فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الفصل الثاني
النبوة
تمهيد
الايمان بالنبي هو الركن الثاني من اركان الاسلام. وهو ركن لا خلاف فيه بين الفرق الاسلامية، انما الخلاف يكمن في نظرة كل فرقة الى النبي كشخصية تؤدي دورها في محيط الرسالة..

 وسوف نعرض هنا لمجمل الخلاف حول هذا الامر ثم نستعرض موقف كل من السنة والشيعة.
يقول فخر الرازي: ان الاختلاف في هذه المسالة واقع في اربعة مواضع.
الاول: ما يتعلق بالاعتقادية. واجتمعت الامة على ان الانبيا معصومون عن الكفر والبدعة الا الفضيلية من الخوارج فانهم
يجوزون الكفر على الانبيا. وذلك لان عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم. والروافض فانهم‏يجوزون عليهم اظهار كلمة الكفر على سبيل التقية..
الثاني: ما يتعلق بجميع الشرائع والاحكام من اللّه تعالى، واجمعوا على انه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة في هذا الباب لا بالعمد ولا بالسهو. والا لم يبق الاعتماد على شي‏ء من الشرائع..
الثالث: ما يتعلق بالفتوى. واجمعوا على انه لا يجوز تعمد الخطا.
فاما على سبيل السهو فقد اختلفوا فيه.
الرابع: ما يتعلق بافعالهم واحوالهم. وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب.
1 الحشوية: وهو انه يجوز عليهم الاقدام على الكبائر والصغائر..
2 انه لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة. واما تعمد الصغيرة فهو جائز. بشرط ان لا تكون منفرة. واما ان كانت منفرة فذلك لا
يجوز عليهم..
3 انه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة. ولكن يجوز صدور الذنب منهم على سبيل الخطا في التاويل..
4 انه لا يجوز عليهم الصغيرة ولا الكبيرة لا بالعمد ولا بالتاويل الخطا. اما السهو والنسيان فجائز ثم انهم يعاتبون على
ذلك السهو والنسيان. كما ان علومهم اكمل، فكان الواجب عليهم المبالغة في التيقظ..
5 انه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتاويل ولا بالسهو ولا بالنسيان.. واختلفوا ايضا في وقت وجوب
العصمة: فقال بعضهم: انها من اول الولادة الى آخر العمر..
وقال الاكثرون: هذه العصمة انما تجب في زمان النبوة. اما قبلها.. فهي غير واجبة وهو قول اكثر اصحابنا..(121).
وما يجب التركيز عليه هنا من بين هذه الاقوال هو ما يتعلق بالسنة والشيعة منه.


النبوة عند اهل السنة
يعتقد اهل السنة ان ارسال الرسل انما هو بمحض فضل من اللّه تعالى وواجب في حقهم الامانة اي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهى عنه.
اما المحرم فلم يقع منهم اجماعا وما اوهم المعصية فمؤول..
وواجب في حقهم الصدق والفطانة والتبليغ ويستحيل في حقهم ضد هذه الصفات.. اما السهو فممتنع عليهم في الاخبار البلاغية وغير البلاغية. وجائزعليهم في الافعال البلاغية اما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت او
فعلية. اما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر اللّه تعالى اما نسيان الشيطان فمستحيل عليهم. ويجوز على ظواهرهم ما يجوز
على‏البشر مما لا يؤدي الى نقص واما بواطنهم فمنزهة عن ذلك متعلقة بربهم..(122).
ويقول ابن حزم: والسهو منهم قد ثبت بيقين وايضا فان ندب اللّه تعالى لنا الى التاسي بهم لا يمنع من وقوع السهو منهم لان التاسي بالسهو لا يمكن الا بسهو منا.. اننا مامورون اذا سهونا ان نفعل كما فعل رسول اللّهصلى اللّه عليه و آله وسلم اذا سها..(123).
ويعتبر ابن تيمية ان انكار السهو من الغلو في عصمة الانبيا وان هذا القول لم يوافق عليه احد من اهل السنة..(124).
وقال الاشاعرة: يجوز على الانبيا الكبائر والصغائر سهوا. الا الكفر والكذب وعلى هذا طوائف اخرى من اهل السنة.
وهذا التصور الذي يطرحه اهل السنة بالنسبة لقضية العصمةانما هو مرتبط بفترة ما بعد البعثة. اما فترة ما قبل البعثة فقد جوزوا عليهم الكبائر والصغائر عمدا وسهوا..(125).
وقال القاضي عياض: واما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف. والصواب انهم معصومون قبل النبوة من
الجهل باللّه وصفاته والتشكك في شي‏ء من ذلك. وقال القشيري: والذي صار اليه المعظم ان اللّه ما بعث نبيا الا كان مؤمنا به قبل البعثة.. واجماع اهل السنة على جواز وقوع النسيان من الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم لكنهم اختلفوا
فيما يكون النسيان. هل ينسى‏في التبليغ عن اللّه ما يتعلق بالاحكام والافعال..؟
قال القاضي عياض: عامة العلما والائمة النظار كما هو ظاهر القرآن والحديث.
لكن شرط الائمة ان اللّه تعالى ينبه على ذلك ولا يقره عليه وقال البعض: من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور.
وقال آخرون: يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم العمر وينقطع تبليغه..(126)..
يقول ابن تيمية: ..والعصمة فيما يبلغونه عن اللّه ثابتة فلا يستقر في ذلك خطا باتفاق المسلمين.. واما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل او بالسمع؟ ومتنازعون في ان العصمة‏من الكبائر والصغائر او من بعضها. ام هل العصمة انما في الاقرار عليها لا في فعلها؟ ام لا يجب القول بالعصمة الا في التبليغ فقط؟ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث ام لا؟ والكلام في هذا مبسوط‏في غير هذا الموضع. والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للاثار المنقولة عن السلف اثبات العصمة من الاقرار على الذنوب مطلقا. والرد على من يقول انه يجوز اقرارهم عليها. وحجج القائلين بالعصمة اذاحررت انما تدل على هذا القول. وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب اقر عليه الانبيا فان القائلين بالعصمة احتجوا بان التاسي مشروع وذلك لا يجوز الا من تجويز كون الافعال ذنوبا. ومعلوم ان التاسي بهم انما هومشروع فيما اقروا عليه دون ما نهوا عنه. كما ان الامر والنهي انما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه، فاما ما نسخ من الامر والنهي فلا يجوز جعله مامورا به ولا منهيا عنه، فضلا عن وجوب اتباعه والطاعة فيه. وكذلك مااحتجوا به من ان الذنوب تنافي الكمال او انها ممن عظمت عليه النعمة اقبح او انها توجب التنفير او نحو ذلك من الحجج العقلية فهذا انما يكون مع البقا على ذلك وعدم الرجوع. والا فالتوبة النصوح التي يقبلها اللّهيرفع بها صاحبها الى اعظم مما كان عليه. كما قال بعض السلف كان داود(ع) بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة..

وقال: لو لم تكن التوبة احب الاشيا اليه لما ابتلى بالذنب اكرم الخلق عليه..(127).
وشن ابن تيمية كعادته هجوما شديدا على المتاولين الذين يؤولون النصوص المتعلقة بالعصمة فيقول: والرادون لذلك يقصد رايه وما ينسب للسلف تاولوا ذلك بمثل تاويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص‏الاسما والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد. وهي من جنس تاويلات القرامطة والباطنية التي يعلم بالاضطرار انها باطلة وانها من باب تحريف الكلم عن مواضعه..(128).
ويرفض ابن تيمية فكرة العصمة قبل البعثة ويرد على اصحاب هذا الاتجاه قائلا: .. وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: ان اللّه لا يبعث نبيا الا من كان مؤمنا قبل النبوة فان هؤلاء توهموا ان الذنوب تكون نقصا وان تاب‏التائب منها وهذا منشا غلطهم فمن ظن ان صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطا عظيما فان الذم والعقاب الذي يلحق اهل الذنوب لا يلحق التائب منها شي‏ء اصلا لكن ان قدم التوبة لم يلحقه‏شي‏ء وان اخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله والانبيا كانوا لا يؤخرون التوبة بل يسارعون اليها ويسابقون اليها لا يؤخرون ولا يصبرون على الذنب بل هم معصومون من‏ذلك، ومن اخر ذلك زمنا قليلا كفر اللّه ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون هذا على المشهور ان القاه كان بعد النبوة. واما من قال ان القاه كان قبل النبوة فلا يحتاج الى هذا والتائب من الكفر والذنوب قد يكون‏افضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب.. بل من عرف الشر وذاقه فقد تكون معرفته بالخير ومحبته له ومعرفته بالشر
وبغضه له اكمل ممن لم يعرف الخير والشر ويذوقهما كما ذاقهما. بل من لم يعرف الا الخير فقدياتيه الشر فلا يعرف انه
شر. فاما ان يقع فيه. واما ان لا ينكره كما انكره الذي عرفه..(129).
يقول الاستاذ منصور عويس: وهكذا منطق ابن تيمية العجيب في شان الانبيا(ع) وكانهم بشر عاديون ونسي ان الانبيا لا
يليق ان يطبق على شخصياتهم امثال تلك الاقيسة التي جا بها. ولا يصح ان يتحدث في‏امرهم بتلك البساطة وهذا الاسلوب. لانهم صفوة عباد اللّه الذين اصطفاهم اللّه واختارهم. فمع ايماننا ببشريتهم نؤمن بما اضفاه اللّه عليهم من اصطفا.
اننا نؤمن بسمو اجتبا اللّه لهم واختياره اياهم والاصطفا للنبوة‏البشر احد في كمالات بشرية. ولا يصل اليهم بشر في سمو الاخلاق الانسانية..(130).

121 - عصمة الانبياء، ط. بيروت. وانظر تفسير قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) في تفسير الرازي..
122 -
شرح البيجوري على الجوهرة..
123 -
الفصل في الملل والنحل، ج‏4/2..
124 -
ابن تيمية ليس سلفيا..
125 -
انظر عظمة الانبياء وكتب العقائد..
126 -
الجامع لاحكام القرآن ج‏7ر تفسير قوله تعالى: (واما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين).
127 -
فتاوى ابن تيمية: ج‏2/282 وما بعدها..
128 -
المرجع السابق.. وتامل هجومه على المتاولين. كان ابن تيمية يغيظه الدفاع عن الرسل ورفع مكانتهم..
129 -
المرجع السابق..
130 -
ابن تيمية ليس سلفيا..