فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

أجوبة مسائل جار اللّه

للعلاّمة المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي

المتوفّى سنة 1377 هـ  .  ق

تحقيق :السيد عبد الزهراء الياسري

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلوات وأتم التسليم على خاتم الانبياء والمرسلين محمد المصطفى وآله الطاهرين المنتجبين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

وبعد:

فانطلاقاً من الرسالة التي حملها «المجمع العالمي لاهل البيت(عليهم السلام)» في نشر فكرهم(عليهم السلام) والدفاع عن مدرستهم، نقدم إلى القراء الاعزاء هذا السفر الكريم; الذي حاول مؤلفه العظيم من خلاله أن يكشف الشبهات ويرد التهم التي يوجهها أعداء هذه المدرسة والباغين عليها.

ولقد عاصر المؤلف رضوان الله عليه واحداً من الذين لم ينصفوا مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ولم يفهموا التشيّع لهم على حقيقته، وعملوا على إثارة الشبهات وزرع الاحقاد ونزعات التفرقة بين المسلمين. فقد قام موسى بن جار الله برحلة إلى العراق والتقى علماءها وطرح عدداً من الشبهات والاشكالات تحت عنوان مسائل أجيب عليها في حينه، وكان ممن وصلت إليه تلك المسائل المؤلف رضوان الله عليه، فجرد قلمه وبادر للرد عليها من بحر علمه وفيض فكره.

ولقد تجنى موسى جار الله على علماء الشيعة ما فيه الكثير، فمن ذلك ما ادعاه في كتابه الذي نشره بعد ذلك من أنه انتظر سنة كاملة أو أزيد ولم يرد عليه أي ردّ ولا جواب عن تلك المسائل مما دعاه إلى اجراء بعض التعديلات عليها ونشرها. وهذا الكلام عار عن الصحة، فان المؤلف رضوان الله عليه يذكر في مقدمة هذا الكتاب الذي هو جواب مسائله المزعومة، أنها وردت عليه في تاريخ 21 / ذي القعدة سنة 1353هـ كما اشار في أول الخطبة، وقد أتم كتابة الاجوبة في سلخ ربيع الاول سنة 1354هـ كما صرح في نهايتها أي بعد ما يزيد قليلاً عن أربعة أشهر، رغم بعد المسافات وبساطة وسائل النقل والاتصالات في حينه.

ونظراً لاهمية هذه الاجوبة ولكونها تؤدّي دوراً حساساً في دحض الزيغ وابطال الشبهات، فقد تصدينا لاعادة طبعها ونشرها بحلة جديدة، بعد تخريج مافات تخريجه من المصادر في الطبعات السابقة لتسهيل الامر على القارئ والباحث.

نسأل الله تعالى أن يتقبل عملنا بأحسن القبول، والله من وراء القصد.

المعاونية الثقافية                   

في المجمع العالمي لاهل البيت(عليهم السلام)

 

« الخطبة »

وكفى بها جواباً عن مسائل موسى جار اللّه،

 ورداً على كل مشاغب

الحمد للّه على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له; وأنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) عبده ورسوله الذي جاء بالحقّ من عنده وصدّق المرسلين.

وبعد فقد وردت عليّ مسائل موسى جار اللّه كما رُفعتْ إلى غيري من علماء الاماميّة بواسطة جمعيّة الرابطة العلميّة الادبيّة النجفيّة أعزّها اللّه تعالى مؤرّخة في ( 21 ذي القعدة سنة 1353 ) ووردت عليّ من طريق آخر أيضاً.

فما وقفت عليها حتى أوجست من مغازيها خيفة على الوحدة الاسلاميّة أن تنفصم عروتها، وتتفرّق جماعتها، إذ وجدتُ فيها من نبش الدفائن وإثارة الضغائن ما يشقّ عصا المسلمين، ويمزقهم تمزيقاً، والدور عصيب، والظروف حرجة، لا تسع النقض والابرام ولا المشادَّة والمنافثة، فضلاً عن هذه المحاربة، التي ليس بعدها مصاحبة.

وكان الواجب ترك هذه الغارات، ولا سيّما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات، فحتى  مَ هذا الارجاف ؟ وفيم هذا الاجحاف ؟ أليس اللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له ربّنا جميعاً ؟ والاسلام ديننا ؟ والقرآن الحكيم كتابنا ؟ وسيّد النبيين وخاتم المرسلين محمّد بن عبداللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّنا ؟ وقوله وفعله وتقريره سنّتنا ؟ والكعبة مطافنا وقبلتنا ؟ والصلوات الخمس، وصيام الشهر، والزكاة الواجبة، وحجّ البيت فرائضنا ؟ والحلال ما أحلّه اللّه ورسوله، والحرام ما حرّماه، والحقّ ما حقّقاه، والباطل ما أبطلاه، وأولياء اللّه ورسوله أولياؤنا، وأعداء اللّه ورسوله أعداؤنا، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ اللّه يبعث من في القبور ( ليَجزِي الذَّينَ أساؤوا بما عَمِلُوا ويَجزيَ الّذِينَ أحسنُوا بالحُسنى)(1) أليسَ الشيعيّون والسنيّون شرعاً في هذا كلّه سواءً ؟ ( كلٌ آمن باللّه وملائِكتِه وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لانُفَرِّقُ بينَ أحد مِن رسُلُهِ وقالُوا سَمِعْنا وَأَطعْنا غُفرانَكَ ربَّنا وإِليك المصيرُ)(2).

والنزاع بينهما في جميع المسائل الخلافيّة صغرويّ في الحقيقة، ولا نزاع بينهما في الكبرى عند أهل النظر أبداً، ألا تراهما إذا تنازعا في وجوب شيء، أو في حرمته، أو في استحبابه، أو في كراهته، أو في اباحته، أو تنازعا في صحته وبطلانه، أو في جزئيّته، أو في شرطيّته، أو في ما نعيّنه، أو في غير ذلك، كما لو تنازعا في عدالة شخص، أو فسقه، أو إيمانه، أو نفاقه، أو وجوب موالاته، أو وجوب معاداته، فإنّما يتنازعان في ثبوت ذلك بالادلّة الشرعيّة، وعدم ثبوته فيذهب كلّ منهما إلى ما تقتضيه الادلّة الاسلاميّة؟ ولو علموا بأجمعهم ثبوت الشيء في دين الاسلام، أو علموا جميعاً عدم ثبوته في الدين الاسلامي، أو شكّ الجميع في ذلك لم يتنازعوا ولم يختلف فيه منهم شخصان(3).

وقد أخرج البخاري في صحيحه عن كلّ من أبي سلمة، وأبي هريرة، وعمرو بن العاص، عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « إِذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر »(4).

ولذا قال العلاّمة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المعاصر في رسالته الجرح والتعديل، بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه : لانّ مجتهدي كلّ فرقة من فرق الاسلام مأجورون أصابوا أم أخطأوا بنصّ الحديث النبوي.

وقال الشيخ رشيد رضا في مناره : إنّ من أعظم ما بليت به الفرق الاسلاميّة رمي بعضهم بعضاً بالفسق والكفر، مع أنّ قصد كلٍّ الوصول إلى الحقّ بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة اليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور(5).

وقال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفر ولا يُكفّر في الفصَل في الملل والنحل، ما هذا نصّه : وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفّر ولا يُفسّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتياً، وأنّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق، فإنّه مأجور على كلّ حال إن أصاب الحقّ فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد.

وقال : هذا قول ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، والشافعي، وسفيان الثوري، وداود بن علي، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً. إلى آخر كلامه(6).

والذين صرّحوا بهذا ونحوه من أعلام الامّة كثيرون، فلا وجه إذن لهذه المشاغبات، واللّه عز وجل يقول : ( إنّما المؤمِنُونَ اِخْوَة فَأصْلِحُوا بَين أَخَويكُم واتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُم تُرْحَمُون )(7) ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. وهم يد على سواهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين(8).

كنت أرى أنّ الاقتصار على هذا المقدار في جواب مسائل موسى جار اللّه أولى من الاستقصاء في ردّها، والامعان في مناقشته عليها، فإنّ هذا أقرب إلى السلام، وأبقى للوئام، ولكنّني رأيته يلحّ في تفصيل الجواب، حتّى طرق في ذلك كلّ باب(9)، فلم يبق بُدٌّ من إجابته، ولا سيّما بعد أن كلّفني بها من لا تسعني مخالفتهم من الاجلاّء وأفاضل العلماء.

وقد رأيت أن أضرب صفحاً عن كلماته الجارحة، ولا أُناقشه بشيء من مجازفاته الفاضحة، وما أولانا بالاعراض عن نحو قوله : إن جميع كتب الشيعة أجمعت على أمور لا تحتملها الاُمّة، واتّفقت على أشياء كثيرة لا ترتضيها الائمّة. وقوله : إنها جازفت في مسائل منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة(10). إلى آخر ما جازف به من الاقاويل، التي لا يمكن أن يقوم عليها دليل.

ونحن لا نأبه بما لا دليل عليه، وما أشدّ تهافته في الغرور إذ يقول : أما الاُمور التي أعُدّها منكرة لا تحتملها(11) الاُمّة، ولا ترتضيها الائمّة، فهي مسائل عديدة، ثمّ استرسل في غروره، فجاء بعشرين مسألة رغب في الجواب عنها، فبلغ الغاية في ذلك، وأنا أذكرها في هذه العجالة مع ما لديّ من الجواب عنها مسألة مسألة، ومن اللّه أستمدّ الهداية إلى الصواب، وايّاه أرجو حسن المآب، واليه أرغب أن يكون عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يهديني فيه الصراط المستقيم صراط الذين أَنعم اللّه عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين.

* * *

 المسألة الاولى 

قال : كتُبُ الشيعة تكفّر عامّة الصحابة كافّة(12). إلى آخر هذيانه في عدوانه.

فأقول : نعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن كلّ معتد أثيم، ونبرأ إليه تعالى من تكفير المؤمنين; والسلف الصالح من المسلمين.

لعلّ الرجل رأى في كتب الشيعة سنناً لم يفقهها، وحديثاً متشابهاً لم يعرف مرماه; فاضطرّه الجهل إلى هذا الارجاف، وما أظنّ الذي رآه في جميع كتب الشيعة من تلك السنن إلاّ دون ما هو في صحيح البخاري وحده منها، فلِمَ يصمُ أهلُ السنّة كتب الشيعة بهذا دون الصحاح الستّة وغيرها ؟ ولِمَ لم يعتذروا عن كتبنا بما اعتذروا به عن كتبهم ؟ فإن الاشكال واحد، والجواب هو الجواب.

واليك ما أخرجه البخاري في باب الحوض، وهو في آخر كتاب الرقاق من صحيحه بالاسناد إلى أبي هريرة، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال : هلمّ(13) قلت : أين ؟ قال : إلى النّار واللّه، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال : هلمّ، قلت : أين ؟ قال : إلى النّار واللّه، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى; فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النَّعم»(14).

وأخرج في آخر الباب المذكور عن أسماء بنت أبي بكر، قالتْ : قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد علىَّ منكم، وسيؤخذ ناس من دوني، فأقول : يا ربّ منّي ومن أمّتي ؟ فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم». فكان ابن أبي مليكة يقول : اللّهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن عن ديننا(15).

وأخرج في الباب المذكور أيضاً عن ابن المسيّب أنّه كان يحدّث عن أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ النبيّ قال : « يرد عليَّ الحوض رجال من أصحابي، فيحلَّؤون عنه، فأقول : يا ربِّ أصحابي، فيقول : إِنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى »(16).

وأخرج في الباب المذكور عن سهل بن سعد، قال : قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي فرطُكُمْ على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنَّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يُحال بيني وبينهم. قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم، فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول : إنّهم منّي، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي»(17).

وأخرج في الباب المذكور أيضاً عن أبي هريرة، أنّه كان يُحدّث أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال : « يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلَّؤون عن الحوض، فأقول : يا ربّ أصحابي، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقري »(18).

وأخرج في أوّل الباب المذكور عن عبداللّه، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال : « أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنّ رجال منكم، ثمّ ليختلجُنَّ دوني، فأقول : يا ربّ أصحابي فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك »(19)، قال البخاري : تابعه عاصم، عن أبي وائل، وقال حصين : عن أبي وائل عن حذيفة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأخرج أيضاً في باب غزوة الحديبيّة من صحيحه عن العلاء بن المسيّب، عن أبيه، قال : لقيت البراء بن عازب، فقلت له : طوبى لك صحبت النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وبايعته تحت الشجرة، فقال : يابنَ أخي إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده(20).

وأخرج أيضاً في أوّل باب قوله تعالى: ( واتّخذ اللّه إبراهيم خليلاً )(21) من كتاب بدء الخلق، عن ابن عبّاس، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال من حديث : « وإنّ أناساً من أصحابي، يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : أصحابي أصحابي فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم » الحديث(22).

هذا بعض ما وجدناه في صحيح البخاري. أمّا ما هو من هذا القبيل في بقية الصحاح وسائر السنن فكثير وكثير جدّاً، ومن تتبّعه وجده لا يقلّ عمّا هو في حديث الشيعة، وحسبك ما أخرجه الامام أحمد(23) من حديث أبي الطفيل، فليراجعه كلّ مناصب للشيعة، وليت موسى جار اللّه تدبّر القرآن العظيم ليعلم أنّ كتب الشيعة التي انتقدها إنّما تستقي من سائغ فراته، ولا تستضيء إلاّ بمصباح مشكاته ( ومَا مُحمّدٌ إلاّ رسُولٌ قَد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفإِن مَاتَ أو قُتل انقلبتُم على أعقابكم ومَن يَنْقَلِب على عقبيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيئاً )(24)، ( أفَلاَ يتدبَّرونَ القُرآنَ أم عَلى قُلُوب أقْفَالُها)(25). نعوذ باللّه من الجهل والغرور .

* * *  

فصل

« رأي الشيعة في الصحابة أوسط الاراء »

إنّ مَن وقف على رأينا في الصحابة علم أنّه أوسط الاراء إذ لم نفرّط فيه تفريط الغلاة الذين كفّروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثّقوهم أجمعين، فإنّ الكامليّة ومن كان في الغلوّ على شاكلتهم، قالوا  بكفر الصحابة كافّة، وقال أهل السنة بعدالة كلّ فرد ممّن سمع النبيّ، أو رآه من المسلمين مطلقاً، واحتجّوا بحديث كلّ من دبّ أو درج منهم أجمعين أكتعين أبصعين(26).

أمّا نحن، فإنّ الصحبة بمجرّدها وان كانت عندنا فضيلة جليلة; لكنّها ـ بما هي ومن حيث هي ـ غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولياء هؤلاء. وفيهم البغاة; وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتجّ بعدولهم، ونتولاّهم في الدنيا والاخرة.

أمّا البغاة على الوصيّ، وأخي النبيّ، وسائر أهل الجرائم والعظائم كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء(27) وابن عقبة، وابن ارطاة، وأمثالهم، فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتّى نتبيّن أمره، هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنّة بيّنتنا على هذا الرأي; كما هو مفصّل في مظانّه من اُصول الفقه.

لكنّ الجمهور بالغوا في تقديس كلّ من يسمّونه صحابيّاً حتّى خرجوا عن الاعتدال فاحتجّوا بالغثّ منهم والسمين، واقتدوا بكلّ مسلم سمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو رآه اقتداءً أعمى، وأنكروا على من يخالفهم في هذا الغلوّ، وخرجوا في الانكار على كلّ حدّ من الحدود، وما أشدّ إنكارهم علينا حين يروننا نردّ حديث كثير من الصحابة مصرّحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملاً بالواجب الشرعيّ في تمحيص الحقائق الدينيّة، والبحث عن الصحيح من الاثار النبويّة، وبهذا ظنّوا بنا الظنونا، فاتّهمونا بما اتّهمونا، رجماً بالغيب; وتهافتاً على الجهل.

ولو ثابت إليهم أحلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنّ أصالة العدالة في الصحابة ممّا لا دليل عليه، ولو تدبّروا القرآن الحكيم، لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم، وحسبك من سورة التوبة، والاحزاب، وإذا جاءك المنافقون، ويكفيك من آياته المحكمة( الاَعرَابُ أَشدُّ كُفراً ونفِاقاً وأَجدَرُ ألاَّ يَعلَمْوا حُدُودَ ما أنزلَ اللّه على رسوله )(28)،( ومن أهل المدينةِ مَرَدُوا على الِنّفَاقِ لا تعلمهم نحن نعلمهم )(29)،( لقد ابتغوا الفتنةَ من قَبلُ وقلَّبوا لك الامورَ حتّى جآءَ الحقُّ وظَهرَ أمرُ اللّه وَهُم كارِهُون )(30)، ( وَهَمُّوا بِمَا لَم يَنَالُوا وما نَقَمُوا إلاّ أنْ أغَناهُمُ اللّه ورسُولُه مِن فَضلهِ )(31). فليتني أدري أين ذهب المنافقون بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ وقد كانوا جرّعوه الغصص مدّة حياته، حتّى دحرجوا الدباب(32) وصدّوه عن الكتاب، وقد تعلمون أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى اُحد بألف من أصحابه، فرجع منهم قبل الوصول ثلاثمئة من المنافقين(33).

وربّما بقي معه منافقون لم يرجعوا خوف الشهرة، أو رغبة بالدفاع عن أحساب قومهم، ولو لم يكن في الالف إلا ثلاثمئة منافق، لكفى دليلاً على أنّ النفاق كان زمن الوحي فاشياً، فكيف ينقطع بمجرّد انقطاع الوحي ولحوق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الاعلى ؟ فهل كانت حياته سبباً في نفاق المنافقين ؟ أو موته سبباً في إيمانهم وعدالتهم وصيرورتهم أفضل الخلق بعد الانبياء؟

وكيف انقلبت حقائقهم بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) فأصبحوا ـ بعد ذلك النفاق ـ بمثابة من الفضل لا يقدح فيها شيء ممّا ارتكبوه من الجرائم والعظائم؟ وما المقتضي للالتزام بهذه المكابرات التي تنفر منها الاسماع والابصار والافئدة ؟ وما الدليل على هذه الدعاوى من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ؟ وما ضرنا لو صدعنا بحقيقة أولئك المنافقين، فإنّ الاُمة في غنى عنهم بالمؤمنين المستقيمين من الصحابة، وهم أهل السوابق والمناقب، وفيهم الاكثريّة الساحقة، ولا سيّما علماؤهم وعظماؤهم حملة الاثار النبويّة، وسدنة الاحكام الالهيّة ( وأُولئك لهُم الخَيرَاتُ وأُولئك هُمُ المُفلحونَ * أعَدَّ اللّهُ لَهُم جنّات تَجري من تحتِهَا الانهارُ خالِدينَ فيها ذلِكَ الفوزُ العظيمُ )(34). وهم في غنى عن مدحة المادحين بمدحة اللّه تعالى، وثنائه عليهم في الذكر الحكيم، وحسبهم تأييد الدين، ونشر الدعوة إلى الحقّ المبين.

وعلى أنّا نتولّى من الصحابة كلّ مَن اضطرّ إلى الحياد ـ في ظاهر الحال ـ عن الوصيّ; أو التجأ إلى مسايرة أهل السلطة بقصد الاحتياط على الدّين، والاحتفاظ بشوكة المسلمين، وهم السواد الاعظم من الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين فإن مودّة هؤلاء لازمة، والدعاء لهم فريضة ( رَبّنا اغفِر لَنا ولاِخوَاننَا الّذِينَ سَبَقُونَا بالايمانِ ولا تَجعلْ في قُلُوبنا غِلاّ للّذينَ آمنُواْ ربَّنا إِنَّك رؤُوفٌ رحيمٌ )(35).

* * *

(1)  النجم : 31 .

(2)  البقرة : 285 .

(3) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا الكلام بمجرده كاف للرد على موسى جار الله وامثاله ممن يبتغي السوء بالمؤمنين ويريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم كما لا يخفى «منه(قدس سره)».

(4)  صحيح البخاري 8 : 157، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ط . دار الفكر ـ بيروت .

(5)  المنار 17 : 44، وقد أطال في إثبات ذلك حتى بلغ ص: 50 .

(6)  الفصل في الملل والاهواء والنحل 3 : 247 ط . دار المعرفة ـ بيروت .

(7)  الحجرات : 10 .

(8)  مسند الامام أحمد 2 : 398، ح: 8922 ومجمع الزوائد 5 : 330 .

(9) اذ رفع مسائله هذه إلى علمائنا الاعلام في إيران، وفي البصرة، ثمّ رفعها إلى أعلام المجتهدين في الكاظميّة المقدّسة، ثمّ إلى شيوخ الاسلام في النجف الاشرف، ثمّ الينا بواسطة الرابطة العلميّة الادبيّة النجفيّة، كما بيّنا وكلف الجميع بالجواب= = «منه(قدس سره)» .

(10) الوشعية في نقد عقائد الشيعة ص: 109 ط . الكيلاني.

(11) في المصدر (لا تتحملها).

(12) الوشيعة: ص 110.

(13)  هلمّ في لغة أهل الحجاز يستوي فيها المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث، تقول : هلمّ يا زيد، وهلمّ يا زيدان، وهلمّ يا زيدون، وهلمّ يا هند، وهلمّ يا هندات، فهي اسم فاعل، وفاعله ضمير مستتر، تقديره في هذا الحديث أنتم لانّ المخاطبين بها إنّما هم الزمرة «منه(قدس سره)» .

(14)  صحيح البخاري  7 : 208، باب الحوض. قال السندي في تعليقته على صحيح البخاري: همل النعم. بفتح الهاء والميم الابل بلا راع. أي، لا يخلص منهم من النار إلاّ قليل «منه(قدس سره)».

(15) صحيح البخاري 7 : 209، آخر باب الحوض.

(16) المصدر نفسه 7 : 208 .

(17) المصدر نفسه.

(18)  المصدر نفسه .

(19)  المصدر نفسه 7 : 206 .

(20) صحيح البخاري 5 : 65 .

(21)  النساء: 125 .

(22)  صحيح البخاري 4 : 110 .

(23) مسند الامام أحمد بن حنبل 5: 454.

(24)  آل عمران : 144 .

(25)  محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) : 24 .

(26) الاصابة في تمييز الصحابة 1 : 17 ط . دار الكتاب العربي ـ بيروت .

(27)  هي الزرقاء بنت موهب جدّة مروان بن الحكم لابيه، وكانت من ذوات الرايات التي يستدلّ بها على ثبوت البغاء، فلذا كان الحكم وبنوه يذمّون بها، نصّ على هذا كلّه ابن الاْثير حيث ذكر صفة مروان ونسبه وأخباره في حوادث سنة 65 للهجرة ص 57 من الجزء الرابع من تاريخه الكامل، وصرح به غير واحد من أهل الاخبار «منه(قدس سره)» .

(28)  التوبة : 97 .

(29) التوبة : 101 . من يتدبر هذه الاية وغيرها من أمثالها يحصل له العلم الاجمالي بوجود المنافقين في غير معلومي الايمان. وحديث أنّ الشبهة محصورة كان الاجتناب عن حديث الجميع واجباً حتّى يثبت الايمان والعدالة، ونحن في غنى من أطراف هذه الشبة المحصورة بحديث معلومي العدالة من الصحابة، وهم عظماؤهم وعلماؤهم وأهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم، والصادقون الذين أمر الله سبحانه بأن نكون معهم، على أنّ في حديث الائمّة من أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل كفاية، وأيّ كفاية؟ فهم أعدال الكتاب، وبهم يعرف الصواب «منه(قدس سره)».

(30) التوبة: 48.

(31)  التوبة : 74 .

(32) وكان قوم من الصحابة دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ناقته فيطرحوه، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ذاك راجعاً من وقعة تبوك التي استخلف فيها علياً، وحديث أحمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبي الطفيل في هذه الطامّة طويل، وفي آخره أن رهطاً من الصحابة لعنهم رسول اللّه يومئذ، وهذا الحديث مشهور مستفيض بين المسلمين كافّة «منه(قدس سره)» .

(33)  نصّ على هذا كلّ من أرّخ غزوة احد من أهل السير والاخبار، فراجع. «منه(قدس سره)» .

(34)  التوبة : 88 ـ 89 .

(35)  الحشر : 10 .