فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الفصل الثالث
الامامة
تمهيد
قضية الامامة قضية فرضت نفسها على واقع المسلمين بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم، ومنذ اجتماع السقيفة الذي تمخض عن ظهور الخليفة ابي بكر والذي لم يحسم الخلاف حول هذه القضية بل زادفي تعقيدها ليتمخض في النهاية عن ظهور الملكية التي اصبحت سمة الحكم في بلاد المسلمين حتى اليوم.
لقد قامت فكرة الخلافة على انقاض فكرة الامامة في محاولة لتحل محلها وتكون بديلة عنها. الا ان فكرة الامامة ظلت باقية
وتنادي بها اتجاهات اخرى خارج دائرة اهل السنة. ومثل هذا الخلاف المحتدم حول هذه القضية انما يشير الى اهميتها وخطورتها وفاعليتها في محيط الاسلام. ولو كانت مجرد قضية هامشية ما حظيت بكل هذا الاهتمام والجدل من قبل المسلمين طوال عصورالاسلام.
وهذه القضية هي محور الخلاف بين السنة والشيعة، وعليها تنبني كل القضايا الخلافية الاخرى وتتفرع منها. فموقف الشيعة من الصحابة ينبني عليها. وموقف السنة من الامامة ينبني عليه تعديلها لجميع الصحابة. وموقف الشيعة من الاحاديث التي روتها السنة ينبني عليها. وموقف السنة في قضية التوحيد ينبني على هذه الاحاديث. وموقف الشيعة من الحكام ينبني عليها. وموقف السنة منهم ينبني على اساس فكرة الخلافة. فموقف الشيعة المتبني لقضية الامامة انبنت عليه قضايا واحكام. وموقف السنة الرافض لهذه القضية انبنت عليه قضايا واحكام.
والخلاصة ان الشيعة تعتبر الامامة اصلا من اصول الدين. بينما يعتقد اهل السنة ان الامامة مسالة لا صلة لها باصول الدين.


الامامة عند اهل السنة
تعتبر فكرة الامامة عند اهل السنة فكرة عائمة غير محددة بشخص معين، فيمكن ان تطلق على الحاكم كما يمكن ان  تطلق على الفقيه ومن يصلي بالناس. وما سوف نتناوله بالبحث هنا هو الامام الحاكم، فهو المتعلق بموضوع البحث. والامام او الخليفة او امير المؤمنين ثلاثة الفاظ تطلق على الحاكم عند السنة. وليست هناك اية ابعاد شرعية تعط‏ي خصوصية للامام‏عندهم، فهو فرد كبقية افراد الرعية، تقوده الظروف الى الحكم بطريق السيف او الوراثة او الاختيار من قبل اهل الحل والعقد، فيصبح امام الامة ويجب على جميع المسلمين ان يدينوا له بالسمع والطاعة حتى وان‏كان فاجرا ظالما(204).
اختيار الامام:
وعند السنة نصب الامام واجب حسما للفتنة. وطريق وجوبها السمع والعقل. وتنصيبه يكون عن طريق اهل الاجتهاد او الحل والعقد الذين يختارون من تتوافر فيه شرائط الامامة..(205).
الا ان الراصد لحركة تنصيب ائمة الحكم في واقع المسلمين منذ وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم وحتى يومنا هذا لا يجد اثرا لاهل الاجتهاد هؤلاء ولا دورا. انما يجد صورا مختلفة لتنصيب الحاكم تخرج‏الباحث في النهاية انه ليست هناك صورة محددة لاختيار الحاكم ولشكل الدولة في الاسلام.. والحق ان مثل هذه النتيجة انما تولدت من خلال الممارسات المنحرفة للحكم في التاريخ، والتي اختفت فيها صورة الشورى والاختيار الحر.
ومثل هذه الحكومات التي قامت بالغصب والوراثة لا يصح ان تتخذ مقياسا للتطبيق الاسلامي الصحيح، وان كان الفقها قد
اعترفوا بهذه الحكومات واضفوا عليها الشرعية. وقد عمل اهل السنة على حصر الامامة في‏قريش وهو الشعار الذي رفعه
الجناح القرشي بقيادة ابي بكر وعمر في مواجهة الانصار (الاوس والخزرج) عند اشتداد النزاع على الحكم بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم. وقال ابو بكر: ان العرب لا تدين الا لهذا الحي من قريش..(206).
ونقلوا قول الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم: (ان هذا الامر (الحكم) في قريش لا يعاديهم احد الا كبه اللّه على وجهه ما اقاموا الدين)(207).
وقول الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم: (لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي منهم اثنان)(208).
الا ان هذه القاعدة شذ عنها بعض الفقها في مقدمتهم ابن خلدون الذي اعتبر ان قريشا كانت مركز العصبية في العرب آنذاك وان العصبية من الممكن ان تنتقل منها الى مناطق اخرى، وبالتالي يصبح وجود امام من‏خارج قريش امرا مقبولا شرعا، هذا لكون ان كثيرا من حكام المسلمين ليسوا من قريش كالعثمانيين والمماليك من قبلهم(209).
من هنا اشترط الفقها في الامام اربعة شروط هي: ان يكون قرشيا من الصميم. ان يكون حرا عاقلا بالغا عالما. ان يقوم بامر الاحكام والحدود والحرب والسياسة. ان يكون افضل القوم علما ودينا(210).
ويقرر الفقها ان من غلب المسلمين بالسيف حتى صار خليفة وسمي بامير المؤمنين لا يحل لاحد يؤمن باللّه واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما عليه، برا كان او فاجرا فهو امير المؤمنين(211).
واختلفوا في الخليفة الذي يداوم على السكر واللهو والغلول (مصادرة الغنائم لنفسه) هل يجوز الجهاد معه ام لا..؟(212).
وتنص عقيدة اهل السنة على ان الجهاد ماض ور ا كل امير برا كان او فاجرا(213).
وقد افرد الفقها ابوابا في كتب الفقه تدور حول اهلية الامام واستمراريته في الحكم لو فقد يده او عينه او رجله او اصابه خرس او مرض او ما شابه ذلك(214). والمتامل في مثل هذه الامور التي ربطها اهل السنة بمسالة الامامة يتبين له انها تفوح منها رائحة السياسة. ويبدو هذا الامر بوضوح في تحديد الفقها لطريقين اثنين لانعقاد الامامة هما: اختيار اهل الحل والعقد. العهد او الوصية من سابقه. فبالنسبة للامر الاول استنبطوه من فعل السقيفة. وبالنسبة للامر الثاني (الوصية) استنبطوه من فعل ابي بكر حين اوصى لعمر. وبالنسبة للعهد فقد استنبطوه من فعل بني امية وبني العباس(215).
وتبدو السياسة بصورة اكثر وضوحا حين يقرر اهل السنة ان من اصول الاعتقاد ان الخليفة بعد الرسول ابو بكر ثم عمر ثم
عثمان ثم علي هكذا بالترتيب. ومع ان المتامل في احداث السقيفة واختيار ابي بكر يجد ان المسالة قد جانبت الشورى وطغت فيها القبلية وافتقدت فيها النصوص القاطعة بخلافته(216).

اما خلافة عمر فقد جات بوصية من ابي بكر ولم تكن بمشورة المسلمين، وقد عارضها كثير من الصحابة وقتها(217).
اما خلافة عثمان فقد جات باختيار من وسط ستة افراد حددهم عمر، تحالف اربعة منهم مع عثمان ضد السادس وهو الامام علي(218). وخلافة علي لم يجتمع عليها القوم حتى ان بعض الفقها اعتبرها غير كاملة المشروعية، وقد اعترف بها القوم من باب التستر على اخطا وتجاوزات الثلاثة الذين سبقوه، وحتى لا ينكشف انحيازهم الكامل للخط‏القبلي(219).

تقول العقيدة الطحاوية: ونثبت الخلافة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم اولا لابي بكر تفضيلا له وتقديما على جميع الامة، ثم لعمربن الخطاب، ثم لعثمان، ثم لعلي‏بن ابي طالب. وهم الخلفا الراشدون‏والائمة المهديون(220).
ويقول ابن تيمية: ثم من طريقة اهل السنة والجماعة اتباع وصية الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفا الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ويرون‏اقامة الحج والجهاد والجمع والاعياد مع الامام)(221).
وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: (اني جاعل في الارض خليفة) على وجوب نصب الامام. يقول القرطبي: هذه الاية اصل في نصب امام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به احكام الخليفة. ولا خلاف‏في وجوب ذلك بين الامة ولا بين الائمة.. وعندنا النظر طريق الى معرفة الامام. واجماع اهل الاجتهاد طريق ايضا اليه.. وليس في العقل ما يدل على ثبوت الامامة لشخص معين. وكذلك ليس في الخبر ما يوجب‏العلم بثبوت امام معين. واختلف فيما يكون به الامام اماما وذلك على ثلاثة طرق احدها: النص وقال به جماعة من اصحاب الحديث والحسن البصري والحنابلة وغيرهم. وذلك ان النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم‏نص على ابي بكر بالاشارة. وابو بكر على عمر. فاذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل ابو بكر او على جماعة كما فعل عمر وهو الطريق الثاني. ويكون التخيير اليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة‏في تعيين عثمان. الطريق الثالث: اجماع اهل الحل والعقد. وذلك ان الجماعة في مصر من الامصار اذا مات امامهم، ولم يكن لهم امام ولا استخلف، فاقام اهل ذلك المصر الذي هو حضره الامام وموضعه اماما لانفسهم اجتمعوا عليه‏ورضوه، فان كل من خلفهم وامامهم من المسلمين في الافاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الامام، اذا لم يكن الامام معلنا بالفسق والفساد لانها محيطة بهم تجب اجابتها ولا يسع احد التخلف عنها لما لاقامة امامين‏من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين.. فان عقدها واحد من اهل الحل والعقد، فذلك ثابت ويلزم الغير فعله.. فان تغلب من له اهلية الامامة واخذها بالقهر والغلبة فقد قيل ان ذلك يكون طريقا رابعا.. قال ابو المعالي:من انعقدت له الامامة بعقد واحد فقد لزمت ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير امر وهذا مجمع عليه..
وقال ابن خويز منداد: لو وثب على الامر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة.. وقال القرطبي: اذا انعقدت الامامة باتفاق اهل الحل والعقد او بواحد وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة..(222).
ويقول الماوردي: واما انعقاد الامامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الاجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لامرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما: احدهما ان ابا بكر عهد بها الى عمر فاثبت المسلمون امامته بعده.
والثاني ان عمر عهد بها الى اهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم اعيان العصر اعتقادا بصحة العهد بها(223).
ويقول ابن خلدون: ثم ان نصب الامام واجب قد عرف وجوبه في الشرع باجماع الصحابة والتابعين لان اصحاب الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم عند وفاته بادروا الى بيعة ابي بكر وتسليم النظر اليه في امورهم،وكذا في كل عصر بعد ذلك، ولم يترك الناس فوضى في عصر من الاعصار واستقر ذلك اجماعا دالا على وجوب نصب الامام..(224).
ويقول النسفي: المسلمون لا بد لهم من امام يقوم بتنفيذ احكامهم واقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم واخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطرق واقامة الجمع والاعياد وقطع المنازعات‏الواقعة بين العباد وقبول الشهادات القائمة على الحقوق وتزويج الصغار والصغائر الذين لا اوليا لهم وقسمة الغنائم ونحو ذلك من الامور التي لا يتولاها آحاد الامة(225).
وقد اجمع فقها السنة على ان نصوص القرآن والسنة اوجبت اقامة امام للجماعة الاسلامية لكنهم يعتبرون هذا الوجوب لس من باب الفريضة التي تجعل من مسالة الامامة اصلا من اصول الاسلام او جزءا من‏الاعتقاد وانما جعلوا الايمان بخلافة ابي بكر وعمر وعثمان وعلي جزءا من الاعتقاد. ورغم اعتقاد اهل السنة بخلافة الامام علي وحساسيتهم الشديدة تجاه من يسمون الخلفا الثلاثة بشي‏ء من النقد الا ان محاولتهم رفع مقام معاوية واختراع المناقب له وتبرير تجاوزاته معه وانتهاكاته لحقوقه كامام‏وكذلك تبرير تجاوزات الاخرين.. محاولتهم هذه تتناقض مع هذا الاعتقاد الذي تفوح منه رائحة التحيز للثلاثة. ولا يمكن لعاقل ان يدعي ان مساواة معاوية بالامام علي لا تعني مساسا بشخص الامام، فهذه المساواة تعني توثيق معاوية، وتوثيق معاوية يعني اضعاف الثقة بالامام علي والشك في شرعيته. وهذا الموقف يتخذه اهل السنة من معاوية في الوقت الذي يعتبرون فيه الخارجين على عثمان والثائرين عليه من البغاة مع ان فيهم صحابة(226).
وظيفة الامام: يبدو لنا من خلال استعراض النقاط السابقة ان اهل السنة يقرون التعايش مع اي حاكم. ما دام يحمي بيضة الاسلام فهو امام للمسلمين..
سلوكه الشخصي ليس مهما..
ومستواه العلمي ليس مهما..
وصل الى الحكم بالغصب او الوراثة ليس مهما..
فسلوكه الشخصي امر يتعلق به وليس بالامة، وقد سئل ابن حنبل: الامام الفاجر القوي افضل ام الامام التقي الضعيف؟ فاجاب: الفاجر القوي، لان فجوره على نفسه وليس على الرعية، اما الاخر فتقواه لنفسه وضعفه‏على الرعية. وقد نسي ابن حنبل ان الامام الفاجر لا بد ان ينعكس فجوره على الرعية. اما مستواه العلمي فاكثر اهل السنة على اشتراط العلم، والاجتهاد في الامام نظريا فقط، وموقفهم عمليا انما هو موقف مساير لحكام زمانهم من الامويين والعباسيين وغيرهم الذين لم يكن لديهم وقت للعلم وفهم‏احكام الدين. فهي مسالة لا تعنيهم من الاصل ما دامت السلطة التنفيذية والسياسية في
ايديهم والسلطة الدينية في يد الفقها التابعين لهم فما حاجتهم للعلم اذن؟ والفقها بهذا التصور انما يؤكدون فكرة فصل الدين عن الدولة وايجاد سلطة دينية وسلطة سياسية تتناقض كل منهما مع الاخرى.
وبالطبع لم يكن امام الفقها سوى اختيار هذا الطريق اذ ان اشتراطهم العلم والاجتهاد في الحاكم سوف يؤدي الى صدامهم مع حكام زمانهم ورفضهم، لكنهم قبلوا الاعتراف بالحكام الجهال كما قبلوا الاعتراف‏بالحكام الفجار ومغتصبي السلطة.
ويعتبر اهل السنة ان الذي يغتصب السلطة يجب اقراره وطاعته لان رفضه والخروج عليه يعتبر مفسدة اعظم من مفسدة حكمه. وهذا الموقف نابع من معايشة الفقها للانظمة الوراثية الاموية والعباسية وغيرها والتي قتلت في ظلها روح الشورى وجعلت القتل والت‏آمر وسيلة الوصول الى الحكم. وليس هناك من حرج في هذا، فالفقها على الابواب ينتظرون نتيجة اي صراع داخل العائلة الحاكمة او خارجها ليباركوا المنتصر ويضفوا عليه الشرعية ويدعوا الرعية الى طاعته وعدم السعي لاعادة المغلوب لان في‏ذلك مفسدة اكبر. فلا يجوز اذن ان يخلع الامام بسبب الظلم او الفسق او غصب الاموال وضرب الابشار وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، فهذا امر قد اقره جمهور الفقها، فمن ثم يعد من الاجماع الواجب التقيد به واعتقاده. وهناك رواية(227) على لسان الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم توجب طاعة الامام وان جلد ظهرك واخذ
مالك(228). واذا كان الامر كذلك فما هي وظيفة الامام اذن..؟ ان مثل هذا الاعتقاد عند اهل السنة انما هو احد الموروثات السياسية التي لا سند لها من النصوص القطعية وانما سندها الوحيد هو الاحاديث المخترعة(229).
يقول الشيخ جعفر السبحاني: وعلى هذا الاساس تسلط اصحاب السلطة من الامويين والعباسيين على اعناق الناس واراقوا الدما واستباحوا الاعراض وانتهبوا الاموال، وصار اصحاب الحديث يبررون سلوكهم في‏عدم جهاد الطواغيت بهذه العلة التافهة (المفسدة الاعظم) التي لو اخذنا بها لا ندرس من الدين حتى الاسم وهؤلاء المساكين لا يدرون انه انما قام للاسلام عمود واخضر له عود بمجابهة المخلصين من المسلمين‏عن طريق ثوراتهم واعمالهم على السلطات الجائرة حتى استشهد كثير منهم وسقوا شجرة الاسلام بدمائهم الطاهرة فبقيت مخضرة تؤتي اكلها كل حين(230).
ويحدد بعض الفقها وظيفة الامام في الامة في عشرة امور هي: حفظ الدين على الاصول التي اجمع عليها السلف. تنفيذ الاحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم. حماية البيضة والذب عن الحوزة (الدفاع عن البلاد وتامينها). اقامة الحدود لتصان محارم اللّه عن الانتهاك. تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة. جهاد من عاند الاسلام بعد الدعوة حتى يسلم او يدخل في الذمة.

 جباية الفي‏ء والصدقات.
تقدير العطا وما يستحق في بيت المال.
استكفا الامنا وتقليد النصحا.
ان يباشر بنفسه مشارفة الامور وتصفح الاحوال(231).
وهذه المهام العشر اذا ما حاولنا مطابقتها على واقع الحكام الذين ملكوا السلطة في تاريخ المسلمين فسوف نجد مفارقة كبيرة. فلن نجد حاكما واحدا حفظ الدين على وجهه الصحيح. اما حفظ الدين حسب منهج بني امية وبني العباس الذي اقره
السلف فهو امر قد تحقق بالفعل ولا يزال متحققا على ايدي آل سعود وحكام النفط‏وغيرهم. اما تنفيذ الاحكام وقطع الخصام فهذه مهمة تكبرهم بكثير لانهم كانوا جهلاء لا شان لهم بالعلم الشرعي ولا يملكون آلة الاجتهاد، والمنفذ الفعلي لهذه المهمة هم القضاة، وحماية البلاد وتامينها مهمة قام بها البعض‏وتقاعس آخرون. واقامة الحدود على ايديهم امر غير معهود لجهلهم اولا..

واستحقاق اقامة الحدود عليهم ثانيا.
وتحصين الثغور والجهاد قام به الرعية والجنود وليس للحكام فضل في هذا. اما جباية الفي‏ء والصدقات فهو امر قد تفانوا فيه وبذلوا فيه غاية الجهد حتى يضمنوا لانفسهم رغد العيش والحياة في القصور والتسلي مع‏الحور. واستكفا الامنا وتقليد
النصحا ومباشرة الامور فلا اظن ان هناك عاقلا يقول ان هذه من مهمات الحكام. فلو احاط الحكام انفسهم بالامنا وقلدوا الامور للنصحا وباشروا امور الرعية بما يرضي اللّه لقاموا بوظيفتهم، لكن شيئا من ذلك لم يحدث الا في النادر.
ومما سبق يتبين لنا ان الامام او الخليفة او امير المؤمنين في نظر اهل السنة من السهل عليه ان يحكم ومن السهل ان يطاع دون ان يؤدي وظيفته. ومنهج اهل السنة يقوم على اساس احسان الظن بالامام (الحاكم) وتبرير ممارساته ومواقفه المتناقضة مع الشرع. ويروى عن ابي يوسف: انه لما حج مع هارون الرشيد فاحتجم الخليفة، وافتاه مالك بانه لا يتوضا وصلى بالناس فقيل لابي يوسف: اصليت خلفه؟ قال: سبحان اللّه. امير المؤمنين. يريد بذلك ان ترك الصلاة خلف‏ولاة الامور من فعل اهل البدع(232).

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة واجماع سلف الامة ان ولي الامر وامام الصلاة والحاكم وامير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد. وليس عليه ان يطيع اتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في‏ذلك وترك رايهم لرايه فان
مصلحة الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف اعظم من امر المسائل الجزئية(233).
ولا نرى الخروج على ائمتنا وولاة امورنا وان جاروا، ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم. ونرى طاعتهم من طاعة اللّه عز وجل فريضة.. ما لم يامروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة(234).
واما لزوم طاعتهم وان جاروا، فلانه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد اضعاف ما يحصل من جورهم. بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الاجور فان اللّه تعالى ما سلطهم علينا الا لفساداعمالنا(235).
ويروي البخاري وغيره عشرات الاحاديث التي توجب طاعة الحكام حتى وان ظلموا وفجروا واكلوا اموال الناس وجلدوا ظهورهم ما داموا يقيمون الصلاة(236).
وتنص عقيدة اهل السنة على ان الحج والجهاد ماضيان مع اولي الامر من المسلمين بارهم وفاجرهم الى قيام الساعة، لا
يبطلها شي‏ء ولا ينقضها(237).
وينقل الباقلاني قول جمهور السنة من اهل الاثبات والحديث: لا ينخلع الامام بفسقه وظلمه بغصب الاموال وضرب الابشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود. ولا ينخلع بهذه الامور ولايجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شي‏ء مما يدعو اليه من معاصي اللّه، واحتجوا لذلك باخبار كثيرة متضافرة عن النبي والصحابة في وجوب طاعة الائمة وان جاروا واستاثروا بالاموال. ويقول التفتازاني(238): واذا مات الامام وتصدى للامامة من
يستجمع شرائطها من غير استخلاف.. وقهر الناس بشوكته.. انعقدت الخلافة له، وكذا اذا كان فاسقا او جائرا على الاظهر، الا انه يعصى بما فعل،وتجب طاعة الامام ما لم يخالف حكم الشرع سو ا كان عادلا او جائرا.. ولا ينعزل الامام بالفسق(239).

204 - انظر العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية والاحكام السلطانية وشرح المقاصد للتفتازاني والتمهيد للباقلاني ومنهاج السنة لابن تيمية.
205 -
انظر الاحكام السلطانية لابي يعلى.
206 -
انظر احداث السقيفة في كتب التاريخ.. وانظر لنا السيف والسياسة.
207 -
رواه البخاري.. كتاب الاحكام.. ويذكر ان راوي هذا الحديث هو معاوية بن ابي سفيان في معرض الهجوم على عبداللّه بن عمرو بسبب انه حدث انه سيكون ملك من قحطان، ولعل معاوية راى في رواية‏ابن عمرو تهديدا لسلطانه.. انظر فتح الباري: 13/114.
208 -
البخاري كتاب الاحكام.
209 -
وهذه نظرة تبريرية في مواجهة النصوص.. انظر مقدمة ابن خلدون.. ويذكر ان المماليك بداية من عصر الظاهر بيبرس ارادوا تطبيق حديث الائمة في قريش حتى يضفوا على حكمهم الشرعية فقامواباستجلاب بقية العائلة العباسية الفارة من وجه التتار الى مصر واحيوا الخلافة العباسية وجعلوا القاهرة مقرا لها.. غير ان خلفاء بني العباس في مصر لم يكونوا سوى صورة او لافتة توضع وتنزع وتستبدل حسب اهواءالمماليك.
210 -
الاحكام السلطانية.
211 -
المرجع السابق.
212 -
انظر تفاصيل هذا الخلاف في كتب العقائد.
213 -
انظر العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية.
214 -
انظر الاحكام السلطانية والسياسة الشرعية لابن تيمية وكتب العقائد والفرق.
215 -
انظر لنا فقه الهزيمة.
216 -
انظر احداث السقيفة في كتب التاريخ وفي كتابنا السيف والسياسة.
217 -
انظر كتب التاريخ.. وقد قال بعضهم لابي بكر: اتولي علينا غليظ القلب؟
218 -
انظر كتب التاريخ.. والاربعة هم سعد بن ابي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيداللّه والزبير.. وقال عمر: اذا اجتمع ثلاثة على راي وثلاثة على راي.. اي استقر راي اثنين على واحد.. والاثنين‏الاخرين على واحد فحكموا عبداللّه بن عمر. وعبداللّه هذا هو الذي قال فيه ابوه حين اشار عليه احدهم
باستخلافه: قاتلك اللّه.. واللّه ما اردت اللّه بهذا.. استخلف من لم يحسن ان يطلق امراته. وقال عمر للستة: ليحل هؤلاء في بيت (للتشاور) فاذا اجتمعوا على رجل فمن خالف فاضربوا عنقه. وقال الزبير: قد جعلت  امري الى علي. وقال طلحة: قد جعلت امري الى عثمان. وقال سعد: قد جعلت امري الى‏عبد الرحمن بن عوف. وانسحب ابن عوف فاصبح سعد مع عثمان. ثم فصل الامر ابن عوف بان رفع يد عثمان وبايعه.. والغريب انه قبل ان يستقر الامر لعثمان قال عمر والقوم يتشاورون: ان تولوها الاجلح (علي) يسلك بهم الطريق فقال له ابنه: ما يمنعك يا امير المؤمنين منه..؟ قال: اكره ان اتحملها حيا وميتا. وفي رواية: ان ابن عوف طلب من علي ان يبايع على كتاب اللّه وسنة رسوله وسنة الشيخين فقال ابايع على كتاب اللّه وسنة  رسوله واجتهد برايي.. فقال لعثمان اتبايع على كتاب اللّه وسنة رسوله وسنة الشيخين قال‏نعم.. فبايعه. والطريف هنا ان عثمان بعد ان تولى خرج عن كتاب اللّه وسنة رسوله وسنة الشيخين.. انظر تفاصيل اختيار عثمان فتح الباري: ج‏7/61: 69 كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمر.
219 -
انظر كتب التاريخ.. ويبرر هذا الموقف من خلافة الامام عند اهل السنة ان الصحابة لم يجمعوا عليه وقد وقف منهم قطاع مع معاوية ضده بينما آثر قطاع الحياد وفي مقدمتهم ابن عمر. انظر لنا السيف‏والسياسة وتامل اعتبارهم عثمان قتل مظلوما بينما اعتبر بعضهم قاتل الامام متاولا.. ولم يذكر في كتب اهل السنة ان الامام قتل مظلوما. والبخاي روى لعمران بن حطان شاعر الخوارج الذي انشد يمدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل الامام..
220 -
انظر العقيدة الطحاوية والواسطية وجوهرة التوحيد وكتب العقائد.
221 -
العقيدة الواسطية.
222 -
الجامع لاحكام القرآن: ج‏1/185 وما بعدها. بتصرف ط. بيروت - دار الكتب العلمية.
223 -
الاحكام السلطانية.
224 -
المقدمة، ابن خلدون.
225 -
العقائد النسفية شرح التفتازاني.
226 -
انظر كتب التاريخ.. وانظر لنا السيف والسياسة.
227 -
انظر الاحكام السلطانية والتمهيد للباقلاني.
228 -
انظر مسلم كتاب الامارة.
229 -
انظر لنا احاديث نبوية اخترعتها السياسة.
230 -
مفاهيم القرآن: ج‏5/200 ط. بيروت.
231 -
الاحكام السلطانية لابي يعلى.
232 -
العقيدة الطحاوية.
233 -
المرجع السابق.
المرجع السابق.
235 -
المرجع السابق.
236 -
يروي مسلم: خيار ائمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار ائمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم.. قلنا: يا رسول اللّه افلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا. مااقاموا فيكم الصلاة.. الا من ولي عليه وال فرآه ياتي شيئا من معصية اللّه.. فليكره ما ياتي من معصية اللّه ولا ينزعن يدا من طاعته. ويروي البخاري: من اطاعني فقد اطاع اللّه ومن عصاني فقد عصى اللّه.. ومن يطع الامير فقد اطاعني ومن عصى الامير فقد عصاني.. وفي مسلم والبخاري على المرء المسلم السمع والطاعة فيما احب وكره.. من‏راى من اميره شيئا فليصبر، فانه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية.. وفي رواية: فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه. ومثل هذه الروايات هي التي اسهمت بفضل فقهاء السلاطين في الحفاظ على ملك بني امية وبني العباس وحتى المماليك العبيد. انظر مسلم كتاب الامارة وشرحه للنووي..
237 -
العقيدة الطحاوية.
238 -
التمهيد للباقلاني.
239 -
العقائد النسفية.