فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

المجلس السابع

ليلة الخميس 29/ رجب / 1345 هجرية

 

في أول الليل حضر القوم مع علمائهم وبعد السلام والترحيب استقروا في مجلسهم وشربوا الشاي افتتح السيد عبد الحي الحديث ، فقال : سيدنا الجليل ! في مجلس سابق تحدثت عن موضوع ، ولما طالبك فضيلة الحافظ محمد رشيد بالدليل ، ذهبت بالكلام إلى موضوع آخر وتناسيت طلب الحافظ .

قلت : أرجو أن تتفضلوا بتوضيح الموضوع ، حتى أبين لك الدليل .

السيد عبد الحي : لقد سبق أن قلتم بأن سيدنا عليا ( كرم الله وجهه ) كان في اتحاد نفسي مع رسول الله (ص) ، ولهذا تعتقدون بأن الإمام عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى النبي محمد (ص) .

قلت : نعم ، هذا معتقدنا .

السيد عبد الحي : ما هو دليلكم على هذا المعتقد ؟

وكيف يمكن اتحاد شخصين حتى يصبحا نفسا واحدة ؟!! هذا ما طلبه منكم ، فضيلة الحافظ ، ولم تجيبوا عنه بشيء .

قلت : نحن لا نعتقد بشيء من غير دليل ، وقد قلت كرارا : نحن أبناء الدليل حيثما ما مال نميل ، سأبين لكم دلائلنا من القرآن والحديث الشريف .

ولكن قبل ذلك أود أن أصرح بأن كلامكم ( بأني تناسيت طلب الحافظ محمد رشيد ، وذهبت بالكلام إلى موضوع آخر ) ما هو إلا سوء الظن منكم بالنسبة إلي ، وإلا كلنا يعلم بأن البحث أحيانا يأخذ بزماننا ويجرنا إلى موضوع آخر ، كما قيل قديما : الكلام يجر الكلام .

السيد عبد الحي : إنني أعتذر من سوء التعبير ، وأرجو العفو والسماح .

كيف يكون الإمام علي نفس رسول الله ؟

قلت : اتحاد شخصين بالمعنى الحقيقي غير ممكن ومحال عقلا ، ونحن إنما نقول باتحاد نفس النبي (ص) ونفس الإمام علي (ع) مجازا .

وبيان ذلك : إن المحبة والمودة بين شخصين إذا وصلت أعلى مراتبها بحيث تصبح رغباتهم واحد ، وجميع الأمور المتعلقة بالنفس والصادرة عنها تصبح واحدة أو متشابهة ومتماثلة ، يعبر عن النفسين بالنفس الواحدة مجازا(1).

وجاء هذا المعنى في كلمات بعض الأولياء ، وفي أشعار بعض الفصحاء والبلغاء .

كما نجد في الديوان المنسوب إلى الإمام علي (ع) :

هموم الرجــال فـي أمـور كثـيرة وهمي في الدنيا صديق مساعـد

يكون كروح بين جسمين قسمت فجسمهما جسمان والروح واحد

ولبعض الشعراء :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحــن روحــان حللنــا بدنا

فـإذا أبــصرْتنـي أبــصــرتـه وإذا أبصــرتــه كـــان أنـــا

روحه روحي وروحي روحه من رأى روحين حلا بدنا ؟!

فاتحاد نفس رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب (ع) ، وتعبيرنا بذلك إنما كان مجازا لا حقيقة ، والمراد أن رغبتهما كانت واحدة ونفسيتهما كانت متماثلة ، وكانا متشابهين في الفضائل النفسية والكمالات الروحية ، إلا ما خرج بالنص والدليل .

الحافظ : إذا أنتم تقولون بأن محمد (ص) وعليا ( كرم الله وجهه ) كانا نبيين ، ولعلكم تعتقدون بأن الوحي نزل عليهما معا !!

قلت : هذه مغالطة بينة منكم ، ونحن الشيعة لا نعتقد بهذا ، وما كنت أتوقع منكم أن تكرروا ما طرحتم من قبل ، حتى أكرر جوابي ، فيصبح مجلس التفاهم والحوار مجلس جدل وتكرار ، فيضيع وقت الحاضرين الذين جاءوا ليستفيدوا من حديثنا وحوارنا ، ويعرفوا الحق فيتبعوه .

وقد قلت : بأنا نعتقد أن النبي (ص) و الإمام (ع) متحدان ، أي متشابهان في جميع الفضائل النفسية ، ومتمثلان في الكمالات الروحية ، إلا ما خرج بالنص والدليل ، وهو مقام النبوة الخاصة وشرائطها ، التي منها نزل الوحي عليه ، فإن الوحي النبوي خاص بحمد المصطفى دون علي المرتضى ، وقد بينا ذلك بالتفصيل ضمن حديثنا في الليالي الماضية ، وإذا كنتم قد نسيتم ذلك فراجعوا الصحف التي نشرت تلك المحاورات !

لقد أثبتنا ضمن تفسير حديث المنزلة ، أن الإمام عليا (ع) كان في مقام النبوة [ وليس بنبي ] لكن كان تابعا لشريعة سيد المرسلين ، ومطيعا لخاتم النبيين محمد (ص) ، ولذا لم ينزل عليه وحي بل نزل على محمد (ص) ، كما أن هارون كان نبيا في زمن موسى بن عمران إلا أنه كان تابعا ومطيعا لأخيه موسى (ع) .

الحافظ : لما كنتم تعتقدون بأن عليا يساوي رسول الله (ص) في جميع الفضائل والكمالات ، فالنبوة وشرائطها لازمة لتلك المساواة ؟!

قلت : ربما يتصور الإنسان ذلك من معنى المساواة ، ولكن إذا فكر بدقة في التوضيح الذي قلناه يعرف أن الحق غير ما يتصوره بادئ الأمر ، وقد أوضحنا الموضوع في الليالي السابقة وبرهنا عليه من القرآن الحكيم ، فإن الله سبحانه يقول :( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض )(2).

ولا شك أن أفضلهم هو أكملهم وخاتمهم الذي قال تعالى في شأنه : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين )(3).

فالكمال الخاص بنبوة محمد (ص) كان السبب في أن الله سبحانه يختم به النبوة ورسالة السماء ، وهذا الكمال الخاص به (ص) لا يشاركه ولا يساويه فيه أحد ، إلا أن سائر كمالاته النفسية وفضائله الروحية قابلة للمشاركة والمشابهة ، وكان علي (ع) يشاركه ويماثله فيها .

السيد عبد الحي : هل لكم دليل على ذلك من القرآن الكريم ؟

الاستدلال بآية المباهلة:

قلت : دليلنا من القرآن الكريم قوله تعالى : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )(4).

إن كبار علمائكم ، وأعلامكم من المحدثين والمفسرين ، أمثال :

الإمام الفخر الرازي ، في " التفسير الكبير " .

و الإمام أبي اسحاق الثعلبي ، في تفسير " كشف البيان ".

وجلال الدين السيوطي ، في " الدر المنثور " .

والقاضي البيضاوي ، في " أنوار التنزيل " .

وجار الله الزمخشري ، في تفسير " الكشاف " .

ومسلم بن الحجاج في صحيحه .

وأبي الحسن ، الفقيه الشافعي ، المعروف بابن المغازلي في المناقب .

والحافظ أبي نعيم في " حلية الأولياء " .

ونور الدين ابن الصباغ المالكي ، في " الفصول المهمة " .

وشيخ الإسلام الحمويني ، في " فرائد السمطين " .

وأبي المؤيد الموفق الخوارزمي ، في المناقب .

والشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في " ينابيع المودة " .

وسبط ابن الجوزي ، في التذكرة .

ومحمد بن طلحة في " مطالب السؤول " .

ومحمد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي ، في " كفاية الطالب " .

وابن حجر المكي ، في " الصواعق المحرقة ".

هؤلاء وغيرهم ذكروا مع اختلاف يسير في الألفاظ ، والمعنى واحد ، قالوا : إن الآية الكريمة نزلت يوم المباهلة وهو 24 أو 25 من ذي الحجة الحرام .

تفصيل المباهلة:

قالوا : دعا النبي (ص) نصارى نجران إلى الإسلام ، فأقبلت شخصياتهم وأعلامهم وعلماؤهم ، وكان عددهم يربو على السبعين ، ولما وصلوا المدينة المنورة التقوا برسول الله (ص) وجالسوه كرارا وتناظروا معه ، فسمعوا حديثه ودلائله على ما يدعوا إليه من التوحيد والنبوة وسائر أحكام الإسلام ، وما كان عندهم رد وجواب ، ولكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، وخافوا إن أسلموا يفقدوا مقامهم ورئاستهم على قومهم .

فلما رأى النبي لجاجهم وعنادهم ، دعاهم إلى المباهلة حتى يحكم الله بينهم ويفضح المعاند الكاذب ، فقبلوا ... ولما جاءوا إلى الميعاد ، وهو مكان في سفح جبل ، وكان النصارى أكثر من سبعين ، من علمائهم وساداتهم وكبرائهم ، فنظروا وإذا رسول الله (ص) قد أقبل مع رجل وامرأة وطفلين ، فسألوا عنهم بعض الحاضرين ، فلما عرفوا أن الرجل الذي مع النبي (ص) صهره وابن عمه علي بن أبي طالب ، وهو وزيره ، وأحب أهله إليه ، والمرأة ابنته فاطمة الزهراء ، والطفلين هما سبطاه الحسن والحسين .

قال لهم أكبر علمائهم : انظروا إلى محمد ! لقد جاء بصفوة أهله وأعزهم عليه ليباهلنا بهم ، وهذا إنما يدل على يقينه واطمئنانه بحقانيته ورسالته السماوية ، فليس من صالحنا أن نباهله ، بل نصالحه بما يريد من الأموال ولولا خوفنا من قومنا ومن قيصر الروم ، ولآمنا بمحمد وبدينه .

فوافقه قومه وقالوا : أنت سيدنا المطاع .

فبعثوا إلى رسول الله (ص) أنهم لا يباهلونه ، بل يريدون المصالحة معه ، فرضي رسول الله (ص) بالمصالحة وأمر عليا (ع) فكتب كتاب الصلح بإملاء النبي (ص) .

فصالحهم (ص) على ألفي حلة فاخرة ، ثمن الواحدة أربعون درهما ، وألف مثقال ذهب ، وذكر بنودا أخرى .

فوقع الطرفان على كتاب الصلح .

ولما اعترض النصارى على الأسقف الأعظم ومصالحته مع نبي الإسلام ، أجابهم قائلا : والله ما باهل نبي أهل ملة إلا نزل عليهم العذاب وماتوا عن آخرهم ، وإني نظرت إلى وجوه أولئك الخمسة : محمد وأهل بيته ، فوجدت وجوها لو دعوا الله عز وجل باقتلاع الجبال وزوالها لانقلعت وانزالت .

الحافظ : هذا الخبر صحيح ، ومنقول في كتبنا المعتبرة ، ولا منكر له بين علمائنا ، ولكن ما هو ارتباطه بسؤالنا عن دليل اتحاد نفس علي ( كرم الله وجهه ) مع نفس النبي (ص) ؟!

قلت ارتباط الخبر بالسؤال كلمة ( أنفسنا ) في الآية الكريمة .

أولا : الآية تدل على أن عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) هم أفضل الخلق وأشرفهم بعد النبي (ص) عند الله تبارك وتعالى ، وهذا ما وصل إليه وصرح به كثير من علمائكم ، حتى المتعصبين منهم ، مثل الزمخشري في تفسيره لآية المباهلة ، فقد ذكر شرحا وافيا عن الخمسة الطيبين وكشف حقائق ودقائق مفيدة عن فضلهم ومقامهم عند الله سبحانه ، حتى قال : إن هذه الآية الكريمة أكبر دليل وأقوى برهان على أفضلية أصحاب الكساء على من سواهم .

ورأى البيضاوي والفخر الرازي في تفسير الآية قريب من رأي الزمخشري .

ثانيا : نستنبط من الآية الكريمة أن مولانا علي بن أبي طالب هو أفضل الخلق وأشرفهم بعد رسول الله (ص) ، لأن الله تعالى جعله نفس النبي (ص) إذا أن كلمة ( أنفسنا) لا تعني النبي (ص) ، لأن الدعوة منه لا تصح لنفسه (ص) ، وإنما الدعوة من الإنسان لغيره ، فالمقصود من ( أنفسنا ) في الآية الكريمة هو سيدنا وإمامنا علي (ع) ، فكان بمنزلة نفس النبي (ص) ، ولذا دعاه وجاء به إلى المباهلة ، وذلك بأمر الله سبحانه .

هذا جواب سؤالكم وارتباط الآية الكريمة بالموضوع .

فعلي (ع) هو نفس رسول الله (ص) بتعبير القرآن الكريم ، وهو تعبير مجازي واتحاد اعتباري لا حقيقي .

وقد قال الأصوليون : حمل اللفظ على المعنى المجازي الأقرب أولى من حمله على الأبعد .

وفي ما نحن فيه ، أقرب المعاني المجازية لاتحاد النفسين تساويهما في جميع الأمور النفسية ، وتماثلهما في جميع الصفات الكمالية اللازمة لها إلا ما خرج بالدليل .

وقلنا : إن الخارج بالدليل والإجماع ، عدم نزول الوحي على الإمام علي (ع) ، وعدم تساويه مع النبي (ص) في النبوة الخاصة به (ص) .

الحافظ : لنا أن نقول بأن تعبير الآية : ( ندعو ... أنفسنا ) تعبير مجازي ، وادعائكم في الاتحاد النفسي المجازي لم يكن أولى و أقوى مما نقول نحن !

قلت : أرجوكم أن تتركوا المراء والجدال ، ولا تضيعوا وقت المجلس بالقيل والقال ، فإن العلماء والعقلاء اتفقوا على أن الأخذ بالمجاز الشائع أولى وأقوى من الأخذ بالمجاز غير الشائع .

والمجاز الذي نقول فيه بالموضوع هو المعنى الشائع له عند العرب والعجم ، فكم من قائل لصاحبه : أنت روحي وأنت كنفسي ! ولكي تطمئن قلوبكم لهذا المعنى ، فإني أنقل لكم بعض الأحاديث النبوية فيه...

شواهد من الأحاديث

الأخبار المروية والأحاديث النبوية في هذا المعنى المجازي كثيرة ننقل نماذج منها :

قال رسول الله (ص) : علي مني وأنا منه، من أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله .

أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في " المسند " وابن المغازلي في المناقب، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وآخرون غيرهم .

وقال (ص) : علي مني وأنا من عليّ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ .

أخرجه جماعة ، منهم :ابن ماجه في السنن 1/92 ، والترمذي في صحيحه ، وابن حجر في الحديث السادس من الأربعين حديثا التي رواها في مناقب علي بن أبي طالب (ع) في كتابه ( الصواعق ) وقال : رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه .

و الإمام أحمد في المسند 4/164 ، وحمد بن يوسف الكنجي في الباب 67 من " كفاية الطالب " نقله عن مسند ابن سماك ، و " المعجم الكبير " للطبراني .

وأخرجه الإمام عبد الرحمن النسائي في كتابه " خصائص الإمام علي (ع) " .

وأخرجه الشيخ سليمان القندوزي في الباب السابع من " ينابيع المودة " .

وروى الأخير أيضا في الباب السابع عن عبد الله بن أحمد بن حنبل مسندا ، عن ابن عباس : أن رسول الله (ص) قال لأم سلمة رضي الله عنها : علي مني وأنا من علي ، لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ، يا أم سلمة اسمعي واشهدي ! هذا علي سيد المسلمين .

وأخرج الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " عن رسول الله (ص) قال : علي مني وأنا منه ، وعلي مني بمنزلة الرأس من البدن ، من أطاعه فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله .

وأخرج الطبري في تفسيره ، والمير السيد علي الهمداني الفقيه الشافعي في المودة الثامنة من كتابه " مودة القربى " أن رسول الله (ص) قال : إن الله تبارك وتعالى أيد هذا الدين بعلي ، وإنه مني وأنا منه ، وفيه أنزل : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه )(5). وخصص الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " بابا بعنوان :

الباب السابع : في بيان أن عليا ( كرم الله وجهه ) كنفس رسول الله (ص) ، وحديث : علي مني وأنا منه .

وأخرج فيه أربعة وعشرين حديثا مسندا ـ بطرق شتى وألفاظ مختلفة لكن متحدة المعنى ـ عن رسول الله (ص) أنه قال : علي مني بمنزلة نفسي .

وفي أواخر الباب ينقل عن " المناقب" حديثا يرويه عن جابر ، أنه قال : سمعت من رسول الله (ص) في علي بن أبي طالب عليه السلام خصالا لو كانت واحدة منها في رجل كانت تكفي في شرفه وفضله ، وهي قوله (ص) :

من كنت مولاه فعلي مولاه .

وقوله : علي مني كهارون من موسى .

وقوله : علي مني وأنا منه .

وقوله : علي مني كنفسي ، طاعته طاعتي ، ومعصيته معصيتي .

وقوله : حرب علي حرب الله ، وسلم علي سلم الله .

وقوله : ولي علي ولي الله ، وعدو علي عدو الله .

وقوله : علي حجة الله على عباده .

وقوله : حب علي إيمان وبغضه كفر .

وقوله : حزب علي حزب الله ، وحزب أعدائه حزب الشيطان .

وقوله : علي مع الحق والحق معه لا يفترقان .

وقوله : علي قسيم الجنة والنار .

وقوله : من فارق عليا فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق الله .

وقوله : شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة .

ويختم الباب بحديث آخر رواه عن المناقب أيضا ، جاء في آخره ، أقسم بالله الذي بعثني بالنبوة ، وجعلني خير البرية ، إنك لحجة الله على خلقه ، وأمينه على سره وخليفة الله على عباده.

أمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة في صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ، ولو نظرتم فيها بنظر الإنصاف لأذعنتم أنهم قرائن على المجاز الذي تقوله في اتحاد نفس المصطفى (ص) وعلي المرتضى عليه السلام وهي تؤيد نظرنا أن كلمة ( أنفسنا ) في آية المباهلة دليل واضح على تقارب نفسي النبي والوصي إلى حد التساوي في الكمالات الروحية والتماثل في الصفات النفسية .

فإذا ثبت هذا الأمر ، فقد ثبت اعتقادنا بأفضلية علي عليه السلام وتقدمه على الرسل والأنبياء (ص) ما عدا خاتم النبيين محمد (ص) .

استدلال آخر:

جاء في الحديث النبوي الشريف : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل .

أخرجه جماعة من أعلامكم ، منهم :

الإمام الغزالي في إحياء العلوم ، وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " والفخر الرازي في تفسيره ، وجار الله الزمخشري ، والبيضاوي ، والنيسابوري ، في تفاسيرهم .

وجاء في رواية أخرى :

علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل .

فإذا كان علماء المسلمين الذين أخذوا علمهم من منبع النبوة ومدرسة الرسالة والقرآن الحكيم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل ، فكيف بعلي بن أبي طالب عليه السلام الذي نص فيه رسول الله (ص) بقوله : أنا مدينة العلم وعلي بابها (6)، وأنا مدينة الحكمة وعلي بابها ؟!

وحل وقت العشاء ، وبعدما صلوا صلاة العشاء وانعقد المجلس ، بدأت بالكلام قائلا .

الإمام علي عليه السلام جامع فضائل الأنبياء

لا شك أن أنبياء الله سبحانه وهم من أرسلهم وبعثهم لهداية عباده كانوا يتخلقون بأجمل الأخلاق ، وكانوا يتصفون بأحمد الصفات ، وكانوا يتزينون بأحسن الفضائل والخصال ، إلا أن كلا منهم امتاز بصفة واشتهر بفضيلة حتى امتاز بها عن الآخرين .

وعلي بن أبي طالب عليه السلام جمع كل الفضائل التي امتاز بها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين .

وقد شهد بذلك سيد الرسل وخاتم النبيين محمد الصادق الأمين (ص) ، كما جاء في مناقب الخوارزمي : 49 و245 ، والرياض النضرة 2/217 ، وذخائر العقبى :93 وغيرها ، أنه قال (ص) ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ : من أراد أن ينظر على آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى يحيى بن زكريا في زهده وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .

ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " الباب الأربعين ، قال : أخرج أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي في صحيحه عن ابن الحمراء ، قال : قال رسول الله (ص) : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في عزمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب .

قال القندوزي : وقد نقل هذا الحديث في " شرح المواقف" و" الطريقة المحمدية" .

ونقله ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة : 121 عن البيهقي أيضا .

ونقله ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ، ذيل آية المباهلة .

ومحيي الدين ابن العربي في كتابه اليواقيت والجواهر ، المبحث 32: 172 .

ونقله العلامة الكنجي الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " وخصص له الباب الثالث والعشرين ، ثم شرحه وعلّق عليه ، وإليك ذلك :

روى بإسناده عن ابن عباس ، قال : بينما رسول الله (ص) جالس في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي عليه السلام فلما بصر به رسول الله (ص) قال : من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في حكمته ، وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .

وعلق العلامة الكنجي بقوله :

قلت : تشبيهه لعلي عليه السلام بآدم في علمه ، لأن الله علم آدم صفة كل شيء كما قال عز وجل : ( وعلم آدم الأسماء كلها)(7) فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلا وعند علي عليه السلام فيها علم ، وله في استنباط معناها فهم .

وشبهه في نوح بحكمته ـ أو في رواية : في حكمه ، وكأنه أصح ـ لأن عليا عليه السلام كان شديدا على الكافرين رؤوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله : ( والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم )(8) وأخبر عز وجل عن شدة نوح عليه السلام على الكافرين بقوله : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )(9).

وشبهه في الحلم بإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن كما وصفه الله عز وجل بقوله : ( إن إبراهيم لأواه حليم )(10) فكان (ع) متخلقا بأخلاق الأنبياء ، متصفا بصفات الأصفياء . انتهى .

وروى في الرياض النضرة 2/218 عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله (ص) : من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه ، وإلى نوح في حكمه ، وإلى يوسف في جماله ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .

قال : أخرجه الملا في سيرته .

والملا هو عمر بن خضر من كبار علمائكم ، توفي عام 570 .

وفي الرياض النضرة 2/202 قال : أخرج الملا في سيرته ، قيل : يا رسول الله ! كيف يستطيع علي عليه السلام أن يحمل لواء الحمد ؟ فقال رسول الله (ص) : وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطي خصالا شتى : صبرا كصبري ، حسنا كحسن يوسف ، وقوة كقوة جبريل (ع) .

وروى السيد مير علي الهمداني في كتابه " مودة القربى علي بن أبي طالب " المودة الثامنة ، قال : عن جابر ، قال : قال رسول الله (ص) : من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته ، وإلى ميكائيل في رتبته ، وإلى جبرائيل في جلالته ، وإلى آدم في علمه ، وإلى نوح في خشيته ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى يعقوب في حزنه ، وإلى يوسف في جماله ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى أيوب في صبره ، وإلى يحيى في زهده ، وإلى عيسى في عبادته ، وإلى يونس في ورعه ، وإلى محمد في حسبه وخلقه ، فلينظر إلى علي ، فإن فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء ، جمعها الله فيه ولم يجمعها في أحد غيره .

نقله الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودة 1/304 الطبعة السابعة ، سنة 1384 هجرية 1965 ميلادية .

قال : وعد ذلك في كتاب " جواهر الأخبار " .

وإليك ما رواه كمال الدين القرشي محمد بن طلحة ، في كتابه القيم " مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ص) " الفصل السادس ، ج1/61 ، ط دار الكتب ، قال :

ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي (رض) في كتابه المصنف في فضائل الصحابة ، يرفعه بسنده إلى رسول الله (ص) أنه قال : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .

فقد أثبت النبي (ص) لعلي عليه السلام بهذا الحديث ، علما يشبه علم آدم ، وتقوى تشبه تقوى نوح ، وحلما يشبه حلم إبراهيم ، وهيبة تشبه هيبة موسى ، وعبادة تشبه عبادة عيسى ، وفي هذا تصريح لعلي عليه السلام بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته ، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلا حيث شبهها بهؤلاء الأنبياء المرسلين (ع) من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة .

مقايسته بالأنبياء:

لقد حدثنا المؤرخون والمحدثون أنه عليه السلام في آخر يوم من حياته الكريمة ، حينما كان على فراش الموت والشهادة ، حضر عنده جماعة من أصحابه لعيادته ، وكان ممن حضر صعصة بن صوحان ، وهو من كبار الشيعة في الكوفة ، وكان خطيبا بارعا ، ومتكلما لامعا ، وهو من الرواة الثقات حتى عند أصحاب الصحاح الستة وأصحاب المسانيد عندكم ، فإنهم يروون عنه ما ينقله الإمام علي عليه السلام ، وقد ترجم له كثير من علمائكم مثل ابن عبد البر في "الاستيعاب" وابن سعد في " الطبقات الكبرى" وابن قتيبة في " المعارف " وغيرهم ، فكتبوا أنه كان عالما صادقا ، وملتزما بالدين ، ومن خاصة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام . في ذلك اليوم سأل صعصعة الإمام عليا عليه السلام قائلا :

يا أمير المؤمنين ! أخبرني أنت أفضل أم آدم (ع) ؟

فقال الإمام عليه السلام : يا صعصعة ! تزكية المرء نفسه قبيح ، ولولا قول الله عز وجل : ( وأما بنعمة ربك فحدث )(11) ما أجبت .

يا صعصعة ! أنا أفضل من آدم ، لأن الله تعالى أباح لآدم كل الطيبات المتوفرة في الجنة ونهاه عن أكل الحنطة فحسب ، ولكنه عصى ربه وأكل منها !

وأنا لم يمنعني ربي من الطيبات ، وما نهاني عن أكل الحنطة فأعرضت عنها رغبة وطوعا .

[ كلامه كناية عن أن فضل الإنسان وكرامته عند الله عز وجل بالزهد في الدنيا وبالورع والتقوى ، وأعلى مراتبه أن يجتنب الملاذ ويعرض عن الشهوات والطيبات المباحة ـ من باب رياضة النفس ـ حتى يتمكن منها ، ويمسك زمامها ، فيسوقها في طريق الورع والتقوى(12)].

فقال صعصعة : أنت أفضل أم نوح ؟

فقال عليه السلام : أنا أفضل من نوح ، لأنه تحمل ما تحمل من قومه ، ولما رأى منهم العناد دعا عليهم وما صبر على أذاهم ، فقال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )(13).

ولكني بعد حبيبي رسول الله (ص) تحملت أذى قومي وعنادهم ، فظلموني كثيرا فصبرت وما دعوت عليهم(14).

[ كلامه عليه السلام كناية عن أن أقرب الخلق إلى الله سبحانه أصبرهم على بلائه وأكثرهم تحملا من جهال زمانه سوء تصرفهم ، وهو يقابلهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسن سلوكه وأخلاقه ، قربة على الله تعالى ] .

فقال صعصعة : أنت أفضل أم إبراهيم ؟

فقال عليه السلام : أنا أفضل ، لأن إبراهيم قال : ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي )(15).

ولكني قلت وأقول : لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا(16).

[ كلامه عليه السلام كناية عن أن مرتبة العبد عند الله سبحانه تكون بمرتبة يقينه ، فكلما ازداد العبد يقينا بالله عز وجل وبالمعتقدات الدينية ازداد قربا من الله سبحانه وتعالى ] .

قال صعصعة : أنت أفضل أم موسى ؟

قال (ع) : أنا أفضل من موسى لأن الله تعالى لما أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلغه رسالته ( قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون )(17).

ولكني حين أمرني حبيبي رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل حتى أبلغ أهل مكة المشركين سورة براءة ، وأنا قاتل كثير من رجالهم وأعيانهم ! مع ذلك أسرعت غير مكترث ، وذهبت وحدي بلا خوف ولا وجل ، فوقفت في جمعهم رافعا صوتي ، وتلوت آيات من سورة براءة ، وهم يسمعون !!

[ كلامه كناية عن أن فضل الإنسان عند الله سبحانه بالتوكل عليه عز وجل والإقدام في سبيل الله وأن لا يخشى العبد أحدا إلا ربه تعالى شأنه ] .

قال صعصة : أنت أفضل أم عيسى ؟

قال عليه السلام : أنا أفضل ، لأن مريم بنت عمران لما أرادت أن تضع عيسى ، كانت في البيت المقدس ، جاءها النداء يا مريم اخرجي من البيت ! هاهنا محل عبادة لا محل ولادة ، فخرجت ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) (18).

ولكن أمي فاطمة بنت أسد لما قرب مولدي جاءت إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة ، وسألت ربها أن يسهل عليها الولادة ، فانشق لها جدار البيت الحرام ، وسمعت النداء : يا فاطمة ادخلي ! فدخلت ورد الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته(19).

[ لا أدري هل هذه المقايسة تنبئ عن أفضلية فاطمة بنت أسد على مريم بنت عمران كما أن ابنها عليا (ع) كان أفضل وأشرف عند الله تعالى من عيسى بن مريم (ع) ؟! ربما ] .

بالله عليكم فكروا قليلا وأنصفوا ، مع وجود هذه الروايات والأحاديث المنقولة في كتبكم ، والمروية بطرقكم ، هل يجوز أن تقدموا أحدا على الإمام علي (ع) في الخلافة ؟!!

وهل يجوز عند العقلاء والنبلاء تقديم المفضول على الفاضل ؟! كما يقول أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 10/226 : أما الذي استقر عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره ، أن عليا أفضل الجماعة ، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها !

ويقول في صفحة 227 : وبالجملة أصحابنا يقولون : إن الأمر كان له [ لعلي ] (ع) ، وكان هو المستحق والمتعين !

ويقول في شرح الخطبة الشقشقية في شرح نهج البلاغة 1/157 ط. دار إحياء التراث العربي : لما كان أمير المؤمنين (ع) هو الأفضل والأحق وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم ، ولا يماثله في سؤدد وشرف ، ساغ إطلاق هذه الألفاظ ... إلى آخره .

فلا ينكر أحد تفضيل الإمام علي (ع) على غيره إلا عن تعصب وعناد ، وإلا فإن أعلامكم المنصفين ذهبوا أيضا مذهب المعتزلة في ذلك :

فقد روى العلامة الكنجي الشافعي في " كفاية الطالب " الباب الثاني والستين ، بسنده عن ابن التيمي ، عن أبيه ، قال : فضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم .

وقال العلامة الكنجي ، وابن التيمي هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي ، ثقة وابن ثقة ، أسند عنه العلماء والإثبات ... ثم ذكر المائة منقبة بالتفصيل(20).

ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " الباب الأربعين ، قال : أخرج موفق بن أحمد ، عن محمد بن منصور ، قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل مثل ما لعلي بن أبي طالب (ع) .

وقال أحمد : قال رجل لابن عباس سبحان الله ! ما أكثر فضائل علي بن أبي طالب ومناقبه! إني لأحسبها ثلاثة آلاف منقبة . فقال ابن عباس : أَو لا تقول إنها ثلاثين ألفا أقرب ؟!(21).

وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة 1/17 ط. دار إحياء التراث العربي : وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله ؟!

... وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ؟! فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ومجلي حلبتها . كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى .

ويقول في خاتمة المقدمة : 30 : وجب أن نختصر ونقتصر ، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا ، بل يزيد عليه . وبالله التوفيق .

فلا أدري بأي عذر أخروا هذا الرجل الفذ ، والإنسان العبقري ، العملاق العظيم ، العلي على البشر بعد النبي (ص) .

ولماذا لم يستشيروه في أمر الخلافة ؟!

وهل لهم دليل على تقديم الآخرين عليه ؟!

فانصفوا ولا تتبعوا التعصب والعناد !

الحافظ : وأنتم أيضا أنصفوا وانظروا هل يجوز لكم أن تنسبوا لأصحاب النبي (ع) المقربين ، غصب الخلافة ومخالفة أمر الله والرسول ؟!

وكيف تعتقدون بأن أمة الإسلام اجتمعت على الباطل والضلال ؟!!

أما قال رسول الله (ص) : لا تجتمع أمتي على الخطأ ؟!

وقال (ص) : لا تجتمع أمتي على الضلالة .

فلذلك نحن لا نقلد أسلافنا تقليد الأعمى ، ولا نسير خلفهم سير الحمقى ، بل قلدناهم وأخذنا مذهبهم إطاعة لأمر النبي (ص) حيث صحح إجماع المسلمين وأيد كل ما أجمعت عليه الصحابة المهتدين .

دعوى : إجماع الأمة على خلافة أبي بكر

قلت : أرجو أن تبينوا لنا أدلتكم على صحة خلافة أبي بكر ؟

الحافظ : إن أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها هو إجماع الأمة على خلافته .

وأضف على هذا كبر السن والشيخوخة ، فإن عليا ( كرم الله وجه ) مع فضله وسوابقه المشرفة وقربه من رسول الله (ص) فإن المسلمين أخروه لصغر سنه .

وأنتم لو فكرتم قليلا وأنصفتم لأعطيتم الحق للمسلمين ، فلا يجوز عقلا أن يتقدم في هذا الأمر العظيم شاب حدث السن مع وجود شيوخ قومه وكبراء أهله .. وإن تأخر سيدنا علي لا يكون نقصا له بل كماله ، وإن أفضليته على أقرانه ثابتة لا ننكرها .

ثم إن المسلمين سمعوا حديثا رواه عمر بن الخطاب ، قال : لا تجتمع النبوة والملك في أهل بيت واحد .

ولما كان عمر من أهل بيت النبوة ما بايعوه ..

هذه أسباب تقدم أبي بكر وتأخر علي في أمر الخلافة .

قلت : إن أدلتكم هذه تضحك الثكلى ، وإن مثلكم كمثل الذي يغمض عينه فيصبح كالأعمى ، فلا يرى الشمس الطالعة في الضحى ، وينكر ضوء النهار إذا تجلى ، فافتحوا أعينكم ، وانظروا إلى منار الهدى ، واسلكوا طريق الحق والتقى ، ولا تتبعوا الهوى ، وتجنبوا المنزلق والمهوى ، ولا تغرنكم الدنيا ، فإن الآخرة خير وأبقى .

وإني أرجوكم أن تقرءوا كتابنا وتدققوا النظر في أدلتنا وتعمقوا الفكر في عقائدنا .

أقول هذا ، لأني فتشت أسواق الشام والقاهرة والحجاز والأردن ، وغيرها من البلاد الإسلامية التي غالب سكانها أهل السنة أو حكامها من أهل السنة والجماعة ، فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها فكأنكم ـ مع الأسف ـ آليتم أن تطالعوا كتب الشيعة ، فلا أدري هل حكمتهم عليها بأنها كتب الضلال فحرمتم قراءتها ؟!!

وإني دخلت بيوت كثير من إخواننا أهل السنة والجماعة ، علمائهم وغير علمائهم ، الذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصية في بيوتهم ، فوجدت فيها كتب مختلفة حتى كتب غير المسلمين من الشرقيين والغربيين ، ولم أجد كتابا واحدا من كتب الشيعة !!

بينما نحن في بلادنا نطبع كتبكم وننشرها ، وندعو أهل العلم والمثقفين لمطالعتها .

فهذه مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة في العراق ، وهذه مدينة قم ومشهد الإمام الرضا (ع) في إيران ، وهي مراكز الشيعة التي فيها حوزاتنا العلمية ومراجعنا الكرام ، وكذلك طهران وشيراز وأصفهان ، وغيرها من البلاد التي تسكنها الشيعة ، فتحت أبواب مكتباتها لعرض كتبكم وبيعها بدون أي مانع ورادع .

ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامة أو الشخصية تخلو من كتبكم وصحاحكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم ، لا لحاجة منا إليها ، لأن مدرسة أهل البيت (ع) غنية ، والأخبار المروية عن العترة الطاهرة الهادية تناولت جميع جوانب الحياة وكل ما يحتاجه الإنسان في أمر الدين والدنيا .

ولكن نريد أن نحاججكم بكتبكم ، ونلزمكم بأقوال علمائكم وآراء أعلامكم ، وننقدها نقدا بناء حتى نصل معكم إلى التفاهم ، وكما تجدوني في هذه المحاورات والمناقشات لا أنقل إلا عن كتبكم ومسانيدكم وصحاحكم وتفاسيركم .

إجماع أم مؤامرة !!

لقد ادعيتم أن إجماع الصحابة هو أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها . واستدللتم بحديث : لا تجتمع أمتي على الخطأ ، أو لا تجتمع أمتي على ضلال .

فالأمة أضيفت إلى ياء المتكلم ، فتفيد العموم كما قال النحويون ، فعلى فرض صحة الحديث يكون معناه : إن أمتي كلهم من غير استثناء إذا أجمعوا على أمر فذاك الأمر لا يكون خطأ أو ضلالا .

وهذا هو الإجماع الذي يتضمن رأي حجة الله تعالى في خلقه ، لأن الأرض لا تخلو من حجة لله عز وجل ـ كما جاء في روايات الفرقين ـ .

ثم إن هذا الحديث ـ على فرض صحته ـ لا ينخ الأحاديث النبوية والنصوص الجلية في تعريف النبي (ص) خليفته في البرية .

ولو تنزلنا وسلمنا برأيكم والتزمنا بهذا المقال ، بأن النبي (ص) لم يعين خليفته بأمر الله العزيز المتعال ، وإنما كان يشير إلى علي (ع) ويرشحه للخلافة برأيه الشخصي ، وقد فتح على الأمة باب الاختيار وفسح لهم المجال ، وأقر إجماعهم بقوله (ص) : لا تجتمع أمتي على خطأ أو ضلال .

فنقول : إن الإجماع الذي أقره النبي (ص) ما حصل في خلافة أبي بكر ولم يحصل لغيره .

الحافظ : نفي الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) أمر غريب !

لأنه حكم في الأمة بعد النبي (ص) أكثر من سنتين من غير مخالف أو منازع ، وانقاد له جميع المهاجرين والأنصار ، وبهذا حصل الإجماع على خلافته .

قلت : إن هذا كلام مغالطة وجدل ! لأن سؤالي وكلامي كان حول إجماع الأمة على خلافة أبي بكر في بداية الأمر ، حينما اجتمعوا في السقيفة ، وهل وافق الحاضرون كلهم على خلافته ؟!

وهل اتفق رأي المسلمين الذين كانوا في المدينة المنورة على خلافته آنذاك ؟!

وهل كان لرأي سائر المسلمين ـ الذين كانوا خارج المدينة المنورة ، حواليها أو بعيدين عنها ـ أثر في الانتخاب ؟!

أم ليس لرأيهم محل من الإعراب ؟!

الحافظ : لا نقول إن اجتماع السقيفة كان يمثل جميع الأمة ، وإن كان فيه كثير من كبار الصحابة ، ولكن الحاضرين فيها اختاروا أبا بكر ، وبعد ذلك وافقهم المسلمون فحصل الإجماع تدريجيا مع مرور الزمن !

قلت : بالله عليكم فكروا وأنصفوا ! هل الإجماع الذي أقره رسول الله (ص) في حديثه حصل في السقيفة ، مع مخالفة سعد بن عبادة الخزرجي وأهله وأنصاره ؟!

فهل تكشف واقعة السقيفة عن إجماع الصحابة البررة ، أو تنبئ عن مؤامرة مدبرة ؟!

وإذا ما كانت هناك مؤامرة ، ولم تتدخل فيها الأغراض والأطماع ، لماذا لم يصبروا حتى يتحقق الإجماع ؟!

وكلنا نعلم ، بأن الأوس قد وافقوا على خلافة أبي بكر لا لمصلحة الإسلام ، بل بسبب النزاعات والخلافات التي كانت بينهم وبين الخزرج ، وقد كانت لها جذور جاهلية ، فلما رأوا كفة سعد بن عبادة قد رجحت وكاد أن يبتز الحكم ، أسرعوا إلى أبي بكر فبايعوه رغما لأنوف مناوئيهم الخزرجيين .

وأما المسلمون خارج السقيفة ، لما سمعوا بما حدث في السقيفة ذهلوا وبهتوا ، ثم انجرفوا مع التيار ، وكان أكثر الناس في ذلك المجتمع همجا رعاعا ، ينعقون مع كل ناعق ، ويميلون مع الريح .

وهم الذين يصفهم الباري عز وجل بقوله : (ٍ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن يتقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )(22).

وسوف يخاطبهم الله تعالى في جهنم بقوله سبحانه : ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)(23) و(24).

وأما الذين استقاموا على الدين ، وثبتوا في طريق الحق واليقين ، وتمسكوا بولاية سيد الوصيين ، واعتقدوا خلافة وإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فعددهم قليل ، وهم الذين يصفهم ربهم سبحانه وتعالى بقوله : ( وقليل من عبادي الشكور)(25).

وهم صفوة أصحاب رسول الله (ص) وأهل بيته المطهرون وعترته الطيبون ، وهم الذين غضبوا من أحداث السقيفة وأعلنوا مخالفتهم لبيعة أبي بكر .

فلذلك نقول أن الإجماع ـ الذي تدّعونه لإثبات وتصحيح خلافة أبي بكر وشرعيتها ـ لم يحصل !

الحافظ : يحصل الإجماع ويقع إذا وافق أهل الحل والعقد وسنام الأمة على أمر ، وليس من حق أي مسلم أن ينقض ما أبرموا .

قلت : إن هذا التفسير والمعنى لكلمة الإجماع ادعاء لا دليل عليه ، وهو خلاف ظاهر الحديث الذي تمسكتم به لتشريع الإجماع .

فالحديث يصرح : لا تجتمع أمتي على خطأ ـ أو ضلال ـ .

فكيف استخرجتم هذا المعنى ، وخصصتم الأمة بأهل الحل والعقد والسنام ـ أي الطبقة العليا من المجتمع ـ ثم ألزمتم الآخرين باتباع رأي أولئك وإطاعتهم ؟!!

والحال إن إضافة الأمة إلى ياء المتكلم ، أو نسبتها إلى ياء النسبة تفيد العموم ، فلا يجوز عند النحويين أن تخصص الأمة بعدد من الصحابة دون الآخرين .

وحتى إذا سلمنا أن الإجماع يحصل بتوافق أهل الحل والعقد ، فهل الذين حضروا السقيفة كانوا أهل الحل والعقد دون سواهم ؟!

أم كان في المدينة وحواليها آخرون من أهل الحل والعقد ، ولم يحضروا آنذاك في السقيفة؟!

فهلا أخبروهم بانعقاد ذلك المؤتمر ودعوهم للحضور ؟!

وهلا استفسروا عن رأيهم في خلافة أبي بكر ؟!

الحافظ : الظروف ما سمحت بذلك ، فإذا كان على الشيخين أن ينتظروا رأي جميع أهل الحل والعقد الذين كانوا في المدينة المنورة وخارجها ، لكانت دسائس المنافقين تعمل عملها ، فلذلك لما سمع أبو بكر وعمر (رض) أن جماعة من الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، ليتشاوروا في أمر الخلافة ، أسرعا إليها وتكلما استوليا به على الوضع .

ثم إن عمر ـ الذي كان رجلا سياسيا وشيخا محنكا ـ رأى صلاح الإسلام في أن ينابيع أبا بكر بالخلافة ، فمد يده وبايعه ، وتبعه أبو عبيدة بن الجراح والأوسيون .

فلما رأى سعد بن عبادة ذلك ، خرج من السقيفة غاضبا غير راض عما حصل ، لأنه كان يريد الخلافة لنفسه ، وتبعه قومه الخزرجيون وخرجوا من السقيفة غاضبين .

هذا هو سبب استعجال الشيخين في أمر الخلافة ، ولولا اتخاذهما ذلك الموقف الحاسم في السقيفة لكان الأمر يؤول إلى النزاع بين قبيلتي الأنصار : الأوس والخزرج .

قلت : ما كان اجتماع الأنصار في السقيفة من أجل تعيين خليفة ، بل كانوا بصدد تعيين لأنفسهم ، وأخيرا كاد التوافق يحصل بأن يكون للأوس أمير وللخزرج أمير وهو أشبه شيء برئيس القبيلة وشيخ العشيرة .

فهنا اغتنم الشيخان أبو بكر وعمر الفرصة من نزاع القوم ، فتقدم أبو بكر وتكلم في أمر الخلافة ، وتعجل عمر في بيعته ، وإلا لو كان الاجتماع من أجل تعيين خليفة رسول الله (ص) لكان الاجتماع يضم كل الصحابة الذين كانوا في المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار ، وحتى الذين كانوا في معسكر أسامة بن زيد خارج المدينة .

فإن رسول الله (ص) في أواخر أيامه عقد راية لأسامة وأمر المسلمين بالانضمام تحتها ، وكرر الأمر بقوله (ص) : أنفذوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة !

وكان الشيخان تحت إمرة أسامة بن زيد ، ولكنهما تخلفا وتركا المعسكر ، فكان المفروض عليهما أن يستشيرا أميرهما في مثل ذلك الأمر الهام ، ولكنهما استبدا بالرأي وما شاوراه !

فلذلك لما سمع بما حدث في السقيفة وان أبا بكر صار خليفة جاء إلى مسجد النبي (ص) واعترض ، فاقترب منه عمر قائلا : لقد انقضى الأمر وتمت البيعة لأبي بكر ، قم وبايع ولا تشق عصا المسلمين ! فقام وبايع !

ولكن كان لأسامة أن يقول : لقد جعلني رسول الله (ص) أميرا عليك وعلى أبي بكر ولم يعزلني بعد ، فكيف يصبح أميركم الذي أمّره رسول الله (ص) تحت إمرتكم ؟!

أما أمركما رسول الله (ص) بطاعتي ؟! وأمركم أن تكونا تحت إمرتي ؟! فكيف انعكس الأمر ؟!!

فإن تقولوا : إن المسافة كانت بعيدة بين المدينة والمعسكر والظروف الراهنة ما سمحت للشيخين أن يستشيرا أميرهما أسامة ومن كان تحت رايته من ذوي البصائر وأهل الحل والعقد !

فما تقولون في بني هاشم الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) وكذلك الصحابة المقربين الذين كانوا آنذاك عند جثمان النبي (ص) يعزون أهله المصابين بتلك المصيبة العظمى ؟!

فلماذا ما استشار أولئك ، وبالخصوص علي بن أبي طالب والعباس(26) عم رسول الله (ص) وهما بإجماع المسلمين كانا من أهل الحل والعقد في الإسلام وكانا من ذوي البصيرة والرأي ، هل المسافة كانت بعيدة ؟!! أم الظروف الراهنة ما سمحت ؟!!

الحافظ : أظن بأن الأمر كان خطيرا والخطر كبيرا بحيث لم يمكن للشيخين ترك السقيفة حتى لحظة واحدة .

قلت : ولكن أقول : إن الشيخين ما أرادا أن يخبرا عليا وبني هاشم وسائر الصحابة ، بل كانا يريدان خلو الساحة من أولئك ، حتى يحققا أمرا دبّراه فيما بينهما !

الحافظ : وهل لكم دليل على ذلك ؟

قلت : أولا : كان بإمكانهما أن يراقبا الوضع في السقيفة ويبعثا أبا عبيدة الجراح ، فيخبر بني هاشم وسائر الصحابة .

ثانيا : قبل أن يأتي الشيخان إلى السقيفة ، كان أبو بكر مع المجتمعين في بيت رسول الله (ص) ، فجاء عمر عند الباب ولم يدخل البيت ، فطلب أبا بكر وأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة ، ولم يخبر الآخرين ، ثم أخذه معه وانطلقا نحو السقيفة .

الحافظ : هذا الخبر من أقاويل الروافض !

قلت : سبحان الله ، مالك كلما عجزت عن الجواب ، اتهمت الشيعة وأسأت إليهم بالكلام ؟!

ولقد تكرر منك هذا الموقف العنيف ، ثم ثبت للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك هذه المرة كذلك .

ولكي تعرف الحقيقة فراجع تاريخ محمد بن جرير الطبري ـ من كبار أعلامكم ومؤرخيكم في القرن الثالث ـ 2/456 ، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2/38 فقال : وروى أبو جعفر أيضا في التاريخ ، أن رسول الله (ص) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ـ إلى أن قال : ـ وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (ص) وفيه أبو بكر ، فأرسل إليه : أن أخرج إلي ، فأرسل : إني مشغول ، فأرسل إليه عمر أن أخرج ، فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة .... إلى آخر الخبر(27).

فبأي دليل ومنطق ، تسمون هذه الواقعة ، إجماع الأمة وإجماع أهل الحل والعقد ؟!

إن هذه الطريقة في تعيين رئيس الجمهورية أو أمير القوم أو خليفة رسول الله (ص) تخالف القوانين السماوية والأرضية ، وتناقض سيرة العقلاء في العالم وترفضها جميع الأمم والشعوب ، لا الشيعة فحسب !

لا إجماع على خلافة أبي بكر:

أيها العلماء لو فكرتم قليلا وأنصفتم ، ثم نظرتم إلى أحداث السقيفة وما نجم منها ، لأذعنتم أن خلافة أبي بكر ما كانت بموافقة جميع أهل الحل والعقد ، ولم يحصل الإجماع عليها ، وأن ادعاء القوم وتمسكهم بالإجماع فارغ عن المعنى واسم من غير مسمى !

فإن إعلان النتيجة في مثل هذه الأمور تعبر برأي الأكثرية والأقلية أو الإجماع .

فلو تشاور قوم في أمر ، فوافق أكثرهم وخالف آخرون ، فالموافقون أكثرية والمخالفون أقلية .

ولكن إذا وافق كلهم ، بحيث لم يخالف منهم أحد ، فقد حصل الإجماع .

والآن أسألكم بالله ! هل حصل هذا الإجماع على خلافة أبي بكر ، في السقيفة أو في المسجد أو في المدينة .

وحتى لو تنزلنا وقلنا : إن الملحوظ هو رأي كبار الصحابة وذوي العقل والبصيرة من المسلمين ، فهل أجمع كبار الصحابة وعقلاء المسلمين وأهل الحل والعقد كلهم على خلافة أبي بكر ، بحيث لم يكن فيهم مخالف واحد ؟!

الحافظ : قلنا بأن الإجماع ما حصل في بادئ الأمر ، بل حصل تدريجا بموافقة المخالفين واحدا بعد الآخر مع طول الزمن .

قلت : وحتى هكذا ـ إجماع تدريجي ـ لم يحصل أيضا ، لأن كثيرا من المخالفين بقوا على مخالفتهم لخليفة السقيفة ، إلى أن وافاهم الأجل ، منهم سيدة نساء العالمين وبنت سيد المرسلين وحبيبة خاتم النبيين ، فاطمة الزهراء (ع) ، وكانت هي مدار سخط الله سبحانه ورضاه ، حيث قال رسول الله (ص) في شأنها : " فاطمة بضعة مني ، يرضى الله لرضاها ، ويسخط لسخطها " .

فأعلنت سخطها على الخليفة ، ومخالفتها لرأي السقيفة ، ورفضت أن تبايع أبا بكر حتى ماتت وهي واجدة عليه(28).

وأحد المخالفين لخلافة أبي بكر ، سعد بن عبادة الخزرجي ، وهو سيد قومه ، أعلن خلافه لما بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس .

فقال : أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ، ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي(29).

فالإجماع الذي تزعمونه نفاه كثير من أعلامكم أيضا ، منهم صاحب كتاب "المواقف" والفخر الرازي وجلال الدين السيوطي وابن أبى الحديد والطبري والبخاري ومسلم بن الحجاج وغيرهم .

وقد ذكر العسقلاني والبلاذري في تاريخه ومحمد خاوند شاه في " روضة الصفا " وابن عبد البر في " الاستيعاب " وغير هؤلاء أيضا ذكروا : أن سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش ما بايعوا أبا بكر ، وثمانية عشر من كبار الصحابة رفضوا أيضا أن يبايعوه ، وهم شيعة علي بن أبي طالب وأنصاره ، وذكروا أسماءهم كما يلي :

1ـ سلمان الفارسي 2ـ أبو ذر الغفاري 3ـ المقداد بن الاسود الكندي 4ـ أبي بن كعب 5ـ عمار بن ياسر 6ـ خالد بن سعيد بن العاص 7ـ بريدة الأسلمي 8ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين 9ـ أبو الهيثم بن التيهان 10 ـ سهل بن حنيف 11ـ عثمان بن حنيف 12ـ أبو أيوب الأنصاري 13ـ جابر بن عبد الله الأنصاري 14ـ حذيفة بن اليمان 15ـ سعد بن عبادة 16ـ قيس بن سعد 17ـ عبد الله بن عباس 18ـ زيد بن أرقم .

وذكر اليعقوبي في تاريخه فقال : تخلف قوم من المهاجرين والأنصار عن بيعة أبي بكر ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب .

أقول :

ألم يكن هؤلاء من صفوة أصحاب النبي (ص) ومن المقربين إليه والمكرمين لديه ؟! فلماذا لم يشاوروهم ؟!

فإن لم يكن هؤلاء الأخيار من أهل الحل والعقد ومن ذوي البصيرة والرأي في المشورة والاختيار ، فمن يكون إذن ؟!!

وإذا لم يعبأ برأي أولئك كان رسول الله (ص) يشاورهم في الأمور ويعتمد عليهم ، فبرأي من يعبأ ، ورأي من يكون ميزانا ومعيارا لإبرام الأمور المهمة وحسم قضايا الأمة ؟!

مخالفة العترة لخلافة أبي بكر:

لا شك أن العترة وأهل بيت رسول الله (ص) هم أفضل الصحابة ، وهم في الصف الأول والمتقدمين على أهل الحل والعقد ، وإن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة لازمة ، ليس لأحد من المسلمين ردهم بدليل الحديث النبوي الشريف المروي في كتب الفريقين أنه (ص) قال : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا .

[ ذكرنا بعض مصادره من كتب العامة في مجلس سابق ] .

فجعلهم رسول الله (ص) منار الهدى ، وأمانا من الضلالة والعمى .

وقال (ص) : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى . [ ذكرنا مصادره في المجلس الثالث من هذا الكتاب ] .

وقال (ص) : أنا وأهل بيتي شجرة [أصلها] في الجنة ، وأغصانها في الدنيا فمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليتمسك بها(30) . فجعلهم سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى .

وقال (ص) : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون !(31).

هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها ، جاءت في كتبكم ، وذكرت في مسانيدكم وصحاحكم ، وهي تشير إلى أن المسلمين إذا أطاعوا أهل البيت عليهم السلام واتبعوا العترة الهادية سعدوا في الدنيا والآخرة .

واتفق المؤرخون والمحدثون على أن أهل البيت وبني هاشم كلهم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ولم يرضوا بخلافته .

فثبت أن دليلكم الأول ـ وهو الإجماع على خلافة أبي بكر ـ مردود .

تفنيد الدليل الثاني:

وأما دليلكم الثاني ، وهو كبر السن ، إذ قلتم : إنهم قدموا أبا بكر في الخلافة لأنه أكبر سنا من علي بن أبي طالب .

صحيح أن أصحاب السقيفة استدلوا بهذا الدليل لإقناع الإمام علي عليه السلام ليبايع أبا بكر(32) ولكنه دليل ضعيف وكلام سخيف .

فلو كان كبر السن ملحوظا في المنصوب للخلافة ، فقد كان في المسلمين والصحابة من هو أكبر سنا من أبي بكر ، حتى إن والده أبا قحافة كان حيا في ذلك اليوم ، فلم أخروه وقدموا ابنه ؟!!(33).

الحافظ : إن الملحوظ عندنا كبر السن مع السابقة في الإسلام .

وقد كان أبو بكر شيخا محنكا في الأمور ، ذا سابقة حسنة ، وكان مقدرا ومحبوبا عند رسول الله (ص) فلا يقدم عليه علي كرم الله وجهه وهو حديث السن غير محنك في الأمور .

قلت : إن كان كذلك فلماذا قدم رسول الله (ص) عليا (ع) عليه في كثير من الأمور والقضايا ؟!

منها : في غزوة تبوك ، حينما عزم رسول الله (ص) أن يخرج مع المسلمين إلى تبوك وكان يخشى تحرك المنافقين في المدينة وتخريبهم ، خلف عليا (ع) ليدير أمور المدينة المنورة ، دينيا وسياسيا واجتماعيا ، وقال له : أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .

وكان علي (ع) نعم الخلف ، وخير مدير ، وأفضل أمير .

ومنها تبليغ آيات من سورة براءة لأهل مكة حين كانوا مشركين ، فقد عين النبي (ص) أبا بكر لهذه المهمة وأرسله إلى مكة وقطع مسافة نحوها ، ولكن الله عز وجل أمر النبي (ص) أن يعزل أبا بكر ويعين عليا (ع) لتبليغ الرسالة ، ففعل النبي (ص) وأرسل عليا (ع) فأخذ الرسالة من أبي بكر ، فرجع إلى المدينة وذهب علي (ع) إلى مكة فوقف في الملأ العام من قريش ورفع صوته بتلاوة الآيات من سورة براءة وأدى تبليغ الرسالة ، ونفذ الأمر ، ورجع إلى المدينة(34).

ومنها : أنه (ص) بعثه إلى اليمن ليهدي أهلها إلى الإسلام ، ويبلغهم الدين ، ويقضي بين المتخاصمين ، وقد أدى هذا الأمر على أحسن وجه .

وأمثال هذه الأخبار كثيرة ، لا يسعنا المجال لذكرها ، ولكن ذكرنا نماذج منها لتفنيد دليلكم وإبطال قولكم ، ولكي يعرف الحاضرون أن كبر السن والشيخوخة غير ملحوظة في انتخاب خليفة النبي (ص) ، وإنما الملحوظ كمال عقله وإيمانه ، واتصافه بالصفات الحميدة والفضائل المجيدة ، التي تجعله مشابها ومماثلا للنبي (ص) سواء أكان خليفته شيخا أم شابا .

علي (ع) فاروق بين الحق والباطل:

ودليلنا الآخر على بطلان خلافة أبي بكر أن علي بن أبي طالب (ع) رفض البيعة له وخالف ولايته .

والنبي (ص) وصف عليا (ع) بأنه الفاروق بين الحق والباطل .

فخلافة أبي بكر التي خالفها علي (ع) باطلة لا محالة .

الحافظ : إن عمر بن الخطاب هو الفاروق الأعظم ، وهو أول من بايع أبا بكر وسعى في تحكيم خلافته .

قلت : الناس لقبوا عمر بالفاروق ، في قبال النبي (ص) إذ لقب عليا (ع) به ، وزادوا " الأعظم " في لقب عمر ليؤكدوه فيه .

الحافظ : وهل لكم دليل على أن النبي (ص) لقب عليا كرم الله وجهه بالفاروق .

قلت : وهل نقلت إلى الآن خبرا في فضل الإمام علي (ع) بغير دليل من كتبكم ومسانيدكم المعتبرة عندكم ؟! وهذا الموضوع أيضا سنده ودليله في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة .

لقد نقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه " ينابيع المودة " باب 56 : روى من كتاب " السبعين في فضائل أمير المؤمنين " حديث رقم 12 ، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله (ص) : ستكون من بعدي فتنة ، فإن كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنه الفاروق بين الحق والباطل .

قال : رواه صاحب الفردوس .

وأخرجه أيضا العلامة المير السيد علي الهمداني في كتابه " مودة القربى " المودة السادسة ، عن أبي ليلى الغفاري ، عن النبي (ص) قال : ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليا ، فإنه الفاروق بين الحق والباطل .

وروى العلامة الكنجي الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " الباب الرابع والأربعين : بإسناده عن أبي ليلى الغفاري ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليا ، إنه أول من يراني ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو معي في السماء العليا ، وهو الفاروق بين الحق والباطل .

قال الكنجي : هذا حديث حسن عال ، رواه الحافظ في أماليه .

وروى أيضا في الباب باسناده عن ابن عباس ، قال : ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (ع) ، فإني سمعت رسول الله (ص) وهو يقول : هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي .

قال الكنجي : هكذا أخرجه محدث الشام في فضائل علي عليه السلام في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاث مائة من كتابه بطرق شتى وأخرج شيخ الإسلام الحمويني بسنده عن علقمة بن قيس والأسود بن بريدة .

وأخرجه عنهما المير السيد علي الهمداني في آخر المودة الخامسة من كتاب " مودة القربى " باختلاف يسير في أوله ، ونحن ننقل عنه ..

قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري ، قلنا : يا أبا أيوب ! إن الله تعالى أكرمك بنبيك إذ أوحى إلى راحلته تبرك إلى بابك ، فكان رسول الله (ص) صنع لك فضيلة فضلك بها .

أخبرنا بمخرجك مع علي (ع) تقاتل أهل لا إله إلا الله !

فقال أبو أيوب : فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان والنبي (ص) معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي ، وما في البيت غير رسول الله (ص) وعلي جالس يمينه ، وأنس قائم بين يديه ، إذ حرك الباب ، فقال رسول الله (ص) : انظر إلى الباب من بالباب ؟

فقال : يا رسول الله ! هذا عمار .

فقال : افتح لعمار الطيب المطيب .

ففتح أنس الباب ، فدخل عمار على رسول الله (ص) .

قال (ص) : يا عمار ستكون في أمتي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا ، فإذا رأيت ذلك فعليك بذلك الأصلع عن يميني ـ يعني علي بن أبي طالب ـ إ ن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا ، فاسلك وادي علي وخل عن الناس .

يا عمار ! علي لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى .

يا عمار ! طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله .

أقول : فكانت الفتنة التي أشار إليها رسول الله (ص) وصرح بها وأفصح عنها ، وهي اختلاف أصحابه بعده في أمر الخلافة ، وقد بين (ص) ما عليه ، من إرشاد أمته إلى الصراط المستقيم والطريق القويم ، بأن يستضيئوا بنور وصيه وابن عمه علي بن أبي طالب (ع) ويتبعوه ويأخذوا جانبه ، فإن الحق معه ، وكان علي (ع) يخالف بيعة أبي بكر ويرفضها لأنها باطلة .

ونحن نعتقد أن السقيفة وخليفتها ما هي إلا مؤامرة نفر من قريش ، أشهرهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ، وإذا لم تكن مؤامرة مدبرة بين هؤلاء كان عليهم أن يخبروا الصحابة الآخرين وخاصة الإمام عليا والعباس ، وكان عليهم أن يشاوروهم ويأخذوا رأيهم . فكان يتعين حينئذ خليفة رسول الله (ص) على أساس الإجماع .

الحافظ : ما كانت هناك مؤامرة ، وإنما الأوضاع الراهنة كانت خطيرة للغاية ، بحيث رأوا التعجيل في تعيين الخليفة أمرا ضروريا لا يجوز تأخيره ، وذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين حفظا للدين .

قلت : هل إن الثلاثة الذين سبقوا بني هاشم وغيرهم من ذوي البصيرة والرأي ، وحضروا السقيفة ، هل كان إحساسهم في حفظ الدين أكثر من العباس ومن علي بن أبي طالب ، مع سوابقه المشرقة في الجهاد والتضحية والذب عن الإسلام ونبيه (ص) ؟!!

فإذا لم يكونوا متآمرين في سبيل نيل الخلافة ، وما كانوا طامعين فيها ، لكان على اثنين منهم أن يبقيا في السقيفة ويناقشا الأنصار ويهدئا الوضع ، ويخرج الثالث إلى الصحابة وبني هاشم الذين كانوا في بيت النبي (ص) فيخبرهم باجتماع السقيفة ، فكانوا سيشاركونهم فيها ويبدون رأيهم ، ولحل الوفاق محل الاختلاف .

وصدقوني أيها الأخوة ، إن كل ما نجده اليوم من افتراق المسلمين واختلافهم الذي انتهى إلى ضعفهم وكسر شوكتهم ، وما حدثت من نزاعات داخلية بين المسلمين ، والحروب الدامية والوقائع المخزية التي نشبت بينهم في الماضي والحاضر ، كلها حصيلة يوم السقيفة ومؤامرة أولئك النفر وتعجيلهم في تعيين الخليفة .

النواب : سيدنا الجليل ! ما هو السبب في تعجيل القوم ؟! وما الذي حداهم إلى عدم إخبار بني هاشم والصحابة الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) ؟!

قلت : نحن على يقين أنهم كانوا يعلمون ، لو لم يعجلوا في تعيين أحدهم بالخلافة ، ولو صبروا حتى يحضر بنو هاشم وكبار الصحابة فيشاورهم في تعيين خليفة النبي (ص) ويسمع الحاضرون احتجاجهم ما عدلوا عن علي بن أبي طالب (ع) كما أن بشير بن سعد الأنصاري ، وهو أول من بايع أبا بكر من الأنصار ، لما سمع كلام الإمام علي (ع) وهو يحتج على أبي بكر ، قال : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلفت عليك !(35).

وحتى عمر بن الخطاب لم يكن موقنا بنجاح المؤامرة ، وأن الخليفة الذي سينصبه هو(36) ويبادر إلى بيعته ، سيصبح حاكما متمكنا ، فلذلك كان يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(37).

رد الدليل الثالث:

وأما دليلكم الثالث ، وهو قول عمر بن الخطاب بأن النبوة والحكم لا تجتمعان في أهل بيت واحد ، فبطلانه وزيفه واضح ، بدليل قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما )(38).

فالكلام إن كان ينسب إلى عمر فهو دليل على عدم إحاطته بالآيات القرآنية ومفاهيمها !