فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

المسألة الخامسة

زعم أنّ الشيعة ترى حكومات الدول الاسلاميّة وقضاتها وكلّ علمائها طواغيت(86)، إلى آخر كلامه.

فأقول : خلط الحابل بالنابل، والجائر بالعادل، كأنّه لا يدري أنّ الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنّما هم الظالمون الغاشمون المستحلّون من آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ما حرّم اللّه ورسوله، الباذلون كلّ ما لديهم من سطوة وجبروت في أن يبيدوا العترة الطاهرة من جديد الارض.

وقد وازرهم على هذا قضاة الرشوة، وعلماء التزلّف المراؤون الدجّالون، فبلغوا في تسويد صحائف الشيعة كلّ مبلغ، وألصقوا بهم كلّ عائبة، إرجافاً بهم وافتراءً عليهم، وجرأة على اللّه تعالى واستخفافاً بحرماته عزّ وجلّ، وتهجيناً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وتشويهاً لوجه الحقّ، وتصحيحاً لما كان يرتكبه الغاشمون من النهب والسلب، والشتم والضرب، وتحريق البيوت، وتقطيع النخيل، وقتل الرجال، واصطفاء الاموال، فأي جناح على من اعتبر تلك الحكومة اليزيديّة وقضاتها وعلماءها طواغيت ؟ وهل في الخارج أو في الذهن مصاديق للطواغيت سوى أمثالهم ؟.

أمّا غيرهم من حكومات الاسلام، فإنّ من مذهب الشيعة وجوب موازرتهم في أمر يتوقّف عليه عزّ الاسلام ومنعته، وحماية ثغوره، وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شقّ عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الاُمّة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها، والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق، وإن كان عبداً مجدع الاطراف، فتعطيه خراج الارض ومقاسمتها وزكاة الانعام وغيرها، ولها أن تأخذ منه ذلك بالبيع والشراء وسائر أسباب الانتقال، كالصِلات والهبات ونحوها، ولا إشكال في براءة ذمة المتقبّل منه بدفع القبالة إليه، كما لو دفعها إلى إمام الحق.

هذا مذهبنا في الحكومات الاسلاميّة ـ كما فصّلناه في المراجعة 82 من مراجعاتنا(87)ـ لكن موسى جار اللّه وأضرابه يريدون إغراء الحكومات الاسلاميّة بالشيعة ضرراً وبغياً ( وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمنَ حاربَ اللّهَ وَرَسُولَهُ من قبلُ وَلَيحلِفُنَّ إن أردنا إلاّ الحسنى واللّه يَشهدُ إِنَّهُمْ لكاذِبُونَ )(88).

* * *

المسألة السادسة

قال : صرحتْ كتب الشيعة أنّ كلّ الفرق الاسلاميّة كلّها كافرة ملعونة خالدة في النار إلاّ الشيعة الخ(89).

فأقول : نعوذ باللّه من تكفير المسلمين، واللّه المستعان على كلّ معتد أثيم، همّاز مشّاء بنميم، كيف يجوز على الشيعة أن تكفّر أهل الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحجّ والايمان باليوم الاخر؟

وقد قال إمامهم أبو عبداللّه جعفر الصادق(عليه السلام) ، في حديث سفيان بن الصمت : « الاسلام هو الظاهر الّذي عليه النّاس، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان(90).

وقال(عليه السلام) في حديث سماعة : الاسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، والتصديق برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث(91).

وقال الامام أبو جعفر محمّد الباقر(عليه السلام) في صحيحة حمران بن أعين : والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة النّاس من الفرق كلّها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة; والصوم والحجّ، فخرجوا بذلك عن الكفر، وأضيفوا إلى الايمان(92).

ونصوص أئمّتنا(عليهم السلام) في هذا المعنى متواترة وعليه إجماع الشيعة. ولو فرض أنّ في بعض كتبهم المعتبرة شيئاً من تكفير مخالفيهم، فليس المراد من التكفير هنا معناه الحقيقيّ، وإنّما المراد إكبار المخالفة لائمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وتغليظها، نظير ما ثبت في الصحاح من تكفير التارك للصلاة، والمقاتل للمسلم، والطاعن في النسب، والعبد الابق، والنائحة على الموتى(93).

وكتب أهل السنّة مشحونة بتكفير الشيعة، وتحقيرهم، ونبزهم بالرفض تارة، وبالخشبية مرّة، وبالترابيّة أُخرى، وبغير ذلك من ألقاب الضعة، ولا تسل عن الارجاف بهم، والافتراء عليهم، وبهتهم بالاباطيل، وحسبك ما تجده في باب الردّة والتعزير من الفتاوى الحامديّة من تنقيحها، فإنّ هناك مالا تبرك الابل عن مثله(94) فهل أنكر عليه في بهتانه منكر ؟ أو عذله عن ظلمه وعدوانه عاذل ؟

فحتّى م تصوّبون على إخوانكم الصواعق المحرقة(95)، وتنبزونهم بأهل البدع والزندقة، حتى كان منهاج السنّة(96) سباباً، ونبراسها كذاباً، وفجر الاسلام(97) هو الاسلام الصحيح، ـ وكرد ـ الشام هو العربي الصريح، وأرباب القلم وأنصار السنة أضراب النصولي في كتاب معاوية بن أبي سفيان، والحصاني صاحب العروبة في الميزان; وموسى هذا الارعن في مسائله، وابن عانة في معاميه ومجاهله، يتحكّمون بجهلهم، فيستحلّون من الشيعة ما حرّم اللّه عزّ وجلّ بغياً منهم وجهلاً.

والمسلمون بمنظر وبمسمع     لا منكر منهم ولا متفجّع

كأنّ الشيعة ليسوا بإخوانهم في الدّين، ولا بأعوانهم على من أراد بهم سوءاً.

* * *

فصل

قال موسى جار اللّه في خاتمة هذه المسألة : يقول الامام ـ يعني الباقر أو الصادق ـ في أئمّة المذاهب الاربعة من هذه الاُمة : لاتأتهم! ولا تسمع منهم! لعنهم اللّه، ولعن مللهم المشركة !(98).

فأقول : لا طريق لموسى جار اللّه وغيره في اثبات هذا القول عن أئمّتنا أبداً، ولو فرضنا ثبوته فما هو إلاّ دون ما قد ثبت عن حجج أهل السنّة، وأعلام سلفهم المعاصرين للائمّة الاربعة كما يعلمه المتتبّعون، وقد أخرج الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من تأريخ بغداد أحاديث كثيرة في هذا الموضوع، لعلّ موسى جار اللّه لم يقف عليها، فنحن الان نلفته اليها.

وحسبه منها ما أخرجه بالاِسناد إلى سفيان بن سعيد الثوري، قال : سمعت حمّاد بن أبي سليمان يقول : أبلغوا أبا حنيفة المشرك أنّي من دينه بريء إلى أن يتوب.

ثمّ أخرج بالاسناد إلى حمّاد أيضاً أنّه رأى أبا حنيفة مقبلاً عليه، فقال : لا مرحباً ولا أهلاً، ثمّ قال لاصحابه : إن سلّم فلا تردّوا عليه، وإن جلس فلا توسعوا له. قال : فلما جاء أبو حنيفة فأخذ مجلسه : فتكلم حماد بشيء فرد عليه أبو حنيفة : فأخذ حمّاد كفّاً من حصى فرمى به(99)  في وجه أبي حنيفة.

وأخرج الخطيب أيضاً بالاسناد إلى أبي بكر محمّد بن عبداللّه بن صالح الاسدي الفقيه المالكي، قال : سمعت أبا بكر بن أبي داود السجستاني يوماً وهو يقول لاصحابه : ما تقولون في مسألة اتّفق عليها مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، والاوزاعي وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقالوا له : يا أبا بكر لا تكون مسألة أصحّ من هذه، فقال : هؤلاء كلّهم اتّفقوا على تضليل أبي حنيفة(100).

وأخرج أيضاً بسنده إلى أبي العبّاس أحمد بن علي بن مسلم الابار : أنّ القوم الذين ردّوا على أبي حنيفة، أيّوب السجستاني، وجرير بن حازم، وهمام بن يحيى، وحمّاد بن سلمة، وحمّاد بن زيد، وأبو عوانة، وعبد الوارث، وسوار العنبري القاضي، ويزيد بن زريع، وعلي بن عاصم، ومالك بن أنس، وجعفر بن محمّد، وعمر بن قيس، وأبو عبدالرحمن المقرئ، وسعيد بن عبدالعزيز، والاوزاعي، وعبد اللّه بن المبارك، وأبو إسحاق الفزاريّ، ويوسف بن أسباط، ومحمّد بن جابر، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحمّاد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، وحفص بن غياث، وأبو بكر بن عياش، وشريك بن عبداللّه، ووكيع بن الجراح، ورقبة بن مصقلة، والفضل بن موسى، وعيسى بن يونس، والحجّاج بن أرطاة، ومالك بن مغول، والقاسم بن حبيب، وابن شبرمة(101).

فهؤلاء خمسة وثلاثون إماماً قد اتّفقوا على الردّ عليه.

وأخرج الخطيب أيضاً بالاسناد إلى وكيع، قال : اجتمع سفيان الثوري، وشريك، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنيفة، فأتاهم، فقالوا له : ما تقول في رجل قتل أباه، ونكح أُمّه، وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال : هو مؤمن، فقال له ابن أبي ليلى : لاقبلت لك شهادة أبداً، وقال له سفيان الثوري : لا كلّمتك أبداً، وقال له شريك : لو كان لي من الامر شيء لضربت عنقك، وقال له الحسن بن صالح : وجهي من وجهك، حرام أن أنظر إلى وجهك أبداً(102).

وأخرج الخطيب أيضاً عن الامام مالك بن أنس، قال : ما ولد في الاسلام مولود أضرّ على أهل الاسلام من أبي حنيفة(103).

وأخرج عنه أيضاً قال : كانت فتنة أبي حنيفة أضرّ على هذه الامّة من فتنة إبليس(104).

وأخرج أيضاً عن عبدالرحمن بن مهدي قال : ما أعلم في الاسلام فتنة بعد فتنة الدجّال أعظم من رأي أبي حنيفة(105).

ثمّ أخرج عن سفيان، قال : ما وضع في الاسلام من الشرّ ما وضع أبو حنيفة إلاّ فلان لرجل صلب(106).

ثمّ اخرج عن شريك، قال : لان يكون في كلّ حيّ من الاحياء خمّار خير من أن يكون فيه رجل من أصحاب أبي حنيفة(107).

ثمّ أخرج عنه أيضاً، قال : لو أنّ في كلّ ربع من أرباع الكوفة خمّاراً يبيع الخمر، كان خيراً من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة(108).

ثمّ أخرج عن حمّاد بن زيد، قال : سمعت أيّوب وقد ذكر أبو حنيفة، فقال : يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره(109).

ثمّ أخرج عن سلام بن أبي مطيع، قال : كان أيّوب قاعداً في المسجد الحرام، فرآه أبو حنيفة، فأقبل نحوه، فلمّا رآه أيّوب قد أقبل نحوه، قال لاصحابه : قوموا لا يعدنا بجربه، قوموا فقاموا فتفرقوا(110).

ثمّ أخرج عن سليمان بن حسّان الحلبي، قال : سمعت الاوزاعي ما لا أُحصيه يقول : عمد أبو حنيفة إلى عرى الاسلام فنقضها عروة عروة.

ثمّ أخرج عن سلمة بن كلثوم، وكان من العابدين، قال : قال الاوزاعي لمّا مات أبو حنيفة : الحمد للّه إن كان لينقض الاسلام عروة عروة.

ثمّ أخرج عن ابن مهدي، قال : كنت عند سفيان الثوري إذ جاء نعي أبي حنيفة، فقال : الحمد للّه الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عرى الاسلام عروة عروة، ما ولد في الاسلام مولود أشأم على الاسلام منه(111).

ثمّ استرسل الخطيب في نقل هذا القول ونحوه عن كلّ من الاوزاعي، والثوري، والامام الشافعي، وحمّاد بن سلمة، وابن عون، والبتّي، وسوار، والامام مالك، وأبي عوانة، وعبد اللّه بن المبارك، والنضر بن شميل، وقيس بن الربيع، وعبداللّه بن إدريس، وأبي عاصم، والحميري، وعبد الرحمن بن مهدي، وعمر بن قيس، وعمّار بن زريق، وأبي بكر بن عياش، والاسود بن سالم، وعلي بن عثام، ويزيد بن هارون، والامام أحمد بن حنبل، وخالد بن يزيد بن أبي مالك، وأبي مسهر، وأبي الحسن النجّاد، وابن أبي شيبة، وإبراهيم الحربي، وصريح بن يونس، وابن نمير، ويحيى بن سعيد القطّان، وغيرهم، ومن شاء أن يقف على كلام هؤلاء الائمّة الاثبات، فليراجع باب ما قاله العلماء في ذمّ رأي أبي حنيفة، والتحذير منه(112).

وقد أخرج بأسانيد متعدّدة، وطرق مختلفة عن كلّ من شريك، وسليمان بن فليح المدني، وقيس بن الربيع، وسفيان الثوري، ويعقوب، ومؤمل بن اسماعيل، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن حمزة، وسعيد بن عبدالعزيز، ويزيد بن زريع، وعبد اللّه بن ادريس، وأسد بن موسى، وأحمد بن حنبل، إنّهم جميعاً قالوا : انّ أبا حنيفة قد استتيب من الكفر والزندقة مرّتين أو ثلاثا(113).

وأخرج أيضاً عن أبي مسهر، قال : كان أبو حنيفة رأس المرجئة(114).

ثمّ أخرج هذا ونحوه عن كلّ من عبداللّه بن يزيد، وابن المبارك، بل أخرج عن أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، قال : إنّ أبا حنيفة كان مرجئاً جهميّاً حتّى مات على ذلك ، فقيل له : فأين أنت منه ؟ قال : إنّما كان مدرّساً، فما كان من قوله حسناً قبلناه، وما كان قبيحاً تركناه(115).

وكان ابن أبي ليلى يتمثّل بهذين البيتين (116):

إلى شنآن المرجئين ورأيهم     عمر بن ذرّ وابن قيس الماصر

وعتيبة الدباب لا يرضى به     وأبي حنيفة شيخ سوء كافر

وأخرج الخطيب عن أبي صالح الفرّاء، قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : ردّ أبو حنيفة على رسول اللّه أربع مئة حديث أو أكثر(117).

قال : وقال أبو حينفة : لو أدركني النبيّ وأدركته لاخذ بكثير من قولي، وهل الدّين إلا الرأي الحسن(118).

وأخرج أيضاً عن وكيع، قال : وجدنا أبا حنيفة خالف مئتي حديث(119).

وأخرج أيضاً عن حمّاد بن سلمة من طريقين، قال : إن أبا حنيفة استقبل الاثار والسنن فردّها برأيه.

ثمّ استرسل الخطيب في نقل هذا وأمثاله عن أبي حنيفة بالاساليب المعتبرة، عن كلّ من أبي عوانة، وحمّاد بن سلمة، وحمّاد بن زيد، ووكيع، والحجّاج بن أرطاة، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، وأخرج عن علي بن صالح البغوي، قال : أنشدني أبو عبداللّه محمّد بن زيد الواسطي لاحمد بن المعدل:

إن كنتِ كاذبةً بما حدثتِني     فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر

المائلين إلى القياس تعمّداً     والراغبين عن التمسّك بالخبر(120)

وأخرج الخطيب عن أبي إسحاق الفزاري، قال : كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له : انّه يروى فيها عن النبيّ كذا وكذا، قال : دعنا من هذا، قال : وسألته يوماً آخر عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له: يروى فيها عن النبيّ كذا وكذا; فقال : حكّ هذا بذنب خنزيرة(121)! وعقد الخطيب فصلاً لما حكي عن أبي حنيفة من مستشنعات الالفاظ والافعال، فليراجعه موسى جار اللّه(122)، واذا راجع ترجمة أبي حنيفة من المجلد 13 من تاريخ بغداد هانت عليه الكلمة التي نقلها عن الامام(عليه السلام)(123).

* * *

فصل

وقد تكلّم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونه.

قال ابن عبدالبرّ(124) : كرهت ذكره وهو مشهور عنه. قال : وكان إبراهيم بن سعد يتكلّم في مالك بن أنس أيضاً، قال : وكان إبراهيم بن يحيى يدعو عليه قال : وتكلّم في مالك أيضاً ـ فيما ذكره الساجي في كتاب العلل ـ عبد العزيز بن أبي سلمة، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وابن إسحاق، وابن أبي يحيى، وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه. قال : وتكلم فيه غيرهم، إلى أن قال : وتحامل عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسداً لموضع امامته(125) قال : وعابه قوم في انكار المسح على الخفّين في الحضر والسفر; وفي كلامه على علي وعثمان(126) وفي فتياه بإتيان النساء في الاعجاز، وفي قعوده عن مشاهدة الجماعة في مسجد رسول اللّه، ونسبوه بذلك إلى ما لا يحسن ذكره(127).

قلت : وقد طعن محمّد بن إسحاق في نسب مالك(128)، فكان بينهما من القدح والجرح ما لا يجمل ذكره، وهو مشهور عنهما(129).

وقد شكّ في الامام الشافعي بعض الاعلام من معاصريه وغيرهم، وصرّح بعدم وثاقته(130) من لا يستطيع موسى جار اللّه إلا الخضوع لعدالته، كابن معين، وحسبك به إماماً في الجرح والتعديل، وتصريحه بهذا ثابت عنه من طرق صحيحة(131)، وما زال أهل المذاهب ينتقد بعضهم بعضاً، ويزري بعضهم على بعض، حتى قال الامام جار اللّه الزمخشري :

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به     وأكتمه كتمانه لي أسلم

فإن حنفيّاً قلت قالوا بأنّه     يبيح الطّلا وهو الشراب المحرّم

وإن مالكيّاً قلت قالوا بأنّني     أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم

وإن شافعيّاً قلت قالوا بأنّني     اُبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن حنبليّاً قلت قالوا بأنّني     ثقيل حلوليّ بغيض مجسّم

الابيات(132)

وقد علم المتتبعون ما كان في مرو على عهد السلطان محمود بن سبكتكين، إذ جمع فقهاء الشافعيّة والحنفيّة، والتمس الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الاخر(133).

فكان ما كان مما لست أذكره     فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر(134)

وإذا طرق موسى جار اللّه باب قول العلماء بعضهم في بعض من كتاب جامع بيان العلم وفضله للامام ابن عبدالبرّ يجد فيه من أقوال الصحابة، وأئمّة التابعين بعضهم في بعض(135) ما ينهنه به عن وجده، ويصغر له قول إمامنا في أئمّته، على أنّ ذلك القول غير ثابت عن إمامنا(عليه السلام)، ولو ثبت فإنّما هو دون ما تلوناه من الاقوال، وأهون ممّا لم نتله، فإنّا تركنا أكداساً كثيرة من مثل هذا الطويل العريض.

وقبل الفراغ من هذه المسألة لا بدّ أن نعلن أنّا لم نقصد إلى شيء من نشر هذه الصفحات، لو لا ما اضطرّنا هذا الرجل إلى ذلك، فإنّ الافاضة بالبحث قد تملك زمام القلم، فلا يستطيع الباحث له ردّاً، ولا سيّما إذا كان البحث فقيراً للدفاع بمثل هذا البيان، وعلى كلّ فإنّا نكبر الائمّة الاربعة، ونحترم مذاهبهم، ونعرف قدرهم، ونستعظم أمرهم، ونقدر جهودهم وبلاءهم رضي اللّه عنهم.

* * *

(86) الوشيعة : 113.

(87)  كتاب المراجعات للمؤلف (رضي الله عنه) : 249 ط . المجمع العالمي لاهل البيت(عليهم السلام) .

(88)  التوبة : 107 .

(89) الوشيعة: 113، وكلمة (كلها) لا توجد في المصدر المذكور.

(90)  الاصول من الكافي 2 : 24 ط . إيران .

(91) المصدر نفسه 2 : 25 .

(92)  المصدر نفسه 2 : 26 .

(93)  صحيح مسلم بشرح النّووي 2 : 70، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، وكذا باب تسمية العبد الابق كافر : ص 57 وباب إطلاق اسم الكفر على الطاعن بالنسب و النياحة وغيرها من الابواب التي أشار إليها المؤلف (رضي الله عنه) .

(94)  نقلناه بعين لفظه في الفصل (9) من فصولنا المهمّة، ثمّ زيّفناه بما لا ردّ عليه ولا ريب فيه، وقد أشرنا في الفصل (10) والفصل (11) إلى يسير ممّا نسبه المرجفون إلى الشيعة مع اثبات براءتهم منه فلا تفوتنكم تلك الفوائد، وجدير بكل بحاثة ان لا تفوته الفصول المهمة «منه(قدس سره)».

(95)  كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي .

(96)  كتاب منهاج السنة لابن تيمية الحراني .

(97)  كتاب فجر الاسلام لاحمد أمين المصري .

(98) الوشيعة : 114، وفي المصدر: يقول الامام الصادق.

(99)  تأريخ بغداد 13 : 388 ط . دار الكتب العلمية بيروت .

(100) المصدر نفسه 13 :  394 .

(101)  المصدر نفسه 13 : 370 .

(102)  المصدر نفسه 13 : 378 .

(103)  المصدر نفسه : 415 .

(104)  المصدر نفسه : 416 .

(105)  المصدر نفسه .

(106) المصدر نفسه .

(107)  المصدر نفسه .

(108) المصدر نفسه 13 : 416 .

(109)  المصدر نفسه .

(110)  المصدر نفسه 13 : 417 .

(111)  المصدر نفسه : 413 .

(112)  المصدر نفسه : 412 .

(113)  تأريخ بغداد 13 : 391 ـ 393 .

(114) المصدر نفسه : 380 .

(115) المصدر نفسه : 380 .

(116)  المصدر نفسه : 388 .

(117)  المصدر نفسه : 407 .

(118)  المصدر نفسه : 407 .

(119) المصدر نفسه : 407 .

(120)  تأريخ بغداد 13 : 412 .

(121)  المصدر نفسه : 401 .

(122) المصدر نفسه : 399 ـ 413 .

(123)  المصدر نفسه : 323 و 454 .

(124) في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتابه (جامع بيان العلم وفضله) فراجع آخر صفحة 201 من مختصره والتي بعدها تجد كل ما نقلناه من كلامهم في الامام مالك «منه(قدس سره)».

(125)  أراد أن يعتذر عن مالك، فطعن في الشافعي، وفي بعض أصحاب أبي حنيفة، وكيف تجتمع العدالة مع التحامل على الامام حسداً لموضع امامته «منه(قدس سره)» .

(126)  فانّ مالكاً كان يرى رأي الخوارج في الصهرين، وهذا الرأي ثابت عنه، وهو من أشدّ الاُمور التي نقموها عليه «منه(قدس سره)» .

(127)  جامع بيان العلم وفضله 2 : 197 ط . المكتبة السلفية ـ المدينة المنورة .

(128)  كما صرّح به غير واحد من الاعلام كابن عبدالبر في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتابه ـ جامع بيان العلم وفضله ـ فراجع من مختصره (ص 192) ومن وقف على ترجمة ابن اسحاق في (ص 223) وما بعدها من الجزء الاول من تاريخ بغداد وجد قدح كل من ابن اسحاق ومالك في الاخر ووجد القدح في مالك من ابن ابي ذئب وابن ابي حازم وعبدالعزيز الماجشون وغيرهم ووجد أن جماعة من اهل العلم عابوا مالكا باطلاق لسانه في قوم معروفين= = بالصلاح والديانة والصدق والامانة «منه(قدس سره)» .

(129)  جامع بيان العلم وفضله 2 : 191 .

(130)  نفس المصدر 2 : 196 .

(131) كما صرح به الامام ابن عبد البر في كتابه (جامع بين العلم وفضله) فراجع من مختصره ص 201 «منه(قدس سره)».

(132)  الكشاف للمزمخشريّ 1 :  ص : ح ـ من ترجمة المؤلف ط . ايران .

(133)  وفيات الاعيان لابن خلكان 5 : 180 .

(134) وإن سألت عنه فراجعه في ترجمة محمود بن سبكتكين من الجزء الثاني من وفيات ابن خلكان، تجده منقولاً عن كتاب (مغيث الخلق في اختيار الاحق) لمؤلفه إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني. وقد راجعت أنا بنفسي الصلاة المنقولة ثمة عن الامام أبي حنيفة فوجدتها في فقه أصحابه بتمامها «منه(قدس سره)».

(135)  جامع بيان العلم وفضله 2 : 184 .