|
المجلس الثامن ليلة الجمعة / غرة شعبان المعظم / 1345 هجرية |
|
أقبل القوم بعدما أتممت صلاة العشاء ، فاستقبلناهم بالترحاب ، فجلسوا وشربوا الشاي . ثم تكلم السيد عبد الحي قائلا : لقد صدرت منكم في البحث الماضي كلمة لا ينبغي لمثلكم أن يتفوه بها ، لأنها تسبب تفرقة المسلمين، والله تعالى يقول: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )(1) ( ولا تنازعوا فتفشلوا )(2). قلت ( متعجبا ) : أرجو أن توضح ما هي تلك الكلمة ؟! فربما صدرت في حال الغفلة . السيد عبد الحي : في الليلة الماضية ، في أواخر البحث عن فوائد الزيارة قلتم : إنكم تعتقدون بأن زيارة مشاهد أهل البيت من علائم الإيمان ، وقلتم ليس كل مسلم بمؤمن ! بينما المسلمون كلهم مؤمنون والمؤمنون كلهم مسلمون ! فلماذا تفرقون بينهم وتجعلونهم قسمين متمايزين ؟! أليس هذا الانقسام يضر الإسلام ! وقد تبين لنا من كلامكم شيء ، وهو أن عوام الشيعة ( خاصة في الهند ) حين يحسبون أنفسهم مؤمنين ويحسبوننا مسلمين ، مأخوذ من علمائهم . وهذا الأمر مخالف لرأي جمهور علماء الإسلام ، إذ لا يفرقون بين الإسلام وبين الإيمان. الفرق بين الإسلام والإيمان: قلت : أولا : ، قولك : جمهور علماء الإسلام لا يفرقون بينه وبين الإيمان . فغير صحيح ، لأننا نجد في الكتب الكلامية اختلافا كثيرا حول الموضوع لا بين الشيعة والسنة فحسب ، بل نجد الاختلاف ساريا في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم أيضا ، فالمعتزلة على خلاف الأشاعرة . وبعض علماء الشافعية والحنفية على خلاف رأي أحمد ومالك . ثانيا : لا يرد إشكالك على كلامي ، لأن كلامي صدر على أساس قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )(3) الخ . فالآية الكريمة تصرح بأن الإسلام والتسليم في الظاهر ، والإيمان يرتبط بالقلب ، والآية تنفي إيمان قوم في حين تثبت إسلامهم ، فالمسلم ، من شهد بالتوحيد والنبوة فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا (ص) رسول الله . فحينئذ يكون للمسلم ما للمؤمنين في الدنيا ، من الحقوق الاجتماعية والمدنية والشخصية ، دون الآخرة ، فقد قال تعالى : ( ما له في الآخرة من خلاق )(4). السيد عبد الحي : نقبل بأن الإسلام غير الإيمان ، فقد قال سبحانه وتعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا )(5). فهذه الآية تفرض علينا الالتزام بالظاهر وأن لا ننفي الإسلام عمن أظهر الإسلام . قلت : نعم كل من نطق بالشهادتين ، فما لم يرتكب منكرا يلازم الكفر والارتداد ، ولم ينكر إحدى الضرورات الإسلامية كالمعاد ، فهو مسلم ، نعاشره ونجالسه ونعامله معاملة الإسلام ، ولم نتجاوز الظاهر ، فإن بواطن الناس لا يعلمها إلا الله سبحانه ، وليس لأحد أن يتجسس على بواطن المسلمين . ولكن نقول : بأن النسبة بين الإسلام والإيمان ، عموم مطلق(6). مراتب الإيمان: لقد أمر النبي (ص) أمته عند اختلاف الأقوال وتضارب آرائهم ، أن يأخذوا بقول أهل بيته ويلتزموا برأيهم ، لأنهم أهل الحق والحق لا يفارقهم . فلذلك إذا بحثنا في أحاديث أهل البيت عليه السلام لنجد حقيقة موضوع حوارنا ، نصل إلى قول الإمام الصادق عليه السلام إذ يقول : " إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل . فمنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ومنه التام المنتهى تمامه . وأما الإيمان الراجح فهو عبارة عن إيمان الشخص الذي يتصف ببعض لوازم الإيمان ، فهو راجح على الذي لا يتصف بها فالثاني ناقص إيمانه ، وأما التام المنتهى تمامه ، فهو الذي يتصف بكل لوازم الإيمان . وقد قال سبحانه وتعالى فيهم : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم )(7). وأما الصفات اللازمة للإيمان فهي كثيرة منها كما في الحديث المروي عن رسول الله (ص) قال : يا علي سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان ، وأبواب الجنة مفتحة له : من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته ، وأدى زكاة ماله ، وكف غضبه . وسجن لسانه ، واستغفر لذنبه ، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه(8) ونحن نعتقد أن زيارة مشاهد أهل البيت عليهم السلام يدخل ضمن العنوان الأخير . فالذي أسلم ، هو مؤمن في الظاهر ولا نعلم باطنه ، ولكن أعماله تكشف عن حقيقة إيمانه ، ومراتب رسوخ الإيمان في قلبه وباطنه وقد جاء في تفسير الآية الكريمة : ( يا أيها الذين آمنوا آمِنوا )(9). أي : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم . وخاطب النبي (ص) جماعة من أصحابه فقال : يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان بقلبه . فلا شك أن بين الإسلام والإيمان فرقا لغويا ومعنويا . وللمؤمن علائم تظهر في سلوكه وأعماله . ثم اعلموا بأننا لا نفتش عن بواطن الناس ولا نفرق بين المسلمين ، ولكن نعاملهم على حد أعمالهم ، فهناك من ينطق بالشهادتين ولكن يستخف بالصلاة والصوم ويستهين بالحج ولا يدفع الزكاة ويخالف القرآن الحكيم وأوامر النبي (ص) وأهل بيته ، فليس هذا عندنا من الاحترام والتكريم ، كمن ينطق بالشهادتين ويلتزم بأحكام الدين فيعمل بكل الفرائض ويترك المنهيات ويطيع الله ورسوله (ص) وعترته عليهم السلام لقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(10). فالإسلام يتحقق باللسان ، وهو بداية المرحلة الأولى من الإيمان ، ويترتب عليه الأحكام الدنيوية كالحقوق الاجتماعية والشخصية والمدنية . ولكن الإيمان المطلق فيتحقق باللسان والقلب ، ويظهر بالأعمال الصالحة التي تصدر من جوارح المؤمن وأعضاءه بدنه ، وحتى اللسان ، وهو يحب أن يكون مطلقا ، يتقيد بالإيمان فلا يتكلم إلا بالحق والصبر ، كما قال تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)(11). وجاء في الحديث الشريف : الإيمان هو الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان . لماذا ترفضون الشيعة !! إذا كنتم ملتزمين بهذا الأصل العام ، إن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ومؤمن وأخ في الدين . فلماذا تطردون الشيعة وترفضونهم بل تعادونهم ، ولا تحسبون مذهبهم من المذاهب الإسلامية ! وكلكم تعلمون بأن الشيعة يشهدون أن لا إله الله ، وأن محمدا رسول الله وخاتم النبيين . ويعتقدون بأن القرآن كلام الله العزيز ويلتزمون بكل ما جاء به المصطفى (ص) ، فيصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويجاهدون في سبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويعتقدون بالبعث والمعاد وبالمحاسبة والجزاء ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )(12) لذلك يلتزمون بترك القبائح والمحرمات كالظلم والسرقة والخمر والزنا والقمار واللواط والربا والكذب والافتراء والنميمة والسحر وغيرها من المحرمات . فنحن معكم نعتقد بإله واحد ونبي واحد ودين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة ، ومع ذلك كله نراكم تفترون علينا وترموننا بالكفر والشرك ! وهذا ما يريده الأجانب والمستعمرون ويفرحون منه . فلماذا هذا الظلم والجفاء وهذا التقول والافتراء علينا ؟!! ألم نكن معكم متفقين على دين واحد ، ومتفقين على أصوله وفروعه وأحكامه ؟ ـ غير الإمامة والخلافة ـ وأما الاختلاف الموجود بيننا وبينكم في بعض الأحكام الفرعية ، فهو اختلاف نظري ورأي فقهي ، كالاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة لأهل السنة والجماعة . بل في بعض المسائل تكون اختلافاتهم أشد من اختلافنا مع بعضهم . هل أعددتم جوابا ليوم الحساب إذا سئلتم عن سبب هذا الموقف البغيض والحقد العريض على الشيعة المؤمنين ؟ وهل يقبل منكم إذا قلتم : إننا اتبعنا أسلافنا من الخوارج والنواصب ، المعادين للعترة الهادية والفرقة الناجية ؟!! فليس للشيعة ذنب ، سوى أنهم سلكوا الطريق الذي رسمه النبي (ص) بأمر الله سبحانه ، فأمر المسلمين بمتابعة أهل بيته وإطاعة عترته من بعده . فقال (ص) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا . فالشيعة أخذوا بأمر النبي (ص) وتمسكوا بالثقلين . وأما غيرهم فقد أخذوا بقول غير النبي (ص) إذ عارضوه فقالوا : كفانا كتاب الله ! فتركوا أهل البيت والعترة الطاهرة الهادية عليهم السلام . الشيعة أخذوا أحاديث رسول الله (ص) عن طريق أهل بيته عليهم السلام ، وغيرهم أخذوا الأحاديث عن طريق أبي هريرة وأنس وسمرة وأمثالهم ، وتركوا طريق أهل البيت الطيبين عليهم السلام . وللحصول على أحكام الدين ابتدعوا القياس والاستحسان حسب ما تراه عقولهم ، وتحكم به أفكارهم ، كل ذلك ليستغنوا عن العترة الهادية !! لماذا نتبع عليا وأبناءه عليهم السلام ونحن إنما نتبع عليا عليه السلام وأبناءه الأئمة المعصومين عليهم السلام لقول النبي (ص) : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها . لذلك نحن دخلنا من الباب الذي فتحه رسول الله (ص) لأمته وأمرهم بالدخول منه إلى مدينة علومه وأحكام دينه وحقيقة شرعه . ولكنكم تحتمون علينا وعلى المسلمين أن نكون أشاعرة أو معتزلة في أصول الدين وأما في الفروع والأحكام فتريدوننا أن نأخذ برأي أحد الأئمة الأربعة ، لمذاهب أهل السنة والجماعة وهو تحكم منكم ، ليس لكم دليل عليه ! ولكننا نستند على أدلة عقلية ، ونقلية من أحاديث رسول الله (ص) في وجوب متابعة علي عليه السلام وأبنائه الأئمة الطيبين ، وقد نقلت لكم بعض الأحاديث الشريفة من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة كحديث الثقلين وحديث السفينة وباب حطة وغيرها . وإذ تنصفونا وتتركوا العناد واللجاج ، لكفى كل واحد من تلك الأحاديث في إثبات قولنا وأحقية مذهبنا . وأما أنتم فليس عندكم حتى حديث واحد عن النبي (ص) يأمر أمته بمتابعة الأشعري أو ابن عطاء في مسائل أصول الدين ، أو العمل بآراء وأقوال مالك بن أنس أو أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة أو محمد بن إدريس الشافعي في فروع الدين وأحكام العبادات والمعاملات ، ليت شعري من أين جاء هذا الانحصار ؟! فاتركوا التعصب لمذهب الآباء والأمهات والتمسك بالتقاليد والعادات ، وارجعوا إلى القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) فلو كان عشر هذه الروايات والأحاديث المروية في كتبكم والواصلة عن طرقكم في متابعة أهل البيت عليهم السلام ، لو كانت في حق واحد من أئمة المذاهب الأربعة لاتبعناه وأخذنا برأيه وعملنا بقوله . ولكن لا نرى في كتبكم وأسانيدكم إلا أحاديث النبي (ص) وهو يحرض ويحفز على متابعة الإمام علي عليه السلام بل يأمر المسلمين بذلك وينهى عن مخالفته ويصرح بأن الحق معه . والآن تذكرت حديثا نبويا نقله كثير من علمائكم وأعلامكم ، أنقله لكم بالمناسبة لتعرفوا أن الشيعة لا يتبعون عليا وأبناءه عن تعصب وهوى ، بل بأمر من الله ورسوله (ص) وليس إلى الحق والجنة سبيل غير مذهب أهل البيت عليهم السلام وهو مذهب رسول الله (ص) . روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة الباب الرابع / عن فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله لعلي بن أبي طالب : يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب ، و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك لأنك مني و أنا منك ، لحمك من لحمي و دمك من دمي و روحك من روحي و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي ، سعد من أطاعك و شقي من عصاك ، و ربح من تولاك ، و خسر من عاداك ، و فاز من لزمك ، و هلك من فارقك ، مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي ، مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق ، و مثلهم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة . ويصرح النبي (ص) في حديث الثقلين الذي اتفق علماء المسلمين على صحته ، إنكم ما إن تمسكتم بالقرآن وبأهل بيته وعترته لن تضلوا بعده أبدا . وقد تكلمت حول هذا الحديث بالتفصيل في الليالي الماضية وذكرت لكم مصادره من كتبكم ومسانيدكم ، ولكن بالمناسبة أقول : إن ابن حجر الهيثمي وهو ممن لا يتهم عندكم بشيء بل لا ينكر أحد تعصبه في مذهبه ، وتمسكه بطريقة أهل السنة والجماعة .
قال في كتاب الصواعق المحرقة / الفصل الأول من الباب الحادي عشر
عند ذكره الآيات الكريمة النازلة في شأن أهل البيت عليهم السلام فيقول في ذيل الآية
الرابعة قوله تعالى : وذكر ابن الجوزي لذلك في " العلل المتناهية " وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه . بل في مسلم ـ أي صحيح مسلم ـ عن زيد بن أرقم أنه (ص) قال : ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة ، كما مر وزاد : أذكركم الله في أهل بيتي . قلنا لزيد من أهل بيتيه : نساؤه ؟ قال : لا ، أيم الله ! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها . أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده . قال ابن حجر : وفي رواية صحيحة : إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما ، وهما : كتاب الله وأهل بيتي عترتي . وقال : زاد الطبراني : إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلمهم فإنهم أعلم منكم . ثم قال ابن حجر : اعلم أن الحديث التمسك بذلك ، طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين وصحابيا ، وفي تلك الطرق أنه (ص) قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنه (ص) قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه (ص) قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه (ص) قال لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف . ولا تنافي إذ لا مانع من أنه (ص) كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ـ وبعد سطور قال ـ : " تنبيه " سَمي رسول الله (ص) القرآن وعترته ثقلين ، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية ، ولذا حث (ص) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم ... ويؤيده الخبر السابق : ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم . وتميزوا بذلك عن بقية العلماء ، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة . وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت ، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسك بهم إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ... ثم أحق من يتمسك به منهم ، إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ . أيها الحاضرون ! هذه تصريحات أحد كبار علماء السنة وهو ابن حجر الذي اشتهر بالتعصب ضد الشيعة ومذهبهم ، والعجب أنه مع كل تلك الاعترافات بفضل أهل البيت (ع) ولزم التمسك بهم ، يؤخرهم عن مقامهم وعن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (ع) فيقدم عليه وعليهم من لا يقاس بهم في العلم والفضيلة فاعتبروا يا أولي الأبصار !! نعوذ بالله من التعصب والعناد . أيها الأخوان فكروا في هذه التأكيدات المتتالية عن النبي (ص) ! وهو يبين أن سعادة الدنيا والآخرة منحصرة في التمسك بالقرآن والعترة معا وأن طريق الحق واحد وهو الذي سار فيه أهل بيته فما هو واجب المسلمين ؟ فكروا وأنصفوا !! إنه موقف صعب واختيار الحق أصعب ، لقد وقفتم على طريقين : طريق سلكه آباؤكم وأسلافكم ، وطريق يدعوكم إليه نبيكم (ص) وقرآنكم وعقولكم . فكما لا يجوز للمسلمين أن يغيروا شيئا من كتاب الله العزيز حتى لو أجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك ، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو أجمعوا على ذلك لأن رسول الله (ص) حكم على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معا فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر . أسألكم أيها الحاضرون ! هل الخلفاء الذين سبقوا الإمام علي (ع) كانوا من أهل البيت والعترة الهادية ؟ وهل تشملهم أحاديث الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها حتى يتمسك بهم لازما ، وطاعتهم واجبة علينا ؟! السيد عبد الحي : لم يدع أحد من المسلمين أن الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم كانوا أهل البيت ، ولكنهم كانوا من الصحابة الصالحين ، ولهم فضيلة المصاهرة مع النبي (ص) . قلت : فإذا أمر رسول الله (ص) بإطاعة قوم أو فرد معين وأكد ذلك على أمته ، فهل يجوز لطائفة من الأمة أن يعرضوا عن أمر النبي (ص) ويقولوا : إننا نرى صلاحنا وصلاح الأمة في متابعة وإطاعة قوم آخرين ـ حتى إذا كانوا صلحاء ـ ؟ فهل امتثال أمر النبي (ص) وطاعته واجبة ؟ أم إطاعة تلك الطائفة المتخلفة عن أمر رسول الله (ص) ، والعاملة حسب نظرها في تعيين الصواب والصلاح للأمة ؟! السيد عبد الحي : حسب اعتقادنا ... طاعة النبي (ص) واجبة . قلت : إذا ، لماذا تركتم أمر النبي (ص) ولم تطيعوه حيث قال : إني تارك فيكم ثقلين أو أمرين ، لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فلا تقدموا عليهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ؟ . ومع هذا تركتموهم وهم أعلم الناس وأفضلهم ، وتبعتم واصل بن عطاء وأبا حسن الأشعري ، أو مالك بن أنس وأبا حنيفة ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل ! هل إن هؤلاء أهل بيت النبي (ص) وعترته أم هم علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة المعصومون (ع) ؟ السيد عبد الحي : لم يدع أحد من المسلمين أن المقصود من أهل البيت في حديث الثقلين ، أئمة المذاهب الأربعة ، أو الخلفاء الثلاثة ، أو أبو الحسن الأشعري أو واصل بن عطاء ، وإنما نقول : أن هؤلاء من أبرز علماء المسلمين ومن الفقهاء الصلحاء . قلت : ولكن بإجماع العلماء واتفاق جمهور المسلمين ، أن الأئمة الاثني عشر الذين نتمسك نحن الشيعة بأقوالهم ونلتزم طاعتهم ، كلهم من أهل بيت النبي (ص) وعترته ، وهم أشرف أبناء رسول الله (ص) ، وثبت أنهم في كل زمان كانوا أعلم الناس بأحكام الدين وتفسير الكتاب المبين وفقه شريعة سيد المرسلين . وأقر لهم بذلك جميع علماء المسلمين . لا أدري ما يكون جوابكم ، إذا سألكم النبي (ص) يوم الحساب : أن لماذا خالفتم رأيي وعصيتم أمري فتركتم عترتي وأهلي وقدمتم غيرهم عليهم ؟! أليس أهل بيتي كانوا أعلم وأفضل ؟ لقد أخذ الشيعة دينهم ومذهبهم ، حسب أمر النبي (ص) من باب علمه ، ومن وصيه علي بن أبي طالب (ع) ، وأخذوا بعده من عترته وأهل بيته الذين أدركوه وعاشروه وسمعوا حديثه ورأوا أعماله وسلوكه فأخذوا منه وأصلوا ذلك إلى أبنائهم ونشروه . أما غير أهل البيت (ع) فكيف وصلوا إلى علم النبي (ص) ؟! فالأئمة الأربعة ما كان لهم أي ذكر في القرن الأول الثاني بعد رسول الله (ص) ، فلا يعدون من الصحابة والتابعين . ولكن أخرجتهم السياسة وأظهرتهم الحكومة والفئة المناوئة لأهل البيت والعترة (ع) . ففسحت لهم المجال وفتحت أبوابهم ، ومنعت الحكومات الناس من التوجه إلى آل محمد (ص) : لينصرفوا نحو الأئمة الأربعة ، وإذا كان أحد من لا يهتم لأمر الحكومة ، فيتمسك بأهل البيت ويعمل برأيهم ولم ينضم إلى مذاهب الأئمة الأربعة ، فكان يرمى بالكفر والزندقة وكان مصيره السجن والمطاردة ! وما زالت هذه الحالة التعصبية تنتقل من دور إلى دور ، ومن دولة إلى أخرى ، حتى يومنا هذا !! فما يكون جوابكم لنبيكم (ص) يوم الحساب إذا سألكم : بأي دليل كفرتم شيعة أهل بيتي ، وهم مؤمنوا أمتي ؟ ولماذا قلتم لأتباعكم وأشياعكم : إن شيعة علي (ع) مشركون ؟! فحينئذ ليس لكم جواب ، ولكم الخزي والخجل في المحشر ! أيها الأخوة ! تداركوا اليوم الموقف ! وارجعوا إلى الحق والصواب ! واعتبروا يا أولي الألباب ! نتبع العلم والعقل أيها الحاضرون الكرام ! نحن لا نعاديكم ولا نعادي أحدا من المسلمين ، بل نحسب جميع المسلمين إخواننا في الدين ، ولكن خلافنا معكم ناشئ من التزامنا لحكم العقل و العلم ، وهو أننا لا نقلد في أمر ديننا تقليدا أعمى ، بل يجب أن نفهم الدين بالدليل والبرهان حتى يحصل لنا اليقين ، قال سبحانه وتعالى : ( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )(14). فلا نتبع أحدا ولا نطيعه من غير دليل ، فنأخذ بأمر الله سبحانه ونهتدي بهدى النبي (ص) ولا نسلك إلا الطريق السوي الذي رسمه لنا رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل ، من مطلع رسالته حين جمع رجال قومه الأقربين امتثالا لأمر الله سبحانه حيث قال : ( وأنذر عشيرتك الأقربين )(15). فجمعهم رسول الله (ص) : وأطعمهم ، ثم قام فيهم بشيرا ونذيرا ثم قال : فمن منكم يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني في القيام به ، يكن أخي ووزيري من بعدي ؟ فما أجابه إلا علي (ع) ، وكان أصغرهم سنا ، فأخذ النبي بيده وقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا الخ ـ وقد نقلنا هذا الخبر بالتفصيل وذكرنا مصادره المعتبرة في المجلس الخامس ـ . وفي أواخر أيام حياته المباركة ، وفي أكبر جمع من أمته ، يوم الغدير ، أخذ بيد علي بن أبي طالب (ع) بأمر الله عز وجل وعينه لخلافته ، فقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ... وأخذ له البيعة منهم . فالدلائل الساطعة والبراهين القاطعة من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) المروية في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة ـ إضافة على تواترها في كتب الشيعة ـ كلها تشير بل تصرح على أن الصراط المستقيم والسبيل القويم منحصر في متابعة آل محمد وعترته (ص) . ولو تذكرون لنا حديثا واحدا عن النبي (ص) بأنه قال : خذوا أحكام ديني من أبي حنيفة أو مالك أو أحمد بن حنبل أو الشافعي ، لقبلناه منكم ! ولتركت مذهبي واخترت أحد المذاهب الأربعة !! ولكن لا تجدون ذلك أبدا وليس لكم أي دليل وبرهان عليه ، ولم يدعه أحد من المسلمين إلى يومنا هذا . نعم لكم أن تقولوا : بأن الأئمة الأربعة كانوا من فقهاء الإسلام ، ولذلك الظاهر بيبرس في عام 666 من الهجرة ، أجبر المسلمين على متابعة أحدهم(16) وأعلن رسمية المذاهب الأربعة ومنع فقهاء المسلمين من استنباط الأحكام وإبداء آرائهم ، والتاريخ يصرح بأنه كان في الإسلام فقهاء وعلماء أعلم وأفقه من أولئك الأربعة . والعجب أنكم تتركون الإمام علي (ع) وهو باب علم النبي (ص) والذي أمر رسول الله (ص) أمته بالأخذ منه ومتابعته في أمر الدين والشرع ، بالنصوص الكثيرة والروايات المتواترة الواصلة عن طرقكم المعتبرة ، وكذلك الآيات القرآنية التي نزلت في هذا الشأن كما فسرها كبار علمائكم الأعلام ومحدثيكم الكرام . وأنتم مع ذلك تصمون أسماعكم ، وتغمضون أبصاركم ، وتتبعون الأئمة الأربعة ، وتحصرون الحق في آرائهم وأقوالهم بغير دليل وبرهان ، وأغلقتم باب الاجتهاد واستنباط الأحكام ، وقد تركه النبي مفتوحا أمام الفقهاء والعلماء . السيد عبد الحي : نحن نرى الحق في متابعة الأئمة الأربعة ، كما أنكم ترون الحق في متابعة الأئمة الاثني عشر !!! قلت : هذا قياس باطل لأنكم ترون الحق في متابعة أحد الأئمة الأربعة ، بينما نحن نرى الحق في متابعة كل الأئمة الاثني عشر ، فلا يجوز عندنا ترك أحدهم والإعراض عن أوامره . ثم إن تعيين الأئمة الاثني عشر ما كان إلا من عند النبي (ص) وبأمره وحكمه ، فهو (ص) عينهم وذكر أسماءهم واحدا بعد الآخر . خلفاء النبي (ص) إثنا عشر ذكر الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة مجموعة أحاديث عن النبي (ص) بهذا المعنى وفتح لها بابا عنوانه : الباب السابع والسبعون : في تحقيق حديث بعدي إثنى عشر خليفة . قال ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة ، من عشرين طريقا في أن الخلفاء بعد النبي (ص) إثنا عشر خليفة كلهم من قريش : في البخاري من ثلاثة طرق وفي الترمذي من طريق واحد في الحميدي من ثلاثة طرق . وذكر هذه الأحاديث الشريفة كثير من علمائكم الأعلام غير الذين ذكرهم القندوزي ، منهم : الحمويني في فرائد السمطين ، والخوارزمي في المناقب ، وابن المغازلي في المناقب ، والثعلبي في التفسير ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة العاشرة من كتابه مودة القربى ، نقل اثنا عشر خبرا وحديثا في هذا الأمر ، من عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعباية بن ربعي وزيد بن حارثة وأبي هريرة ، وعن الإمام علي (ع) ، كلهم يروون عن رسول الله (ص) أنه قال : الأئمة بعدي أو خلفائي بعدي إثنا عشر كلهم من قريش ،وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم ، وحتى في بعضها عينهم بذكر أسماءهم . ولا نجد حتى حديثا واحدا عن النبي (ص) حول الأئمة الأربعة الذين تمسكتم بهم . ثم إن الفرق بين الأئمة الإثني عشر الذين نتمسك بهم نحن ونأخذ بأقوالهم وبين أئمتكم الأربعة فرق كبير. وكما أشرنا في الليالي السالفة أن الأئمة الإثني عشر عليهم السلام هم أوصياء رسول الله (ص ) وقد نص عليهم بأمر من الله سبحانه فلا يقاس بهم أي فرد من الخلفاء والأئمة الذين تمسكتم بهم ، فإن أئمة المذاهب الأربعة شأنهم شأن غيرهم من فقهاء المسلمين وعلماء الدين ، والمسلمون في خيار تام في تقليدهم وتقليد غيرهم من فقهاء الإسلام الذين يملكون قدرة الاستنباط واستخراج الأحكام الدينية من القرآن الحكيم والسنة النبوية الشريفة . وعلى هذا فنحن الشيعة نقلد مراجع الدين وهم الفقهاء الذين درسوا وحققوا الأخبار والأحاديث المروية عن النبي وأهل بيته الطيبين الراسخين في العلم . فيحققوا ويتقنوا أسنادها وطرقها ويميزوا بين صحيحها وسقيمها ويستخرجوا منها حكم المسائل المستحدثة والفروع الطارئة في زماننا هذا ، ويبينوا تكليفنا الشرعي على أساس أصول الفقه والقواعد الإلهية ، يردون الفرع على الأصل ويستخرجوا حكمه ويبينوه لمقلديهم ، وهؤلاء الفقهاء يتواجدون في كل زمان وهم متعددون ولا ينحصر التقليد في واحد منهم ، لأن الكل يأخذون من منهل العترة الهادية ومنبع أهل البيت الطاهرين عليهم السلام . ولكن الأئمة وإن تتلمذوا عند بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام إلا أنهم خرجوا من إطارهم وتركوا الأصول الفقهية والقواعد المقبولة لديهم ، فعملوا بالقياسات العقلية والإستحسانات النظرية حتى أنهم ربما اجتهدوا في بعض المسائل وخالفوا النصوص الجلية فيها ، فضلوا وأضلوا(17). والعجب أنكم تركتم تقليد العترة وأهل بيت الوحي والرسالة الذين عينهم النبي (ص) وتابعتم التلامذة الذين لم يبلغوا عشر معشار علوم أهل البيت عليهم السلام ولم يقترفوا إلا غرفة أو رشحة من بحارهم المتلاطمة بشتى العلوم التي آتاهم الله عز وجل من لدنه وجعلهم أئمة يهدون بأمره . فالأئمة الأربعة استندوا إلى عقولهم الناقصة في بيان حكم الله عز وجل ولم يستندوا إلى الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين . وقد قال سبحانه وتعالى : ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون )(18). السيد عبد الحي : وهل عندكم دليل على أن الأئمة الأربعة تتلمذوا عند أئمتكم ؟ الإمام الصادق عليه السلام وموقعه العلمي قلت : دليلنا هو التاريخ الذي كتبه أعلامكم ، فقد ذكر الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة في معرفة الأئمة عليهم السلام ـ فصل حياة الإمام الصادق عليه السلام ـ قال : كان جعفر الصادق عليه السلام من بين أخوته خليفة أبيه ووصيه والقائم بالإمامة من بعده ، برز على جماعة بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأجلهم قدرا نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في ساير البلدان ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث ، وروى عنه جماعة من أعيان الأمة مثل يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وأبو عيينة وأبو حنيفة وشعبة وأبو أيوب السجستاني وغيرهم ... الخ . وقال كمال الدين محمد بن طلحة العدوي القرشي الشافعي ، في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ـ الباب السادس في أبي عبد الله جعفر بن الصادق عليه السلام : هو من عظماء أهل البيت و ساداتهم (ع) ذو علوم جمة ، و عبادة موفورة ، و أوراد متواصلة ، و زهادة بينة ، و تلاوة كثيرة ، يتتبع معاني القرآن الكريم و يستخرج من بحره جواهره و يستنتج عجائبه ، و يقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه . رؤيته تذكر بالآخرة ، و استماع كلامه يزهد في الدنيا ، و الاقتداء بهداه يورث الجنة ، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، و طهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة . نقل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من الأئمة و أعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري و ابن جريح و مالك بن أنس و الثوري و ابن عيينة و أبي حنيفة و شعبة و أيوب السختياني و غيرهم (رض) و عدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها و فضيلة اكتسبوها... الخ . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وهو من أعلامكم في كتابه طبقات المشايخ : إن الإمام جعفر الصادق فاق جميع أقرانه ، وهو ذو علم غزير في الدين وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات ، وأدب كامل في الحكمة ... الخ(19). ولو نقلت لكم ما ذكره علماؤكم وأعلامكم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ومقامه العلمي ، وصفاته الحميدة وأخلاقه المحمودة لطال بنا المقام ، ولتقاصر البيان عن أداء حقه وتعريفه بما يستحقه ، وكل ما يقال في علمه وخلقه وصفاته الحسنة لا يبلغ به معشار وما هو حقه . النواب : هل تأذن لي بالسؤال ؟ قلت : أرجو أن يكون سؤالك فيما نحن فيه ، وأن لا تخرجنا بسؤالك عن الموضوع . قال النواب : إن مذهبكم يعرف بالمذهب الاثني عشري لأنكم تتبعون إثني عشر إماما . فلماذا اشتهر هذا المذهب باسم الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه فيطلق عليكم الجعفرية نسبة إليه ؟ ظهور المذهب الجعفري قلت : لقد جرت السنة الإلهية على أن كل نبي يعين رجلا وصيا لنفسه ليقوم بالأمر من بعده ولكي لا تكون أمته حائرة من بعده ، فيضلوا عن سبيل الله سبحانه ، فقد قال عز وجل : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد )(20). وبينا لكم في المجالس السابقة أن النبي محمد (ص) عين الإمام علي (ع) وصيا وأوصى إليه بأمر من الله سبحانه وعينه خليفة من بعده ليهدي أمته إلى الحق وإلى الصراط المستقيم ، ولكن السياسة اقتضت أن يخالفوا وصية رسول الله (ص) فعدلوا عنه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وقد كانوا يستشيرونه في أكثر الأمور ، فكان يشير عليهم بالحق والصواب ، وهو الذي كان يواجه علماء الأديان المناوئون للإسلام فيرد شبهاتهم ويجيب مسائلهم . ولما آل الأمر إلى بني أمية واغتصب معاوية عرش الخلافة ، عاملوه وعاملوا أئمة أهل البيت والعترة الهادية (ع) بكل قساوة ، فما شاورهم في أي أمر من الأمور بل خالفوهم وما أذنوا لهم بنشر علومهم وبيان ما أخذوه من رسول الله (ص) ، فطاردوا شيعتهم ومحبيهم وقتلوهم وسجنوهم وأبعدوهم إلى أن انتهت هذه السياسة الظالمة والسيرة الجائرة الغاشمة بقيام عام من المسلمين ضد بني أمية فأبادوهم ، وانتقل الحكم إلى بني العباس وكان ذلك في عصر الإمام الصادق (ع) الذي اغتنم هذه الفرصة التي أتيحت له بانشغال الدولتين ففتح باب بيته على مصراعيه ليستقبل من رواد العلم وطلابه ، فوفد نحوه العلماء من كل صوب ومن كل مكان ليرتووا من منهله ويستقوا من منبعه العذب الصافي ، وقد عد بعض المحققين والمؤرخين تلاميذه فتجاوز الأربعة آلاف ، فالتف حوله طلاب الحق فكشف لهم الحقائق العلمية ، وأوضح لهم المسائل الاعتقادية ، وبين لهم المسائل الدينية مستندا فيها على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي وصلته عن طريق آبائه الطيبين والأئمة المعصومين من أهل البيت (ع) . وهكذا انتشرت عن طريقه أصول مذهب الشيعة وعقائدهم الحقة ، وقد ألف بعض أصحابه وتلامذته المقربين رسائل في هذا الأمر اشتهرت بالأصول الأربعمائة . ولم ينحصر علمه في المسائل الدينية والأحكام الشرعية بل كان بحرا زاخرا في شتى العلوم حتى أن جابر بن حيان أخذ منه علم الكيمياء وألف في ذلك رسائل عديدة تدرس بعضها إلى يومنا هذا في الجامعات العلمية . وبعدما تسلط بنو العباس على الحكم وقويت شوكتهم ، منعوه من نشر العلم وتدريسه ، ودام المنع على أبنائه الأئمة الطاهرين (ع) من بعده ، فالفرصة التي أتيحت له في فترة قصيرة ما أتيحت لأحد من آبائه ولا لأحد من أبنائه الهداة الطيبين . فلذلك اشتهر هذا المذهب باسمه وانتسب إليه ، فيقال : مذهب جعفر بن محمد أو المذهب الجعفري . فالإمام الصادق (ع) كما يعترف أعلامكم وكبار علمائكم هو الله وأعلم أهل زمانه ، وكما أشرنا بأن الأئمة وغيرهم من أئمة الفقه أخذوا عنه وتتلمذوا عنده ، وكل واحد استفاد من محضره حسب استعداده . وكان (ع) أفضلهم وأزهدهم و أورعهم ومع ذلك ترك أسلافكم تقليده ومتابعته ، حتى أنهم أبوا أن يجعلوه في عداد الأئمة الأربعة ! لماذا هذا الجفاء والبغضاء ؟ هل لأنه من آل محمد (ص) ومن عترته الطاهرة (ع) ؟! وقد بالغ بعض محدثيكم وأعلامكم في البعض والجفاء لأهل البيت إلى حد العناد ، بحيث أبوا أن ينقلوا عنهم الحديث الذي يروونه عن جدهم رسول الله (ص) ( مع ما أوصى به النبي (ص) بهم ، وتحريضه الأمة على إكرامهم واحترامهم ومتابعتهم ) . فهذا البخاري ومسلم لم ينقلا روايات الإمام جعفر الصادق (ع) في صحيحهما ، بل لم ينقلا عن أبي واحد من علماء أهل البيت وفقهائهم ، مثل زيد بن علي الشهيد والمدفون في " فخ " ويحيى ابن عبدالله بن الحسن وأخيه إدريس ، ومحمد بن الإمام الصادق ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا ومحمد بن محمد بن زيد وعبد الله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهم من أكابر وسادات بني هاشم من المحدثين والفقهاء ، فلم ينقلا عنهم . والعجيب أن البخاري ينقل ويروي عن أناس ضعفاء في الإيمان والعقيدة ، بل ينقل عن عدة من الخوارج والذين نصبوا العداء لآل محمد (ص) أمثال أبي هريرة وعكرمة وعمران بن حطان الذي يمدح ابن ملجم المرادي قاتل الإمام علي بن أبي طالب (ع) . وقد كتب ابن البيع أن البخاري روى في صحيحه عن ألف ومئتين خارجي وناصبي من قبيل عمران بن حطان(21). وإني أتعجب وأتأسف من رأي بعض أعلامكم إذ يرون بأن أتباع الأئمة الأربعة مسلمين مؤمنين ، ولكن شيعة آل محمد وأتباع الإمام جعفر الصادق (ص) كفرة ومشركين ، فيفترون على طائفة كبيرة من المسلمين وعددا كثيرا بالكفر والشرك . فلو قسنا الشيعة بأتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة من أهل السنة لوحدهم فالشيعة هم الأكثر ، فإن أتباع الإمام الصادق (ع) ، أكثر من أتباع محمد بن إدريس وهكذا لو قسناهم مع أتباع أبي حنيفة لوحدهم وأتباع أحمد بن حنبل لوحدهم ، لوجدنا شيعة الإمام الصادق (ع) أكثر عددا ، وإني أعلن بأننا نحن الشيعة ندعوا إخواننا السنة إلى التقارب والوحدة ونبرأ إلى الله تعالى من التنافر والتفرقة . الحافظ : إني أؤيد كثيرا من كلامك وأعترف بأن هناك بعض التعصبات حاكمة على كثير من أهل السنة ، ولكن لو تحققنا عن الأسباب لعرفناها ترجع إليكم ، لأنكم أنتم ـ علماء الشيعة ومبلغيهم ـ لا ترشدون عوام الشيعة إلى الحق ولا تنهونهم عن الباطل ، فهم يتكلمون بكلمات تنتهي إلى الكفر والشرك . قلت : أرجوك أن توضح لي كلامك وتبين لي أمثالا من كلام عوام الشيعة الذي ينتهي إلى الكفر !! مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبي (ص) الحافظ : مما لاشك فيه أن المطاعن التي تروونها على الصحابة المقربين لرسول الله وبعض زوجاته الطاهرات رضي الله عنهم كفر صريح ، إذ أن هؤلاء الصحابة هم الذين جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا الكفار تحت راية النبي وقد قال سبحانه فيهم : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )(22) فالذين يعلن الله تعالى رضاه عنهم ، ورسول الله يكرمهم ويحترمهم ويحدث عن فضائلهم ، وهو كما قال سبحانه في سورة النجم ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )(23). فالطعن فيهم إنكار للقرآن والنبي ، وهو كفر ، والمنكر كافر . قلت : إني لا أحب أن يخوض في هكذا مسائل فالرجاء أن تترك هذا السؤال ولا تطالبني بالجواب في حضور هذا الجمع ، بل أجتمع بك وحدك وأعطيك الجواب . الحافظ : الحقيقة ، إن هذا السؤال والموضوع مطروح من قبل الجماعة الذين معي لأنهم ألحوا علي وأكدوا في الليلة الماضية حينما انتهينا من البحث وخرجنا إلى البيت ، على أن أطرح هذا البحث فكلهم يحب أن يسمع جوابكم . النواب : صحيح يا مولانا كلنا نحب أن نسمع جواب هذا السؤال . قلت : إني أتعجب من جنابكم وما كنت أتوقع طرح هذا السؤال ، مع ما بيناه في الليالي الماضية وأوضحنا لكم معنى الكفر والشرك وأثبتنا بأن الشيعة سائرون في طريق أهل البيت (ع) ، وتابعون لآل محمد (ص) ، وهم المؤمنون حقا . وأما الموضوع الذي طرحه جناب الحافظ ، فهو ذو جهات ، وليس موضوعا واحدا ، ولابد لي أن أبسطه وأشرحه ، حتى يعرف الحاضرون حقيقة الأمر ويقضوا بالحق ، وحتى نزول الشبهات الواقعة في نفوسهم ضد الشيعة . سب الصحابة لا يوجب الكفر أما قول الحافظ : بأن سب الصحابة والطعن فيهم ولعنهم ، ولعن بعض زوجات النبي (ص) من قبل الشيعة موجب لكفر الشيعة ، فهو حكم غريب ! ولا أدري بأي دليل من القرآن والسنة النبوية صدر هذا الحكم ؟!! فإن بيان الطعن وكذلك السب واللعن إذا كان مستندا إلى دليل وبرهان فلا إشكال فيه(24). وإن كان من غير دليل وبرهان فهو فسق ، حتى إذا كان على أصحاب النبي (ص) وزوجاته(25) وهذا رأي بعض أعلامكم كابن حزم حيث يقول في كتابه " الفصل ج3/257 " . وأما من سب أحدا من الصحابة (رض) ، فإن كان جاهلا فمعذور ، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق ، كمن زنى وسرق وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسوله (ص) فهو كافر ، وقد قال عمر (رض) بحضرة النبي (ص) عن حاطب ، وحاطب مهاجر بدري : دعني أضرب عنق هذا المنافق ! فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأولا ... الخ . وقد أفرط أبو الحسن الأشعري [ وهو إمامكم في مثل هذه المسائل ] فإنه يرى : إن من كان في الباطن مؤمنا وتظاهر بالكفر ، فهو غير كافر ، حتى إذا سب الله ورسوله (ص) من غير عذر بل حتى إذا خرج لحرب النبي ! [ والعياذ بالله ] . ويستدل على ذلك بأن الكفر والإيمان محلهما في القلب وهما من الأمور الخفية الباطنية ، فلا يمكن لأحد أن يطلع على باطن الإنسان وما في قلبه إلا الله سبحانه(26)!! فكيف يكفر جناب الحافظ وأمثاله ، شيعة آل محمد (ص) لمجرد سبهم بعض الصحابة وبعض زوجات النبي ؟ مع العلم بأن كثيرا من علمائكم وأعلامكم السابقين ردوا هذا الحكم الجائر ونسبوا قائليه إلى الجهل والتعصب . وحكموا بأن الشيعة مسلمون مؤمنون . منهم القاضي عبدالرحمن الايجي الشافعي في كتابه المواقف ، رد كل الوجوه التي بينها بعض المتعصبين من أهل السنة في تكفير الشيعة وأثبت بطلانها . ومنهم الإمام محمد الغزالي ، صرح بأن سب الصحابة لا يوجب الكفر ، حتى سب الشيخين ليس بكفر . ومنهم سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح العقائد النسفية ، تناول هذا البحث بالتفصيل وخرج إلى أن ساب الصحابة ليس بكافر . ثم إن أكثر مَن كتب مِن أعلامكم في الملل والنحل وكتب في المذاهب الإسلامية : عد الشيعة من المسلمين وذكرهم في عداد المذاهب الإسلامية الأخرى . منهم العلامة بن الأثير الجزري في كتابه جامع الأصول ، ومنهم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل . ومما يذكر في عدم كفر الساب لبعض صحابة رسول الله (ص) أن أبا بكر قد سبه أحد المسلمين وشتمه فما أمر بقتله ، كما جاء في مستدرك الحاكم النيسابوري ج4/355 أخرج بسنده عن أبي برزة الأسلمي (رض) قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) فقلت : يا خليفة رسول الله ألا أقتله ؟! فقال : ليس هذا إلا لمن شتم النبي (ص) . وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج1/9 بسنده عن ثوية العنبري قال : سمعت أبا سوار القاضي يقول : عن ابن برزة الأسلمي قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) قال : فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه ؟ قال فانتهره وقال : ما هي لأحد بعد رسول الله . ورواه الذهبي في تلخيص المستدرك ، والقاضي عياض في الشفاء ج4/ الباب الأول ، والإمام الغزالي في إحياء العلوم ج2 . فإذا كان الأمر كذلك ، إذ يسمع الخليفة من رجل السباب والشتم ولا يحكم بكفر ولا يقتله . فلماذا أنتم علماء تغوون أتباعكم العوام وتكفرون الشيعة عندهم بحجة أنهم يسبون الصحابة ويشتمون الخلفاء ، ثم تبيحون لهم قتل الشيعة المؤمنين !! وإذا كان سب صحابة الرسول (ص) موجبا للكفر ، فلماذا لا تحكمون بكفر معاوية وأتباعه الذين كانوا يسبون ويلعنون أفضل صحابة رسول الله وأعلمهم وأروعهم ، ألا وهو أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) ؟! وإذا كان سب الصحابة يوجب الكفر ، فلماذا لا تكفرون عائشة ـ أم المؤمنين ـ إذا كانت تشتم عثمان وتحرض أبناءها على قتله فتقول : اقتلوا نعثلا فقد كفر ؟! كيف تحكمون في موضوع واحد بحكمين متناقضين ؟! فإذا سب أحد الشيعة ولعن عثمان ، تكفروه وتحكمون بقتله . ولكن عائشة التي كفرت عثمان وحرضت المسلمين على قتله تكون عندكم محترمة ومكرمة !! فما هذا التهافت والتناقض؟! النواب : ما معنى نَعْثَل ؟ ولماذا كانت أم المؤمنين تسمي عثمان بنعثل ؟ قلت : معنى نعثل ـ كما قال الفيروز آبادي [ وهو من أعلامكم ] في القاموس ـ معناه : الشيخ المخرف . وقال العلامة القزويني في شرحه على القاموس : ذكر ابن حجر في كتابه تبصرة المنتبه : أن نعثل يهودي كان بالمدينة هو رجل لحياني يشبّه به عثمان . نرجع إلى بحثنا ، فأقول : إذا كان سب الصحابة يلزم منه الكفر ، فإن أول من بدأ بالسب هو أبو بكر لما سب الإمام علي بن أبي طالب (ع) على المنبر في المسجد ، وعلي هو أفضل الصحابة وأقربهم إلى رسول الله (ص) وأعظمهم قدرا وأكبرهم شأنا عند الله عز وجل . ومع ذلك أنتم لا تقبحون عمل أبي بكر ، بل تكرموه وتعظموه !! الحافظ : هذا افتراء وكذب منكم على الصديق ، فإن أبا بكر أجل وأكرم من أن يسب عليا كرم الله وجهه ، وما سمعنا بهذا إلا منكم ، وأنا على يقين بأن الصديق بريء من هكذا أفعال وأعمال قبيحة . قلت : لا تتسرع في الحكم ولا تتهمني بالكذب والافتراء وقد ثبت لديكم بأني لا أتكلم بغير دليل وبغير شاهد من كتبكم ولكي تعرف صدق كلامي وتعلم بأن أبا بكر ارتكب هذا العمل القبيح فراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 /214 و 215 ط. إحياء التراث العربي ، قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها [ أي خطبة سيدة النساء فاطمة (ع) ] شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال أيها الناس ...... إنما هو[ أي علي (ع) ] ثعالة شهيده ذنبه ، مرب لكل فتنة هو الذي يقول كروها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأم طحال أحب أهلها إليها البغي(27). فإذا حكمتم بكفر من سب أحد الصحابة ، فيلزم أن تحكموا بكفر أبي بكر وبنته وعائشة ، وكذلك معاوية وأنصاره وتابعيهم ، وإذا لم تحكموا بكفر هؤلاء لسبهم ولعنهم عليا (ع) فيلزم أن تعمموا الحكم ولا تكفروا الشيعة الموالين للعترة الهادية (ع) لسبهم بعض الصحابة . كما أفتى وحكم كثير من فقهائكم وعلمائكم بأن الساب للصحابة غير كافر ولا يجوز قتله وذلك باستناد الخبر الذي رواه أحمد ابن حنبل في مسنده ج3 ، والقاضي عياض في كتاب الشفاء ج4 الباب الأول ، وابن سعد في كتاب الطبقات ج5 /279 أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح أن عمر بن عبد العزيز قال : لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي . واستنادا على ما مر من الخبر الذي نقلناه عن الحاكم النيسابوري في مستدركه ج4/355 ، وأخرجه أحمد في مسنده ج1/9 كلاهما عن أبي برزة الأسلمي قال : أغلظ رجل لأبي بكر ، فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه ؟ فانتهره ـ أبو بكر ـ وقال : ما هي لأحد بعد رسول الله (ص) . احترام النبي (ص) لأصحابه وأما قول الحافظ : بأن النبي (ص) كان يحترم أصحابه ويكرمهم . فلا ننكر ذلك ... ولكن العلماء أجمعوا على أن احترام النبي للناس كان بسبب أعمالهم حتى أنه كان (ص) يقدر ويحترم عدل كسرى ، و جود حاتم وهما كافران ، فكان يحترمهما للعدل والجود . وربما غضب (ص) على أحد أصحابه لذنب ارتكبه وقبيح فعله . فاحترام النبي وتكريمه لأي شخص من الصحابة لا يدل على حسن عاقبة ذلك الشخص ولا يدل على أنه مورد احترام رسول الله (ص) إلى الأبد ، بل يكون احترامه وتكريمه للأشخاص مرهونا بأعمالهم ، فما داموا محسنين فهو يحترمهم ، وإذا عصوا الله سبحانه وخالفوه ترك احترامهم وغضب عليهم . فكان رسول الله (ص) يحترم أصحابه قبل أن يصدر منهم ذنبا أو خلافا لأن عقاب المجرم وإهانته قبل أن يرتكب جرما ، يكون قبيحا وخلافا للعقل والشرع . كما أن سيدنا الإمام علي (ع) كان يعلم بعلم من الله سبحانه وإخبار من رسول الله (ص) بأن ابن ملجم المرادي قاتله وكان (ع) يخبر أصحابه وشيعته بذلك ، ولكن تركه وشأنه ، فلم يسجنه ولم يحاصره ولم يضيق عليه ، ولما أشار عليه بعض الناس أن يقتل ابن ملجم ، قال (ع) : لا يجوز القصاص قبل الجناية . وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 80 في أواخر الفصل الخامس من الباب التاسع : أن عليا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ، ثم قال رضي الله عنه : أريد حياته ويريد قتلي غديري من خليلي من مرادي ثم قال : هذا والله قاتلي ! رضا الله سبحانه عن الصحابة وأما قول الحافظ : إن الله سبحانه أعلن رضاه عن أصحاب نبيه ، فالطعن فيه إنكار لرضا الله عز وجل ، وهذا كفر ! أقول في جوابه : نحن لا ننكر بأن الله تعالى أعلن رضاه عن الصحابة في بيعة الرضوان بقوله سبحانه : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )(28). ولكن نقول ما قاله العلماء المحققون : بأن الآية الكريمة لا تتضمن رضا الله سبحانه عن المؤمنين ـ الذين اجتمعوا تحت الشجرة ـ على جميع أعمالهم إلى آخر حياتهم . إنما عنت الآية الشريفة رضا الله عز وجل عن المؤمنين بمبايعتهم النبي الكريم (ص) تحت الشجرة ـ البيعة المعروفة ببيعة الرضوان ـ والتاريخ يشهد بأن كثيرا من أولئك المبايعون نزلت فيهم آيات النفاق بعد تلك البيعة وانضموا مع المنافقين وأصبحوا من الخاسرين . فرضا الله سبحانه ما تعلق بهم لأنهم أصحاب النبي (ص) ، بل تعلق رضاه بهم لأنهم كانوا مؤمنين بالله ورسوله ورضاهما بهم ما داموا مؤمنين ، فإذا خرجوا من الإيمان وارتدوا ، فرضا الله العزيز ينقلب إلى غضبه عليهم ـ نعوذ بالله من غضبه ـ والشيعة يحمدون كل عمل حسن صدر من إنسان وخاصة أصحاب رسول الله (ص) ، ويقدحون كل عمل قبيح صدر من أي شخص سواء أكان صحابيا أو غير صحابي ، فإن أصحاب رسول الله (ص) ما كانوا معصومين وقد صدر من بعضهم أعمال غير حميدة ومعاصي عديدة . الحافظ : إن هذا القول افتراء على الصحابة ! فنحن لا نعتقد بعصمتهم ، لكن النبي (ص) قال فيهم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . وقد أجمع المسلمون على صحة هذا الحديث الشريف إلا أنتم الشيعة . أصحابي كالنجوم! قلت : أترك النقاش حول سند الحديث و صحته أو سقمه ، وأبدأ معك في مدلوله حتى لا نبتعد عن صلب الموضوع والبحث الذي نحن فيه . فأقول : أولا : اتفق المسلمون وأجمعوا على أن كل من أدرك رسول الله (ص) وسمع حديثه فهو صحابي ، سواء أكان من المهاجرين أم الأنصار ، أم من الموالين وغيرهم . ومن الخطأ أن نحسب كل أولئك هادين مهديين ، لوجود المنافقين بينهم والفاسقين ، وذلك ثابت بالنص الصريح في القرآن الحكيم(29). حتى أن التاريخ يحدثنا بأن جماعة من أصحاب النبي (ص) الذين كانوا يتظاهرون بحبه وطاعته ، تآمروا عليه عند رجوعه من غزوة تبوك وأرادوا قتله في بطن عقبة في الطريق ، إلا أن الله تعالى عصم رسول الله (ص) من كيد أولئك الأشرار المنافقين . الحافظ : لقد روى قضية العقبة جماعة من علماء الشيعة وهي عند علمائنا غير ثابتة . قلت : انك قلت رهجا وذهبت عوجا ، فإن قضية العقبة اشتهرت بين المؤرخين والمحدثين حتى ذكرها كثير من أعلامكم : منهم الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي ، في كتابه دلائل النبوة ، ذكرها مسندا ، ومنهم احمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبى الطفيل ، ومنهم ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ، حتى لعن رسول الله (ص) في تلك الليلة جماعة من أصحابه وهم المتآمرون عليه والقاصدون قتله . مؤامرة لقتل النبي (ص) النواب : أرجوك أن تبين لنا قضية العقبة وقصة المتآمرين على قتل النبي الكريم ولو باختصار . قلت : ذكر علماء الفريقين : أن جماعة من المنافقين الذين كانوا حول النبي (ص) تآمروا على قتله عند رجوعه من غزوة تبوك . فهبط جبرئيل على رسول الله (ص) وأخبره بتآمر القوم وأعلمه بمكان اجتماعهم وحذره من كيدهم ، فبعث النبي (ص) حذيفة بن اليمان على المكان ليعرفهم ، فرجع حذيفة وذكر للنبي (ص) أسماء المتآمرين فكانوا أربعة عشر نفرا ، سبعة من آل أمية . فأمر النبي (ص) حذيفة بكتمان الأمر وكتمان أسمائهم . وأما مكان المؤامرة المدبرة .. فقد كانت عقبة خطرة في الطريق ، وكانت رفيعة وضيقة بحيث لا يتسع إلا لعبور راكب واحد فحمل المنافقون دبابا كثيرة على الجبل الذي يعلو تلك العقبة وكمنوا هناك ليدحرجوها عند وصول ناقة رسول الله (ص) إلى تلك النقطة الخطرة ، حتى تنفر الناقة من أصوات الدباب المدحرجة فيسقط النبي (ص) عن ظهرها إلى عمق الوادي فيتقطع ويموت ويضيع دمه ، كل ذلك يتم في سواد الليل . أما النبي (ص) عند عبوره من تلك العقبة أمر بن ياسر أن يأخذ بخطام الناقة ويقودها ، وأمر أيضا حذيفة بن اليمان ليسوقها فلما دحرج القوم الدباب وأرادت الناقة أن تنفر صاح النبي (ص) عليها فسكنت وقرت ، وانهزم المنافقون وتواروا . وهكذا عصم الله سبحانه نبيه (ص) وفضح أعداءه ، نعم إنكم تعدون هؤلاء المنافقين من أصحاب النبي (ص) ، فكيف يمكن أن نقول بأن الاقتداء بهم جائز ، أو نعتقد بعدالتهم وأنهم هداة مهديون ؟! صحابة ولكن كاذبون ثانيا : هذا أبو هريرة الكذاب ـ وقد أشرنا في بعض المجالس السابقة إلى تاريخه الأسود من كتبكم ، وأثبتنا بأن عمر بن الخطاب ضربه بالسياط حتى أدماه ، لأنه كان يكذب كثيرا على رسول الله في نقله الأحاديث المجعولة عنه (ص) . أما كان أبو هريرة من أصحاب رسول الله (ص) ؟ وكذلك سمرة بن جندب الكذاب الفاسق وغيره من الذين كانوا يفترون على النبي (ص) وينقلون عنه أحاديث ما كان فاه بها أبدا !! وهم يعدون من أصحابه (ص) . فهل من المعقول أن يسمح النبي (ص) لأمته أن يتبعوا الكاذبين ويأخذوا دينهم عنهم ؟! ثم إذا كان هذا الحديث .. " أصحابي كالنجوم الخ "" ، صحيحا فما تقولون لو اختلف صحابيان في حكم وتنازعا في أمر ، أو قاتلت طائفتان من الصحابة ـ كما حدث بعد النبي (ص) ـ فالحق مع من ؟ وفي متابعة أي الفريقين تكون السعادة والنجاة ؟! الحافظ : نستمع قول كل واحد منهما فمن كانت دلائله أقوى وحجته أعلى فنتبعه . قلت : إذن صاحب الدلائل القوية والحجة العلية يكون صاحب الحق ومخالفه يكون على باطل ! فحينئذ لا اعتبار لحديث " أصحابي كالنجوم " وهو ساقط عقلا ، لأن الهداية لا تحصل في الاقتداء بالباطل . بمن نقتدي في خلافة السقيفة ؟ ثالثا : اذا كان هذا الحديث ـ أصحابي كالنجوم ـ صحيحا ، فلماذا تطعنون في الشيعة وتحكمون عليهم بالخروج عن الدين ورفض الحق عندما اقتدوا في عدم قبول خلافة أبي بكر وبطلان السقيفة بعدد من الصحابة المقربين للنبي (ص) كسلمان وأبي ذر وعمار والمقداد وأبي أيوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وغيرهم ممن كان النبي (ص) يحترمهم ويكرمهم ويشاورهم في أمور العامة كالحرب والصلح وما شابه ذلك بل نجد في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة أحادث كثيرة عن رسول الله (ص) في فضل كثير منهم وقد ذكرنا بعضها في المجالس السابقة وكما ذكرنا احتجاجهم ودلائل مخالفتهم لرأي السقيفة وخلافة أبي بكر . فإذا كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحا ، فلماذا تسمون الشيعة بالرافضة ولماذا تحكمون على مذهبهم بالبطلان ؟! أما كان سعد بن عبادة من كبار الصحابة وسادات الأنصار ؟ وهو بإجماع المؤرخين والمحدثين ما بايع أبا بكر وخالف خلافته حتى قتل على عهد الخليفة الثاني عمر ، وسعد ما بايع عمر أيضا . فالحديث يصرح بأن الاقتداء به ـ وهو مخالفة أبي بكر وعمر ورفض خلافتهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب والبطلان ـ صحيح وفيه الهداية والسعادة . انحراف بعض الصحابة رابعا : لا أظن أحد المؤمنين ينكر انحراف بعض الصحابة وخروجهم على الحق وميلهم عن الصراط المستقيم ، وذلك بقتالهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو إذ ذاك ـ حسب قولكم ـ كان الخليفة الرابع وآخر الخلفاء الراشدين الذين بايعه أهل الحل والعقد ، وأجمعوا على خلافته ، فنكث بعض الصحابة بيعته وخالفه آخرون ، حتى أعلنوا عليه الحرب وقادوا الجيوش لقتاله . فهذا طلحة والزبير وهما من أصحاب بيعة الرضوان ، قد أخرجوا معهما عائشة زوجة رسول الله (ص) إلى البصرة وكانت بسببهم وقعة الجمل التي قتل فيها ألوف المسلمين وسفكت دماء المؤمنين . وهذا معاوية وابن العاص ، سببا معركة صفين ، وكم زهقت فيها نفوس المؤمنين وأريقت دماء المسلمين . أفهل كانوا هؤلاء الذين نكثوا البيعة ونقضوا العهد وشقوا عصا المسلمين وأوقعوا فيهم الخلاف والشقاق وعملوا لصالح أهل الكفر والنفاق ، هل كانوا على الهداية والحق أم كانوا على الباطل والضلال ؟! وقد أجمع العلماء والمحققون وأئمة المسلمين على أن عليا (ع) مع الحق والحق مع علي وهو قول النبي (ص) فيه ، فكل من خالفه يكون على باطل ، ولو كان من الصحابة وحتى إذا كانت عائشة زوجة رسول الله (ص)(30). وأما معاوية وابن العاص والوليد بن عقبة ومروان وحزبهم الذين سنوا لعن الإمام علي (ع) وسبه على منابر الإسلام وفي خطب الجمعات وحتى في قنوت الصلوات ، مع علمهم بقول النبي (ص) : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى(31). أ فهل مع كل هذا تقولون بأن الاقتداء بهؤلاء الفسقة المنافقين والفجرة المضلين هدى ونجاة ؟! ضعف سند حديث " أصحابي كالنجوم " خامسا : إضافة على إباء العقل السليم من قبول هذا الحديث وتصحيحه لما ارتكبه بعض الصحابة بعد رسول الله (ص) من الظلم الفاحش والجرم المبين ، ومخالفتهم لكتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم ، مضافا إلى ذلك فقد رد كثير من أعلامكم سنده وضعفوا رجاله . منهم القاضي عياض بعدما ذكر الحديث في كتابه شرح الشفاء ج2/91 ذكر بأن الدار قطني وابن عبدالبر قالا بعدم حجية سنده ، فالحديث مردود عندهما ، وذكر بأن عبد ابن حميد ذكر في مسنده عن عبدالله بن عمر ، وعن البزاز : بأنهما أنكرا هذا الحديث وأعلنا عدم صحته . ونقل ابن عدي في الكامل بإسناده عن نافع عن عبدالله بن عمر أنه ضعّف الحديث ولم يؤيده . ونقل عن البيهقي أنه قال : سند الحديث ضعيف ، وإن كان نصه مشتهرا بين الناس . انتهى كلام القاضي عياض . وحيث نجد في سند الحديث الحارث ابن غضين وهو مجهول ، وحمزة بن أبي حمزة النصيري وهو متهم عند المحققين بالكذب وجعل الحديث ، فالحديث مردود وملغي يجب تركه . وابن حزم أيضا رد الحديث وقال فيه : إنه موضوع وباطل . هل تلتزمون بعصمة الصحابة ؟ والجدير بالذكر ... إنكم لا تلتزمون بعصمة الأنبياء بل وكثير منكم يعتقد بإمكان صدور الخطأ من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (ص) ومع ذلك يتعصب لهذا الحديث الموضوع !! وينكر على الشيعة إذا انتقدوا الصحابة وناقشوا في أفعالهم ، وما صدر منهم بعد النبي (ص) من الحروب والفتن التي أشعلوا نيرانها وأحرقوا بها المؤمنين الأبرياء و المسلمين الأتقياء! الحافظ : نحن لا نعتقد بعصمة أصحاب رسول الله (ص) ولكن نلتزم بعدالتهم ولذلك نقول : كلما صدر منهم كان عن عدالة ونية صحيحة حقة ، فإنهم أرادوا إحقاق الحق ، فلذلك يؤجرون عليه ولا يؤاخذون عليهم . قلت : ولكن الأخبار التي نقلها كثير من أعلامكم تكشف أن كثيرا من الصحابة كانوا يعصون الله سبحانه وكانوا يتبعون الهوى ويميلون إلى الدنيا . الحافظ : لم نسمع بهذا القول قبل اليوم ، فالرجاء بين لنا تلك الأخبار . صحابي يشرب الخمر ! قلت : ذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري ج10/30 قال : عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين ، فشربوا وسكروا ، حتى أن أبا بكر أنشد أشعارا في رثاء قتلى المشركين في بدر !! النواب : وهل ذكر أسماء المدعوين الحاضرين في ذلك المجلس ؟ قلت : نعم يا حضرة النواب ذكرهم علماؤكم قالوا : إنهم كانوا : 1ـ أبا بكر بن أبي قحافة 2ـ عمر بن الخطاب 3ـ أبو عبيدة الجراح 4ـ أبي بن كعب 5ـ سهل بن بيضاء 6ـ أبو أيوب الأنصاري 7ـ أبا طلحة " صاحب البيت " 8ـ أبا دجانة سماك بن خرشة 9ـ أبا بكر بن شغوب 10 ـ أنس بن مالك ، وكان عمره يومذاك 18 سنة فكان يدور في المجلس بأواني الخمر يسقيهم . وروى البيهقي في سننه ج8/29 عن أنس أنه قال : وكنت أصغرهم سنا وكنت الساقي في ذلك المجلس ! فيقوم الشيخ عبدالسلام متعصبا ويقول : والله هذا الخبر من مفتريات أعدائنا ، وجعل مخالفينا ! قلت ـ وأنا أتبسم ـ : لا تتهم أحدا بالجعل والافتراء ولا تحلف بالله عز وجل فإن كبار علماؤكم كتبوا هذا الخبر في صحاحهم ومسانيدهم منهم ، البخاري في صحيحه ، في تفسير الآية الكريمة : ( وإنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) (32). ومسلم في صحيحه كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر . والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 / 181 و 227 . وابن كثير في تفسيره ج2 / 93 و 94 . وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ج2/321 . والطبري في تفسيره ج7/24 ـ وابن حجر العسقلاني في الاصابة ج4/22 ـ وفي فتح الباري ج10/84 . والبيهقي في سننه 286 و 290 . وغير هؤلاء كثير من أعلامكم الذين ذكروا خبر اجتماع المذكورين في مجلس الخمر ! الشيخ عبد السلام : ربما كان ذلك قبل تحريم الخمر ! قلت : حسب نزول آيات القرآن في بيان مضار الخمر وإثمها وتحريمها ، وحسب بعض المفسرين ، نعرف أن بعض الصحابة وبعض المسلمين كانوا يشربون الخمر حتى بعدما حرمها الله! نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره الكبير ج2/203 روى مسندا عن أبي القموس زيد بن علي ، بأن الله سبحانه أنزل آيات عن الخمر ثلاث مرات ، المرة الأولى أنزل : ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )(33). ولكن المسلمين ما تركوا الخمر ، حتى شربها إثنان من المسلمين فوقفا للصلاة وهما لا يشعران بما يقولان ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون )(34). ومع ذلك ما انتهى كثير من المسلمين وما امتنعوا من شرب الخمر ! إلى أن سكر أحد المسلمين يوما وأنشد أبياتا في رثاء قتلى المشركين يوم بدر [ حسب رواية البزار وابن حجر وابن مروديه كان ذاك السكران أبو بكر ](35). فلما أخبر النبي (ص) غضب وجاء إليه وأراد أن يضربه بشيء كان في يده . فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله ، فوالله لا أشرب الخمر بعد يومي هذا . فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )(36). والحاصل : إن الصحابة كسائر الناس والأصناف ، فيهم الطيب المحسن والعاصي المسيء ، منهم من أدرك برسول الله (ص) أعظم الدرجات العالية وسعد في الدنيا والآخرة بالطاعة والامتثال لأوامر النبي (ص) ومنهم من تبع الهوى وأطاع الشيطان واغتر بالدنيا فضل و أضل . فنحن حينما نطعن في أحد الصحابة لابد وأن يكون لدينا دليل وبرهان نستند عليه ، حتى أن كثيرا من تلك المطاعن إضافة على أنها مذكورة في كتبكم المعتبرة فهي مصدقة بشواهد من القرآن الحكيم ، وإن كان عندكم رد معقول ومقبول على ما نطعن به على بعض الصحابة فأتوا به حتى نوافقكم ونترك الطعن ، وإذا لم يكن عنكم رد ، فأقبلوا قولنا واتركوا التهجم على الشيعة بأنهم يطعنون في الصحابة والخلفاء ، وإذا سمعتم منا بأنا نقول : إن بعض الصحابة أو بعض الخلفاء قاموا بأعمال قبيحة وأفعال غير حميدة ، فطالبونا بالشواهد والدليل حتى نوضح ونبين لكم . الحافظ : طيب ... بين لنا كيف صدرت أعمال قبيحة وأفعال غير حميدة من بعض الصحابة وبعض الخلفاء ، بين ذلك فان كان مستندا بدليل وبرهان فنحن أيضا نقبل منكم ، ولسنا أهل تعصب وعناد . قلت : أتعجب من جناب الحافظ محمد رشيد وسؤاله ، بعدما بينا نماذج من جرائم بعض الصحابة ومعاصيهم فيسأل عن القبائح التي ارتكبها بعض الأصحاب والخلفاء ! فأذكر نموذجا واضحا في هذا الباب تلبية لطلب الحافظ محمد رشيد ولكي يزداد علما فأقول: لقد اتفق أعلام الفريقين على أن أكثر الصحابة نقضوا العهد ونكثوا البيعة التي أمر الله تعالى بها في كتابه ونهى عن نقض العهد بقوله : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها )(37). ولقد لعن الناقضين في قوله تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار )(38). وكما حكم علماء الفريقين وأثبتوا أن نقض العهد من أكبر الذنوب والمعاصي ، وخاصة إذا كان العهد والميثاق بأمر الله عز وجل وتبليغ حبيبه المصطفى محمد (ص) فنقض الصحابة لذلك العهد والميثاق من أقبح القبائح التي تؤخذ عليهم . الحافظ : أي عهد هذا ؟ وأي ميثاق أخذه الله على الصحابة ، وبلغه النبي (ص) ثم نقضه الأصحاب ؟ فالخبر في هذا الباب لا يكون إلا من مفتريات ومجعولات الشيعة ، ونحن على علم واعتقاد بأن أصحاب رسول الله (ص) هم أجل وأكرم من نقض العهد الإلهي . من هم الصادقون ؟ قلت : لقد أكدت وكررت عليكم بأن الشيعة حيث يتبعون الأئمة الصادقين من العترة الهادية الطاهرة ، فلا يكذبون ولا هم بحاجة في إثبات عقائدهم إلى جعل خبر ، أو وضع حديث . فعلماؤهم وعامتهم على حد سواء في هذا الأمر ، وكلهم يتبعون الصادقين الذين أمر الله عز وجل بمتابعتهم بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )(39). وقد صرح كثير من أعلامكم أن المقصود من الصادقين في الآية الكريمة محمد المصطفى (ص) وعلي المرتضى (ع) ، وممن صرح بذلك : الثعلبي في تفسيره ، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور ، والحافظ أبو نعيم في " ما نزل من القرآن في علي " ، والخطيب الخوارزمي في " المناقب " ، والحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب 39 ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب 62 عن تاريخ ابن عساكر ... ، هؤلاء كلهم قد اتفقوا على المقصود من الصادقين : النبي الكريم (ص) والإمام علي (ع) . وقال بعض بأن المقصود من الصادقين في الآية الشريفة هم رسول الله (ص) والأئمة من أهل بيته وعترته(40). فالشيعة مع الصادقين ، يتبعونهم ويطيعونهم ويحذون حذوهم ، وما لم يكونا كذلك فليسوا بشيعة حقا . فكن على يقين ـ أيها الحافظ ـ بأننا لا نقول شيئا في حوارنا ونقاشنا إلا ويكون مصدره ومستنده كتب أعلامكم وأقوال علمائكم ، فإن يكن لكم اعتراض فاللازم أن تعترضوا على علمائكم الذين كتبوا تلك الروايات والأدلة ! الحافظ : لم أعهد أحدا من علمائنا الأعلام كتب : بأن الصحابة بعد رسول الله قد نقضوا عهدا أو نكثوا بيعة كانت عليهم في حضور النبي (ص) أو أخذها عليهم رسول الله (ص) فنكثوها . نقض بعض الصحابة للعهود قلت : لقد نقض بعض الصحابة عهودا أخذها منهم النبي (ص) ، ولكنهم نقضوها في حياته أو بعد وفاته ، وأهمها عهد الخلافة والولاية وبيعة يوم الغدير . حديث الولاية في غدير خم لقد اعترف جمهور علماء المسلمين من الفريقين : بأن النبي (ص) في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في العام العاشر من الهجرة النبوية عند رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة المنورة ، نزل عند غدير في أرض تسمى " خم " وأمر برجوع من تقدم عليه وانتظر وصول من تخلف عنه ، حتى اجتمع كل من كان معه (ص) وكان عددهم سبعين ألفا أو أكثر ، ففي تفسير الثعلبي وتذكرة سبط ابن الجوزي وغيرهما : كان عددهم يومئذ مائة وعشرين ألفا وكلهم حضروا عند غدير خم . فصعد رسول الله (ص) منبرا من أحداج الابل ، وخطب فيهم خطب عظيمة ، ذكرها أكثر علماء المسلمين والمحدثين من الفريقين في مسانيدهم وكتبهم الجامعة ، وذكر في شطر منها بعض الآيات القرآنية التي نزلت في شأن أخيه علي بن أبي طالب (ع) ، وبين فضله ومقامه على الأمة ، ثم قال : معاشر الناس ! ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى . قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه . ثم رفع يده نحو السماء ودعا له ولمن ينصره ويتولاه فقال : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله . ثم أمر (ص) ، فنصبوا خيمة وأجلس عليا (ع) فيها وأمر جميع من كان معه أن يحضروا عنده جماعات وأفرادا ليسلموا عليه بإمرة المؤمنين ويبايعوه ، وقال (ص) : لقد أمرني ربي بذلك ، وأمركم بالبيعة لعلي (ع) . ولقد بايع في من بايع أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ، فأقام ثلاثة أيام في ذلك المكان ، حتى أتمت البي |