروع،
إلى أن قال : الجهاد
مع غير الامام المفترض طاعته حرام عند الشيعة
مثل حرمة الميتة، وحرمة الخنزير.
الى آخر كلامه([136]).
والجواب :
أنّ هذا الرجل في كلّ ما ينقله عن الشيعة
كراكب عمياء في ليلة ظلماء، فإنّ الجهاد
ينقسم من جهة اختلاف متعلّقاته خمسة أقسام :
أحدها : الجهاد
لحفظ بيضة الدين، إذا أراد أعداء اللّه
مسَّها بسوء، وهمّوا بأن يجعلوا كلمتهم أعلى
من كلمة الايمان باللّه، وأن يكون الشرع
باسمهم مناقضاً لدين اللّه عزّ وجلّ.
ثانيها : الجهاد
لدفاع العدوّ عن التسلّط على دماء المسلمين
بالسفك وأعراضهم بالهتك.
ثالثها : الجهاد
للدفاع عن طائفة من المسلمين التقت مع طائفة
من الكفار، فخيف من استيلائهم عليها.
رابعها : الجهاد
لدفعهم عن ثغور المسلمين وقراهم وأرضهم، أو
لاخراجهم منها بعد تسلّطهم عليها بالجور، أو
لجبر بيضة المسلمين بعد كسرها، وإصلاحها بعد
فسادها، والسعي في إنقاذ المسلمين وبلادهم من
أيدي الكفرة باللّه عزّ وجلّ.
ويجب
الجهاد في هذه الاقسام الاربعة ـ بإجماع
الشيعة ـ وجوباً كفائيّاً على معنى أنّه
يجب على الجميع، إلى أن يقوم به منهم من فيه
الكفاية، فيسقط عن الباقين سقوطاً مراعى
باستمرار القائم به، إلى أن يحصل الغرض
المطلوب شرعاً، وتختلف الكفاية بحسب الحاجة،
بسبب كثرة العدوّ وقلّته، وضعفه وقوته.
ومن
قُتل في كلّ من هذه الاقسام الاربعة من
المؤمنين فهو من الشهداء السعداء، وله في
الاخرة ـ مع الاخلاص في النية ـ ما أعدّه
اللّه للشهداء بين يدي خاتم الانبياء(صلى
الله عليه وآله وسلم)من الدرجات الرفيعة،
والمساكن الطيّبة، والحياة الدائمة،
والرضوان الخالد، ويسقط عن الاحياء وجوب
تغسيله وتحنيطه وتكفينه إذا لم يكن عارياً
فيدفن في ثيابه ودمائه، ولا ينزع عنه شيء سوى
الفرو والجلد، وما كان بقاؤه عليه مضرّاً في
حال الوارث، هذا إذا قتل في المعركة، ولم
يدركه المسلمون وفيه رمق الحياة.
ولا
فرق في وجوب الجهاد في كلّ هذه الاقسام
الاربعة، بين حضور الامام(عليه السلام)وغيبته،
ووجود المجتهد وعدم وجوده، فيجب على الحاضرين
من المسلمين والغائبين ـ إن لم يكونوا
مرابطين في الثغور ـ أن ينفروا للجهاد
تاركين عيالهم وأشغالهم وسائر مهمّاتهم،
ويجب على من كان ذا مال أو جاه أو سلاح أو رأي
أو تدبير أو حيلة أن يبذل ما لديه من ذلك، وتجب
في هذا المقام طاعة الرئيس الناهض بهذه
المهمة، العارف بتسريب العساكر، وتدريب
الحرب، وإن لم يكن إماماً، ولا نائباً
خاصّاً، ولا مجتهداً ـ لتعذّر رئاستهم في
هذه الايام ـ وله أن يأخذ من أموال
المسلمين ما يتوقّف عليه الامر; ويجب القيام
بهذه الرئاسة على كلّ من له الاهلية لها،
وجوباً عينياً إذا انحصر الامر فيه، وإلاّ
كان الوجوب عليه كفائيّاً، وفقه الاماميّة
وحديثهم صريحان بهذا كلّه([137]).
الخامس
من أقسام الجهاد : ابتداء الكفّار
بجهادهم في سبيل دعوتهم إلى الايمان باللّه
عزّ وجلّ، وغزوهم لاجل ذلك في عقر ديارهم،
وبحبوحة قرارهم، وهذا المقام عندنا من خواصّ
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الامام
النائب عن رسول اللّه نيابة صحيحة، أو
المنصوب الخاصّ من أحدهما، فلا يتولاّه
المجتهدون النائبون عن الامام أيّام غيبته
ولا غيرهم.
وقد
اختلط الامر على موسى جار اللّه، فلم يعلم أنّ
الممنوع من الجهاد عندنا في هذه الايام إنما
هو القسم الخامس دون الاربعة فانّها واجبة
بحكم الضرورة من الدين الاسلامي، والمذهب
الامامي، وجوبا كفائيّاً كما سمعت.
والحرب
قد بانت لها الحقائق وظهرت من بعدها مصادق
وشهدت
يوم دارت رحا الحرب العالميّة، بأنّ علماء
الاماميّة كانوا في ساحتها من أرسخ المجاهدين
قدماً، وأعلاهم همماً، وأمضاهم عزيمة،
وأشدهم شكيمة; قد لبسوا يوم القرنة في العراق
للحرب لامتها وادّرعوا لها بدرعها، وكان في
مقدّمتهم الامامان المجاهدان الشيخ فتح
اللّه المدعوّ شيخ الشريعة الاصفهاني،
والشريف الوحيد السيّد محمّد سعيد الحبوبي
الحسيني، وهما يومئذ من أجلّ مجتهدي الشيعة
في العراق، ومن أكبر شيوخ الاسلام على
الاطلاق، وكان الشيخ قد أربى على الثمانين،
والسيّد قد ذرف عليها، فلم يمنعهما ضعف
الشيخوخة; ودقّة عظمها، ورقة جلدها، عن قيادة
ذلك الجيش اللهام، المحتشد من العلماء
الاعلام، والفضلاء الكرام، والابرار الاخيار
من أهل السوابق في نصرة الاسلام، وقد أبلوا في
الجهاد بلاءً حسناً لم يكن له نظير، حتّى
جاءهم من العدوّ ما لا قِبَل لهم به، فتحرّفوا
للقتال، وتحيّزوا إلى فئتهم يستنفرونها
للكفاح; فكان ما كان من سقوط العثمانيّين،
وانجلائهم عن العراق، فقضى الشيخ والسيّد
نحبهما أسفاً ولهفاً، وماتا وجداً وكمداً،
فلحقا بالشهداء، وكانا من السعداء في دار
البقاء، رفع اللّه درجتهما كما شرّف خاتمتهما.
* *
*
تتعلّق
بحديث أئمّة العامّة وحاله عند أئمّتنا(عليهم
السلام)
قال :
ادّعت كتب الشيعة أنّ الائمّة كانت تنكر كلّ
حديث يرويه إمام من أئمّة العامّة، وأنّ موسى
بن جعفر قد أنكر كلّ حديث رواه مالك إمام
المذهب، إلى
أن قال : وكان
الصادق يأمر بما فيه خلاف أهل السنّة
والجماعة([138])...
الخ.
الجواب : أنّ
الشيعة ترى أنّ الكذب على أئمّة أهل البيت(عليهم
السلام) كالكذب على اللّه ورسوله، موبقة توجب
دخول النار، وهو عندهم من مفطرات الصائم في
شهر رمضان، وحديثهم وفقههم صريحان بذلك،
فثقاتهم لا يُتّهمون في النقل عن أئمّتهم
أبداً، على أنّ فيهم من الورع والعبقريّة ما
يسمو بهم عن كلّ دنيّة، وإذا كانت أئمّة
العترة الطاهرة تنكر حديث من ذكرهم موسى جار
اللّه فما ذنب الشيعة؟ وقد بلغه القدح في
أئمّته عن كثير من سلفه الصالح([139]) فلم
يره شيئاً نكراً، بل لعلّه يوسع الجارحين
عذرا، فلمّا بلغه بعض الشيء عن أئمّة أهل
البيت(عليهم السلام) مزّق كلّ فروة، وجبّ كلّ
ذروة.
والامام
الكاظم(عليه السلام) أعرف النّاس بمالك، كانا
في بلد واحد، وعصر واحد، وقد انتهى اليه ميراث
السنن عن جدّه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله
وسلم) وتصافق النّاس على علمه وورعه، وزهده
وكظمه الغيظ، وتجاوزه عمّن أساء إليه،
وانقطاعه إلى اللّه مخلصاً له في العبادة،
ناصحاً لعباده في الارشاد والافادة، فكان
الواجب أن يستغرب النّاس من الامام مالك عدم
سماعه منه، فإنّ الموطأ خلوٌ من حديثه(عليه
السلام)([140]).
وأغرب
من هذا أن مالكاً كان لا يروي عن الامام
الصادق(عليه السلام) على ما قيل([141])حتّى
يُضمّ إليه أحد، والشيخان كلاهما لم يخرجا
شيئاً عن الكاظم، ولا عن الرضا، ولا عن
الجواد، ولا عن الهادي، ولا عن الزكي الحسن
العسكري(عليه السلام)([142])، ولا عن
الحسن بن الحسن، ولا عن الشهيد زيد بن علي بن
الحسين، ولا عن يحيى بن زيد، ولا عن النفس
الزكيّة محمّد بن عبداللّه الكامل بن الحسن
الرضا بن الحسن السبط، ولا عن أخيه إبراهيم بن
عبداللّه، ولا عن الحسين شهيد فخّ، ولا عن
يحيى بن عبداللّه بن الحسن، ولا عن أخيه إدريس
بن عبداللّه، ولا عن محمّد بن جعفر الصادق،
ولا عن محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن
إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن
طباطبا، ولا عن أخيه القاسم الرسّي، ولا عن
محمّد بن محمّد بن زيد بن علي، ولا عن محمّد بن
القاسم بن علي بن عمر الاشرف ابن زين العابدين
صاحب الطالقان المعاصر للبخاري، ولا عن غيرهم
من أعلام العترة الطاهرة، كعبد اللّه بن
الحسن، وعلي بن جعفر العريضي، وأخويه إسماعيل
ابن جعفر وإسحاق بن جعفر، وغيرهما من ثقل رسول
اللّه، وبقيّته في أمّته(صلى الله عليه وآله
وسلم)، حتّى أنّهما لم يرويا شيئاً من حديث
سبطه الاكبر وريحانته من الدنيا الامام أبي
محمّد الحسن(عليه السلام)المجتبى سيّد شباب
أهل الجنّة.
نعم
رووا أباطيل مختلقة افتراءً على الامام زين
العابدين(عليه السلام) وسيّد الساجدين عن
أبيه سيّد الشهداء(عليهم السلام) وخامس أصحاب
الكساء وأنا أتلو عليك ما أخرجه البخاري من
ذلك.
فأقول :
أخرج هذا الشيخ عن الزهري من طريقين، قال :
أخبرني علي بن حسين، أنّ حسين بن علي; أخبره
أنّ علي بن أبي طالب، قال : إنّ رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله وسلم)طرقه وفاطمة، فقال لهم :
ألا تصلّون ؟ فقال علي : يا رسول اللّه
إنّما أنفسنا بيد اللّه، فإذا شاء أن يبعثنا
بعثنا، فانصرف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله
وسلم) حين قال له ذلك، ولم يرجع إليه شيئاً،
ثمّ سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول :
وكان الانسان أكثر شيء جدلاً([143]).
وأخرج
البخاري عن الزهري أيضاً قال : أخبرنا علي
بن حسين، أنّ حسين بن علي، أخبره أنّ عليّاً
قال : كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم
بدر، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أعطاني
مما أفاءَ اللّه من الخمس يومئذ فلمّا أردت أن
أبتني بفاطمة(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى
الله عليه وآله وسلم)واعدتُ رجلاً صوّاغاً في
بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بأذخر، فأردت
أن أبيعه من الصّوّاغين فنستعين به في وليمة
عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيَّ من الاقتاب
والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب
حجرة رجل من الانصار، حتّى جمعت ما جمعته فإذا
أنا بشارفيّ قد أجبّت أسنمتهما، وبقرت
خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني
حين رأيت المنظر، قلت : من فعل هذا ؟
قالوا : فعله حمزة بن عبدالمطلب وهو في هذا
البيت في شرب من الانصار، عنده قينة وأصحابه،
فقالت ] القينة[ في
غنائها : (ألا يا حمز للشرف النواء)، فوثب
حمزة إلى السيف فأجبَّ أسنمتهما وبقر
خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
قال
علي: فانطلقت حتّى دخلت على النبيّ(صلى الله
عليه وآله وسلم) وعنده زيد بن حارثة، وعرف
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لقيتُ،
فقال : مالك ؟ فقلت : يا رسول اللّه ما
رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فأجبَّ
اسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه
شرب. فدعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بردائه
فارتدى ثمّ انطلق ] رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله وسلم)[ يمشي وأتبعتهُ أنا وزيد بن حارثة حتّى
جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له
فطفق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يلوم
حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرّة عيناه،
فنظر حمزة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)،
ثمّ صعّد النظر، فنظر إلى ركبتيه، ثم صعّد
النّظر، فنظر إلى وجهه، ثمّ قال حمزة : وهل
أنتم إلاّ عبيد لابي. الحديث([144]).
قلت :
هذا هو العلم الذي يؤثره البخاري عن علي بن
حسين، عن حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب(عليهما
السلام)، وكأنّه ما صح لديه عنهم سوى أنّ أخا
الرسول وبضعته الزهراء البتول كانا ينامان عن
الصلاة; وأنّ هارون هذه الاُمة وأبا شبرها
وشبيرها ومشبرها كان أكثر شيء جدلاً، وأنّ
سيّد الشهداء أسد اللّه وأسد رسول اللّه الذي
خصّه بسبعين تكبيرة عند الصلاة عليه كان يشرب
الخمر، ويأكل الميتة من يد القينة، ويقول
الهجر والكفر، نعوذ باللّه من هذه الاضاليل;
واللّه المستعان على هذه الاباطيل، وقد
استوفينا الكلام عليها في كتابنا ـ تحفة
المحدّثين ـ بما لا مندوحة للباحثين
المدقّقين عن الوقوف عليه.
وإنّي
واللّه لاعجب من الشيخ البخاري يروي عن ألف
ومئتين من الخوارج([145])، ويحتجّ
بأكثر من مئة مجهول([146])، ويعتمد
على كثيرين ممّن سبق الطعن بهم([147])
كعكرمة البربري الخارجي، وإسماعيل بن أويس;
وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وأمثالهم،
ويصحّح حديث المرجئة والقدريّة، ولاتأخذه
لومة لائم في الاحتجاج بمروان بن الحكم،
والمغيرة بن شعبة، ومعاوية الاموي، وعمرو بن
العاص، وأمثالهم، ولا يخجل من الاحتجاج
بعمران بن حطّان داعية الخوارج وزعيمهم، وهو
القائل في شقيق عاقر الناقة أشقى الاخرين ابن
ملجم المرادي، وضربته لاخي النبيّ ووليّه،
ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى :
يا
ضربة من تقيّ ما أراد بها إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
انّي
لاذكره يوماً فأحسبه أوفى البريّة عند اللّه ميزانا
ثمّ
يُعرض عن سبط رسول اللّه الاكبر، وريحانته من
الدنيا الحسن بن علي إمام الاُمّة وسيّد شباب
أهل الجنّة، وعن الصادقين من أهل البيت، وهم
أعدال الكتاب، وسفينة النجاة، وباب حطة،
وأمان هذه الاُمة([148]).
لكم
ذخركم إن النبيّ وآله وحزبهم ذخري إذا التمس الذخر
وأمّا
قول هذا الرجل : وكان الصادق يأمر بما فيه
خلاف أهل السنّة والجماعة.
فجوابه :
أنّه(عليه السلام) إذا استفتاه من يعرفه
بالعمل بهديه يفتيه بما عنده من ذلك، وإذا
استفتاه من يعرفه باتباع غيره أجابه بما جاء
عنهم، وإذا سأله من لا يعرفه، قال في الجواب :
جاء عن فلان كذا، وعن فلان كذا، فيذكر في
الاثناء مذهب أهل البيت في المسألة، هذه
طريقته، وربّما كانت طريقة غيره من أئمّة أهل
البيت(عليهم السلام).
وقد
قال(عليه السلام) لمعاذ بن مسلم الهراء([149]): « بلغني أنّك تقعد في
الجامع فتفتي النّاس، قال : قلت نعم و قد
أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إنّي أقعد
في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء،
فاذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون،
ويجيء الرجل أعرفه بمودتكم وحبّكم، فأخبره
بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري
من هو، فأقول : جاء عن فلان كذا، وجاء عن
فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي :
اصنع كذا فانّي كذا أصنع([150]).
قلت :
وحيث كان من سيرته(عليه السلام) هذا الصنع روى
النّاس عنه في المسائل الخلافية أحكاماً
متعارضة، فالتبست بعد ذلك على أوليائه فسألوه
عنها، فكان مضمون جوابه : أنّ ما كان منها
موافقاً للعامة، فانّما قلته له كي يأخذوا
بمذهبهم، وما كان منه مخالفاً لهم، فانّما
قلته بياناً للحقيقة كي يأخذ به المقتدون بنا.
وهذا
كلّ ما عندنا من العمل بالاخبار المتعارضة
الصحيحة إذا لم يكن شيء منها مؤيّداً بآية من
كتاب اللّه عزّ وجلّ، وفيه من احترام مذاهب
المسلمين كافّة ما لا يخفى على اُولي
الالباب، لكن منينا بموسى جار اللّه وأضرابه
ممّن لا يفقهون، فانّا للّه وإنا اليه راجعون.
لا
أشكّ أنّ موسى جار اللّه رأى عمر بن قيس ـ وهو
من أعلام أهل السنّة وأعيان التابعين ـ
يقول : من أراد الحقّ فليأت الكوفة فلينظر
ما قال أبو حنيفة وأصحابه فليخالفهم([151]).
أو
رأى عمّار بن زريق ـ وهو من أعلام التابعين
وشيوخ أهل السنّة أيضاً ـ يأمر أبا الجواب
فيقول له : خالف أبا حنيفة فانّك تصب([152]).
أو
رأى عمّار بن زريق المذكور يقول : إذا سئلت
عن شيء فلم يكن عندك شيء، فانظر ما قال أبو
حنيفة فخالفه، فانك تصيب([153]).
أو
رأى ابن عمّار يقول. إذا شككت في شيء فنظرت إلى
ما قال أبو حنيفة فخالفته، كان هو الحقّ، فان
البركة في خلافه([154]).
أو
رأى غيرهم من أمثالهم، ينسجون في هذا القول
على منوالهم، فظنّ أنّ الصادق(عليه السلام)إنّما
يرمي إلى هذا الغرض ( إنْ يتَّبِعُونَ
إلاَّ الظَّنَّ وما تَهوى الانْفُسُ )([155]).
* *
*
تتعلّق
بتنزيل بعض الايات وتأويلها
قال :
في كتب الشيعة أبواب في آيات نزلت في الائمّة
والشيعة; وآيات نزلت في كفر فلان وفلان، وكفر
من اتّبعهما،
والايات تزيد على مئة، ثمّ سأل عن رأينا في
تنزيلها وفي تأويلها([156]).
فأقول :
أمّا ما نزل في فضل الائمّة من أهل البيت(عليهم
السلام) وشيعتهم، فمسلّم بحكم الضرورة من علم
التفسير بالمأثور من السنن، وبحكم ما ثبت في
السنّة المقدّسة من أسباب النزول، وقد قال
ابن عباس : نزل في علي وحده ثلاثمئة آية([157])،
وقال غيره : نزل فيه ربع القرآن، ولا عجب
فانهما الثقلان لا يفترقان.
ومن
آثر التفصيل، فعليه بكتاب غاية المرام
المنتشر في بلاد الاسلام([158])
وحسبه المراجعة 12 من مراجعاتنا([159]) ويكفيه الفصل الاول من
الباب 11 من الصواعق المحرقة لابن حجر، ومن كان
في قلبه مرض فعليه بكلمتنا الغراء فإنها
الشفاء من كلّ داء.
وأمّا
نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان، فانّه
ممّا نبرأ إلى اللّه منه، والبلاء فيه إنّما
جاء من بعض غلاة المفوّضة، وربّما كان في
كتبهم فرآه هذا الرجل فيها، فرمى البريء بحجر
المسيء، شأن الجهّال، بحقائق الاحوال، ومن
تدبّر آيات المنافقين في الذكر الحكيم وجدها
تعطفهم على الكفّار تارة نحو قوله تعالى : ( يا أَيُّها النَّبيُّ
جَاهِد الكُفَّارَ والمُنافقيِنَ )([160]) وتعطف الكفّار عليهم تارة
أخرى، نحو قوله عزّ إسمه ( وعَدَ اللّهُ المُنافقينَ
وَالمُنافقاتِ والكُفَّارَ نارَ جهنّمَ
خالدِينَ فيها )([161]) وهذا يشعر
بتغايرهما.
فالقرآن
إذن لا يكفّر المنافقين، مع ما كانوا عليه من
الايذاء لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)،
والسعي في إطفاء نور اللّه، وقد صدع بذمّهم
ولعنهم ووعيدهم، ومع هذا كلّه فقد فتح لهم
باباً([162])
إلى رحمته الواسعة، إذ قال عزّ من قائل: ( وَيُعذِّبَ
المُنافِقِينَ إن شاءَ أَو يَتوبَ عَلَيهِم
اِنَّ اللّهَ كان غَفُوراً رحيماً )([163]).
* *
* |
|