|
الامامة والحركة الاسلامية
انعكست فكرة الامامة عند اهل السنة على الحركة الاسلامية
وبدا اثرها واضحا على مواقف الحركة وممارستها وتصورها في
مواجهة الواقع.
وعلى راس التيارات الاسلامية التي تطبعت بفكرة الامامة
التيار السلفي التقليدي الذي يسير على الخط الوهابي
السعودي. فقد جعل هذا التيار من طاعة الحكام شعارا له مما
ادى به الى ان يفرط في الاعتدال تجاه الواقع.
وقد تسلح تيار الاخوان بنصوص السمع والطاعة في محاولة
منه لدرء الشبهات من حوله والتميز عن التيارات الاسلامية
الاخرى التي تبنت فكرة الصدام مع الواقع.. وعلى مر الزمان
كانت نصوص السمع والطاعةهي السلاح الذي يشهره فقها
السلاطين في وجه كل فئة تشق عصا الطاعة.
ولا تزال هذه السنة باقية ومستمرة في زماننا في مواجهة
التيارات الاسلامية.
يؤديها فقها السلاطين، كما ورثوها عن سلفهم.
لقد اوقعت مثل هذه النصوص الحركة الاسلامية المعاصرة في
مآزق فكرية وحركية جعلتها سهلة الاحتو ا والاجهاض من قبل
القوى الحاكمة المتربصة بها.
ومن المآزق الفكرية التي تعيشها الحركة الاسلامية اليوم
بسبب غياب فكرة الامامة مازق الحاكمية. وقد نتج عن هذا
المازق الفكري مزق حركية مثل مازق الخروج والامر بالمعروف
والنهي عن المنكر والجهاد.
ولكون التيارات الاسلامية اليوم قد سيطر عليها التصور السلفي
خاصة التصور الذي طرحته مدرسة ابن تيمية التي بعثتها
الدعوة الوهابية في العصر الحديث فقد اصبحت الحركة
الاسلامية تعيش حالة من الصراعالفكري بين ولائها للماضي
ولرموزه المقدسة، وبين متطلبات الواقع الذي تتحرك على
ساحته والتي كثيرا ما تصطدم مع الماضي وتتناقض مع
اطروحته.
ولقد تسبب الطرح السلفي الذي تبنته الحركة في تذويب
القاعدة الفكرية التي ترتكز عليها. وبدلا من ان تكون لها قاعدة
واحدة اصبحت لها قواعد متباينة ومتناحرة فيما بينها.. القاعدة
الفكرية عند تيار الاخوانتصطدم مع القاعدة الفكرية عند التيار
السلفي، والقاعدة الفكرية عند التيار السلفي تصطدم مع
القاعدة الفكرية عند تيار الجهاد، والقاعدة الفكرية عند تيار
التكفير تصطدم مع الجميع.
وجميع هذه التيارات تستمد تصورها من التراث السلفي
وتتبنى اطروحته بكل مقوماتها وتوجهاتها، وفي مقدمتها
اطروحة الامامة.
الا انه يمكن القول بان فكرة الامامة انعكست على تيار الجهاد
بشكل اكثر فاعلية من دون بقية التيارات الاخرى. لتبني هذا
التيار اسلوب الصدام مع الواقع ورفعه شعار اقامة الخلافة
الاسلامية.
وتبدو قضية الحاكمية التي تعد الوجه العصري لفكرة الامامة
هي المحور الذي تدور من حوله الحركة الاسلامية، وهي ايضا
مرتكز الخلاف بين هذه التيارات، وباعث النظريات الحديثة في
الوسط الاسلامي اليوم.
مازق الحاكمية:
كان اول طرح لفكرة الحاكمية على يد الخوارج حين واجهوا
الامام عليا بقول اللّه تعالى: (ان الحكم الا للّه).
ثم ظهر هذا الشعار في العصر الحديث على يد ابو الاعلى
المودودي امير الجماعة الاسلامية في باكستان. وحسن البنا
زعيم الاخوان، وسيد قطب في كتابيه (في ظلال القرآن)
و(معالم في الطريق).
ويعد سيد قطب اول من ابرز فكرة الحاكمية كاملة الاركان
واضحة المعالم في ساحة الحركة الاسلامية، وتلقفتها منه
التيارات الاسلامية التي نشات في مرحلة ما بعد الاستعمار.
الا ان طرح سيد قطب لقضية الحاكمية استفز الاخوان لكونه
كان يمثل في نظرهم طرحا متشددا لها ومستفزا من جانب
آخر لنظام الحكم. وهو فوق هذا يعد طرحا براقا للشباب جذبهم
الى خطه بعيدا عن خطحسن البنا(240).
وفي فترة الستينيات بدا تيار سيد قطب يبرز على ساحة
الحركة الاسلامية في مصر وبدا وكانه التيار الذي يمثل
المرحلة. مما دفع بالاخوان الى الصدام به. وقد برز هذا الصدام
بصورة واضحة داخل المعتقلاتحين وجه عبد الناصر ضربته
الثانية لتيار الاخوان، وقد ادى هذا الصدام الى تصدع جماعة
الاخوان وانقسامها الى تيارين: تيار انحاز الى سيد قطب وتيار
بقي على خط البنا(241).
وكان خط سيد قطب يمثل تمردا على فكرة الامامة عند اهل
السنة(242).
وكان خط البنا يمثل الالتزام بهذه الفكرة(243).
الا ان بعض اتباع قطب تناولوا اطروحته بشيء من الغلو ولم
يحصروها في مواجهة الحكام فقط بل تعدوا الحكام الى
توجيه ها للمخالفين لهم وللناس بشكل عام. وكانت هذه هي
بداية ظهور تيار التكفير في الوسط الاسلامي.
ثم تلقف تيار الجهاد فكرة الحاكمية من سيد قطب بعد ذلك،
وجعلها مرتكز نظريته الجهادية، ثم ارتد عنها تحت تاثير
الموجة السلفية السعودية التي اغرقت الواقع الاسلامي بمصر
في فترة السبعينيات واستبدلهابفكرة ابن تيمية(244).
ويبدو ان طرح السلف لم يعن تيار الجهاد على ابراز فكرة
الحاكمية بصورة تحسم الخلاف وتعين على مواجهة الواقع مما فتح ثغرة للتيارات المناوئة له وفي مقدمتها تيارا الاخوان
والسلفيين اللذان اصدرا الكثير منالكتب لابراز الفكرة
الحقيقية للامامة كما يراها السلف لا كما يراها تيار
الجهاد(245).
ثم انشق عن التيار السلفي تيار جديد يرى فكرة الحاكمية
بصورة واقعية وسطية بين طرح السلف وطرح سيد
قطب(246).
وبرز تيار تكفيري جديد يؤمن بالجهاد والصدام مع الواقع،
وارتبط ببعض الاحداث التي وقعت في الساحة المصرية عام
87(247).
ومثل هذا الخلاف والتطاحن بين الاسلاميين والذي يتجلى
بصورة واضحة في الساحة المصرية. وقد ادى ولا زال يؤدي الى
انشقاقات وحركة تفريخ مستمرة بين التيارات الاسلامية مثل
هذا الخلاف انما يعودسببه الى غياب الفكرة الحقيقية للامامة
عن واقع المسلمين.
وعلى الرغم من ان تيار التكفير قد تحرر من اتباع الرجال وكفر
بالتراث السلفي الا انه وقع فريسة الاحاديث المتناقضة حول
الامامة. وبالتالي عجز عن استنباط نظرية مواجهة للواقع تكفل
له الاستمرار والبقا...
كما وقع ايضا
(248) تيار الجهاد فريسة عقيدة اهل السنة
التي تنص على جواز الصلاة والجهاد ور ا كل امير برا كان او
فاجرا.. وقد دفعت بعناصر الجهاد الى الهجرة الى افغانستان
للجهاد هناك تحت راياتيجهلون هوياتها ودوافعها، وقد
جذبهم نحوها مظهرها السلفي، ووضوح عقيدة الطرف
المحارب وهي الشيوعية.
ولو كانت الفئة المقصودة بالجهاد في افغانستان ليست
شيوعية وكانت تتبنى اي عقيدة اخرى لما شكلت اي عامل
جذب للتيار الاسلامي، حيث انها في هذه الحالة فيها شبهة
اسلامية، والقتال لا يكون الا لاصحابالكفر البواح حسب تعبير
الاحاديث، اي ان الامر بصورة اخرى، لو ان الصراع الدائر في
افغانستان كان بين المنظمات الافغانية وبين اليمنيين او نظام
طاهر شاه ما كان هناك مبرر للجهاد، لان عقيدة اهل السنة
كما بينالا تجيز قتال الحكام حتى ولو كانوا فجارا ظالمين. ولا
تجيز اراقة دما اهل القبلة من الناطقين بالشهادتين حتى ولو
كانوا يتسترون بها. ويجيزون الخروج والقتال في حالة الكفر
البواح كما هو حال الشيوعيينالملحدين مع ان هناك الكثير
من حالات الكفر البواح ظاهرة في عصر بني امية وبني العباس
من قبل خلفا يشهد واقعهم وسلوكهم بذلك، الا ان اهل السنة
لم يعلنوا النفير في مواجهتهم. وهم قد اعلنوها فيافغانستان
لاجماع الحكام على جواز الجهاد فيها(249).
وقضية جواز الصلاة ور ا البر والفاجر جعلت الاسلاميين
والتيارات الاسلامية تتفاعل مع واقع هي ترفضه وترتع في
مساجد حكومة هي تكفرها وتصلي خلف رجال الدين
الحكوميين الذين يضفون الشرعية علىالحكومة.. ماذا بقي لها
بعد ذلك من عقيدة تواجه بها الواقع؟
وفي الواقع المصري حدثت صدامات كثيرة بين تيار الجهاد
وبين تيار الاخوان بسبب الصراع على المساجد في صعيد مصر.
كما حدثت صدامات بين التيار السلفي وتيار الاخوان بسبب
نفس الامر، ثم تطور الامرليتحول الى صدام مع الحكومة
بسبب هذه المساجد التي اتخذت منها بعض التيارات مقرا لها
تبث من خلالها دعوتها خاصة تيار الجهاد في الصعيد، مما دفع
بالحكومة مؤخرا الى القيام بعملية مصادرات واسعةلهذه
المساجد في بقاع كثيرة في مصر(250).
ولقد شكلت هذه المساجد نقطة ضعف لتيار الجهاد النشط في
صعيد مصر وفي بعض احيا القاهرة واتاحت للحكومة فرصة
رصدها بسهولة.
ويعود تمسك التيارات الاسلامية في مصر بالمساجد الى اساس
سلفي تدعمه النصوص النبوية الواردة في المساجد واقوال
السلف. ولما كانت التيارات الاسلامية في مصر يسيطر عليها
العقل السلفي فمن ثم هيلا تهتم بالابعاد الامنية والسياسية
لعملية استغلال المساجد او هي في غفلة عنها بسبب عقل
الماضي(251).
وكان طرح تيار التكفير الذي ظهر في منتصف السبعينيات
بمصر قد تحرر الى حد كبير من فكرة الامامة، حيث تبنى قوله
تعالى: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الكافرون)
وخالف تفسير السلف لهذا النصواخذه على ظاهره.
مازق الوعي:
تشبعت الحركة الاسلامية المعاصرة بالفكر السلفي الذي
تمخض عن الحقبة النفطية المعاصرة التي تغذى من قبل
النظام السعودي الوهابي. وقد نتج عن هذا التشبع ان زهدت
الحركة الاسلامية في فقه الواقعوانكبت على كتب السلف،
خاصة كتب ابن تيمية، تستقي منها تصورها وعقائدها وافكارها
في مواجهة الواقع.
وهناك عدة كتب تراثية متداولة بين ايدي الشباب المسلم
اليوم خاصة في مصر كان لها اثرها الفعال في دعم حالة
اللاوعي التي تعيشها التيارات الاسلامية امام الاحداث
والمتغيرات الراهنة.
وفي مقدمة هذه الكتب كتب محمد عبد الوهاب وكتاب
العقيدة الواسطية لابن تيمية والعقيدة الطحاوية للطحاوي
والعواصم من القواصم لابي بكربن العربي. وهذه الكتب الاربعة
هي اعمدة الخط السلفي المعاصرواساس التربية الفكرية
للعاملين في ساحة الحركة الاسلامية(252).
ونحن هنا لن نعرض لهذه الكتب او نناقش المفاهيم التي
تطرحها وانما يعنينا الدور الذي تلعبه هذه الكتب وغيرها في
مازق الوعي الذي تعيشه الحركة الاسلامية اليوم والذي يمكن
تجسيمه في فكرة الامامةالمنعكسة في هذه الكتب على حركة
التاريخ بحيث قتلت حدثيته وعومت حركته وشوهت معالمه
مما ادى الى اضمحلال الوعي التاريخي لدى اجيال الحركة
المعاصرة ونتج عن اضمحلال الوعي التاريخياضمحلال الوعي
السياسي ونتج عن الاخير تخبط الحركة في مواجهة الواقع.
فهذه الكتب، خاصة العواصم من القواصم، تعمى على
الصراعات التي دارت بسبب الامامة بين الصحابة وبعضهم
وبين الامام علي وعائشة ثم معاوية. وتخوف المسلم من
الخوض في تفاصيلها ومعرفة دوافعهاوابعادها. وصورت هذا
الامر على انه مهلكة من الممكن ان تدمر عقيدة المسلم
وتنقله من الصراط المستقيم الى اصحاب الجحيم. وقد اعتبر
صاحب العواصم ان السكوت عن هذه الخلافات والصراعات
بمثابةعاصمة والخوض فيها بمثابة قاصمة، فكتابه مجموعة
من العواصم تقي المسلم من القواصم.
ولقد دخل امر السكوت عن هذه الاحداث في صلب الاعتقاد،
بحيث اصبح المساس بها وبالشخصيات التي ارتبطت بها يعتبر
مساسا بالعقيدة.
تقول العقيدة الطحاوية: ونحب اصحاب رسول اللّه صلى اللّه
عليه و آله وسلم ولا نفرط في حب احد منهم، ولا نتبرا من احد
منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم
الا بخير، وحبهم دينوايمان واحسان، وبغضهم كفر ونفاق
وطغيان. ومن احسن القول في اصحاب رسول اللّه وازواجه
الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس،
فقد برىء من النفاق.. وعلما السلف من السابقين ومنبعدهم
من التابعين اهل الخير والاثر، واهل الفقه والنظر لا يذكرون الا
بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
وتقول العقيدة الواسطية: ومن اصول اهل السنة والجماعة
سلامة قلوبهم والسنتهم لاصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و
آله وسلم، ويقبلون ما جا به الكتاب والسنة والاجماع من
فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون منانفق قبل الفتح وقاتل على
من انفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الانصار..
ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون ان هذه الاثار
المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقصوغير عن وجهه الصحيح منه، هم فيه معذورون، اما
مجتهدون مصيبون واما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون ان كل واحد من الصحابة معصوم عن
كبائر الاثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم
من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم ان صدر.
حتى انهم يغفر لهممن السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لان لهم
من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
ثم اذا كان قد صدر من احدهم ذنب فيكون قد تاب منه او اتى
بحسنات تمحوه او غفر له بفضل سابقته او بشفاعة محمد صلى
اللّه عليه و آله وسلم الذي هم احق بشفاعته. او ابتلى ببلاء في
الدنيا كفر به عنه.
فاذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الامور التي كانوا فيها
مجتهدين وان اصابوا فلهم اجران وان اخطاوا فلهم اجر واحد
والخطا مغفور.
وتقول جوهرة التوحيد: لما ذكر ان صحبة الرسول صلى اللّه
عليه و آله وسلم خير القرون احتاج للجواب عما وقع بينهم من
المنازعات الموهمة قدحا في حقهم مع انهم لا يصرون على
عمل المعاصي. وان لميكونوا معصومين، وقد وقع تشاجر بين
علي ومعاوية وقد افترقت الصحابة ثلاث فرق:
فرقة اجتهدت فظهر لها ان الحق مع علي فقاتلت معه.
وفرقة اجتهدت فظهر لها ان الحق مع معاوية فقاتلت معه.
وفرقة توقفت..
وقد قال العلما: المصيب باجرين والمخطىء باجر واحد.
وقد شهد اللّه ورسوله لهم بالعدالة. والمراد من تاويل ذلك ان
يصرف الى محمل حسن لتحسين الظن بهم فلم يخرج واحد
منهم عن العدالة بما وقع بينهم لانهم مجتهدون.
وينص متن الجوهرة على ما يلي: واول التشاجر الذي ورد، ان
خضت فيه واجتنب د ا الحسد.
ويعلق الشارح قائلا: اي ان قدر انك خضت فيه فاوله ولا تنقص
احدا منهم، وانما قال المصنف ذلك لان الشخص ليس مامورا
بالخوض فيما جرى بينهم، فانه ليس من العقائد الدينية، ولا
من القواعد الكلامية،وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر
في اليقين، فلا يباح الخوض فيه الا للرد على المتعصبين او
للتعليم. اما العوام فلا يجوز لهم الخوض فيه.
فتامل كلام ابن تيمية تجده يضفي العصمة على جميع
الصحابة ويبرر انحرافاتهم ويضمن لهم مغفرة هذا الانحراف.
وتامل قول صاحب الجوهرة.
وامام هذا الكلام يجب ان يتوقف العقل عن التفكير ويكف
اللسان عن الكلام والا حاد عن طريق الفرقة الناجية واصبح في
عداد الهالكين.
ويقول ابن حنبل: والكف عن مساوىء اصحاب رسول اللّه صلى
اللّه عليه و آله وسلم، تحدثوا بفضائلهم وامسكوا عما شجر
بينهم، ولا تشاور احدا من اهل البدع في دينك، ولا ترافقه في
سفرك. ولا يجوز لاحدان يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن
على احد منهم. فمن فعل ذلك وجب على السلطان تاديبه
وعقوبته. ليس له ان يعفو عنه، بل يعاقبه ثم يستتيبه، فان تاب
قبل منه وان لم يتب اعاد عليه العقوبة وجلده فيالمجلس
حتى يتوب(253).
لقد اعتبر اهل السنة كل من يخرج عن هذا النهج مبتدعا، يجب
اعتزاله ومعاقبته، وها هو ابن حنبل يحرض السلاطين على
ردع المخالفين من اصحاب العقول الذين يريدون فهم حركة
التاريخ واحداثه كمقدمة لفهم دينهم.
وهذا ند ا وجهه مجموعة من فقها النفط الى المسلمين
يطالبون فيه المسلمين بالسمع والطاعة للحكام، عدلوا او
جاروا ما اقاموا الصلاة واقامة الحج والجهاد والجمع والاعياد مع
الامر ا ابرارا كانوا او فجارا. متبرئينفيه من الخوارج والمعتزلة
الذين يرون الخروج على الائمة، بمجرد الجور والمعصية.
داعين الى التمسك بسنة الخلفا الراشدين محذرين من البدع
ومحدثات الامور(254).
لقد ادت هذه القواعد السلفية الجامدة الى تكبيل العقل
المسلم وتعطيله عن القيام بدوره الذي خلق لاجله وهو
التفكير والتدبر والبحث والتامل(255).
ولا شك ان الاعتقاد بصواب موقف عائشة وطلحة والزبير
وعثمان ومعاوية سوف يؤدي بلا شك الى تمييع فكرة الحق في
نفوس المسلمين وتسطيحها.
ومثل هذا التمييع والتسطيح سوف ينتج عنه مفهوم غير واع
بالاسلام وبالقوى التي تتربط به وتهدد مسيرته.
ان اخطر النتائج من ور ا الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة وعدم
الخوض في مساوئهم وانحرافاتهم هي ضياع فقه العدو الذي يعد الركن الاساسي لقيام مواجهة واعية وفاعلة من اجل
التغيير وتمكين الاسلام.
وان مثل هذه العقائد انما هي من اختراع السياسة بهدف حماية
الحكام واصحاب المصالح والنفوذ. وقد طوعت لاجلها الكثير
من النصوص من اجل اضفا الصبغة الشرعية عليها حتى
يتقبلها الناس.
فما دام معاوية اصبح اماما ومجتهدا ماجورا عدلا وكل حكام
المسلمين ممن على شاكلته اصبحوا ائمة للمسلمين يجب
السمع والطاعة لهم، فمن هو الذي يتآمر على الاسلام اذن؟!
ومن الذي عوق مسيرته واوصلناالى مرحلة السقوط والضياع
والانحطاط التي نعيشها اليوم..؟!
ولقد تفرخ عن هذا الاعتقاد اضفا الشرعية على نظام آل سعود
الذي يعد امتدادا للانظمة السابقة التي حكمت المسلمين من
بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم والذي تمكن بعون
الفقها وبعض التياراتالاسلامية وفي مقدمتها تيار الاخوان
المسلمين من اختراق الحركة الاسلامية واحتوائها، وهذه
النتيجة هي اخطر نتائج هذا الاعتقاد السلفي. ان اصبحت
التيارات الاسلامية العوبة في يد الحكام وعلى راسهم آلسعود..
ولقد عايشنا ولا زلنا نعايش تجربة تيار الاخوان المسلمين مع
آل سعود ومدى الاثار السلبية التي نتجت عن هذا التعايش بين
الاخوان والسعوديين على الحركة الاسلامية بشكل عام.
وهنا نصل الى تشخيص مازق الوعي الذي تعيشه الحركة
الاسلامية اليوم تشخيصا واقعيا له امتداداته من الماضي.
كيف يمكن للحركة الاسلامية ان تبني خطة فاعلة في مواجهة
الواقع وهي لا تملك القدرة على التمييز بين العدو والصديق..؟
ان الذين لم يفرقوا بين علي ومعاوية في الماضي لن يفرقوا بين
آل سعود والاسلام في الحاضر..
ولن يفرقوا بين الجهاد في فلسطين والجهاد في افغانستان.
انني لا اجد بين التيارات الاسلامية المعاصرة وبين الرموز
البارزة في ساحتها من يجرؤ على الخوض في آل سعود او
سحب الاعتراف بهم كنظام اسلامي.
ذلك لان بركات النفط قد حلت على الجميع وعلى راسها
التيارات الاسلامية، والفضل يرجع في ذلك كله الى الاخوان
المسلمين الذين لاذوا بهذا النظام واحتموا به، ووجدت
التيارات الاسلامية ورموزها البارزةما يبرر موقفها من آل سعود
في عقائد السلف التي اضفت الشرعية على الامويين
والعباسيين وحتى المماليك.
والسعوديون لا يختلفون عن هؤلاء في شيء، وهم يرفعون راية
السلف وينشرون دعوتهم في الافاق، ففي نصرة دعوة السلف
نصرة لهم. فعقائد السلف تمنحهم الشرعية كما منحت بني
امية وبني العباس، وتعتبرهمائمة يجب على المسلم ان يسمع
لهم ويطيع ويقاتل تحت رايتهم ايران والعراق وسائر البغاة
المارقين ويصلي ويحج معهم.
ان تلك هي النتيجة الطبيعية لكل الذين يسيرون على خط
بني امية ان يكونوا في النهاية من السائرين على خط آل سعود..
وهذه هي النتيجة التي اوصلت الحركة الاسلامية الى مازق
الوعي الذي تعيشه والذي اوقعها فريسة الاخطبوط السعودي.
مازق الخروج:
يعد تيار الجهاد من اكثر التيارات الاسلامية حيرة في مواجهة
الواقع. فالتيار السلفي وتيار الاخوان قد تبنيا موقف السلف
وعقائدهم في مواجهة الواقع والتي تحض على الاستسلام له
والتعايش معه.
اما تيار الجهاد فيسعى جاهدا للصدام مع الواقع، غير انه لا يجد
في الاطروحة السلفية التي يتبناها ما يعينه على ذلك،
فالنصوص النبوية التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم تقيده..
والنصوص السلفية التي الحقت بهذه النصوص النبوية زادت
الامور تعقيدا ووضعت عشرات العراقيل امام اية محاولة للخروج
والانتفاضة في وجه الحكام. والتيارات الاسلامية الاخرى التي
تتحصن بهذه النصوصتتربص به..
ومن ثم اندفع هذا التيار يخوض في تراث السلف عسى ان يجد
شيئا يدعم به تصوره ويضفي عليه المشروعية.
وسرعان ما تم اكتشاف موقف لابن تيمية وبعض فتاوى خاصة
به وببعض اتباعه تلقفها تيار الجهاد في شغف وصدع بها في
مواجهة الواقع والتيارات الاخرى المناهضة. اما الموقف فيتمثل
في رؤية ابن تيمية لحادثةوقعت في عصره لمجموعة من التتار الذين اسلموا ثم قاموا
باعداد دستور للحكم اسموه (الياثق)
وهو خليط من افكار جنكيز خان على آيات من القرآن والانجيل
والتوراة. فحكم ابن تيمية بكفرهم وردتهم عنالاسلام
واعتبرهم من معطلي الشرائع الذين تستباح دماؤهم واموالهم،
وله فتوى كبيرة حول هذا الامر(256).
وهذه الفتوى اعتمدها تيار الجهاد وطبقها على الواقع والحكام
وجعل منها منطلقه الفكري والعقائدي في مواجهة الواقع
بالاضافة الى فتاوى اخرى له موجهة الى اهل الذمة من اليهود
والنصارى تستبيح اموالهمودماهم في احوال معينة.
وقد نسي تيار الجهاد او تناسى ان طرح ابن تيمية هذا يعد
طرحا شاذا في وسط اهل السنة كحال اطروحاته الاخرى في
مسائل الفقه والاعتقاد.
الا ان ما يجب ان نبينه هنا ان معظم التيارات الاسلامية
المعاصرة، خاصة التيارات الاسلامية في مصر، قد رضعت الفكر
الوهابي السعودي وارتوت منه طوال فترة السبعينيات
والثمانينيات وهي فترة نمو هذهالتيارات واشتدادها.
ومن المعروف ان الخط الوهابي نهض اساسا على فكر ابن تيمية
واطروحاته الشاذة التي ضربت تاريخيا وتم بعثها من جديد
على ايدي ابن عبد الوهاب.
وينبغي لنا ان نقرر هنا ان تيار الجهاد في مصر عندما قرر
اغتيال السادات واستباحة دمه اعتمد في المقام الاول على
فتوى ابن تيمية المتعلقة بالتتار. كما اعتمد على فتاواه
الاخرى المتعلقة باهل الذمة في استباحة دماواموال نصارى
مصر(257).
وكتاب (الفريضة الغائبة) الذي قام بتاليفه محمد عبد السلام
فرج احد الخمسة الذين اعدموا في عملية اغتيال السادات
اعتمد في المقام الاول على آر ا ابن تيمية ومن سار على نهجه في تكفير الحكام واستباحةدما اهل القبلة..
وفتوى قتل السادات انما صدرت في نهاية عهده اي بعد فترة
لا تقل عن عشر سنوات من حكمه، وبعد ان كشر عن انيابه في
وجه التيارات الاسلامية، واعلن فصل الدين عن الدولة، وقرر
انه لا سياسة في الدينولا دين في السياسة، وشبه حجاب
النسا بالخيمة، ثم اصدر قراراته بتصفية الحركة الاسلامية.
ومثل هذه المواقف والقرارات من قبل السادات هي التي دفعت
تيار الجهاد الى البحث في امر قتله واستصدار الفتوى التي
تبيح ذلك.
ولو لم يكن السادات قد اقدم على هذه الامور ما كان قد استفز
التيار الاسلامي وعجل بصدور فتوى استباحة دمه.
ان القاتل الحقيقي للسادات هو ابن تيمية وما كان الذين اطلقوا
الرصاص عليه سوى ادوات عصرية حركها عقل الماضي، لاجل
ذلك فان هذه العملية المذهلة لم تكن في حقيقتها سوى
طفرة حركية بدات وانتهتاو قامت وقعدت في مكان الحادث
ولم تتجاوزه.
ويعود السبب في ذلك الى ان منطلق التحرك لقتل السادات
لم يكن منطلقا سياسيا تغييريا وانما كان منطلقا شرعيا على
اساس فتوى صادرة فيه وحده دون من حوله، حرص منفذوها
على الا تصيب رصاصاتهم غيرالسادات من باب الحرص
الشرعي.
ومثل هذه الحادثة التاريخية التي عجزت الحركة الاسلامية في
مصر عن استثمارها انما تؤكد لنا مدى الانتكاسة الحركية التي
منيت بها الحركة بسبب تلك الافكار السلفية العقيمة التي
تتعلق بفكرة الامامة التي تضععشرات المحاذير حول الخروج
على الحكام والصدام معهم والتي هي في الاصل من اختراع
السياسة..
لقد كان طرح تيار الجهاد يعد طرحا سياسيا سلفيا مهزوزا في
مواجهة طرح التيارات الاخرى التي ترفض فكرة الخروج وتدين
بالسمع والطاعة للحكام.
والمتامل في الردود التي تصدت لتيار الجهاد من قبل الازهر
وفقها السلطة والتيار السلفي سوف يتبين له قوة هذه الردود
وتحصنها بالنصوص التي تعصم دما الحكام وتوجب السمع
والطاعة لهم وهي مروية فيالغالب في الصحيحين مما يجعل
فرصة نقدها او تضعيفها غير واردة.
من هنا يتبين لنا مدى جسامة المازق الحركي (مازق
الخروج) الذي يعانيه تيار الجهاد بسبب هذا الكم الهائل من
النصوص المتعلقة بالامامة عند اهل السنة والتي تجعل مسالة
الخروج على الحكام والصدام تتطلبالخروج على هذه
النصوص وتحطيم الاطر السلفية واستبدالها باطر اخرى اكثر
وعيا وارتباطا بالواقع. وهذا ما لا يجرؤ احد على فعله.
والتيار الاسلامي الوحيد الذي تجرا على هذه الاطر السلفية هو
تيار التكفير غير انه لم يوظف تصوره توظيفا صحيحا.
|