|
اهل السنة والقرآن:
ان الحديث عن النبوة يفرض
علينا الحديث عن القرآن الذي جا به النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم ما هي
ملامحه، وكيف
ينظر اهل السنة الى كتاب اللّه..؟
يروي البخاري كيف بدا الوحي الى رسول اللّه صلى
اللّه عليه و
آله وسلم..؟
.. ان الحارث بن هشام سال رسول اللّه فقال يا رسول
اللّه كيف
ياتيك الوحي..؟
فقال الرسول: احيانا ياتيني مثل صلصلة الجرس وهو
اشده علي
فيفصم عني وقد وعيت ما قال.. واحيانا يتمثل لي الملك
رجلا
فيكلمني فاعي ما يقول..
وقالت عائشة: اول ما بدىء به رسول اللّه من الوحي
الرؤيا
الصالحة في النوم.. ثم حبب اليه الخلاء وكان يخلو في
غار حر ا..
وكان يتعبد الليالي ثم يعود الى خديجة ويتزود ثم
يرجع ويكرر
ذلك حتى جاه الحق وهو في الغار..
ورجع الرسول الى خديجة يرجف فؤاده قائلا: زملوني..
زملوني..
وزملوه حتى ذهب عنه الروع..
واخبر خديجة بالامر فاخذته الى ورقةبن نوفل
النصراني..
وقال
ورقة هذا الناموس الذي نزل اللّه على موسى..
وتنبا باخراج الرسول من مكة ومعاداة قومه له..
وقابل الرسول هذه النبوءات بالدهشة..
ثم ظهر الوحي مرة اخرى بعد فترة انقطاع ينادي
الرسول من
السما..
ورفع الرسول بصره فوجد الملك الذي جاه بحر ا جالسا
على
كرسي بين السما والارض فرعب منه ورجع الى خديجة
قائلا:
زملوني..
وانزل اللّه تعالى: (يا ايها المدثر قم فانذر).
ثم حمى الوحي وتتابع..
وكان الرسول يعالج من التنزيل شدة..
كان الوحي يلقاه كل ليلة في رمضان..
هذه هي قصة الوحي كما وردت في البخاري وهي تعكس لنا
صورة تحمل الكثير من الملاحظات حول الوحي وحول
شخصية الرسول وحول دور ورقة..
الملاحظة الاولى: هذا الوحي الذي ياتي تارة كصلصلة
الجرس
ويكون شديدا على الرسول. وتارة ياتي في صورة رجل
فيعي
الرسول كلامه..
في الصورة الاولى لا يعي الرسول منه شيئا الا بعد
معاناة..
وفي الثانية يعي منه كل شيء..
في الاولى يكون عنيفا..
وفي الثانية يكون لينا..
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا ياتي الوحي بهذه
الصورة
المتناقضة ان الاجابة على هذا السؤال تقودنا للخوض
في بحر
لجي يغشاه موج من فوق موج.. تقودنا للخوض في مسالة
الروايات ومدى تاثيرها فيالعقيدة وكيف ان
العقيدة اصبحت
تصاغ وتتشكل حسب الروايات وليس حسب نصوص القرآن
القطعية..
تقودنا للخوض في قضية الاسرائيليات ومدى الاختراق
اليهودي لعقائد المسلمين. وهي قضية شائكة وليست
محور
بحثنا هذا. فقط ما اردنا بيانه هو ان هذه الملاحظات
ليست الا
دعوة لاعمال العقل في هذهالنصوص.
الملاحظة الثانية: هذه الرؤى المنامية التي كانت
اول صورة
من صور الوحي يراها الرسول كيف تتو ام مع خروجه الى
الخلاء
وخلوته في غار حر ا..؟
اذا كان ما يراه في المنام وحيا. فمعنى هذا ان خروجه
وخلوته
صورة من صور العبث. وهي توحي بانه لم يكن يثق فيما
يرى
ويضطر الى الخروج والخلوة بحثا عن الحقيقة. فهل كان
الرسول عابثا. وهل كانشاكا..؟
ثم كيف لرسول يتحرك لابلاغ امته رسالة ربه عن طريق
الرؤى
والمنام..؟
وهو لم يخبر حتى ماذا راى في هذه المنامات من امر
الوحي..؟
اليست قضية المنامات هذه ثغرة للخصوم والمناوئين
لدعوته
كي ينفذوا منها لضرب الدعوة والتشكيك فيها..؟
الملاحظة الثالثة: ذهاب الرسول المتكرر الى غار حر
ا. ما هي
دوافعه..؟
هل كان الرسول يامل ان يختاره اللّه ويهيىء نفسه
لهذا الدور؟
ومن اين اتاه الامل؟
ولماذا اختار غار حر ا ليكون ميدان تحقيق رغبته..؟
واذا كان الامر كذلك لماذا فر الرسول مرعوبا من
الوحي..؟
هل اعتبره مفاجاة له..؟
ام لم يكن يتوقعه من الاصل..؟
وما معنى ان يفر نبي من امام الوحي هارعا نحو زوجته
مرتين..؟
والاجابة على هذه التساؤلات تضع الرسول بين امرين:
اما ان
يكون هذا الرسول مهزوزا ضعيفا ليس على مستوى
الرسالة.
واما ان يكون جاهلا اقحم نفسه فيما لا شان له به
وكلا الامرين
يدفعان الى التشكيك بالوحي وبالرسول..
وكان لا بد من هذه الوقفة مع قضية الوحي قبل استعراض
رؤية
اهل السنة للقرآن.
يقول القرطبي في تفسيره: كان القرآن في مدة النبي
صلى اللّه
عليه و آله وسلم متفرقا في صدور الرجال. وقد كتب
الناس منه
في صحف وفي جريد وفي لخاف وظرر وغير ذلك..(131).
فلما استحر القتل بالقر ا يوم اليمامة في زمن ابي
بكر.. وقتل
منهم في ذلك اليوم فيما قيل سبعمائة. اشار ابن
الخطاب على
ابي بكر بجمع القرآن مخافة ان يموت اشياخ القر ا
كابي وابن مسعود وزيد. فندبا زيدبنثابت الى ذلك، فجمعه غير
مرتب
السور بعد تعب شديد..(132).
وروى البخاري عن زيدبن ثابت قال: ارسل الي ابو بكر
يوم
مقتل اهل اليمامة وعنده عمر فقال ابو بكر: ان عمر
اتاني فقال
ان القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس. واني اخشى ان
يستحر
القتل بالقر ا في المواطن.فيذهب كثير من القرآن الا
ان
تجمعوه. واني لارى ان تجمع القرآن. قال ابو بكر: فقلت
لعمر
كيف افعل شيئا لم يفعله رسول اللّه..؟ فقال هو
واللّه خير. فلم
يزل يراجعني حتى شرح اللّه لذلك صدري. ورايت
الذيراى
عمر. قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلم. فقال لي ابو
بكر:
انك رجل شاب عاقل ولا نتهمك. كنت تكتب الوحي لرسول
اللّه. فتتبع القرآن فاجمعه. فواللّه لو كلفني نقل
جبل من الجبال
ما كان اثقل علي مماامرني به من جمع القرآن. قلت: كيف
تفعلان شيئا لم يفعله رسول اللّه. فقال ابو بكر هو
واللّه خير. فلم
ازل اراجعه حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر ابي
بكر
وعمر. فقمت فتتبعت القرآن اجمعه منالرقاع
والاكتاف
والعسب وصدر الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين
مع
خزيمة الانصاري ولم اجدهما مع غيره. (لقد جاكم رسول
من
انفسكم..) الى آخرها. فكانت الصحف التي جمع فيها
القرآن
عندابي بكر حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حتى توفاه
اللّه ثم عند
حفصة بنت عمر..
وقال الترمذي: فوجدت آخر سورة بر اة مع خزيمةبن
ثابت..
وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في
المصاحف فقدت آية من سورة الاحزاب كنت اسمع رسول
اللّه
يقرؤها. لم اجدها الا مع خزيمة الانصاري (رجال صدقوا
ما
عاهدوا اللّه عليه).. وروىالترمذي نفس الكلام.
يقول القرطبي عن الجمع الثاني للقرآن الذي قام به
عثمان:
ارسل الى حفصة ان ارسلي الينا بالصحف ننسخها في
المصاحف ثم نردها اليك.. وكان سبب ذلك ان القوم
اختلفوا
وعظم اختلافهم وتشبثهم واظهربعضهم اكفار بعض والبر
اة
منه وتلاعنوا..(133).
وكان ان قام عبداللّه بن الزبير وزيدبن ثابت
وسعيدبن العاص
وعبد الرحمنبن الحارثبن هشام بنسخ القرآن في
المصاحف
ورد عثمان الصحف الى حفصة وارسل الى كل افق بمصحف
مما نسخوا وامر بما سوىذلك من القرآن في كل صحيفة
او
مصحف ان تحرق. وكان هذا من عثمان بعد ان جمع
المهاجرين والانصار وجلة اهل الاسلام وشاورهم في
ذلك
فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت في القر اات المشهورة
عنالنبي واطراح ما سواها..
ونقل القرطبي عددا من الروايات التي تشير الى ان
هناك
خلافات وقعت بين الصحابة حول مسالة جمع القرآن..
ومن هذه الروايات رواية تقول ان ابن مسعود كره لزيد
نسخ
المصاحف.
وقال: يا معشر المسلمين: اعزل عن نسخ المصاحف
ويتولاه
رجل يريد زيدبن ثابت واللّه لقد اسلمت وانه لفي صلب
رجل
كافر..(134).
ونقل الترمذي ان ابن مسعود خطب في اهل العراق يقول:
يا
اهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها. فان
اللّه عز
وجل يقول: ومن يغلل يات بما غل يوم القيامة.. فالقوا
اللّه
بالمصاحف..(135).
ودافع ابو بكر الانباري عن موقف ابي بكر وعمر تجاه
زيد
وتقديمه على ابن مسعود في جمع القرآن..(136).
وقال يزيد بن هارون: المعوذتان بمنزلة البقرة وآل
عمران. من
زعم انهما ليستا من القرآن فهو كافر بالقرآن
العظيم. فقيل له:
فقول ابن مسعود فيهما..؟
فقال: لا خلاف بين المسلمين في ان عبداللّه بن مسعود
مات
وهو لا يحفظ القرآن كله..(137).
وقال انس بن مالك جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلى
اللّه
عليه و آله وسلم اربعة كلهم من الانصار: ابيبن كعب.
ومعاذبن
جبل. وزيدبن ثابت. وابو زيد..(138).
ويبدو من خلال استقر ا تاريخ القرآن ان هناك طعونا
كثيرة
وجهت لمصحف عثمان من الصحابة والسلف. فمن المعروف
ان الامام عليا كان له مصحف يبدا بسورة العلق وكان
لابن
عباس مصحف فيه كلمات لاتوجد في مصحف عثمان وكذلك
ابيبن كعب..(139).
وروى مسلم: بعث ابو موسى الاشعري الى قر ا اهل
البصرة
فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قراوا القرآن. فقال انتم
خيار اهل
البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن الامد فتقسو
قلوبكم كما
قست قلوب من كان قبلكم. واناكنا نقرا سورة كنا
نشبهها في
الطول والشدة ببر اة فانسيتها غير اني قد حفظت منها
لو كان
لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا
يملا جوف ابن
آدم الا التراب..(140).
وقال عمر: لولا ان يقول الناس زاد عمربن الخطاب في
كتاب
اللّه لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة..(141).
وروى الحاكم وابن جرير: ان عمر قال لما نزلت آية
الرجم
اتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم فقلت
اكتبها. فكانه
كره ذلك. وقال عمر الا ترى ان الشيخ اذا زنى ولم يحصن
جلد
وان الشاب اذا زنى وقداحصن رجم..(142).
وعن ابي بن كعب قال: ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و
آله وسلم
قال: ان اللّه امرني ان اقرا عليك القرآن. قال: فقرا
(لم يكن
الذين كفروا من اهل الكتاب) فقرا فيها (لو ان ابن آدم
سال
واديا من مال فاعطيه لسال ثانيا.فلو سال ثانيا
فاعطيه لسال
ثالثا. ولا يملا جوف ابن آدم الا التراب ويتوب اللّه
على من تاب.
وان ذلك الدين القيم عند اللّه الحنيفية غير
المشركة ولا
اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره)..(143).
وفي مسند احمد عن ابي واقد الليثي قال كنا ناتي
النبي صلى
اللّه عليه و آله وسلم اذا انزل عليه فيحدثنا. فقال
لنا ذات يوم ان
اللّه عز وجل قال: (انا انزلنا المال لاقام الصلاة
وايتا الزكاة ولو
كان لابن آدم واد لاحب انيكون له ثان. ولو كان له
واديان
لاحب ان يكون لهما ثالث ولا يملا جوف ابن آدم الا
التراب ثم
يتوب اللّه على من تاب..)(144).
وروى الطبراني والبيهقي ان من القرآن سورتين.
الاولى
منهما: (بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم انا نستعينك
ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك
من
يفجرك..).
والثانية منهما: (بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم
اياك نعبد ولك
نصلي ونسجد واليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى
عذابك الجد ان عذابك بالكفار ملحق..)(145).
ويروي ابن عباس ان عمر قال وهو على المنبر: ان اللّه
بعث
محمدا بالحق. وانزل عليه الكتاب. فكان مما انزل
اللّه آية الرجم.
فقراناها وعقلناها ووعيناها. فلذا رجم رسول اللّه
صلى اللّه عليه
و آله وسلم ورجمنا بعده.فاخشى ان طال بالناس زمان ان
يقول
قائل: واللّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللّه فيضلوا
بترك فريضة
انزلها اللّه. والرجم في كتاب اللّه حق على من زنى
اذا احصن من
الرجال.. ثم انا كنا نقرا فيما نقرا من كتاب
اللّه:(ان لا ترغبوا عن
آبائكم فانه كفر بكم ان ترغبوا عن آبائكم. او ان
كفرا بكم ان
ترغبوا عن آبائكم..)(146).
ومثل هذه الروايات كثير تكتظ بها كتب القوم..
اهل السنة والحديث:
ما هو موقف اهل السنة من الروايات النبوية.. وكيف
يتناولونها..؟
ان اهل السنة يعتبرون احاديث الرسول صلى اللّه عليه
و آله
وسلم هي المصدر الثاني من مصادر الفقه والتشريع،
ويعرفون
الحديث بانه الرواية الواردة عن الرسول، والتي
تتناول كل ما
صدر عنه بشكل عام فيمايخص عصر النبي حتى ولو كان
منسوخا فيما لا يخص التشريع..
ويعرفون السنة بانها ما ورد عن النبي من قول او فعل
او تقرير
او صفة خلقية..
فالحديث هو الجانب النظري من اقوال الرسول..
والسنة هي الجانب العملي منها..(147).
من هنا فان الاساس الذي ترتكز عليه الرواية هو
الصحابي،
والصحابة عندهم متفاوتون في الرواية عن الرسول صلى
اللّه
عليه و آله وسلم، ومرجع هذا التفاوت يعود الى
الفترة التي
عاصر فيها هذا الصحابي رسولاللّه ومدى تفرغه
لمجالسته
بالاضافة الى قوة حفظه..
وعلى هذا الاساس اعتبر ابو هريرة وعائشة من
المكثرين في
الرواية عن الرسول لملاصقتهم به وتفرغهم له.
يروي ابو هريرة عن نفسه: وان اخواني من المهاجرين
كان
يشغلهم الصفق (البيع) بالاسواق. وان اخواني من
الانصار كان
يشغلهم عمل اموالهم. وكنت امرءا مسكينا الزم رسول
اللّه صلى
اللّه عليه و آله وسلم علىملء بطني. فاحضر حين
يغيبون.
واوعى حين ينسون..(148).
ويروي ايضا: وكنت اكثر مجالسة لرسول اللّه صلى
اللّه عليه و
آله وسلم احضر اذا غابوا واحفظ اذا نسوا..(149).
اما عائشة فلانها كانت زوجة النبي واحب نسائه اليه
كما
يروون..(150).
ومن المعروف ان السنة دونت في فترة متاخرة، والسبب
في
ذلك يعود الى ان الرسول نهى عن كتابة شيء غير
القرآن..(151).
الا ان اهل السنة يروون ما يفيد الاذن بالكتابة من
الرسول،
وذلك في رواية عبداللّهبن عمروبن العاص قوله: كنت
اكتب
كل شيء اسمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله
وسلم اريد
حفظه فنهتني قريش. وقالوا:اتكتب كل شيء تسمعه
ورسول
اللّه بشر يتكلم في الغضب والرضا..؟
فامسكت عن الكتابة، فذكرت لرسول اللّه، فاوما
باصبعه الى فيه.
فقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه الا حق)(152).
ولما كان النهي ثابتا والامر ثابتا فقد عمل اهل
السنة على
التوفيق بين النصين المذكورين باسلوب التاويل
والتبرير الذي
دابوا عليه واعتبروا ان الاذن بالكتابة ناسخ لما
قبله من النهي
عن الكتابة..(153).
ولنا ملاحظات حول الرواية الواردة على لسان ابن
عمرو هي مايلي:
ان قوله (فنهتني قريش) يشير الى ان الناهين هم
طائفة
المهاجرين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لم
تنهه
الانصار ايضا..؟ ولماذا اخذ بقول قريش فقط..؟ وهل
كانت هناك
طائفية في المدينة، كل طائفة لهاموقف ووجهة مختلفة
في
قضايا الدين..؟
واذا كانت قريش هي القائلة: (ورسول اللّه بشر يتكلم
في
الغضب والرضا).. فهل كانت الانصار تقول بغير ذلك..؟
ولماذا اخذ ابن عمرو براي هؤلاء وراجع الرسول. ولم
يتجه
لسماع راي الانصار..؟
وهل يعني قول قريش هذا ترسيخ اعتقاد اهل السنة في
عصمة
النبي ورؤيتهم العامة في شخصيته..؟
وهل يشير هذا الى ان عقيدة اهل السنة تقوم على اساس
رؤية
قريش دون رؤية الانصار..؟(154).
ثم ماذا يفيد قول الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم
لابن عمرو
وهو يشير الى فيه: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج
منه الا
حق). هل يعني تحدي قريش التي تشكك في اقوال الرسول،
وانه من الممكن انيتكلم في الغضب كلاما غير كلامه
في
الرضا..؟ وهل يعني هذا ان الرسول له شخصية في الغضب
وشخصية في الرضا..؟
الا يتناقض هذا مع قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى ان
هو الا
وحي يوحى..) «النجم / 3 4».
قال عبداللّه بن الزبير. قلت للزبير: اني لا اسمعك
تحدث عن
رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم كما يحدث فلان
وفلان.
قال: اما اني لم افارقه. ولكني سمعته يقول: (من كذب
علي
فليتبوا مقعده من النار).
وروى انس بن مالك(155).. قال: انه ليمنعني ان
احدثكم
حديثا كثيرا ان النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم
قال: (من تعمد علي كذبا فليتبوا مقعده من النار)(156).
وهذا الموقف من الرواية عن الرسول لم يكن ينحصر في
الزبير
ومالك، انما هو موقف كثير من الصحابة..(157).
ومثل هذه الروايات انما تشير الى ان حملة الكذب على
الرسول
كانت تقوم بنشاطها في حياته، وهي قد نشطت بعد مماته.
فلا
يعقل ان يحذر الرسول من شيء غير ممكن الوقوع. وهذا
الكذب
بالطبع لا بد من انيبدا على لسان قوم ممن احتكوا
بالرسول.
فلا يدعي احد انه سمع رسول اللّه يقول.. دون ان يكون
المتلقي
منه يعلم انه قد عاصره..
وبصورة واضحة محددة فان الرسول صلى اللّه عليه و
آله وسلم
كان يحذر من الكذب لعلمه ان هناك من يكذبون عليه من
اصحابه، وهم سوف يستمرون في الكذب عليه بعد وفاته،
وان
التابعين سوف يتلقون هذاالكذب بالقبول لكونه صادرا
عن
اناس ثقات عاصروا الرسول..(158).
وهذا يفسر لنا موقف عمر بن الخطاب الذي كان كثير
الاعتد ا
على الصحابة الذين يروون على لسان الرسول، وكان
يطلب
منهم شهودا يشهدون لهم على صحة ما يقولون. وكذلك فعل
ابو بكر من قبله وعائشة...
الا ان
(159)اهل
السنة لا يرون تمييزا بين صحابي وآخر..
ومن ثم فهم لا يجيزون تجريح الصحابي ويقولون: من
ثبتت
صحبته ثبتت عدالته. فجميع الصحابة عندهم عدول بلا
استثنا..(160).
وهذا يقودنا الى قضية جديدة تتعلق بموضوعنا وهي
قضية
المتن والسند.
اما المتن فيقصد به نص الحديث الوارد على لسان
الرسول..
واما السند فيقصد به سلسلة الرواة الذين اسندوه
للصحابي
الذي رواه عن الرسول.
وفيما يتعلق بالمتن فانهم لا يجيزون نقده ولا اعمال
العقل
فيه حتى ولو كان يخالف القرآن. فانه يوفق بين نص
الحديث
ونص القرآن من غير نفي او انكار لنص الحديث ما دامت
طرقه
صحيحة عندهم، حتى انهميقولون بجواز نسخ القرآن
بالحديث..(161).
اما السند فيدخل جميع الرواة تحت طائلة الجرح
والتعديل عدا
الصحابي. اي يمكن الخوض في سيرة وتاريخ وسلوك
ومواقف
راوي الحديث من اجل الوصول الى تعديله وقبول روايته
او
تجريحه ورفضروايته..
وهذا امر جعلوا له علما قائما بذاته اسموه علم
الجرح والتعديل
وهدفه الوصول الى صدق وامانة الراوي حتى تقبل
روايته..(162).
ويعرف اهل السنة عدالة الراوي باحد امرين:
الاول: ان يشتهر حال الراوي بالعدالة والتقوى بين
الناس حتى
لا يغيب ذلك عن جمهور الامة.. ومن ذلك ما رواه تاج
الدين
السبكي في كتابه (من ثبتت امامته وعدالته. وكثر
مادحوه
ومزكوه. وندر جارحوه. وكانتهناك قرينة دالة على
سبب
جرحه من تعصب مذهبي او غيره، فانا لا نلتفت الى
الجرح فيه،
ونعمل فيه بالعدالة).
الثاني: تزكية النقاد العارفين.. فاذا شهد للراوي
عدد من العلما
او واحد على الاقل بانه عدل فانه ينتقل من دائرة
الجهالة الى
دائرة العدالة..(163).
وقال ابن ابي حاتم: ووجدت الالفاظ في الجرح
والتعديل على
مراتب شتى. واذا قيل للواحد: انه ثقة او متقن ثبت فهو
ممن
يحتج بحديثه. واذا قيل له: انه صدوق او محله الصدق او
لا باس
به فهو ممن يكتب حديثهوينظر فيه. وهي المنزلة
الثانية. واذا
قيل شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر
فيه، الا انه
دون الثانية، واذا قيل صالح الحديث فانه يكتب حديثه
للاعتبار.
واذا اجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممنيكتب
حديثه
وينظر فيه اعتبارا. واذا قالوا ليس بقوي، فهو
بمنزلة الاول في
كتبه الا انه دونه. واذا قالوا ضعيف الحديث. فهو دون
الثاني. لا
يطرح حديثه بل يعتبر به. واذا قالوا: متروك الحديث
او ذاهب
الحديث اوكذاب فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه وهي
المنزلة الثالثة..(164).
وقال ابن حجر ما يشبه ذلك في كتابه (تقريب
التهذيب)،
حيث قسم مراتب الجرح والتعديل الى اثنتي عشرة
مرتبة..(165).
وقد انقسم فقها السنة حول نص الحديث.. هل هو لفظ رسول
اللّه صلى اللّه عليه و آله وسلم او هو معنى اللفظ،
وذهب البعض
الى اشتراط تحري لفظ المحدث. وان يؤدي الحديث كما
سمعه
بالمحافظة علىحروفه وكلماته دون تغيير، ولا
ابدال كلمة من
موضع كلمة..
وذهب آخرون الى جواز الرواية بالمعنى دون التقيد
بالكلمات
التي سمعها بل يبدل كلمة بكلمة في معناها. وياتي بما
في
الحديث من حكم وامر ونهي..(166).
ويبدو ان الفتن والصدامات التي وقعت بعد وفاة
الرسول صلى
اللّه عليه و آله وسلم بين الصحابة، خاصة ما وقع بين
عائشة
والامام علي وبين الامام ومعاوية، هذه الفتن قد
القت بظلالها
على الاحاديث، وبدات تبرزعملية الدس والكذب على
الرسول..
والظاهر ان هذا الدس والكذب كان على الجانب الاخر
المواجه
للامام، فلا خلاف ان موقف الامام هو الموقف الشرعي
وان
الحق بجانبه. وهذه حقيقة يعترف بها اهل السنة
بصعوبة، فهم
على الرغم من اعترافهمبالامام علي، وانه رابع
الخلفا
الراشدين، هم يعترفون بمعاوية ويساوونه بالامام..(167).
وهذا الموقف المتارجح من قبل اهل السنة تجاه الامام
علي
يعود سببه الى الاحاديث التي رويت في عائشة ومعاوية
والمنسوبة الى الرسول..(168).
وحتى يبرر اهل السنة موقفهم هذا تحصنوا بالنصوص
القرآنية
التي تزكي الصحابة ورفضوا الاعتراف بان الفتن اثرت
في
الاحاديث..
يروي مسلم عن مجاهد قوله: جا بشير العدوي الى ابن
عباس
فجعل يحدث ويقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و
آله وسلم
فجعل ابن عباس لا ياذن لحديثه، ولا ينظر اليه. فقال:
يا ابن
عباس، مالي لا اراك تسمعلحديثي؟ احدثك عن رسول
اللّه ولا
تسمع؟ فقال ابن عباس: انا كنا مرة اذا سمعنا رجلا
يقول قال
رسول اللّه ابتدرته ابصارنا واصغينا اليه
بآذاتننا. فلما ركب
الناس الصعب والذلول لم ناخذ من الناس الا
بمانعرف..(169).
وقال ابن سيرين: لم يكونوا يسالون عن الاسناد. فلما
وقعت
الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر الى اهل السنة
فيؤخذ حديثهم. وينظر الى اهل البدع فلا يؤخذ حديثهم(170).
ورواية ابن عباس والتابعي ابن سيرين وغيرها من
الروايات التي
تنطق بنفس المعنى انما تؤكد ظهور ونمو حركة الوضع
والكذب على الرسول لصالح اطراف مهزوزة شرعيا
وتحتاج الى
مساندة النصوص.
ومثل ه(171)ذا
الاتجاه المهزوز شرعا ما كان لينجح في دعم
موقفه بهذه النصوص المخترعة ومن دعم حركة الوضع دون
ان تكون في يده اداة نفوذ وقوة سلطان. فهو اتجاه
يريد ان
يسود وان يهيمن ولا بد مناضفا الشرعية عليه..
وهذه سنة اصحاب النفوذ والسلطان في كل زمان ومكان،
لا بد
من ان يتحصنوا بالدين. واذا كان الدين لا يتجاوب
معهم ولا
يمنحهم الشرعية اخترعوا بقوة نفوذهم وسلطانهم دينا
آخر
على طريقتهم وتحصنوا به.وبمرور الزمن يتوارى الدين
الصحيح تدريجيا ويصبح الدين الزائف هو السائد..
من هنا برزت السياسة واصبحت لها بصماتها الواضحة
على
حركة تدوين الحديث وتاسيس علومه. ومهما حاول اهل
السنة
سترها فانها تطل ما بين الحين والاخر من خلال
احاديث كثيرة
ومن خلال علم الحديثذاته ومن خلال كتب السنن..
فالبخاري روى لكثير من الرجال المتهمين، ولم يرو
لابنا
الرسول من آل البيت الذين رووا عن الامام جعفر
الصادق..(172).
ومسلم صنع بابا اسماه فضائل ابو سفيان، وهو لا يحوي
اية
فضيلة له، ولم يرو سواه في هذا الباب..(173).
وعلم الجرح والتعديل استثنى الصحابة، وبنى على
اساس
اخلاقي في شخصية الراوي، ولم يهتم بجوانبها الاخرى
خاصة
الجانب السياسي منها، فهو قد ركز على مسالة الصدق
والامانة
وتغاضى عن علاقة الراويبحكام زمانه مثلا. كما
تغاضوا عن
جرائمه في حق المسلمين بحجة انه فعلها متاولا..(174).
ومن امثلة ذلك ان البخاري روى لعمربن سعدبن ابي
وقاص
وهو احد الذين اسهموا في مذبحة آل البيت في كربلاء.
كما
روى لعمرانبن حطان شاعر الخوارج الذي مدح قاتل
الامام
علي عبد الرحمنبن ملجم.وروى للحكمبن العاص
المختلف
على صحبته قاتل طلحةبن عبيداللّه يوم الجمل..(175).
واهل السنة عرفوا الصحابي تعريفا سياسيا بعيدا كل
البعد عن
اللغة وعن الشرع. فهم اعتبروا كل من لقي رسول اللّه
ولو ساعة
او رآه او ولد في عصره صحابيا، وبهذا دخل ضمن هذا
التعريف
كم كبير من الناس لميعايشوا عصر الرسالة وصاحبها.
وهذا التعريف يخالف اللغة والعرف، وعلى الرغم من
ذلك
اعتمده الفقها واجمعوا عليه، ثم اضفوا على الجميع
العدالة،
ووضعوهم في مرتبة خاصة مميزة وتناولوا الحديث من
جميعهم بلا تمييز او استثنا...
واذا كان(176)
القرآن قد زكى الصحابة، فهو لم يزكهم على
وجه العموم، انما زكى طوائف منهم وذم طوائف اخرى.
لكن
القوم اضفوا العدالة والملائكية على الجميع لاسباب
سياسية
حتى يعطى الجميعصلاحية التحديث باسم الرسول.
وحتى
يجد الخط الاموي بقيادة معاوية شرعية يستمدها من
خلال
صحابة الرسول..(177).
ولو كان تعريف الصحابي يقتصر على القرآن واللغة لما
وجد
معاوية وانصاره من يقف الى جوارهم اذ ان الصحابي
الحقيقي
الذي حدده القرآن وحددته اللغة لم يقف في صف معاوية
وليس من السهل ان يحتوىمن قبل الخط الاموي.
من هنا لجا الخط الاموي الى الاعتماد على هذا الكم
المشبوه
المدعي صحبة رسول اللّه، والذي انبرى يروي باسم
الرسول
ليضفي المشروعية على هذا الخط.
وجا القوم من بعد ذلك فاعتمدوا هؤلاء الناس كصحابة،
واعتمدوا رواياتهم، واعتبروا ان المساس بهم يعد
خروجا عن
العقيدة. |