|
آل البيت عند اهل السنة:
يقف اهل السنة في حيرة امام النصوص الواردة في آل البيت.وحيرتهم هذه انما يعود سببها الى ما يلي:
كثرة هذه النصوص وتواترها وصراحتها.
ضغوط السياسة والحكام.
التزامهم بعدالة الصحابة.
ان التزام اهل السنة بطاعة الحكام وعدم الخروج عليهم مع
تبنيهم قضية عدالة جميع الصحابة والتزامهم بالاجماع على
ذلك يفرض عليهم الوقوف موقفا سلبيا في مواجهة النصوص
الواردة في آل البيت على كثرتها،او بمعنى آخر يفرض عليهم
تاويل هذه النصوص بما لا يصطدم بقضية عدالة الصحابة ويثير
الناس على الحكام.
اذ ان ائمة آل البيت هم الائمة الحقيقيون للمسلمين كما انهم
ايضا هم العدول الحقيقيون الواجب اتباعهم في امر الدين
والسياسة.
من هنا يتبين لنا مدى حساسية مسالة آل البيت عند اهل
السنة، فهم يرفضون المساس برؤيتهم تجاه هذه المسالة، كما
يرفضون المساس بمسالة الصحابة. فكلتا المسالتين مبنية على
الاخرى ومرتبطة بها. فان تنازلاهل السنة عن رؤيتهم تجاه
اهل البيت فسوف يتبع هذا الموقف تنازل عن عدالة جميع
الصحابة وبالتالي سقوط مذهبهم مما يهدد القوى الحاكمة
التي تتحصن بهذا المذهب.
فما هي رؤية اهل السنة في آل البيت؟
يقول القرطبي: اختلف اهل العلم في اهل البيت. من هم؟
فقال عطاء وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة. لا رجل
معهن. وذهبوا الى ان البيت اريد به مساكن النبي صلى اللّه
عليه و آله وسلم لقوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن).
وقال الثعلبي: هم بنو هاشم. فهذا يدل على ان البيت يراد به
بيت النسب فيكون العباس واعمامه وبنو اعمامه منهم.
وقال الزجاج: يراد به نساء النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم.
وقيل: يراد به نساؤه واهله الذين هم اهل بيته(357).
ويقول شارح العقيدة الواسطية: اهل بيته صلى اللّه عليه و آله
وسلم من تحرم عليهم الصدقة وهم آل علي وآل جعفر وآل
عقيل وآل العباس وكلهم من بني هاشم ويلحق بهم بنو عبد
المطلب.
وقوله هذا انما يؤكد قول الاخرين الذين ذهبوا الى ان اهل
البيت قريش كلهم.
ويقول القرطبي: ان الاية (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس
اهل البيت) عامة في جميع اهل البيت من الازواج
وغيرهم(358).
ويتجه معظم اهل السنة الى تفسير اهل البيت المشار اليهم في
قوله تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت
ويطهركم تطهيرا) على انهم ازواج النبي، وذلك ما يدل عليه
سياق الكلام(359).
وهناك اتجاه في اهل السنة يفسر اهل البيت على انهم علي
وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ويحتج هذا الاتجاه بان الاية
المذكورة ذكرت الميم في قوله (ويطهركم) ولو كان للنساء
خاصة لكان (عنكن ويطهركن)وهو اتجاه فرقة منهم
الكلبي(360).
يقول القرطبي: ولا اعتبار بقول الكلبي واشباهه فانه توجد له
اشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه
من ذلك وحجروا عليه(361).
واستدل اهل السنة على ان ازواج الانبياء من اهل البيت بقوله
تعالى: (رحمة اللّه وبركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد)
«هود/73».
واعتبروا عائشة وغيرها من جملة اهل بيت النبي صلى اللّه عليه
و آله وسلم ممن قال اللّه فيهم: (ويطهركم تطهيرا)(362).
واخرج مسلم واحمد عن زيدبن الارقم قال: قال رسول اللّه
صلى اللّه عليه و آله وسلم: (الا واني تارك فيكم ثقلين
احدهما: كتاب اللّه عز وجل، وهو حبل اللّه الذي من اتبعه كان
على الهدى ومن تركه كان علىالضلالة وعترتي اهل بيتي).
فقلنا: من اهل بيته نساؤه؟
قال: ايم اللّه ان المراة تكون مع الرجل العصر من الدهر فيطلقها
فترجع الى ابيها وقومها. اهل بيته اصله وعصبته الذين حرموا
الصدقة بعده.
ومثل هذا الاتجاه الذي يفسر آل البيت بانهم علي وفاطمة
والحسن والحسين من اهل السنة انما هو اتجاه منبوذ تم ضربه
كما ضرب الراي الاخر في مسالة عدالة الصحابة وفي مسالة
طاعة الحكام(363).
ويقف اهل السنة من الاحاديث الواردة في آل البيت موقف
التاويل الذي يدفع بالمعنى المراد من هذه الاحاديث بحيث
يتفق مع وجهتهم في آل البيت وبحيث يتفق مع تفسيرهم
لاية التطهير. ويعتبرون ما ذكرته هذهالاحاديث مجرد فضائل
الهدف منها دفع المسلمين لتوقير آل البيت واحترامهم
وحبهم كما يوقر ويحترم الصحابة، ولا تعطي هذه الاحاديث
لال البيت اية ميزة تميزهم عن الاخرين بل من الممكن ان
يكونالصحابة افضل منهم على ما هو واضح في كتب العقائد
من ترتيب الافضلية بين الخلفاء، وجعل الامام علي في المرتبة
الرابعة بعد ابي بكر وعمر وعثمان. حتى انهم ساووه بمعاوية،
كما رفعوا عائشة فوقفاطمة.
من هنا وضع اهل السنة آل البيت في المرتبة الثانية بعد
الصحابة واعتبروا ان اي ميل لال البيت وتقديمهم على
الصحابة يعتبر بدعة وانحرافا عن العقيدة الصحيحة، عقيدة
السلف كما حدث للشافعي(364).
وتبدو قضية تاويل النصوص النبوية الواردة في آل البيت عند اهل السنة ومحاولتهم
تطويع النص لاغراض سياسية تبدو بوضوح في مواجهة قول الرسول صلى اللّه عليه و
آله وسلم: (ان هذا الامر لا ينقضي حتىيمضي فيهم اثنا عشر خليفة)(365).
وقوله: (لا يزال امر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا)(366).
وقوله: (لا يزال الاسلام عزيزا الى اثني عشر خليفة)(367).
وقوله: (لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة او يكون عليكم اثنا عشر خليفة)(368).
وقوله: (لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا الى اثني عشر خليفة)(369).
ينقل ابن حجر عن المهلب قوله: لم الق احدا يقطع في هذا
الحديث يعني بشيء معين فقوم قالوا يكونون بتوالي
امارتهم. وقوم قالوا يكونون في زمن واحد كلهم يدعي الامارة.
قال والذي يغلب على الظن انه صلى اللّه عليه و آله وسلم اخبر
باعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يفترق الناس في وقت
واحد على اثني عشر اميرا.
قال ولو اراد غير هذا لقال يكون اثنا عشر اميرا يفعلون كذا. فلما
اعراهم من الخبر عرفنا انه اراد انهم يكونون في زمن واحد.
ويعلق ابن حجر على الجملة الاخيرة من كلام المهلب قائلا:
وهو كلام من لم يقف علىشيء من طرق الحديث غير الرواية
التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة (يكون اثنا عشر اميرا).
وقد عرفت من الروايات التي ذكرتها من عند مسلم وغيره انه
ذكر الصفة التي تختص بولايتهم وهي كون الاسلامعزيزا منيعا.
ويقول القاضي عياض: توجه على هذا العدد سؤالان احدهما انه
يعارضه ظاهر قول الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم: الخلافة
بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. لان الثلاثين سنة لم يكن فيها
الاالخلفاء الاربعة وايام الحسنبن علي. والثاني انه ولي الخلافة
اكثر من هذا العدد. والجواب عن الاول انه اراد في حديث
الخلافة بعدي خلافة النبوة. ولم يقيد في حديث الاثني عشر
بذلك. وعن الثاني انه لم يقللا يلي الا اثنا عشر وانما قال يكون
اثنا عشر وقد ولي هذا العدد ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم. وهذا
ان جعل اللفظ واقعا على كل من ولي والا فيحتمل ان يكون
المراد من يستحق الخلافة من ائمة العدل وقد مضىمنهم
الخلفاء الاربعة ولا بد من تمام العدة قبل قيام الساعة.
وينقل ابن حجر: وقد قيل انهم يكونون في زمن واحد يفترق
الناس عليهم. ويحتمل ان يكون المراد ان يكون الاثنا عشر في
مدة عزة الخلافة وقوة الاسلام واستقامة اموره والاجتماع على
من يقوم بالخلافة.
ويقول ا(370)بن الجوزي في كشف المشكل: قد اطلت
البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مظانه وسالت عنه فلم
اقع على المقصود به لان الفاظه مختلفة ولا اشك ان التخليط
فيها من الرواة. فاما الوجهالاول فانه اشار اي الرسول الى ما
يكون بعده وبعد اصحابه وان حكم اصحابه مرتبط بحكمه
فاخبر عن الولايات الواقعة بعدهم. فكانه اشار بذلك الى عدد
الخلفاء من بني امية واول بني امية يزيدبن معاويةوآخرهم
مروان الحمار وعدتهم ثلاثة عشر. ولا يعد عثمان ومعاوية ولا
ابن الزبير لكونهم صحابة. فاذا اسقطنا منهم مروانبن الحكم
للاختلاف في صحبته. او لانه كان متغلبا بعد ان اجتمع الناس
على عبداللّهبنالزبير صحت العدة(371).
وينقل ابن حجر انه يحتمل ان يكون الاثنا عشر بعد المهدي
الذي يخرج في آخر الزمان او ان يكون المراد وجود اثني عشر
خليفة في جميع مدة الاسلام الى يوم القيامة يعملون بالحق
وان لم تتوالايامهم(372).
ويقول ابن حجر: ان المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعة الخليفة.
والذي وقع ان الناس اجتمعوا على ابي بكر ثم عمر ثم عثمان
ثم علي الى ان وقع امر الحكمين في صفين فسمي معاوية
يومئذ بالخلافة. ثم اجتمع الناسعلى معاوية عند صلح الحسن.
ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين امر بل قتل
قبل ذلك. ثم لما مات يزيد، وقع الاختلاف الى ان اجتمعوا على
عبد الملكبن مروان بعد قتل الزبير. ثم اجتمعوا علىاولاده
الاربعة: الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وتخلل بين سليمان
ويزيد عمربن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين.
والثاني عشر هو الوليدبن يزيدبن عبد الملك اجتمع الناس
عليه لما مات عمههشام فولي نحو اربع سنين، ثم قاموا عليه
فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الاحوال من يومئذ ولم يتفق
ان يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك(373).
يقول شارح الطحاوية: والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الاربعة
ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملكبن مروان واولاده الاربعة
وبينهم عمربن عبد العزيز. ثم اخذ الامر في الانحلال(374).
ويقول السيوطي: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة
الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمربن عبد
العزيز. هؤلاء ثمانية ويحتمل ان يضم اليهم المهتدي من
العباسيين لانه فيهم كعمربن عمرالعزيز في بني امية. وكذلك
الظاهر لما اوتيه من العدل وبقي الاثنان المنتظران احدهما
المهدي لانه من آل بيت محمد صلى اللّه عليه و آله
وسلم(375).
ويقول النووي: وقيل ان معناه انهم يكونون في عصر واحد يتبع
كل واحد منهم طائفة. قال القاضي: ولا يبعد ان يكون هذا قد
وجد اذا تتبعت التواريخ فقد كان بالاندلس وحدها منهم في
عصر واحد بعد اربعمائةوثلاثين سنة، ثلاثة كلهم يدعيها ويلقب
بها، وكان حينئذ في مصر آخر، وكان خليفة الجماعة العباسية
ببغداد، سوى من كان يدعي ذلك في ذلك الوقت في اقطار
الارض(376).
ونخرج من تفسيرات اهل السنة لحديث الائمة الاثني عشر
بالنتائج التالية:
اولا: ان هناك خلافا وتخبطا واضحا في تحديد الائمة والخلفاء
المقصودين من الحديث.
ثانيا: ان فقهاء اهل السنة حصروا تفسير الحديث في حدود بني
امية.
ثالثا: ان بصمة السياسة واضحة في تفسيرات النص.
رابعا: ان هذه التفسيرات قد اغفلت ذكر المهدي.
خامسا: تبدو الحيرة واضحة في تفسير السيوطي الذي ذكر
احد عشر خليفة ولم يذكر الثاني عشر.
سادسا: ان تحديد الخليفة المقصود تم على اساس اجتماع
الناس عليه وليس على اساس اختيار المسلمين الحر له.
فالناس اجتمعت على معاوية ويزيد وبني امية بالسيف وليس بالشورى، وحتى الذين سبقوهم منالخلفاء لم يجتمع الناس
عليهم بالشورى، مما يشير الى ان تفسير النص اخضع للسياسة ولعقيدة اهل السنة التي تقر بالسمع والطاعة للمتغلب على
السلطة بالسيف، فهم دائما مع الغالب وان كان فاسدا، وغلبته
تعنياجتماع الناس عليه وهذا تفسير يبدو فيه الاضطراب
والتخبط اذ ان حكام العصر العباسي تنطبق عليهم نفس الحالة
ومع ذلك اغفلوا ذكرهم.
من هنا رفض صاحب الطحاوية اثارة اية شكوك حول هذه
التفسيرات بقوله: وعند الرافضة ان امر الامة لم يزل في ايام
هؤلاء فاسدا يتولى عليهم الظالمون المعتدون بل المنافقون
الكافرون واهل الحق اذل مناليهود وقولهم ظاهر البطلان بل
لم يزل الاسلام عزيزا في ازدياد في ايام هؤلاء(377).
ويرفض اهل السنة رفضا قاطعا تحويل نص الائمة الاثني عشر
ناحية آل البيت، بل جميع رواياتهم حول هذا النص جاءت بلفظ
خليفة وليست بلفظ امام، وهذا الرفض انما هو نابع من الاساس
من موقفهم العقائديمن آل البيت، الا انهم على كل حال لم
يعطونا جوابا يريح عقولنا حول مراد النص(378).
ان المتتبع لسيرة الخلفاء من ابي بكر وحتى آخر خلفاء بني امية
الذين قصدهم اهل السنة بتفسير النص لا يجد من سيرتهم ما
يتفق مع ظاهر النص ويكفي في ذلك سيرة بني امية ومواقفهم
وممارساتهم التيتصطدم بقواعد الاسلام واصوله(379).
فهل يعقل ان يبشر الرسول باناس يفسدون في الارض باسم
الاسلام ثم يربط عزة الاسلام بهم؟
هل يمكن ان يبشر الرسول بمعاوية ويزيد واولاد عبد الملك.
ان العقل يقول ان المقصود بالاثني عشر فئة اخرى تتميز
بالطهارة والنقاء، وان دورها ليس مجرد الحكم في ذاته وانما
التعبير الحقيقي عن الاسلام. |