|
عصمة الامام:
تنبع فكرة العصمة عند الشيعة من فكرة الوصية. فالرسول
المعصوم لا يوصي الا لمعصوم مثله. ومثلما مهمة الرسول
تحتاج الى عصمة كذلك مهمة الامام التي هي امتداد لمهمته تحتاج لعصمة.
ولو لم يكن الامام معصوما لتساوى مع بقية الناس، ولما كانت
هناك حاجة لوصيته وهو في هذه الحالة لن ينجح في حفظ
الدين واقامة الحجة على الناس.
ان الايمان بتميز الامام (علي) على الاخرين سوف يقود الى
الايمان بالوصية. والايمان بالوصية سوف يقود الى الايمان
بالعصمة.
ونظرا لكون اهل السنة لا يؤمنون بتميز الامام (علي) على
بقية الصحابة فمن ثم هم لا يؤمنون بالوصية وبالتالي
يستهجنون فكرة العصمة.
يقول العلامة الحلي: ذهبت الامامية الى ان الائمة كالانبيا في
وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش. من الصغر الى
الموت عمدا او سهوا، لانهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم
في ذلك كحال النبي.ولان الحاجة الى الامام انما هي
للانتصاف من المظلوم عن الظالم. ورفع الفساد وحسم مادة
الفتن. وان الامام لطف يمنع القاهر من التعدي، ويحمل الناس
على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم
الحدودوالفرائض ويؤاخذ الفساق ويعزر من يستحق التعزير. فلو
جازت عليه المعصية وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد وافتقر
الى امام آخر وتسلسل..(294).
ان العصمة ترتبط بنوع الدور والمهمة الملقاة على عاتق الامام.
ولما كان دور الامام ومهمته تتطلب وجود مواصفات خاصة
حتى يمكن القيام بها فمن ثم كانت العصمة ضرورة لا بد منها
للامام تدفع الجماهير الىالثقة به والتلقي منه ولزوم الطاعة له
وتحول دون منازعته من قبل الادعيا.. يقول الشيخ جعفر
السبحاني: ان الاجابة عن الاسئلة الشرعية على وجه الحق
وتفسير القرآن على الصحيح وتفنيد الشبهات على وجه يطابق
الواقع وصيانة الدين عن اي تحريف لا يحصل الا بمن يعتصم
بحبل العصمة ويكون قوله وفعله مميزين للحق والباطل.. نعم
ان الانسان الجليل ربما يملا هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة
جدا، ولاجل ذلكنرى ان الامة افترقت في الاصول والفروع الى
فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها، فلاجل هذه الامور لا
محيص عن وجود انسان كامل عارف بالشريعة، اصولها
وفروعها، عالم بالقرآن واقف على الشبهات وكيفيةالاجابة
عنها، قائم على الصراط السوي ليرجع اليه من تقدم على
الصراط ومن تاخر عنه. وهذا يقتضي كون الامام منصوبا من
جانبه سبحانه معصوما بعصمته..(295).
ان تقصي حال الامة من بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله
وسلم يظهر لنا ما يلي:
اولا: منحت الشريعة لكل الحكام ومن بعدهم والزم الجميع
بالسمع والطاعة لهم.
ثانيا: اخترعت الكثير من الاحاديث والروايات وتمت نسبتها الى
الرسول.
ثالثا: ان الصحابة والتابعين وتابعي التابعين باركوا هذا الوضع
كما باركوا الحكام ودعوا الجماهير الى طاعتهم.
رابعا: ان سيرة هؤلاء الحكام وسلوكهم ومواقفهم متناقضة مع
الاسلام وتصطدم بقواعده.
خامسا: ان القرآن قد حرفت معانيه واولت آياته بحيث تخدم
اغراض القوى الحاكمة.
سادسا: ان الفقها ساروا في ركاب الحكام واضفوا على
ممارساتهم ومواقفهم الشرعية.
ومن هنا يتبين لنا ان الاسلام قد اخضع للاهو ا والسياسة من
بعد الرسول.. ومال الفقها به نحو الحكام. وتفرقت الامة بسبب
هذا الاسلام وصارت شيعا. وهذا كله بسبب ان الذين تصدوا
لحمله لم يصمدوا في وجهالباطل وانهاروا امامه مما يدل على
عدم صلاحيتهم للقيام بهذه المهمة. وليس من المعقول بل
من المحال في حق اللّه سبحانه ان يترك الدين من بعد الرسول
يتنازعه اهل الاهو ا ويذهبون به مذاهب شتى مما يؤديفي
النهاية الى ضلال الامة. وضلال الامة يقتضي ارسال رسول
جديد. وقد ختمت الرسالات بمحمد، اذن لا بد ان يكون هناك
عاصم للامة تتوافر به مؤهلات الرسول ليقوم بمهمته من بعده
وفي مقدمة هذهالمؤهلات العصمة.
ان ضرورة العصمة سوف تتضح لنا اكثر اذا ما اتجهنا بابصارنا
الى الجانب الاخر الذي غيبته السياسة عن اعيننا وهو جانب آل
البيت. بعد ان القينا الضوء على جانب الصحابة والتابعين
والفقها والاسلام الذي يعرضونهوالمتمثل في مذهب اهل
السنة. فان القا الضوء على هذا الجانب سوف يظهر لنا ما يلي:
اولا: ان ائمة آل البيت(ع) تصدوا لمحاولات الانحراف بالاسلام
وصدعوا بالحق في مواجهة الصحابة والتابعين والحكام.
ثانيا: ان ائمة آل البيت تصدوا لعملية اختراع الاحاديث ونسبتها
للرسول والتزموا في مواجهة هذا الامر بضرورة عرض الحديث
على القرآن والعقل، فما وافق القرآن والعقل كان سليما وما
خالفهما كانموضوعا.
ثالثا: ان آل البيت قادوا الثورات ضد الحكام وتصدوا لفسادهم
وانحرافاتهم.
رابعا: ان ائمة آل البيت بداية من الامام علي وحتى الامام
الحادي عشر ماتوا قتلا بايدي الحكام.
ان ائمة آل البيت قد امتحنوا وابتلوا بلاء عظيما وتعرضوا
لضغوط شديدة من قبل الحكام كي يسايروا الوضع القائم لكنهم
صبروا وثبتوا ورفضوا التعايش مع الواقع المنحرف واضفا
الشرعية على الحكام.
ولا شك انه بعد استعراض موقف الجانبين:
الا انه في النهاية معصوم بدرجة ما ليست كاملة. اذ انه لا بد ان
تبدر منه بعض الهفوات ولا بد ان يرتكب بعض المعاصي.
اما الامام فقدرته على عصمة نفسه اكبر من ذلك بحكم كونه
تربية بيت النبوة. هذا على المستوى الذاتي الذي اهله الى
العصمة التكوينية كعصمة الرسل غير انها اقل منها درجة. وبما
ان الرسول معصوم وما ينطقعن الهوى، فعندما يختار وصيه
فان هذا الاختيار يكون بوحي من قبل اللّه سبحانه يقتضي ان
تكون عصمة المختار عصمة تكوينية ايضا.
وعلى المستوى الفردي العادي يمكن للمرء ان يقوم بتربية
ولده تربية دقيقة يبذل فيها قصارى جهده في تقويمه
واصلاحه وعزله عن المؤثرات وعوامل الانحراف فينشا الولد
معصوما بدرجة كبيرة بحيث يصبح مثلايحتذى به في الخلق
والسلوك السوي المستقيم.
واذا كان هذا على مستوى الافراد فكيف يكون الامر على
مستوى الانبيا؟
اذا كان الفرد العادي يستطيع ان يوصل ولده الى مستوى عال
من الادب والخلق فالى اي مدى يمكن ان يوصل النبي صلى
اللّه عليه و آله وسلم الامام عليا وهو الذي رباه وصنعه على يده
واعده ليكوناماما..؟
ونظرا لكون اهل السنة ينظرون لمسالة العصمة نظرة مبتورة
ومنقوصة كما ذكرنا فانهم ينظرون بعين الشك الى مسالة
عصمة الامام عند الشيعة. او بصورة اخرى اذا كان اهل السنة لا
يعتقدون بعصمة الرسل عصمةكلية فهل يعتقدون بعصمة
الامام..!
وهم يرتكزون في هجومهم على الشيعة دائما على فكرة
العصمة وفكرة الغيبة التي سوف نعرض لها فيما بعد. كما يعتبر
كثير من المعاصرين المعتدلين من اهل الفقه والثقافة ان
هاتين الفكرتين هما نقطة الضعف فيالفكر الشيعي.
ويتهم البعض الشيعة بالتناقض لتبنيها العقل الذي نبذه اهل
السنة ثم تبنيها فكرة العصمة والغيبة في آن واحد، وهما
فكرتان نبذهما اهل السنة على الرغم من انهم لا يعطون للعقل
المساحة التي تعطيها لهالشيعة..
ومثل هذه التهم انما توجه الى الشيعة على غير علم بطبيعة
العقيدة الشيعية واصولها المستمدة من ائمة آل البيت.
ومن العسير هضم فكرة العصمة او فكرة الغيبة على اي باحث
دون هضم فكرة الامامة التي تتميز بها الشيعة فما هاتان
الفكرتان سوى نتيجتين للامامة ومن الصعب فهم النتائج دون
فهم المقدمات.
موقف الصحابة والتابعين والفقها بعد الرسول.
وموقف آل البيت.
وصورة الاسلام الذي يقدمه كل من الجانبين للناس.. سوف
يتبين لنا ان جانب آل البيت لا بد وان يكون معصوما. فان
الثبات في مواجهة الفتن، والانتصار على الهوى هو اعلى
درجات العصمة. وهو ما يبدو منسلوك ائمة آل البيت
ومواقفهم ولا يبدو من سلوك ومواقف الجانب الاخر.
ولا يتصور من هذا الطرح ان الشيعة يقدمون الائمة على الرسل
اوحتى يساوونهم بهم كما يشيع ذلك خصومهم.. فان الامام
انما يتلقى مهمته من الرسول الذي اوصى به فكيف يكون
الوصي اعلى من الموصى.والامام علي نال مكانته من الرسول
صلى اللّه عليه و آله وسلم وهو ينتسب اليه بحكم القرابة فهو
امام آل بيت الرسول من بعده. والرسول وهو على قيد الحياة
جمع بين الرسالة والامامة كما جمعها ابراهيم(ع) منقبله.
وبعد وفاته انتهى دور الرسالة وبقي دور الامامة متمثلا في
الامام علي. اذن الامام علي استمد قداسته من الرسول، فكيف
يتقدم عليه؟
وكيف بعد هذا يقال ان الشيعة يعتقدون ان عليا احق بالرسالة
من محمد وان جبريل اخطا في الرسالة وبدلا من ان يهبط على
علي هبط على محمد وهي مقولة تتردد كثيرا على السنة
الناس حتى يومنا هذا..
وعلى هذا الاساس يمكن القول بان عصمة الامام اقل من
عصمة الرسول، لان دور الامام اقل من دور الرسول، وهو مكمل
له الا انها وان كانت درجتها اقل من الرسول فهي اعلى من
مستوى البشر بدرجات باعتباران كل انسان انما هو معصوم
بدرجة ما.
ان المؤمن المداوم على
الصلوات مثلا هو معصوم في حدودهذا الفعل، فهو يملك القدرة على الاختيار بين
المداومة على
الصلوات وبين المداومة على المسكرات مثلا.
واختياره
الصلوات يعني عصمته منالانحراف نحو المسكرات. اما
الذي
اختار المسكرات وترك الصلوات فهو غير معصوم.
والمرء من الممكن ان يتفوه باي شيء، من الممكن ان
يسب
ويشتم، من الممكن ان ينطق بكلمة الكفر. فاذا ملك
لسانه عن
ان يتكلم مثل هذا الكلام فهو معصوم اللسان.
والفتاة التي تصبر محتسبة حتى ترزق بزوج صالح هي
معصومة. اما الفتاة التي مالت بها شهوتها وانحرفت
فهي غير
معصومة.
ان كلا منا من الممكن ان يكون معصوما ضمن حدود واطار
معين.
من الممكن ان يعصم لسانه عن الكذب.
من الممكن ان يعصم فرجه عن الزنا.
والمقدمة عند الشيعة شرعية تحتمها النصوص،
والنتيجة لا بد
ان تكون شرعية ايضا، اي ان الامامة مسالة شرعية
والعصمة
والغيبة مسالتان شرعيتان كذلك.
واذا كنا قد عرضنا لقضية العصمة من الجانب العقلي
فيما
مضى فان الامر يحتم الان ان نعرض للقضية من الجانب
الشرعي.
في مقدمة النصوص القرآنية التي يعتمد عليها الشيعة
في
اثبات عصمة الامام قوله تعالى لنبيه ابراهيم: (اني
جاعلك
للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي
الظالمين)
«البقرة/124».
يقول الطبرسي: استدل اصحابنا بهذه الاية على ان
الامام لا
يكون معصوما عن القبائح لان اللّه سبحانه نفى ان
ينال عهده
الذي هو الامامة ظالم. ومن ليس بمعصوم فقد يكون
ظالما
اما لنفسه واما لغيره.(296) ويقول السيد محسن الامين: قوله تعالى خطابا
لابراهيم: (اني
جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي
الظالمين) غير المعصوم ظالم لنفسه فلا ينال عهد
الامامة
الذي هو من اللّه تعالى. وانه يجب انيكون افضل اهل
زمانه
واكملهم لان تقديم المفضول على الفاضل قبيح..(297).
وهذا النص يشير الى ان سلالات الانبيا فيها المحسن
والمسيء
والعادل والظالم والفاجر والتقي. وآل البيت انما هم
امتداد
لذرية ابراهيم(ع) لكنهم غير معصومين على وجه العموم
انما
المعصوم منهم طائفة محددةبالنصوص هم الائمة
الاثنا عشر
اولهم الامام علي وآخرهم الامام المهدي المنتظر(ع).
اما النص الثاني من نصوص العصمة فهو قوله تعالى: (يا
ايها
الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي
الامر منكم)
«النسا/59».
يقول الشيخ الوائلي: ان اولي الامر الواجب طاعتهم
يجب ان
تكون اوامرهم موافقة لاحكام اللّه تعالى لتجب لهم
هذه الطاعة.
ولا يتسنى هذا الا بعصمتهم اذ لو وقع الخطا منهم
لوجب
الانكار عليهم وذلك ينافي امراللّه بالطاعة لهم..(298).
ويقول السيد الزنجاني: ان الامام حافظ للشرع فيجب
ان يكون
معصوما وانه لو وقع من الامام الخطا لوجب الانكار
عليه وذلك
يضاد امر الطاعة له بقوله تعالى: (اطيعوا اللّه
واطيعوا الرسول
واولي الامر منكم) وايضاانه لو وقعت منه المعصية
لزم نقض
الغرض من نصب الامام والتالي باطل، فالمقدم مثله
بيان
الشرطية ان الغرض من امامته انقياد الامة له
وامتثال اوامره
واتباعه فيما يفعله. فلو وقعت المعصية منه لم يجب
شيء
اقلمن ذلك وهو مناف لنصبه. الدليل الثالث: انه لو
وقعت من
الامام المعصية لزم ان يكون اقل درجة من العوام لان
عقله اشد
ومعرفته باللّه تعالى وعقابه وثوابه اكثر فلو وقعت
منه المعصية
كان اقل حالا من الرعية وكلذلك باطل قطعا فيجب ان
يكون
الامام معصوما..(299).
ويقول السيد شبر: قوله تعالى: (اطيعوا اللّه واطيعوا
الرسول
واولي الامر منكم) دل على وجوب اطاعة اولي الامر كاطاعة
الرسول. ولهذا لم يفصل بينهما بالفعل لكمال الاتحاد
والمجانسة بخلاف اطاعة اللّه واطاعةالرسول. اذ
لما كان بين
الخالق والمخلوق كمال المباينة فصل بالفعل. ومن
المعلوم ان
اللّه سبحانه لا يامر المؤمنين لا سيما الصلحا
العلما الفضلاء
باطاعة كل ذي امر وحكم لان فيهم الفساق والظلمة ومن
يامربمعصية اللّه تعالى، فيجب ان يكون اولو الامر
الذين امر اللّه
بطاعتهم مثل النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم في عدم
صدور
الخطا والنسيان والكذب والمعاصي. ومثل هذا لا يكون
منصوبا
الا من قبل اللّه تعالى العالمبالسرائر كما في
النبي صلى اللّه
عليه و آله وسلم..(300).
ويروى عن الباقر والصادق(ع) ان اولي الامر في الاية
هم الائمة
من آل محمد، اوجب اللّه طاعتهم بالاطلاق كما اوجب
طاعته
وطاعة رسوله ولا يجوز ان يوجب اللّه طاعة احد على
الاطلاق
الا من ثبتت عصمتهوعلم ان باطنه كظاهره وامن منه
الغلط
والامر بالقبيح،وليس ذلك بحاصل في الامر ا ولا
العلما كما
يفسر النص اهل السنة سواهم جل اللّه عن ان يامر
بطاعة من
يعصيه او بالانقياد للمختلفين في القول
والفعللانه محال ان
يطاع المختلفون كما انه محال ان يجتمع ما اختلفوا
فيه. ومما
يدل على ذلك ايضا ان اللّه تعالى لم يقرن طاعة اولي
الامر
بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته الا واولو
الامر فوق
الخلق جميعا كماان الرسول فوق اولي الامر وسائر
الخلق،
وهذه صفة ائمة الهدى من آل محمد(ع) الذين ثبتت
امامتهم
وعصمتهم واتفقت الامة على رتبتهم وعدالتهم..(301).
ان النص يخاطب المجتمع المؤمن المتقيد بطاعة اللّه
وطاعة
رسوله وهذا التقيد يوجب طاعة من يلتزم بطاعة اللّه
ورسوله
من اولي الامر والا اصبح النص معدوم القيمة. ولو
جازت طاعة
المنحرف من اولي الامروالفاسدين منهم لجاز التفلت
من
طاعة اللّه وطاعة رسوله وعدم التقيد بها. اذ ان
الحاكم
المنحرف الفاسد لن يتقيد بطاعة اللّه وطاعة رسوله،
وبالتالي
سوف يجر الامة الى التفلت من طاعة اللّه ورسوله وهو
ما
حدثفي تاريخ هؤلاء الحكام الذين دانت لهم الامة
بالسمع
والطاعة باحاديث مخترعة تتناقض مع النص القرآني
الذي
نحن بصدده. والذين حلوا محل الائمة الاطهار
المقصودين
بقوله تعالى: (واولي الامر منكم)..
والنص الثالث: هو قوله تعالى: (انما يريد اللّه
ليذهب عنكم
الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا..) «الاحزاب/ 33».
يقول الشيخ السبحاني: استدلت الشيعة الامامية عن
بكرة ابيها
بهذه الاية على عصمة آل البيت الذين نزلت هذه الاية
في
حقهم. وان الارادة المقصودة من النص ارادة تكوينية
لا
تشريعية، بمعنى ان ارادته التكوينيةالتي تعلقت
بتكوين الاشيا
وابداعها في عالم الوجود تعلقت ايضا باذهاب الرجس
عن اهل
البيت وتطهيرهم من كل رجس وقذر ومن كل عمل يستنفر
منه(302).
يقول الشيخ فرج اللّه الحسني: دلالة الاية على عصمة
الخمسة
الرسول وعلي وفاطمة والحسن والحسين لانها صدرت
باداة
الحصر وهي كلمة (انما)، وتعلق ارادته تعالى
بالتطهير
وباذهاب الرجس وهو فعله تعالىيدل على ان الارادة
تكوينية
على ما ثبت في محله ومتعلق التطهير وهو (الرجس)
مطلق
محلى بالف ولام الجنس. فالاية الشريفة تعلن نفي ما
هو
الرجس بنحو العام الاستيعابي المجموعي عن اهل
البيتالمذكورين فيها..(303).
ويقول الشيخ الوائلي: معنى ذهاب الرجس نفي كل ذنب
وخطا
عنهم، والارادة هنا تكوينية لا تشريعية لوضوح ان
التشريعية
مرادة لكل الناس(304).
ويقول الطبرسي: استدلت الشيعة على اختصاص الاية
بهؤلاء
الخمسة(ع) بان قالوا ان لفظة (انما) محققة لما اثبت
بعدها
نافية لما لم يثبت، فان قول القائل انما لك عندي
درهم وانما
في الدار زيد يقتضي انه ليسعنده سوى الدرهم وليس
في
الدار سوى زيد. واذا تقرر هذا فلا تخلو الارادة في
الاية ان تكون
هي الارادة المحضة او الارادة التي يتبعها التطهير
واذهاب
الرجس. ولا يجوز الوجه الاول لان اللّه تعالى قد
اراد منكل
مكلف هذه الارادة المطلقة، فلا اختصاص لها باهل
البيت دون
سائر الخلق، ولان هذا القول يقتضي المدح والتعظيم
لهم بغير
شك وشبهة ولا مدح في الارادة المجردة، فثبت الوجه
الثاني
وفي ثبوته ثبوتعصمة المعنيين بالاية من جميع
القبائح. وقد
علمنا ان من عدا من ذكرنا من اهل البيت غير مقطوع
على
عصمته فثبت ان الاية مختصة بهم لبطلان تعلقها
بغيرهم،
ومتى قيل ان صدور الاية وما بعدها في
الازواجفالقول فيه ان
هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحا في كلامهم فانهم
يذهبون
من خطاب الى غيره ويعودون اليه، والقرآن من ذلك
مملوء
وكذلك كلام العرب واشعارهم..(305).
ونظرا لدلالة نص التطهير القطعية ومعناه الظاهر
المحدد
المقيد بآل البيت لم يجد اهل السنة في مواجهته سوى
التسلح بالتعويم اي اطلاق النص على نسا النبي صلى
اللّه عليه
و آله وسلم وآل البيت بشكل عامحسب تعريفهم العائم
له على
ما سوف نبين. الا انهم فاتتهم عدة نقاط هامة تتعلق
بالنص
المذكور:
الاولى: لغوية وقد القينا الضوء عليها من اقوال
فقها الشيعة
حول الاية.
الثانية: تتعلق بالسياق فهم يعتبرون السياق العام
للنص
يخاطب نسا النبي الا ان المعروف ان السياق ليس بحجة
لان
ترتيب الايات ليس توقيفيا على الارجح، ولان هناك من
النصوص القرآنية ما يقتضي سياقهاختلال المعنى
على الظاهر
مثل قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت
عليكم
نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فان الايات التالية
لهذه الاية
في سورة المائدة آيات احكام، واذا اعتبرنا السياق
حجة
فيجبان تكون هذه الايات سابقة لاية كمال الدين.
الثالثة: ان نسا النبي ذكرن بالذم في نفس السورة وفي
سورة
التحريم وعلى لسان الرسل في احاديث كثيرة وهذا
يتناقض مع
طهارتهن ويدل على انهن لسن المقصودات بآية
التطهير.
الرابعة: ان هناك روايات وردت على لسان الرسول تخصص
الاية وتحصرها في حدود الخمسة، وتعرف آل البيت في
حدود
علي وفاطمة والحسن والحسين دون غيرهم وعلى راس هذه
الروايات حديثالكسا..(306).
وبالاضافة الى هذه النصوص القرآنية هناك حديث وارد
عن
الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم يفيد ثبوت العصمة
لال
البيت..
وهذا النص النبوي هو حديث الثقلين الذي ذكرناه
سابقا في
نصوص الامامة. فهذا النص قد قرن الكتاب بالعترة
الطاهرة
(كتاب اللّه وعترتي) وربط العترة بالكتاب دليل على
عصمة
العترة ائمة آل البيت.
فما دام الكتاب معصوما فلا بد ان تكون العترة
المقرونة به
معصومة ايضا، اذ ليس من المقبول عقلا ان يربط
الرسول
بالقرآن فئة غير جديرة بهذا الارتباط وليست على
مستواه. فلا
بد ان تكون هذه الفئة تتوافر بهامؤهلات حفظ الكتاب
من بعد
الرسول وابلاغه للناس على الوجه الاكمل دون تحريف او تاويل
او ميل للباطل او القبلية او الهوى او الحكام، وهذا
الدور في
ذاته يتطلب عصمة.
ومثل هذا النص يشير الى ان العترة هي وارثة الكتاب
من بعد
الرسول والمعبر الحقيقي عن الاسلام مما يوجب
امامتهم
ويوجب بالتالي عصمتهم. وهذا ينفي فكرة الامامة عند
اهل
السنة ويبطل خلافة الثلاثة منبعد الرسول. كما
ينفي من
جانب آخر ما قيل حول جمع القرآن من قبل ابي بكر
فالرسول
قد اورث الكتاب كاملا لعترته ممثلة في راس العترة
الامام علي
ولا يعقل ان يتركه مبعثرا هنا وهناك مهددا بالفقد
والضياعوالنسيان، ولو صح ما يعتقده اهل السنة من
افضلية ابي
بكر على الامة وعلى الامام علي، لترك الرسول القرآن
لديه او
لدى عمر او لدى عثمان وهم جميعهم مقدمون على الامام
عندهم. لكن الثلاثة كما هو معروفلم يكونوا من حفظة
القرآن
ولا من كتبته مما يدل على ان هناك طرفا آخر ورث
الكتاب
عن الرسول غير هؤلاء، تتوافر لديه مقومات حمل هذه
التبعة
الثقيلة ويتحلى بمؤهلات ليست في هؤلاء من التقوى
والعلموالشجاعة تعينه على القيام بهذه المهمة من
بعد
الرسول. وصاحب هذه المؤهلات هو الامام علي. ومهمته
هذه
هي امتداد لمهمة الرسول ومكملة لها مما يفرض ان
يكون
معصوما هو ومن يتسلم المهمة من بعد منائمة آل
البيت..
|