5 ربيع الأول سنة 1330
1 ـ الجمع بين ثبوت النص وحملهم على الصحة
2 ـ الوجه في قعود الامام عن حقه
1 ـ أفادتنا سيرة كثيرة من الصحابة أنهم إنما كانوا يتعبدون بالنصوص إذا كانت متمحضة للدين، مختصة بالشؤون الأخروية، كنصه صلى الله عليه وآله وسلم، على صوم شهر رمضان دون غيره، واستقبال القبلة في الصلاة دون غيرها، ونصه على عدد الفرائض في اليوم والليلة، وعدد ركعات كل منها وكيفياتها، ونصه على أن الطواف حول البيت اسبوع، ونحو ذلك من النصوص المتمحضة للنفع الأخروي.
أما ما كان منها متعلقاً بالسياسة كالولايات والامارات، وتدبير قواعد الدولة، وتقرير شؤون المملكة، وتسريب الجيش، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه، بل جعلوا لأفكارهم مسرحاً للبحث، ومجالاً للنظر والاجتهاد، فكانوا إذا رأوا في خلافه، رفعاً لكيانهم، أو نفعاً في سلطانهم، ولعلهم كانوا يحرزون رضا النبي بذلك، وكان قد غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا تتعبد بالنص عليه، إذ وترها في سبيل الله، وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله، وكشف القناع منابذاً لها في نصرة الحق، حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور فهم لا يطيعونه إلا عنوة، ولا يخضعون للنص عليه إلا بالقوة، وقد عصبوا به كل دم أراقه الاسلام أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جرياً على عادتهم في أمثال ذلك، اذ لم يكن بعد النبي في عشيرته صلى الله عليه وآله وسلم، أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره، لأنهم إنما كانوا يصبونها في أمثل العشيرة، وأفضل القبيلة، وقد كان هو أمثل الهاشميين؛ وأفضلهم بعد رسول الله، لا يدفاع ولا ينازع في ذلك، ولذا تربص
العرب به الدوائر، وقلبوا له الأمور، وأضمروا له ولذريته كل حسيكة، ووثبوا عليهم كل وثبة، وكان ما كان مما طار في الأجواء، وطبق رزؤه الأرض والسماء.
وكذلك فإن قريشاً خاصة والعرب عامة، كانت تنقم من علي شدة وطأته على أعداء الله، ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله، أو يهتك حرماته عز وجل، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وتخشى عدله في الرعية، ومساواته بين الناس في كل قضية، ولم يكن لأحد فيه مطمع، ولا عنده لأحد هوادة، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه، فمتى تخضع الأعراب طوعاً لمثله وهم «أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله» (1) «ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم» (2) وفيها بطانة لا يألونهم خبالاً.
وأيضاً فإن قريشاً وسائر العرب، كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، حيث بلغ في علمه وعمله رتبة ـ عند الله ورسوله وأولي الألباب ـ تقاصر عنها الأقران، وتراجع عنها الأكفاء، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه، منزلة، تشرئب إليها أعناق الأماني، وشأواً تنقطع دونه هوداي المطامع، وبذلك دبت عقارب الحسد له في قلوب المنافقين، واجتمعت على نقض عهده كلمة الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين، فاتخذوا النص ظهرياً، وكان لديهم نسياً منسياً.
وأيضاً، فإن قريشاً وسائر العرب، كانوا قد تشوقوا الى تداول الخلافة في قبائلهم، وأشرئبت الى ذلك أطماعهم، فأمضوا نياتهم على نكث العهد، ووجهوا عزائمهم الى نقض العقد، فتصافقوا على تناسي النص، وتبايعوا على أن لا يذكر بالمرة، وأجمعوا على صرف الخلافة من أول أيامها عن وليها المنصوص عليه من
____________ (1) سورة التوبة آية: 97.
(2) سورة التوبة آية: 101.
نبيها، فجعلوها بالانتخاب والاختيار، ليكون لكل حي من أحيائهم أمل في الوصول إليها ولو بعد حين، ولو تعبدوا بالنص، فقدموا علياً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة، حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب، وجعلها قدوة لأولي الألباب، الى يوم الحساب، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص، ولا سيما بعد أن طمحت إليها الأبصار من جميع قبائلها، وحامت عليها النفوس من كل أحيائها.
وأيضاً، فإنّ من ألم بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام، يعلم أنهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية، إلا بعد أن تهشموا، ولم يبق فيهم من قوة، فكيف يرضون باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، وقد قال عمر بن الخطاب لابن عباس في كلام دار بينهما: «إن قريشاً كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة، فتجحفون على الناس (1) » (2) .
2 ـ والسلف الصالح لم يتسن له أن يقهرهم يومئذ على التعبد بالنص فرقاً من انقلابهم إذا قاومهم، وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال، وقد ظهر النفاق بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقويت بفقده شوكة المنافقين، وعتت نفوس الكافرين، وتضعضعت أركان الدين، وانخلعت قلوب المسلمين، وأصبحوا بعده كالغنم المطيرة، في الليلة الشاتية، بين ذئاب عادية، ووحوش ضارية، وارتدت طوائف من العرب، وهمت بالردة أخرى، كما فصلناه في المراجعة 82، فأشفق علي في تلك الظروف أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس مخافة البائقة،
____________
(1) نقله ابن أبي الحديد في 107 من المجلد الثالث من شرح النهج، في قضية يجدر بالباحثين أن يقفوا عليها، وقد أوردها ابن الأثير في أواخر أحوال عمر ص24 من الجزء الثالث من كامله، قبل ذكر قصة الشورى. (منه قدس).
(2) محاورة بين ابن عباس وعمر في أمر الخلافة.
راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3/107 ط1 بمصر و: 12/52 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 3/876 ط مكتبة الحياة و: 3/141 ط دار الفكر، الكامل لابن الأثير ج3 ط دار صادر، تاريخ الطبري: 4/223 ط دار المعارف بمصر و: 2/289 ط آخر، عبدالله ابن سبأ للعسكري: 1/114.
وفساد العاجلة، والقلوب على ما وصفنا، والمنافقون على ما ذكرنا، يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وأهل الردة على ما بينا، والأمم الكافرة على ما قدمنا، والأنصار قد خالفوا المهاجرين، وانحازوا عنهم يقولون: منا أمير ومنكم أمير. (1) . فدعاه النظر للدين الى الكف عن طلب الخلافة، والتجافي عن الأمور، علماً منه أن طلبها والحال هذه، يستوجب الخطر بالأمة، والتغرير في الدين، فاختار الكف إيثاراً للاسلام، وتقديماً للصالح العام، وتفضيلاً للآجلة على العاجلة.
غير أنه قعد في بيته ـ ولم يبايع حتى أخرجوه كرهاً ـ (2) احتفاظاً بحقه، واحتجاجاً على من عدل عنه، ولو أسرع الى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين، والأحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين، فدل هذا على أصالة رأيه، ورجاحة حلمه، وسعة صدره ، وإيثاره المصلحة العامة، ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل، والأمر الجزيل، ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له، وأعود المقصودين عليه، بالقرب من الله عز وجل.
أما الخلفاء الثلاثة وأولياؤهم، فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها، ولا عجب منهم في ذلك بعد الذي نبهنا إليه من تأولهم واجتهادهم في كل ما كان من نصوصه صلى الله عليه وآله وسلم، متعلقاً بالسياسات والتأميرات، وتدبير قواعد الدولة، وتقرير شؤون المملكة، ولعلهم لم يعتبروها كأمور دينية،
____________
(1) راجع: تاريخ الطبري: 4/218 و219 و220 ط دار المعارف بمصر، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6/6 و9 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 2/4 ط1 بمصر، تاريخ اليعقوبي: 2/102.
(2) اخراج الامام علي بن أبي طالب عليه السلام كرهاً لأجل البيعة.
راجع: العقد الفريد: 4/335 ط لجنة التأليف والنشر بمصر و: 2/285 ط آخر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3/415 أفست بيروت.
فهان عليهم مخالفته فيها، وحين تم لهم الأمر، اخذوا بالحزم في تناسي تلك النصوص وأعلنوا الشدة على من يذكرها أو يشير اليها، ولما توفقوا في حفظ النظام، ونشر دين الاسلام، وفتح الممالك، والاستيلاء على الثروة والقوة، ولم يتدنسوا بشهوة، علا أمرهم، وعظم قدرهم، وحسنت بهم الظنون، وأحبتهم القلوب، ونسج الناس في تناسي النص على منوالهم، وجاء بعدهم بنو أمية ولا هم لهم إلا اجتياح أهل البيت واستئصال شأفتهم، ومع ذلك كله، فقد وصل إلينا من النصوص الصريحة، في السنن الصحيحة، ما فيه الكفاية، والحمد لله، والسلام عليكم.
ـ ش ـ
7 ربيع الأول سنة 1330
التماس الموارد التي لم يتعبدوا فيها بالنص
أخذت كتابك الأخير، فإذا هو معجز في تقريب ما استبعدناه، مدهش في تمثيله بأجلى مظاهر التصوير، فسبحان من ألان لك أعطاف البرهان، وألقى إليك مقاليد البيان، فبلغت ما لا تبلغ إليه الوسائل، وظفرت بما لا تظفر به الأماني. وكنا نظن أن الأسباب لا تتعلق بما استشهدت عليه بنصوص الأثبات، وأن لا سبيل إلى ما خرجت من عهدته بنواهض البينات. وليتك أشرت الى الموارد التي لم يتعبدوا فيها بالنصوص الصريحة، ليتبين وجه السداد، ويتضح سبيل الرشاد، فالتمس تفصيل ذلك، استظهاراً بذكر المأثور من سيرتهم، وسبر المسطور في كتب الأخبار من طريقتهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـ س ـ
8 ربيع الأول سنة 1330
1 ـ رزية يوم الخميس
2 ـ السبب في عدول النبي عما أمرهم به يومئذ
1 ـ الموارد التي لم يتعبدوا فيها بالنص أكثر من أن تحصى، وحسبك منها رزية يوم الخميس فإنها من اشهر القضايا، وأكبر الرزايا، أخرجها أصحاب الصحاح، وسائر أهل السنن، ونقلها أهل السير والأخبار كافة، ويكفيك منها ما أخرجه البخاري (1) بسنده الى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا (2) بعده، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا [ عنّي خ ل]، فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. اهـ. (3) وهذا الحديث مما لا كلام في صحته ولا في صدوره؛ وقد أورده البخاري في عدة مواضع من صحيحه (4) ؛ وأخرجه مسلم في
____________
(1) في باب قول المريض قوموا عني من كتاب المرضى، ص5 من الجزء الرابع من صحيحه. (منه قدس).
(2) بحذف النون مجزوماً، لكونه جواباً ثانياً لقوله هلم (منه قدس).
(3) هذا اللفظ يوجد في: صحيح البخاري كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عن: 7/9 أفست دار الفكر على ط استانبول و: 7/156 ط محمد علي صبيح وط مطابع الشعب و: 4/7 ط دار احياء الكتب و: 4/5 ط المعاهد و: 4/5 ط الميمنية بمصر و: 6/97 ط بمبي و: 4/6 ط المطبعة الخيرية بمصر، صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية: 5/75 ط محمد علي صبيح و ط المكتبة التجارية و: 2/16 ط عيسى الحلبي و: 11/95 ط مصر بشرح النووي، مسند أحمد بن حنبل: 4/356 ح2992 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر.
(4) أورده في كتاب العلم ص22 من جزئه الأول، وفي مواضع أخر يعرفها المتتبعون (منه قدس).
آخر الوصايا من صحيحه أيضاً (1) ، ورواه أحمد من حديث ابن عباس في مسنده (2) ؛ وسائر أصحاب السنن والأخبار، وقد تصرفوا فيه إذ نقلوه بالمعنى، لأن لفظه الثابت: إن النبي يهجر، لكنهم ذكروا أنه قال: إن النبي قد غلب عليه الوجع تهذيباً للعبارة، وتقليلاً لمن يستهجن منها، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة (3) بالاسناد الى ابن عباس، قال: «لما حضرت رسول الله الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله: ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده، (قال): فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: عندنا القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف من في البيت واختصموا، فمن قائل: قربوا يكتب لكم النبي، ومن قائل ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط واللغو والاختلاف غضب صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: قوموا… الحديث» (4) وتراه صريحاً بأنهم إنما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه، ويدلك على هذا أيضاً أن المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ، نقلوا المعارضة بعين لفظها، قال البخاري في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه (5) : حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سلمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني
____________
(1) ص 14 من جزئه الثاني (منه قدس).
(2) راجع ص325 من جزئه الأول (منه قدس).
(3) كما في ص20 من المجلد الثاني من شرح النهج للعلامة المعتزلي (منه قدس).
(4) يوجد في: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6/51 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 2/20 ط1 بمصر وأفست بيروت و: 2/294 ط دار مكتبة الحياة و: 2/30 ط دار الفكر في بيروت.
بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشكرين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم (قال) ونسيت الثالثة (1) . اهـ. (2) ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً في آخر كتاب الوصية من صحيحه، وأحمد من حدث ابن عباس في مسنده (3) ، ورواه سائر المحدثين، وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ائتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا: إن رسول الله يهجر (4) . اهـ (5) .
____________
(1) ليس الثالثة الا الأمر الذي أراد النبي أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال، لكن السايسة اضطرت المحدثين الى نسيانه، كما نبه اليه مفتي الحنفية في صور الحاج داود الددا (منه قدس).
(2) يوجد في: صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب جوائز الوفد: 4/31 أفست دار الفكر على ط استانبول و: 4/85 ط مطابع الشعب و: 2/178 ط دار احياء الكتب و: 2/120 ط المعاهد و: 2/125 ط الشرفية و: 5/85 ط محمد علي صبيح و: 4/55 ط الفجالة و: 2/111 ط الميمنية بمصر و: 3/115 ط بمبي بالهند.
صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء: 2/16 ط عيسى الحلبي و: 5/75 ط محمد علي صبيح بمصر و: 5/75 ط المكتبة التجارية في بيروت و: 11/89 ـ 94 ط مصر بشرح النووي، مسند أحمد: 1/222 ط الميمنية بمصر و: 3/286 ح1935 بسند صحيح و: 5/45 ح3111 ط دار المعارف بمصر.
(3) ص 222 من جزئه الأول. (منه قدس).
(4) وأخرج هذا الحديث بهذه الألفاظ، أحمد في ص355 من الجزء الأول من مسنده، وغير واحد من أثبات السنن (منه قدس).
(5) يوجد ذلك في: صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس عنده شيء 2/16 ط عيسى الحلبي و: 5/75 ط محمد علي صبيح و: 5/75 ط المكتبة التجارية و: 11/94 ـ 95 ط مصر بشرح النووي، مسند أحمد بن حنبل: 1/355 ط الميمنية بمصر و: 5/116 ح3336 بسند صحيح ط دار المعارف بمصر، تاريخ الطبري: 3/193 بمصر، الكامل لابن الأثير: 2/320.
رزية يوم الخميس بلفظ ثالث للبخاري:
«عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وأكثروا اللفظ قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابه».
يوجد في: صحيح البخاري كتاب العلم: 1/37 أفست دار الفكر على ص استانبول و: 1/39 ط مطابع الشعب و: 1/14 ط بمبي بالهند و: 1/32 ط دار احياء الكتب و: 1/22 ط المعاهد و: 1/22 ط الشرفية و: 1/38 ط محمد علي صبيح و: 1/28 ط الفجالة و: 1/20 ـ 21 ط الميمنية بمصر.
رزية يوم الخميس بلفظ رابع للبخاري:
«قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبداً فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يردون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني اليه، وأوصاهم بثلاث: قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحوما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها».
يوجد في: صحيح البخاري كتاب النبي الى كسرى وقيصر باب مرض النبي ووفاته: 5/137 أفست دار الفكر على ط استانبول و: 6/11 ط مطابع الشعب و: 5/40 ط بمبي بالهند و: 3/66 ط المطبعة الخيرية، تاريخ الطبري: 3/192 ـ 193.
رزية يوم الخيمس بلفظ خامس للبخاري:
«سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت له يا بن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر استفهموه فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني اليه فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة أما أن سكت عنها واما أن قالها فنسيتها».
يوجد في: صحيح البخاري كتاب الجزية باب اخراج اليهود من جزيرة العرب: 4/65 ـ 66 أفست دار الفكر على ط استانبول و: 4/12 ط بمبي بالهند و: 2/132 ط آخر. وهذا قريب مما تقدم في اللفظ الأول تحت رقم (848) فراجع.
رزية يوم الخميس بلفظ سادس للبخاري:
«عن ابن عباس قال لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده قال عمر: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قوموا عني».
قال عبيدالله فكان ابن عباس يقول: ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم».
يوجد في: صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب كراهية الخلاف: 8/161 أفست دار الفكر على ص استانبول و: 8/64 ط بمبي بالهند و: 4/194 ط المطبعة الخيرية.
وذكر هذه الرواية في كتاب النبي الى كسرى وقيصر باب مرض النبي ووفاته بعد الرواية المتقدمة في لفظه الرابع.
رزية يوم الخميس في مصادر اخرى:
راجع: عبدالله بن سبأ للعسكري: 1/79، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/133 أفست بيروت على ط1 بمصر، الملل والنحل للشهرستاني: 1/22 ط بيروت، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/242 ـ 244.
قول عمر بن الخطاب ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليهجر:
يوجد في: تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي: 62 ط الحيدرية وص36 ط ايران، سر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي: 21 ط مطبعة النعمان.
ومن ألم بما حول هذه الرزية من الصحاح، يعلم أن أول من قال يومئذ:
هجر رسول الله. إنما هو عمر، ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا على رأيه، وقد سمعت قول ابن عباس ـ في الحديث الأول (1) ـ : فاختلف أهل البيت
فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من قول: ما قاله عمر ـ أي يقول: هجر رسول الله ـ وفي رواية أخرى أخرجها الطبراني في الأوسط عن عمر (1) ، قال: «لما مرض النبي قال: ائتوني بصحيفة ودواة؛ أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقال النسوة من رواء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال عمر: فقلت إنكن صويحبات يوسف إذا مرض رسول الله عصرتن أعينكن، وإذا صح ركبتن عنقه! قال: فقال رسول الله: دعوهن فإنهن خير منكم» اهـ. (2) .
وأنت ترى أنهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لأمنوا من الضلال، وليتهم اكتفوا بعدم الامتثال ولم يردوا قوله إذ قالوا: حسبنا كتاب الله، حتى كأنه لا يعلم بمكان كتاب الله منهم، أو أنهم أعلم منه بخواص الكتاب وفوائده، وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه، بكلمتهم تلك ـ هجر رسول الله ـ وهو مختصر بينهم، وأي كلمة كانت وداعاً منهم له صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنهم ـ حيث لم يأخذوا بهذا النص اكتفاء منهم بكتاب الله على ما زعموا ـ لم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» (3) وكأنهم حيث قالوا: هجر، لم يقرأوا قوله تعالى: «إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وما صاحبكم بمجنون» (4) وقوله عز من قائل: «إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما
____________
(1) كما في ص138 من الجزء الثالث من كنز العمال (منه قدس).
(2) راجع: عبدالله بن سبأ للسيد العكسري: 1/79، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/423 ـ 244.
(3) سورة الحشر آية: 7.
(4) سورة التكوير آية: 19.
ترمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين» (1) وقوله جل وعلا «ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى» (2) الى كثير من أمثال هذه الآيات البينات، المنصوص فيها على عصمة قوله من الهجر، على أن العقل بمجرده مستقل بذلك، لكنهم علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم، إنما أراد توثيق العهد بالخلافة، وتأكيد النص بها على علي خاصة، وعلى الأئمة من عترته عامة، فصدوه عن ذلك كما اعترف به الخليفة الثاني في كلامه دار بينه وبين ابن عباس (3) (4) .
وأنت إذا تأملت في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا، بعده، وقوله في حديث الثقلين: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (5) ، تعلم أن المرمى في الحديثين واحد، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم، اراد في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين.
2 ـ وإنما عدل عن ذلك، لأن كلمتهم تلك التي فاجأوه بها اضطرته إلى العدول، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب سوى الفتنة والاختلاف من بعده في أنه هل هجر فيما كتبه ـ والعياذ بالله ـ أو لم يهجر، كما اختلفوا في ذلك وأكثروا اللغو واللغط نصب عينيه، فلم يتسن له يومئذٍ اكثر من قوله لهم: قوموا؛ كما سمعت، ولو أصرّ فكتب الكتاب
____________
(1) سورة الحاقة آية: 40 ـ 43.
(2) سورة النجم آية: 2 ـ 50.
(3) كما في السطر 27 من الصفحة 114 من المجلد الثالث من شرح النهج الحديدي (منه قدس).
(4) اعترف عمر بأنه انما صد عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الأمر لعلي:
راجع: شرح نهج البلاغة: 3/114 سطر 27 ط1 بمصر وأفست بيروت و: 12/79 سطر 3 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 3/803 ط دار مكتبة الحياة و: 3/167 ط دار الفكر.
(5) حديث الثقلين تقدم تحت رقم (28 و29 و30 و31 و32 و33) فراجع.
للجوا في قولهم هجر، ولأوغل أشياعهم في إثبات هجره ـ والعياذ بالله ـ فسطروا به اساطيرهم، وملأوا طواميرهم رداً على ذلك الكتاب وعلى من يحتج به.
لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب صلى الله عليه وآله وسلم، عن ذلك الكتاب صفحاً لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم باباً الى الطعن في النبوة ـ نعوذ بالله وبه نستجير ـ . وقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم ان علياً وأولياءه خاضعون لمضمون ذلك الكتاب سواء عليهم أكتب ام لم يكتب، وغيرهم لا يعمل به ولا يعتبره لو كتب، فالحكمة ـ والحال هذه توجب تركه، إذ لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى الفتنة كما لا يخفى، والسلام.
ـ ش ـ
9 ربيع الأول سنة 1330
العذر في تلك الرزية مع المناقشة فيه
لعله عليه السلام حين أمرهم بإحضار الدواة والبياض، لم يكن قاصداً لكتابة شيء من الأشياء، وانما أراد بكلامه مجرد اختبارهم لا غير، فهدى الله عمر الفاروق لذلك دون غيره من الصحابة، فمنعهم من إحضارهما. فيجب ـ على هذا ـ عد تلك الممانعة من جملة موافقاته لربه تعالى، وتكون من كراماته رضي الله عنه، هكذا أجاب بعض الأعلام، لكن الانصاف أن قوله عليه السلام: «لا تضلوا بعده» يأبى ذلك، لأنه جواب ثان للأمر، ولا يخفى أن الاخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الأختبار إنما هو من نوع الكذب الواضح، الذي يجب تنزيه كلام الأنبياء عنه، ولا سيما في موضع يكون ترك إحضار الدواة والبياض أولى من احضارهما، على أن في هذا الجواب نظراً من جهات أخر فلا بد هنا من اعتذار آخر، وحاصل ما يمكن أن يقال: إن الأمر لم يكن أمر عزيمة وايجاب، حتى لا تجوز مراجعته، ويصير المراجع عاصياً، بل كان أمر مشورة وكانوا يراجعونه عليه السلام في بعض تلك الأوامر ولا سيما عمر، فانه كان يعلم من نفسه أنه موفق للصواب في ادراك المصالح، وكان صاحب الهام من الله تعالى، وقد أراد التخفيف عن النبي اشفاقاً
عليه من التعب الذي يلحقه بسبب املاء الكتاب في حال المرض والوجع، وقد رأى رضي الله عنه، أن ترك احضار الدواة والبياض أولى، وربما خشي أن يكتب النبي أموراً يعجز عنها الناس، فيستحقون العقوبة بسبب ذلك لأنها تكون منصوصة لا سبيل الى الاجتهاد فيها، ولعله خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سبباً للفتنة؛ فقال: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» وقوله: «اليوم أكملت لكم دينكم» وكأنه رضي الله عنه أمن من ضلال الأمة حيث أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة.
هذا جوابهم وهو كما ترى، لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا، يفيد أن الأمر أمر عزيمة وايجاب، لأن السعي فيما يوجب الامن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب، واستياؤه منهم وقوله لهم قوموا، حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أن الأمر انما كان للايجاب لا للمشورة.
فإن قلت لو كان واجباً ما تركه النبي عليه السلام، بمجرد مخالفتهم، كما أنه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين، قلنا: هذا الكلام لو تم، فإنما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي عليه السلام، وهذا لا ينافي وجوب الاتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبي به، وبين لهم أن فائدته الأمن من الضلال ودوام الهداية لهم، اذ الأصل في الأمر انما هو الوجوب على المأمور لا على الآمر، ولا سيما اذا كانت فائدته الى المأمور خاصة، والوجوب علهيم هو محل الكلام لا الوجوب عليه.
على أنه يمكن أن يكون واجباً عليه أيضاً، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم، وقولهم: هجر، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة كما أفدت.
وربما اعتذر بعضهم بأن عمر رضي الله عنه، لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كل فرد من افراد الأمة من الضلال، بحيث لا يضل بعده منهم أحد أصلاً، وانما فهم من قوله: لا تضلوا، أنكم لا تجتمعون على الضلال بقضكم وقضيضكم، ولا تتسرى الضلالة بعد كتابة الكتاب الى كل فرد من أفرادكم، وكان رضي الله عنه يعلم أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون
أبداً، وبسبب ذلك لم يجد أثراً لكتابته، وظن أن مراد النبي ليس إلا زيادة الاحتياط في الأمر لما جبل عليه من وفور الرحمة، فعارضه تلك المعارضة بناء منه على أن الامر ليس للايجاب، وانما هو أمر عطفة ورأفة ليس إلا، هذا كل ما قيل في الاعتذار عن هذه البادرة، ومن أمعن النظر فيه جزم ببعده عن الصواب، لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا، يفيد أن الأمر للايجاب كما ذكرنا، واستياؤه منهم دليل على انهم تركوا أمراً من الواجبات عليهم، فالأولى أن يقال في الجواب: ان هذه قضية في واقعة كانت منهم على خلاف سيرتهم، كفرطة سبقت، وفلتة ندرت، ولا نعرف وجه الصحة فيها على التفصيل، والله الهادي الى سواء السبيل، والسلام عليكم.
ـ س ـ
11 ربيع الأول سنة 1330
تزييف تلك الأعذار
إن من كان عنده فصل الخطاب، لحقيق بأن يصدع بالحق وينطق بالصواب، وقد بقي بعض الوجوه في رد تلك الأعذار، فأحببت عرضه عليكم، ليكون الحكم فيه موكولاً اليكم.
قالوا في الجواب الاول: لعله صلى الله عليه وآله وسلم، حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصداً لكتابة شيء من الأشياء، وانما اراد مجرد اختبارهم لا غير، فنقول ـ مضافاً الى ما أفدتم ـ : ان هذه الواقعة انما كانت حال احتضاره ـ بأبي وأمي ـ كما هو صريح الحديث، فالوقت لم يكن وقت اختبار، وانما كان وقت اعذار وانذار، ووصية بكل مهمة، ونصح تام للأمة، والمحتضر بعيد عن الهزل والمفاكهة، مشغول بنفسه وبمهماته ومهمات ذويه، ولا سيما اذا كان نبياً.
وإذا كانت صحته مدة حياته كلها لم تسع اختبارهم، فكيف يسعها وقت احتضاره، على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده ـ : قوموا، ظاهر في استيائه منهم، ولو كان الممانعون مصيبين
لاستحسن ممانعتهم، وأظهر الارتياح اليها، ومن ألم بأطراف هذا الحديث ولا سيما قولهم: هجر رسول الله، يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه انما يريد أمراً يكرهونه، ولذا فاجأوه بتلك الكلمة، وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى، وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة، وعدها رزية دليل على بطلان هذا الجواب.
قال المعتذرون: ان عمر كان موفقاً للصواب في ادراك المصالح، وكان صاحب الهام من الله تعالى، وهذا مما لا يصغى اليه في مقامنا هذا، لأنه يرمي الى أن الصواب في هذه الواقعة انما كان في جانبه لا في جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الهامه كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين، صلى الله عليه وآله وسلم.
وقالوا: بأنه أراد التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب املاء الكتاب في حال المرض؛ وأنت ـ نصر الله بك الحق ـ تعلم بأن في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي، وبرد فؤاده، وقرة عينه، وأمنه على أمته صلى الله عليه وآله وسلم، من الضلال. على أن الأمر المطاع، والارادة المقدسة، مع وجوده الشريف انما هما له، وقد أراد ـ بأبي وأمي ـ احضار الدواة والبياض، وأمر به، فليس لأحد أن يرده أمره أو يخالف ارادته «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً» (1) .
على أن مخالفتهم لأمره في تلك المهمة العظيمة، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده، كان أثقل عليه وأشق من املاء ذلك الكتاب، الذي يحفظ أمته من الضلال، ومن يشفق عليه من التعب باملاء الكتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقوله هجر؟!
وقالوا: ان عمر رأى أن ترك احضار الدواة والورق أولى، وهذا من أغرب الغرائب، وأعجب العجائب، وكيف يكون ترك احضارهما أولى مع أمر النبي
____________
(1) سورة الأحزاب آية: 36.
باحضارهما؛ وهل كان عمر يرى أن رسول الله يأمر بالشيء الذي يكون تركه أولى؟
وأغرب من هذا قولهم: وربما خشي أن يكتب النبي أموراً يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بتركها، وكيف يخشى من ذلك مع قول النبي: لا تضلوا بعده، أتراهم يرون عمر أعرف منه بالعواقب، وأحوط منه وأشفق على أمته؟ كلا.
وقالوا: لعل عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب، لكونه في حال المرض فيصير سبباً للفتنة، وأنت ـ نصر الله بك الحق ـ تعلم أن هذا محال مع وجود قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تضلوا، لأنه نص بأن ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال، فيكف يمكن ان يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين؟ وإذا كان خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب، فلماذا بذر لهم بذرة القدم القدح حيث عارض ومانع، وقال هجر.
وأما قولهم في تفسير قوله: حسبنا كتاب الله أنه تعالى قال: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» وقال عز من قائل: «اليوم أكملت لكم دينكم» فغير صحيح، لأن الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، ولا تضمنان الهداية للناس، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الأمة من الضلال والتفرق، ما لا يرجى زواله (1) .
____________
(1) وأنت ـ نصر الله بك الحق ـ تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: ان مرادي أن أكتب الأحكام، حتى يقال في جوابه حسبنا في فهمها كتاب الله تعالى، ولو فرض أن مراده كان كتابة الأحكام، فلعل النص عليها منه كان سبباً للأمن من الضلال، فلا وجه لترك السعي في ذلك النص اكتفاء بالقرآن، بل لو لم يمكن لذلك الكتاب الا الأمن من الضلال بمجرده لما صح تركه والاعراض عنه، واعتمادا على أن كتاب الله جامع لكل شيء، وأنت تعلم اضطرار الأمة الى السنة المقدسة وعدم استغنائها عنها بكتاب الله تعالى وان كان جامعاً مانعاً، لأن الاستنباط منه غير مقدور لكل أحد، ولو كان الكتاب مغنياً عن بيان الرسول ما أمره الله تعالى ببيانه للناس اذ قال عز من قائل: «وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم» (منه قدس).
وقالوا في الجواب الأخير: ان عمر لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كل فرد من أمته من الضلال، وانما فهم أنه سيكون سبباً لعدم اجتماعهم ـ بعد كتابته ـ على الضلال (قالوا): وقد علم رضي الله عنه أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبداً، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب، ولهذا عارض يومئذ تلك المعارضة.
وفيه مضافاً الى ما أشرتم اليه: ان عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم، وما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس، لأن القروي والبدوي إنما فهما منه أن ذلك الكتاب لو كتب لكان علة تامة في حفظ كل فرد من الظلال، وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث الى افهام الناس وعمر كان يعلم يقيناً ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن خائفاً على أمته أن تجتمع على الضلال لأنه رضي الله عنه، كان يسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجتمع أمتي على ضلال، ولا تجتمع على الخطأ، وقوله: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق… الحديث (1) وقوله تعالى «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً» (2) الى كثير من نصوص الكتاب والسنة الصريحين بأن الأمة لا تجتمع بأسرها على الضلال، فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خواطر عمر أو غيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حين طلب الدواة والبياض، كان خائفاً من اجتماع امته على الضلال، والذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر الى الأذهان، لا ما تنفيه صحاح السنة ومحكمات القرآن. على ان استياء النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، المستفاد من قوله: قوموا، دليل على أن الذي تركوه كان من الواجب عليهم، ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا؛ لأزال النبي شبهته وأبان له مراده
____________
(1) راجع: كنز العمال: 1/160 ح910 وص 185 ح1030 و1031 ط2 بحيدر آباد، الدر المنثور للسيوطي: 2/222.
(2) سورة النور آية: 55.
منه، بل لو كان في وسع النبي أن يقنعهم بما أمرهم به لما آثر اخراجهم عنه، وبكاء ابن عباس وجزعه من أكبر الأدلة على ما نقوله.
والانصاف، أن هذه الرزية لما يضيق عنها نطاق العذر، ولو كانت ـ كما ذكرتم ـ قضية في واقعة، كفرطة سبقت، وفلتة ندرت، لهان الأمر، وان كانت بمجردها بائقة الدهر، وفاقرة الظهر، فانا لله وإنا اليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ـ ش ـ
14 ربيع الأول سنة 1330
1 ـ الاذعان بتزييف تلك الأعذار.
2 ـ التماسه بقية الموارد
1 ـ قطعت على المعتذرين وجهتهم، وملكت عليهم مذاهبهم، وحلت بينهم وبين ما يرومون، فلا موضع للشبهة فيما ذكرت، ولا مساغ للريب في شيء مما به صدعت.
2 ـ فامض على رسلك حتى تأتي على سائر الموارد التي تأولوا فيها النصوص، والسلام.
ـ س ـ
17 ربيع الأول سنة 1330
سرية أسامة
لئن صدعت بالحق، ولم تخش فيه لومة الخلق، فأنت العذق المرجب، والجذل المحكك، وإنك لأعلى ـ من أن تلبس الحق بالباطل ـ قدراً، وأرفع ـ من ان تكتم الحق ـ محلاً، وأجل من ذلك شأنا، وأبر وأطهر نفساً.
أمرتني ـ أعزك الله ـ أن أرفع اليك سائر الموارد التي آثروا فيها رأيهم على التعبد بالأوامر المقدسة، فحسبك منها سرية أسامة بن زيد بن حارثة الى غزو الروم، وهي
آخر السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اهتم فيها ـ بأبي وأمي ـ اهتماماً عظيماً، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها، وحضهم على ذلك، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهافاً لعزائمهم واستنهاضاً لهممهم، فلم يبق أحداً من وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر (1) (2) .
____________
(1) أجمع اهل السير والأخبار على أن أبا بكر وعمر (رض) كانا في الجيش وأرسلوا ذلك في كتبهم ارسال المسلمات وهذا مما لم يختلفوا فيه. فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية، كطبقات ابن سعد، وتاريخي الطبري وابن الأثير، والسيرة الحلبية، والسيرة الدحلانية وغيرها، لتعلم ذلك، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته، حكاية ظريفة، نوردها بعين لفظه، قال: ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى أياس بن معاوية الذي يضرب به المثال في الذكاء، وهو صبي ووراءه أربعمئة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي: أف لهذه العثانين أي ـ اللحى ـ أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث؟ ثم التفت اليه المهدي وقال: كم سنك يا فتى؟ فقال: سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً فيه أبو بكر وعمر، فقال: تقدم بارك الله فيك (وقال الحلبي) وكان سنه سبع عشرة سنة. اهـ. (منه قدس).
(2) راجع في كون أبي بكر وعمر في جيش أسامة الذي بعثه النبي في مرضه: الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/190، تاريخ اليعقوبي: 2/93 ط الغري و: 2/74 ط بيروت، الكامل لابن الأثير: 2/317، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/53 و: 2/21 أفست على ط1 بمصر و: 1/159 و: 6/52 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، سمط النجوم العوالي لعبدالملك العاصمي المكي: 2/224، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي: 3/207، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية: 2/339.
ونقله في عبدالله بن سبأ للعسكري: 1/71 عن: كنز العمال: 5/312، ومنتخب الكنز بهامش مسند أحمد: 4/180 وأنساب الأشراف: 1/474 وتهذيب ابن عساكر: 2/391 بترجمة أسامة.
وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم، الا وقد عبأه بالجيش (1) (2) وكان ذلك لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة للهجرة، فلما كان من الغد دعا أسامة، فقال له: سر الى موضع قتل ابيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحاً على اهل أبنى (3) ، وحرق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك. فلما كان اليوم الثامن والعشرون من صفر، بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم، مرض الموت فحم ـ بأبي وأمي ـ وصدع، فلما اصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم مثاقلين، خرج اليهم فحضهم على السير، وعقد صلى الله عليه وآله وسلم، اللواء لأسامة بيده الشريفة تحريكاً لحميتهم، وارهافاً لعزيمتهم، ثم قال: اغز بسم الله وفي سبيل الله، وقاتل من كفر بالله. فخرج بلوائه معقوداً، فدفعه الى بريدة، وعسكر بالجرف، ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا، مع ما وعوه من النصوص الصريحة في وجوب اسراعهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اغز صباحاً على أهل أبني» (4) وقوله: «وأسرع السير لتسبق الأخبار» (5) الى كثير من
____________
(1) كان عمر يقول لأسامة: مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت علي أمير نقل عنه جماعة من الأعلام كالحلبي في سرية أسامة من سيرته الحلبية، وغير واحد من المحدثين والمؤرخين (منه قدس).
(2) عمر يقول لأسامة: مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت علي أمير.
راجع: السيرة الحلبية: 3/209، كنز العمال للمتقي الهندي: 15/241 ح710 ط2، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية: 2/341.
(3) أبنى ـ بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة ـ : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة عليه السلام (منه قدس).
(5) راجع: المغازلي للواقدي: 3/1117 و1123، السيرة الحلبية: 3/207، السيرة النبوية بهامش السيرة الحلبية: 2/339، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/190.
أمثال هذه الأوامر التي لم يعلموا بها في تلك السرية. وطعن قوم منهم في تأمير أسامة كما طعنوا من قبيل في تأمير أبيه، وقالوا في ذلك فأكثروا، مع ما شاهدوه من عهد النبي له بالامارة، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له يومئذ: «فقد وليتك هذه الجيش» (1) ورأوه يعقد له لواء الامارة ـ وهو محموم ـ بيده الشريفة، فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره حتى غضب صلى الله عليه وآله وسلم، من طعنهم غضباً شديداً؛ فخرج ـ بأبي وأمي ـ معصب الرأس (2) ، مدثراً بقطيفته، محمومماً ألماً، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول قبل وفاته بيومين، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ـ فيما أجمع أهل الأخبار على نقله، واتفق أولو العلم على صدوره ـ : «أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ ولئن طعنتم في تأميري أسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إنه كان لخليقاً بالامارة، وان ابنه من بعده لخليق بها» (3) وحضهم على المبادرة الى السير، فجعلوا يودعونه ويخرجون الى العسكر بالجرف، وهو يحضهم على
____________
(1) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/53 أفست على ط1 بمصر و: 1/159 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، المغازي للواقدي: 3/1117، السيرة الحلبية: 3/207، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية: 2/339، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/190.
(2) كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار، نقل طعنهم في تأمير أسامة وأنه صلى الله عليه وآله وسلم، غضب غضباً شديداً، فخرج على الكيفية التي ذكرناها، فخطب الخطبة التي أوردناها، فراجع سرية أسامة من طبقات ابن سعد، وسيرتي الحلبي والدحلاني، وغيرها من المؤلفات في هذا الموضوع (منه قدس).
(3) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/53 أفست على ط1 بمصر و: 1/159 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، عبدالله بن سبأ للعسكري: 1/70، المغازي للواقدي: 3/1119، السيرة الحلبية: 3/207، السيرة النبوية بهامش الحلبية: 2/339، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/190.
التعجيل، ثم ثقل في مرضه، فجعل يقول: جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة، أرسلوا بعث أسامة، يكرر ذلك وهم مثاقلون، فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الاول دخل أسامة من معسكره على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره بالسير قائلاً له: «اغد على بركة الله تعالى» (1) فودعه وخرج الى المعسكر ثم رجع ومعه عمر وأبو عبيدة فانتهوا اليه وهو يجود بنفسه، فتوفي ـ روحي وأرواح العالمين له الفداء ـ في ذلك اليوم.
فرجع الجيش باللواء الى المدينة الطيبة، ثم عزموا على الغاء البعث بالمرة، وكلموا أبا بكر في ذلك، واصروا عليه غاية الاصرار، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في إنفاذه، وعنايته التامة في تعجيل إرساله، ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الأخبار، وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه وعهد الى أسامة في أمره، وعقد لواءه بيده الى أن احتضر ـ بأبي وأمي ـ فقال: اغد على بركة الله تعالى، كما سمعت، ولولا الخليفة لأجمعوا يومئذ على رد البعث، وحل اللواء، لكنه أبى عليهم ذلك، فلما رأوا منه العزم على ارسال البعث، جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الأنصار أن يعزل أسامة، يولي غيره.
هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجة، من طعنهم في تأمير أسامة. ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموماً معصباً مدثراً، يرسف في مشيته، ورجله لا تكاد تقله، مما كان به من لغوب، فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ويعالج البرحاء، فقال: «ايها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إنه كان لخليقاً بالامارة، وان ابنه من بعده لخليق بها»
____________
(1) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/53 أفست على ط1 بمصر و: 1/160 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، المغازي للواقدي: 3/1120، السيرة الحلبية: 3/208، السيرة النبوية بهامش الحلبية: 2/340، الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/191.
فأكد صلى الله عليه وآله وسلم، الحكم بالقسم، وان، واسمية الجملة، ولام التأكيد، ليقلعوا عما كانوا عليه، فلم يقلعوا، لكن الخليفة أبي أن يجيبهم الى عزل أسامة، كما أبى أن يجيبهم الى إلغاء البعث، ووثب فأخذ بلحية عمر (1) فقال: «ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب، استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتأمرني أن أنزعه» (2) ولما سيروا الجيش ـ وما كادوا يفعلون ـ ، خرج أسامة في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فرس (3) ، وتخلف عنه جماعة ممن عبأهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في جيشه. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيما أورده الشهرستاني في المقدمة الرابعة من كتاب الملل والنحل: «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه» (4) .
وقد تعلم، أنهم إنما تثاقلوا عن السير أولاً، وتخلفوا عن الجيش أخيراً، ليحكموا قواعد سياستهم، ويقيموا عمدها، ترجيحاً منهم لذلك على التعبد بالنص، حيث رأوه أولى بالمحافظة، وأحق بالرعاية، إذ لا يفوت البعث بتثاقلهم
____________
(1) نقله الحلبي والدحلاني في سيرتيهما، وابن جرير الطبري في أحداث سنة 11 من تاريخه، وغير واحد من أصحاب الأخبار (منه قدس).
(2) راجع: تاريخ الطبري: 3/226، الكامل: 2/335، السيرة الحبية: 3/209، السيرة النبوية بهامش الحلبية: 2/340.
(3) فشن الغارة على أهل أبنى، فحرق منازلهم، وقطع نخلهم، وأجال الخيل في عرصاتهم، وقتل من قتل منهم، واسر من أسر، وقتل يومئذ قاتل أبيه، ولم يقتل، والحمد لله رب العالمين من المسلمين أحد، وكان أسامة يومئذٍ على فرس أبيه وشعارهم يا منصور أمت ـ وهو شعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ـ واسهم للفارس سهمين، وللراجل سهماً وأخذ لنفسه مثل ذلك. (منه قدس).
(4) يوجد في: الملل والنحل للشهرستاني الشافعي: 1/23 أفست
دار المعرفة في بيروت على ط مصر تحقيق محمد كيلاني و: 1/20 بهامش الفصل لابن حزم أفست دار المعرفة أيضاً.
عن السير، ولا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش، أما الخلافة فإنها تنصرف عنهم لا محالة اذا انصرفوا الى الغزوة قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ـ بأبي وأمي ـ أراد أن تخلو منهم العاصمة، فيصفو الأمر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على سكون وطمأنينة، فإذا رجعوا وقد أبرم عهد الخلافة، وأحكم لعلي عقدها، كانوا على المنازعة والخلاف أبعد. وإنما أمر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة (1) ليّاً لأعنة البعص، ورداً لجماح أهل الجماح منهم، واحتياطاً على الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمر أحدهم، كما لا يخفى، لكنهم فطنوا الى ما دبر صلى الله عليه وآله وسلم، فطعنوا في تأمير أسامة، وتثاقلوا عن السير معه، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربه، فهموا حينئذ بإلغاء البعث وحل اللواء تارة، وبعزل أسامة أخرى، ثم تخلف كثير منهم عن الجيش كما سمعت، فهذه خمسة أمور في هذه السرية لم يتعبدوا فيها بالنصوص الجلية، إيثاراً لرأيهم في الأمور السياسية، وترجيحاً لاجتهادهم فيها على التعبد بنصوصه صلى الله عليه وآله وسلم، والسلام.
ـ ش ـ
19 ربيع الأول سنة 1330
1 ـ العذر فيما كان منهم في سرية أسامة
2 ـ لم يرد حديث في لعن المتخلف عن تلك السرية
1 ـ نعم كان رسول الله عليه السلام قد حضهم على تعجيل السير في غزوة أسامة، وأمرهم بالاسراع كما ذكرت، وضيق عليهم في ذلك حتى قال لأسامة حين عهد اليه: اغز صباحاً على أهل أبنى، فلم يمهله الى المساء، وقال له: أسرع السير فلم يرض منه إلاّ بالاسراع، لكنه عليه السلام تمرض بعد ذلك بلا فصل، فثقل
____________
(1) على الأظهر، وقيل كان ابن ثمان عشرة سنة، وقيل ابن تسع عشرة سنة وقيل ابن عشرين سنة، ولا قائل بأن عمره كان أكثر من ذلك (منه قدس).
حتى خيف عليه؛ فلم تسمح نفوسهم بفراقه وهو في تلك الحال، فتربصوا ينتظرون في الجرف ما تنتهي اليه حاله، وهذا من وفور اشفاقهم عليه، وولوع قلبهم به، ولم يكن لهم مقصد في تثاقلهم الا انتظار احدى الغايتين، اما قرة عيونهم بصحته، واما الفوز بالتشرف في تجهيزه، وتوطيد الأمر لمن يتولى عليهم من بعده، فهم معذورون في هذا التربص، ولا جناح عليهم فيه.
وأما طعنهم قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تأمير أسامة مع ما وعوه ورأوه من النصوص قولاً وفعلاً على تأميره، فلم يكن منهم إلا لحداثته مع كونهم بين شيوخ وكهول، ونفوس الكهول والشيوخ تأبى ـ بجبلتها ـ أن تنقاد الى الأحداث، وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبان، فكراهتهم لتأميره ليست بدعاً منهم، وإنما كانت على مقتضى الطبع البشري، والجبلة الآدمية، فتأمل.
وما طلبهم عزل أسامة بعد وفاة الرسول، فقد اعتذر عنه بعض العلماء بأنهم ربما جوزوا أن يوافقهم الصديق على رجحان عزله لاقتضاء المصلحة ـ بحسب نظرهم ـ هكذا قالوا، والانصاف أني لا أعرب وجهاً يقبله العقل في طلبهم عزله بعد غضب النبي من طعنهم في تأميره، وخروجه بسبب ذلك محموماً معصباً مدثراً، وتنديده بهم في خطبته تلك على المنبر التي كانت من الوقائع التاريخية الشائعة بينهم، وقد سارت كل مسير، فوجه معذرتهم بعدها لا يعلمه الا الله تعالى.
وأما عزمهم على إلغاء البعث، وإصرارهم على الصديق في ذلك، مع ما رأوه من اهتمام النبي في إنفاذه، وعنايته التامة في تعجيل إرساله، ونصوصه المتوالية في ذلك، فإنما كان منهم احتياطاً على عاصمة الاسلام أن يتخطفها المشركون من حولهم، إذا خلت من القوة، وبعد عنها الجيش، وقد ظهر النفاق بموت النبي عليه السلام، وقويت نفوس اليهود والنصارى، وارتدت طوائف من العرب، ومنعت الزكاة طوائف أخرى، فكلم الصحابة سيدنا الصديق في منع أسامة من السفر فأبى، وقال: والله لئن تخطفني الطير أحبّ إليَّ من ان أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا ما نقله أصحابنا عن الصديق، وأما غيره فمعذور من رد البعث، إذ لم يكن
لهم مقصد سوى الاحتياط على الاسلام.
وأما تخلف أبي بكر وعمر وغيرهما عن الجيش حين سار به أسامة، فإنما كان لتوطيد الملك الاسلامي، وتأييد الدولة المحمدية، وحفظ الخلافة التي لا يحفظ الدين وأهله يومئذ إلاّ بها.
2 ـ وأما ما نقلتموه عن الشهرستاني في الملل والنحل، فقد وجدناه مرسلاً غير مسند، والحلبي والسيد الدحلاني في سيرتيهما قالا: لم يرد فيه حديث أصلاً. فإن كنت سلمك الله ترى من طريق أهل السنة حديثاً في ذلك، فدلني عليه والسلام.
ـ س ـ
22 ربيع الأول سنة 1330
1 ـ عذرهم لا ينافي ما قلناه
2 ـ الذي نقلناه عن الشهرستاني جاء في حديث مسند
1 ـ سلمتم ـ سلمكم الله تعالى ـ بتأخرهم في سرية أسامة عن السير، وتثاقلهم في الجرف تلك المدة، مع ما قد أمروا به من الاسراع والتعجيل.
وسلمتم بطعنهم في تأمير أسامة مع ما وعوه ورأوه من النصوص قولاً وفعلاً على تأميره.
وسملتم بطلبهم من أبي بكر عزله بعد غضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طعنهم في إمارته، وخروجه بسبب ذلك محموماً معصباً مدثراً، وتنديده بهم في خطبته تلك على المنبر، التي قلتم: إنها كانت من الوقائع التاريخية، وقد أعلن فيها كون أسامة أهلاً لتلك الامارة.
وسلمتم بطلبهم من الخليفة إلغاء البعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحل اللواء الذي عقده بيده الشريفة، مع ما رأوه من اهتمامه في إنفاذه، وعنايته التامة في تعجيل ارساله، ونصوصه المتوالية في وجوب ذلك.
وسلمتم بتخلف بعض من عبأهم صلى الله عليه وآله وسلم، في ذلك
الجيش، وأمرهم بالنفوذ تحت قيادة أسامة، سلمتم بكل هذا كما نص عليه أهل الأخبار، واجتمعت عليه كلمة المحدثين وحفظة الآثار، وقلتم إنهم كانوا معذورين في ذلك، وحاصل ما ذكرتموه من عذرهم أنهم إنما آثروا في هذه الامور مصلحة الاسلام بما اقتضته أنظارهم لا بما أوجبته النصوص النبوية، ونحن ما ادعينا ـ في هذا المقام ـ أكثر من هذا، وبعبارة أخرى، موضوع كلامنا إنما هو في أنهم كانوا يتعبدون في جميع النصوص أم لا، اخترتم الاول، ونحن اخترنا الثاني، فاعترافكم الآن بعدم تعبدهم في هذه الأوامر يثبت ما اخترناه، وكونهم معذورين أو غير معذورين خارج عن موضع البحث كما لا يخفى، وحيث ثبت لديكم إيثارهم في سرية أسامة مصلحة الاسلام بما اقتضته أنظارهم على التعبد بما أوجبته تلك النصوص، فلم لا تقولون إنهم آثروا في أمر الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مصلحة الاسلام بما اقتضته أنظارهم على التعبد بنصوص الغدير وأمثالها؟ اعتذرتم عن طعن الطاعنين في تأمير أسامة: بأنهم إنما طعنوا بتأميره لحداثته مع كونهم بين كهول وشيوخ، وقلتم: إن نفوس الكهول والشيوخ تأبى بجبلتها وطبعها أن تنقاد الى الأحداث، فلم لم تقولوا هذا بعينه فيمن لم يتعبدوا بنصوص الغدير المقتضية لتأمير علي وهو شاب على كهول الصحابة وشيوخهم، لأنهم ـ بحكم الضرورة من أخبارهم ـ قد استحدثوا سن أسامة يوم ولاه صلى الله عليه وآله وسلم، عليهم في تلك السرية، وشتان بين الخلافة وإمارة السرية، فإذا أبت نفوسهم أن تنقاد للحدث في سرية واحدة، فهي أولى بأن تأبى أن تنقاد للحدث مدة حياته، في جميع الشؤون الدنيوية والاخروية.
على أن ما ذكرتموه من أن نفوس الشيوخ والكهول تنفر بطبعها من الأنقياد للحدث ممنوع، إن كان مرادكم الاطلاق في هذا الحكم، لأن نفوس المؤمنين من الشيوخ الكاملين في إيمانهم لا تنفر من طاعة الله ورسوله في الانقياد للأحداث، ولا في غيره من سائر الأشياء «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً» (1) «وما آتاكم الرسول
____________
(1) سورة النساء آية: 65.
فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» (1) .
2 ـ أما الكلمة المتعلقة فيمن تخلف عن جيش أسامة، التي أرسلها الشهرستاني إرسال المسلمات، فقد جاءت في حديث مسند، أخرجه أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة، أنقله لك بعين لفظه، «قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح، عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الانصاري ورجاله، عن عبدالله بن عبدالرحمن: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة من المهاجرين والأنصار، منهم: أبو بكر، وعمر، وابو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأمره أن يغير على مؤته حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في مرضه يثقل ويخف ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له أسامة: بأبي أنت وأمي، أتأذن لي أن أمكث اياماً حتى يشفيك الله تعالى، فقال أخرج وسر على بركة الله، فقال: يا رسول الله إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال، خرجت وفي قلبي قرحة، فقال: سر على النصر والعافية، فقال: يا رسول الله إني أكره أن أسائل عنك الركبان، فقال: انفذ ما أمرتك به، ثم أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقام أسامة فتجهز للخروج، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنهم يتجهزون، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه، وكرر ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه: أبو بكر، وعمر، واكثر المهاجرين، ومن الأنصار: اسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أم أيمن يقول له: أدخل فإن رسول الله يموت، فقام من فوره، فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله، ورسول الله قد مات في تلك الساعة» (2) انتهى بعين لفظه، وقد
____________
(1) سورة الحشرة آية: 7.
(2) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/21 أفست بيروت على ط1 بمصر و: 6/52 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل.
نقله جماعة من المؤرخين، منهم العلامة المعتزلي في آخر ص20 والتي بعدها من المجلد الثاني من شرح نهج البلاغة، والسلام.
ـ ش ـ
23 ربيع الأول سنة 1330
التماس بقية المورد
أطلنا الكلام فيما يتعلق بسرية أسامة، كما أطلناه في رزية يوم الخميس؛ حتى بانت الرغوة عن الصريح، وظهر الصبح فيهما لذي عينين، فمل بنا الى غرهما من الموارد، والسلام.
ـ س ـ
25 ربيع الأول سنة 1330
أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتل المارق
حسبك مما تلتمسه ما أخرجه جماعة من أعلام الأمة وحفظة الأئمة. واللفظ للامام أحمد بن حنبل في ص15 من الجزء الثالث من مسنده من حديث أبي سعيد الخدري، قال: إن أبا بكر جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اذهب اليه فاقتله»، قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال، كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: اذهب فاقتله، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر عليها، قال: فكره أن يقتله، قال: فرجع، فقال: يا رسول الله اني رأيته متخشعاً فكرهت أن أقتله، قال: «يا علي اذهب فاقتله»، قال: فذهب علي فلم يره، فرجع علي فقال: يا رسول الله اني لم أره، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا
يعودون فيه حتى يعود السهم من فوقه، فاقتلوهم هم شر البرية». اهـ. (1) . وأخرج أبو يعلى في مسنده كما في ترجمة ذي الثدية من إصابة ابن حجر ـ عن أنس، قال: كان في عهد رسول الله رجل يعجبنا تعبده واجتهاده، وقد ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، باسمه فلم يعرفه، فوصفناه بصفته فلم يعرفه، فبينا نحن نذكره اذ طلع الرجل، قلنا: هو هذا؛ قال: إنكم لتخبروني عن رجل إن في وجهه لسفعة من الشيطان، فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنشدك الله هل قتل حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني؟ قال: اللهم نعم، ثم دخل يصلي، فقال رسول الله صلى الله عله وآله وسلم: من يقتل الرجل؟ فقال أبو بكر: أنا، فدخل عليه فوجده يصلي، فقال: سبحان الله، أقتل رجلاً يصلي، فخرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعلت؟ قال: كرهت أن أقتله وهو يصلي، وأنت نهيت عن قتل المصلين، قال: من يقتل الرجل؟ قال عمر؟ أنا، فدخل فوجده واضعاً جبهته، فقال عمر: أبو بكر أفضل مني، فخرج، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مهيم؟ قال: وجدته واضعاً جبهته لله، فكرهت أن أقتله، فقال: من يقتل الرجل؟ فقال علي؟ أنا، فقال: أنت إن أدركته، فدخل عليه، فوجده خرج، فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ميهم؟ قال: وجدته قد خرج، قال: لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان (2) ، الحديث. وأخرجه الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من تفاسير يعقوب بن سفيان، ومقاتل بن سليمان، ويوسف القطان، والقاسم بن سلام، ومقاتل بن حيان، وعلي بن حرب، والسدي، ومجاهد، وقتادة ووكيع، وابن جريح، وأرسله ارسال المسلمات جماعة من الثقات كالامام شهاب الدين أحمد ـ المعروف بابن عبد ربه الأندلسي ـ عند انتهائه الى القول
____________
(1) راجع: سمند احمد بن حنبل: 3/15 ط الميمنية بمصر.
(2) راجع: الاصابة لابن حجر: 1/484، العقد الفريد لابن عبد ربه: 2/403 ـ 404 ط لجنة التأليف والنشر و: 1/167 ط آخر.
في أصحاب الأهواء من الجزء الأول من عقده الفريد، وقد جاء في آخر ما حكاه في هذه القضية: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن هذا لأول قرن يطلع في أمتي، لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان، إن بني اسرائيل افترقت اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق ثلاثاً وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة (1) . اهـ.
وقريب من هذه القضية ما أخرجه أصحاب السنن (2) عن علي، قال: «جاء النبي أناس من قريش فقالوا: يا محمد إنا جيرانك وحلفاؤك، وإن ناساً من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه، إنما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم الينا، فقال لأبي بكر: ما تقول؟ قال: صدقوا إنهم جيرانك: قال: فتغير وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال لعمرك ما تقول؟ قال: صدقوا إنهم لجيرانك وحلفاؤك، فتغير وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا معشر قريش، والله ليبعثن الله عليكم رجلاً قد امتحن الله قلبه بالايمان فيضربكم على الدين، فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، قال: لا، قال عمر: أنا يا رسول الله؛ قال: لا، ولكنه الذي يخصف النعل، وكان أعطى علياً نعله يخصفها» (3) والسلام عليكم.
ش
____________
(1) فرقة وشيعة لفظان ـ بحساب الجمل ـ مترادفان لأن كلا منهما 385 وهذا مما تتفأل به عوام تلك الفرقة (منه قدس).
(2) كالامام أحمد في أواخر ص155 من الجزء الأول من مسنده، وسعيد بن منصور في سننه، وابن جرير في تهذيب الآثار، وصححه ونقله عنهم جميعاً المتقي الهندي في ص396 من الجزء السادس من كنز العمال (منه قدس).
(3) يوجد في: خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 11 ط التقدم العلمية بمصر وص68 ـ 69 ط الحيدرية وص19 ط بيروت، مسند أحمد بن حنبل: 2/338 ح1335 بسند صحيح.
ذكر الى تغير وجه النبي عند قول عمر. ط دار المعارف بمصر، كنز العمال: 15/112 ح317 و434 ط2 بحيدر آباد.
وقريب منه يوجد في: ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي: 2/366 ح866، فرائد السمطين: 1/162 ح124.
26 ربيع الأول سنة 1330
العذر في عدم قتل المارق
لعلهما رضي الله عنهما فهما استحباب قتله حملاً منهما للأمر على الاستحباب لا على الوجوب، ولذا لم يقتلاه، أو ظنا أن قتله واجب كفائي، فتركاه اعتماداً على غيرهما من الصحابة لوجود من تتحقق به الكفاية منهم، ولم يكونا حين رجعا عنه خائفين من فوات الأمر بسبب هربه، إذ لم يخبراه بالقضية، والسلام.
ـ س ـ
29 ربيع الأول سنة 1330
ردُّ العذر
الأمر حقيقة في الوجوب، فلا يتبادر الى الأذهان منه سواه، فحمله على الاستحباب مما لا يصح إلا بالقرينة ولا قرينة في المقام على ذلك، بل القرائن تؤكد إرادة المعنى الحقيقي، أعني الوجوب، فأنعم النظر في تلك الأحاديث تجد الأمر كما قلناه، وحسبك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان، فإن هذا الكلام ونحوه، لا يقال إلا في إيجاب قتله والحض الشديد على ذلك.
وإذا راجعت الحدث في مسند أحمد، تجد الأمر بقتله متوجهاً الى أبي بكر خاصة، ثم الى عمر بالخصوص، فكيف ـ والحال هذه ـ يكون الوجوب كفائياً.
على أن الأحاديث صريحة بأنهما لم يحجما عن قتله إلا كراهة أن يقتلاه وهو على تلك الحال، من التخشع في الصلاة لا لشيء آخر، فلم يطيبا نفساً بما طابت له نفس
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرجا ما أمرهما به من قتله، فالقضية من الشواهد على أنهم كانوا يؤثرون العمل برأيهم على التعبد بنصه كما ترى، والسلام.
ـ ش ـ
30 ربيع الأول سنة 1330
التماس الموارد كلها
هَلُمَّ ببقية الموارد، ولا تُبقوا منها ما نلتمسه مرة أخرى، وإن احتاج ذلك الى التطويل، والسلام.
ـ س ـ
3 ربيع الثاني سنة 1330
1 ـ لمعة من الموارد
2 ـ الاشارة الى موارد أخر
1 ـ حسبك منها صلح الحديبية، وغنائم حنين، وأخذ الفداء من أسرى بدر، وأمره صلى الله عليه وآله وسلم، بنحر بعض الابل إذا أصابتهم مجاعة في غزوة تبوك، وبعض شؤونهم يوم أحد وشعبه، ويوم أبي هريرة إذ نادى بالبشارة لكل من لقي الله بالتوحيد، ويوم الصلاة على ذلك المنافق، ويوم اللمز في الصدقات وسؤالهم بالفحش، وتأول آيتي الخمس والزكاة وآيتي المتعتين، وآية الطلاق الثلاث، وتأول السنة الواردة في نوافل شهر رمضان كيفية وكمية، والمأثورة في كيفية الآذان، وكمية التكبير في صلاة الجنائز، الى ما لا يسع المقام بيانه، كالمعارضة في أمر حاطب بن بلتعة، والمعارضة لما فعله النبي في مقام ابراهيم، وكإضافة دور جماعة من المسلمين الى المسجد، وكالحكم على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي، وكنفي نصر بن الحجاج السلمي، وإقامة الحد على جعدة بن سليم (1) ، ووضع الخراج على السواد، وكيفية ترتيب الجزية، والعهد بالشورى
____________
(1) راجع ترجمة عمر من طبقات ابن سعد، تقف على اقامة الحد على جعدة بلا شاهد ولا مدع سوى ورقة فيها أبيات لا يعرف قائلها، تتضمن رمي جعدة بالفاحشة (منه قدس).
على الكيفية المعلومة، وكالعس ليلاً، والتجسس نهاراً، وكالعول في الفرائض (1) الى ما لا يحصى من الموارد التي آثروا فيها القوة والسطوة، والمصالح العامة، وقد أفردنا لها في كتابنا ـ سبيل المؤمنين (1) ـ باباً واسعاً.
2 ـ على أن هناك نصوصاً أخرى خاصة في علي وفي العترة الطاهرة غير نصوص الخلافة لم يعملوا بها أيضاً، بل عملوا بنقيضها كما يعلمه الباحثون، فلا عجب بعدها من تأولهم نص الخلافة عليه، وهل هو إلا كأحد النصوص التي تأولوها فقدموا العمل بآرائهم على التعبد بها؟ والسلام.
ـ ش ـ
5 ربيع الثاني سنة 1330
1 ـ إيثارهم المصلحة في تلك الموارد
2 ـ التماس ما بقي منها
1 ـ لا يرتاب ذو مسكة في حسن مقاصدهم، وإيثارهم المصلحة العامة في كل ما كان منهم في تلك الموارد إذ كانوا يتحرون فيها الأصلح للأمة، والأرجح للملة، والأقوى للشوكة، فلا جناح عليهم في شيء مما فعلوه، سواء عليهم أتعبدوا بالنص أم تأولوها.
____________
(1) الموارد التي لم يتعبد الصحابة فيها بالنصوص:
راجع في ذلك: كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين طبع عدة طبعات، الفصول المهمة للامام شرف الدين أيضاً ص44 ـ 130 ط5 بمطبعة النعمان، الغدير للأميني ج6.
(2) لئن فاتكم سبيل المؤمنين، فلا تفوتنكم الفصول المهمة، فان فيها من الفوائد ما لا يوجد في غيرها، وقد عقدنا فيها للمتأولين فصلاً على حدة، وهو الفصل 8 ص44 وما بعدها الى ص130 من الطبعة الثانية. فيه تفصيل هذه الموارد (منه قدس).
2 ـ وكنا كلفناكم باستقصاء الموارد، فأوردتم منها ما أوردتم، ثم ذكرتم أن في الامام وعترته نصوصاً غير نصوص الخلافة لم يعمل بها سلفنا، فليتكم أوردتموها مفصلة وأغنيتمونا عن التماسها، والسلام.
ـ ش ـ
8 ربيع الثاني سنة 1330
1 ـ خروج المناظر عن محل البحث
2 ـ إجابته الى ملتمسه
1 ـ سلمتم بتصرفهم في النصوص المأثورة في تلك الموارد، فصدقتم بما قلناه والحمد لله. أما حسن مقاصدهم وإيثارهم المصلحة العامة وتحريهم الأصلح للأمة، والأرجح للملة، ولأقوى للشوكة، فخارج عن محل البحث كما تعلمون.
2 ـ التمست في المراجعة الأخيرة تفصيل ما اختص بعلي من الصحاح المنصوص فيها عليه بغير الامامة من الأمور التي لم يتعبدوا بل لم يبالوا بها، وأنت إمام السنن، في هذا الزمن، جمعت أشتاتها، واستفرغت الوسع في معاناتها، فمن ذا يتوهم أنك ممن لا يعرف تفصيل ما أجملناه، ومن ذا يرى أنه أولى منك بمعرفة كنه ما أشرنا اليه، وهل يجاريك أو يباريك في السنة أحد، كلا، ولكن الأمر كما قيل: «وكم سائل عن أمره وهو عالم».
إنكم لتعلمون أن كثيراً من الصحابة كانوا يبغضون علياً ويعادونه، وقد فارقوه وآذوه، وشتموه وظلموه، وناصبوه، وحاربوه، فضربوا وجهه ووجوه أهل بيته وأوليائه بسيوفهم، كما هو معلوم بالضرورة من أخبار السلف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني» (1) وقال
____________
(1) تقدم هذا الحديث مع مصادره تحت رقم (568) وتقدم كون طاعة علي كطاعة الرسول تحت رقم (747) فراجع.
صلى الله عليه وآله وسلم: «من فارقني فارق الله ومن فارقك يا علي فقد فارقني» (1) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي (2) » وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من سب علياً فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله» (3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» (4) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من أحب علياً فقد أحبني ومن أبغض علياً فقد أبغضني» (5) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحبك يا علي إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق» (6) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «الهم والِ من والاه، وعادِ
____________
(1) تقدم هذا الحديث مع مصادره تحت رقم (569) فراجع، وتحت رقم (748) أيضاً.
(2) تقدم تحت رقم (574) فراجع.
(3) تقدم تحت رقم (570) وما بعده فراجع.
(4) يوجد في: ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي: 1/393 ح501 الاستيعاب بهامش الاصابة: 3/37، ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري: 65، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 205 و303 ط اسلامبول وص243 و338 ط الحيدرية.
وتقدم صدره تحت رقم (571) مع مصادره فراجع.
(5) تقدم مع مصادره تحت رقم (572) فراجع.
(6) قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعلي:
«لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق».
يوجد في: صحيح الترمذي: 5/306 ح3819 ط دار الفكر، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 27 ط التقدم العلمية بمصر وص105 ط الحيدرية وص44 ط بيروت، سنن النسائي: 8/116، ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي: 2/188 حديث 671 و674 و675 و678 و680 و683 و684 و686 و687 و688 و689 و690 و691 و692 و693 و694 و695 و702 و703، أسد الغابة: 4/26، حلية الأولياء: 4/185 وصححه وذكره بطرق مختلة، ميزان الاعتدال للذهبي: 2/41، الاستيعاب لابن عبدالبر بهامش الاصابة: 3/37، مجمع الزوائد للهيثمي: 9/133، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الحنفي: 4/520 ط1 بمصر 20/221 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي: 190 ح225 و226 و228 و229 و331 ط1 بطهران، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 47 و48 و182 ط اسلامبول وص52 و53 و215 ط الحيدرية، كنوز الحقائق للمناوي: 38 و171 بدون ذكر المطبعة وص46 و192 ط بولاق بمصر، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: 5/30، كنز العمال: 15/157 ح444 ط2، الرياض النضرة: 2/284. ونقله في احقاق الحق ج7 عن: مسند أحمد: 1/95 ط الميمنية، علل الحديث لأبي حاتم: 2/400، سنن البيهقي: 2/271 ط الميمنية، طبقات الحنابلة: 1/320، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: 8/417 و: 14/426، موضح الجمع والتفريق للبغدادي: 468، معالم التنزيل للبغوي: 6/180، لسان الميزان لابن حجر: 2/446، سعد الشموس والأقمار: 210، شرح ديوان أمير المؤمنين للمبيدي: 191 مخطوط، الشفاء للقاضي عياض: 2/41، تذكرة الحفاظ للذهبي: 1/10، الفتح الكبير للنبهاني: 1/446، نقد عين الميزان لمحمد بهجت: 14 ط مجلة القيمرية، السيف اليماني المسلول: 49، فرائد السمطين: 1/133.
وتقدم هذا الحديث بضمير المتكلم مع مصادره تحت رقم (573) فراجع.
من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» (1) ونظر يوماً الى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» (2) وحين غشاهم بالكساء قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم» (3) الى كثير من أمثال هذه السنن التي لم يعمل كثير من الصحابة بشيء منها،
____________
(1) تقدم هذا الحديث مع مصادره بين رقم (662 وبين 623) فراجع.
(2) تقدم مع مصادره تحت رقم (749) فراجع.
(3) يوجد في: الصواعق المحرقة لابن حجر: 142 و185 ط المحمدية وص85 و112 ط الميمنية بمصر، الاصابة لابن حجر العسقلاني: 4/378، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 229 و294 و309 ط اسلامبول، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: 232 و239، مصابيح السنة للبغوي الشافعي: 2/280، مشكاة المصابيح للعمري: 3/258، ذخائر العقبى للطبري الشافعي: 23، الرياض النضرة لمحب الدي الطبري الشافعي: 2/94.
إنما عملوا بنقيضها تقديماً لأهوائهم، وإيثاراً لأغراضهم، وأولو البصائر يعلمون أن سائر السنن المأثورة في فضل علي ـ وإنها لتربو على المئات ـ كالنصوص الصريحة في وجوب موالاته، وحرمة معاداته، لدلالة كل منها على جلال قدره وعظم شأنه، وعلو منزلته عند الله ورسوله، وقد أوردنا منها في غضون هذه المراجعات طائفة وافرة، وما لم نورده أضعاف أضعاف ما أوردنا (1) ، وأنتم ـ بحمد الله ـ ممن وسعوا السنن علماً، وأحاطوا بها فهماً، فهل وجدتم شيئاً منها يتفق مع مناصبته ومحاربته، أو يلتئم مع إيذائه وبغضه وعداوته، أو يناسب هضمه وظلمه، وسبه على منابر المسلمين، وجعل ذلك سنة من سنن الخطباء، أيام الجمع والأعياد، كلا. ولكن الذين ارتكبوا منه ذلك لم يبالوا بها على كثرتها وتواترها، ولم يكن لهم منها وازع عن العمل بكل ما تقتضيه سياستهم، وكانوا يعلمون أنه أخو النبي ووليه ووارثه ونجيه، وسيد عترته، وهارون أمته، وكفؤ بضعته وأبو ذريته، وأولهم اسلاماً وأخلصهم إيماناً، وأغزرهم علماً، وأكثرهم عملاً، وأكبرهم حلماً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم عناءً، وأحسنهم بلاء، وأوفرهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأحوطهم على الاسلام، وأقربهم من رسول الله، وأشبههم به هدياً
____________
(1) راجع: احقاق الحق للتستري ج1 وج2 وج3 وج4 وج5 وج6 وج7 وج8 وج9 وج10 وج11 ط المطبعة الاسلامية في طهران مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي ط المطبعة الاسلامية بطهران، ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج1 وج2 وج3 ط بيروت، كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب للكنجي الشافعي ط الحيدرية، الغدير للأميني ج1 الى ج11 ط ايران وط بيروت، فضائل الخمسة من الصحاح الستة للفيروز ابادي ط في النجف وبيروت، المناقب للخوارزمي الحنفي ط تبريز وط الحيدرية، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج1 وج2 ط في بيروت، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ط في اسلامبول وايران وصيدا والنجف وقد طبع 8 طبعات، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ط في النجف، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ط في مصر وبيروت والنجف، الرياض النضرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 2/201 ـ 334 ط2 مطبعة دار التألف بمصر وغيرها من عشرات الكتب المطبوعة والمخطوطة.
وخلقاً وسمتاً، وأمثلهم فعلاً وقولاً وصمتاً، لكن الأغراض الشخصية كانت هي المقدمة عندهم على كل دليل؛ فأي عجب بعد هذا من تقديم رأيهم في الامامة على التعبد بنص الغدير، وهل نص الغدير الا حديث واحد من مئات الأحاديث التي تأولوها؟ إيثاراً لآرائهم وتقديماً لمصالحهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي» (1) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له» (2) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس» (3) ، إلى آخر ما جاء على هذا النمط من صحاح السنن التي لم يتعبدوا بشيء منها، والسلام.
ـ ش ـ
10 ربيع الثاني سنة 1330
لِمَ لَمْ يحتج الامام يوم السقيفة بنصوص الخلافة والوصاية؟
صرح الحق عن محضه، والحمد لله رب العالمين، ولم يبق إلا أمر واحد، تنكرت معالمه، وخفيت أعلامه، أذكره لك لتميط حجابه، وتعلن سره، وهو أن الامام لم يحتج ـ يوم السقيفة على الصديق ومبايعيه ـ بشيء من نصوص الخلافة والوصاية التي أنتم عليها عاكفون، فهل أنتم أعرف بمفادها منه؟ والسلام.
ـ س ـ
11 ربيع الثاني سنة 1330
1 ـ موانع الامام من الاحتجاج يوم السقيفة.
____________
(1) حديث الثقلين تقدم تحت رقم (28 و29 و30 و31 و32 و33) فراجع.
(2) حديث السفينة: تقدم تحت رقم (40) فراجع.
(3) وهذا أيضاً تقدم تحت رقم (41) فراجع.
2 ـ الاشارة الى احتجاجه واحتجاج مواليه مع وجود الموانع
1 ـ الناس كافة يعلمون أن الامام وسائر أوليائه بني هاشم وغيرهم، لم يشهدوا البيعة، ولا دخلوا السقيفة يومئذ وكانوا في معزل عنها وعن كل ما كان فيها، منصرفين بكلهم الى خطبهم الفادح بوفاة رسول الله، وقيامهم بالواجب من تجهيزه صلى الله عليه وآله وسلم، لا يعنون بغير ذلك، وما واروه في ضراحه الأقدس حتى أكمل أهل السقيفة أمرهم فأبرموا البيعة، وأحكموا العقد، وأجمعوا ـ أخذاً بالحزم ـ على منع كل قول أو فعل يوهن بيعتهم، أو يخدش عقدهم، أو يدخل التشويش والاضطراب على عامتهم، فأين كان الامام عن السقيفة وعن بيعة الصديق ومبايعيه ليحتج عليهم؟ وأنى يتسنى الاحتجاج له أو لغيره بعد عقد البيعة وقد أخذ أولو الأمر والنهي بالحزم، وأعلن أولو الحول والطول تلك الشدة، وهل يتسنى في عصرنا الحاضر لأحد أن يقابل أهل السلطة بما يرفع سلطتهم، ويلغي دولتهم؟ وهل يتركونه وشانه لو أراد ذلك؟ هيهات هيهات، فقس الماضي على الحاضر، فالناس ناس والزمان زمان.
على أن علياً لم ير للاحتجاج عليهم يومئذ أثراً إلا الفتنة التي كان يؤثر ضياع حقه على حصولها في تلك الظروف، إذ كان يخشى منها على بيضة الاسلام وكلمة التوحيد، كما أوضحناه سابقاً حيث قلنا: إنه مني في تلك الأيام بما لم يمن به أحد، إذ مثل على جناحيه خطبان فادحان، الخلافة بنصوصها ووصاياها الى جانب تستصرخه وستتفزه بشكوى تدمي الفؤاد، وحنين يفتت الأكباد، والفتن الطاغية الى جانت آخر تنذره بانتقاص شبه الجزيرة، وانقلاب العرب، واجتياح الاسلام، وتهدده بالمنافقين من أهل المدينة، وقد مردوا على النفاق، وبمن حولهم من الأعراب، وهم منافقون بنص الكتاب، بل هم أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، وقد قويت شوكتهم بفقده صلى الله عليه وآله وسلم، وأصبح المسلمون بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، بين ذئاب عادية، ووحوش ضارية، ومسيلمة الكذاب، وطليحة بن خويلد الأفاك، وسجاح بنت الحرث الدجالة، وأصحابهم الرعاع الهمج، قائمون ـ في محق الاسلام وسحق
المسلمين ـ على ساق، والرومان والأكاسرة والقياصرة وغيرهم، كانوا للمسلمين بالمرصاد، الى كثير من هذه العناصر الجياشة بكل حنق من محمد وآله وأصحابه، وبكل حقد وحسيكة لكلمة الاسلام تريد أن تنقض أساسها وتستأصل شأفتها، وإنها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجلة، ترى أن الأمر قد استتب لها، والفرصة ـ بذهاب النبي الى الرفيق الأعلى ـ قد حانت فأرادت أن تسخر الفرصة، وتنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الاسلام الى قوة وانتظام، فوقف علي بين هذين الخطرين، فكان من الطبيعي له أن يقدم حقه قرباناً لحياة المسلمين (1) ، لكنه أراد الاحتفاظ بحقه في الخلافة، والاحتجاج على من عدل عنه بها على وجه لا تشق بهما للمسلمين عصاً، ولا تقع بينهم فتنة ينتهزها عدوهم، فقعد في بيته حتى أخرجوه كرهاً بدون قتال، ولو أسرع اليهم ما تمت حجة، ولا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من خلافة المسلمين، وحين رأى أن حفظ الاسلام، ورد عادية أعدائه موقوفان في تلك الأيام على الموادعة والمسالمة، شق بنفسه طريق الموادعة، وآثر مسالمة القائمين في الأمر احتفاظاً بالأمة، واحتياطاً على الملة، وضناً بالدين، وإيثاراً للآجلة على العاجلة، وقياماً بالواجب شرعاً وعقلاً من تقديم الأهم ـ في مقام التعارض ـ على المهم، فالظروف يومئذٍ لا تسع مقاومة بسيف، ولا مقارعة بحجة (*) .
____________
(1) وقد صرح عليه السلام بذلك في كتاب له بعثة الى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه امارتها اذ قال: أما بعد، فان الله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين، فلما مضى عليه السلام، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذه الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم، عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني الا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فخشيت أن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم، التي انما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهض في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه، الى آخر كلامه، فراجعه في نهج البلاغة.
(*) وللدكتور سعيد عاشور المصري محاضرة قيمة جداً ألقاها في جامعة الكويت موضوعها: كتابة التاريخ من جديد، وتعرض فيها الى جلوس أمير المؤمنين عن الخلافة، فعلى الباحثين أن يقفوا عليها فهي جديرة بالاهتمام وهي منتشرة بصوته ومطبوعة أيضاً.
2 ـ ومع ذلك فإنه وبنيه، والعلماء من مواليه، كانوا يستعلمون الحكمة في ذكر الوصية، ونشر النصوص الجلية، كما لا يخفى على المتتبعين، والسلام.
ـ ش ـ
12 ربيع الثاني سنة 1330
البحث عن احتجاجه واحتجاج مواليه
متى كان ذلك من الامام؟ ومتى كان ذلك من ذويه ومواليه؟ أوقفونا على شيء منه، والسلام.
ـ س ـ
15 ربيع الثاني سنة 1330
1 ـ ثلة من موارد احتجاج الامام
2 ـ احتجاج الزهراء عليها السلام
1 ـ كان الامام يتحرى السكينة في بث النصوص عليه، ولا يقارع بها خصومه احتياطاً على الاسلام، واحتفاظاً بريح (1) المسلمين، وربما اعتذر عن سكوته وعدم مطالبته ـ في تلك الحالة ـ بحقه فيقول (2) : «لا يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له (3) » وكان له في نشر النصوص عليه طرق
____________
(1) الريح: حقيقة في القوة والغلبة والنصر والدولة (منه قدس).
(2) هذه الكلمة من كلمة القصير الخارج في غرضه الشريف وهي في نهج البلاغة، فراجع ما ذكره علامة المعتزلة في شرحها ص324 من المجلد الرابع من شرح النهج (منه قدس).
(3) راجع: نهج البلاغة للامام علي باب المختار من حكم أمير المؤمنين رقم ـ 166 ـ وفي شرح النهج لابن أبي الحديد: 18/168 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 5/461 ط مكتبة الحياة و: 4/434 ط دار الفكر.
تجلت الحكمة فيها بأجلى المظاهر، ألا تراه ما فعل يوم الرحبة إذ جمع الناس فيها أيام خلافته لذكرى يوم الغدير، فقال لهم: ……. الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول يوم غدير خم ما قال، إلاّ قام فشهد بما سمع، ولا يقم إلاَّ من رآه، فقام ثلاثون، من الصحاب فيهم اثنا عشر بدرياً فشهدوا بما سمعوه من نص الغدير (1) (2) وهذا غاية ما يتسنى له في تلك الظروف الحرجة بسبب قتل عثمان، وقيام الفتنة في البصرة والشام، ولعمري إنه قصارى ما يتفق من الاحتجاج يومئذ مع الحكمة في تلك الأوقات، ويا له مقاماً محموداً بعث نص الغدير من مرقده، فأنعشه بعد أن كاد، ومثل ـ لكل من كان في الرحبة من تلك الجماهير ـ موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خم،وقد أخذ بيد علي فأشرف به على مئة ألف أو يزيدون، من أمته، فبلغهم أنه وليهم من بعده، وبهذا كان نص الغدير أظهر مصاديق السنن المتواترة، فانظر الى حكمة النبي إذ أشاد به على رؤوس الاشهاد،
____________
(1) كما ذكرناه في المراجعة 56 (منه قدس).
(2) مناشدة أمير المؤمنين الصحابة بحديث الغدير في يوم الرحبة.
تقدمت تحت رقم (631 و633 و634 و635) فراجع.
وراجع في مطالبته بحقه: الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1/11 و143 ط مصطفى محمد بمصر و: 1/11 و155 ط الحلبي بمصر و: 1/18 و133 ط سجل العرب بالقاهرة تحقيق طه الزيني ولكن في هذه الطبعة ص18 و14 و20 و22 من ج1 قد طبعت في ص18 و14 و20 و22 من الجزء الثاني وضعت في الجزء الأول فليعلم ذلك.
وراجع أيضاً: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/5 و476 أفست على ط1 بمصر و: 6/11 ـ 12 و: 9/306 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، الغدير للأميني: 7/80 ط بيروت، عبدالله بن سبأ للعسكري: 1/109 ـ 110، المناقب للخوارزمي: 224 ط الحيدرية، كفاية الطالب للكنجي الشافعي: 386 ط الحيدرية وص242 ط الغري.
وراجع ما تقدم تحت رقم (593) و594 و595 و838).
وراجع ما يأتي تحت رقم (897 وما بعده من الأرقام).
وانته الى حكمة الوصي يوم الرحبة إذ ناشدهم بذلك النشاد، فاثبت الحق بكل تؤدة اقتضتها الحال، وكل سكينة كان الامام يؤثرها، وهكذا كانت سيرته في بث العهد اليه، ونشر النص عليه، فإنه إنما كان ينبه الغافلين بأساليب لا توجب ضجة ولا تقتضي نفرة.
وحسبك ما أخرجه أصحاب السنن من حديثه عليه السلام في الوليمة التي أولمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في دار عمه شيخ الأباطح بمكة يوم أنذر عشيرته الأقربين وهو حديث طويل جليل (1) ، وكان الناس ولم يزالوا يعدونه من أعلام النبوة، وآيات الاسلام، لاشتماله على المعجز النبوي بإطعام الجم الغفير من الزاد اليسير، وقد جاء في آخره: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخذ برقبته، فقال: «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا» (2) وكثيراً ما كان يحدث بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال له: «أنت ولي كل مؤمن بعدي» (3) وكم حدث بقوله له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» (4) وكم حدث بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: من كنت وليه فهذا ـ علي ـ وليه» (5) (6) الى كثير من النصوص التي لم تجحد، وقد أذاعها بين الثقات والأثبات، وهذا ما يتسنى له في تلك الأوقات، «حكمة بالغة فما تغن النذر» ويوم الشورى أعذر وأنذر، ولم يبق من خصائصه ومناقبه شيئاً إلا احتج به (7) ، وكم احتج أيام خلافته متظلماً، وبث شكواه على المنبر متألماً،
____________
(1) أوردناه في المراجعة 20 (منه قدس).
(2) يوجد في: كنز العمال: 15/100 ح286 ط2. وتقدم هذا الحديث بكامله مع مصادره تحت رقم (459) فراجع.
(3) تقدم هذا الحديث مع مصادره تحت رقم (517 و524 و468) فراجع.
(4) تقدم مع مصادره تحت رقم (475) فراجع.
(5) تقدم مع مصادره تحت رقم (528) فراجع.
(6) أخرجه ابن عاصم كما بيناه في آخر المراجعة 26. (منه قدس).
(7) احتجاج الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام في يوم الشورى يوجد في: مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافي: 112 ـ 118 ح155، المناقب للخوارزمي الحنفي: 222 ـ 225، كفاية الطالب للكنجي الشافعي: 386 ط الحيدرية وص242 ط الغري، ميزان الاعتدال للذهبي: 1/442، فرائد السمطين للحمويني الشافعي: 1/320 ـ 322.
حتى قال: «أما والله لقد تقمصها فلان، وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى الي الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى،وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً…» إلى آخر الخطبة (1) الشقشقية (2) ، وكم قال: «اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم (3) ، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي،وأجمعوا على منازعتي
____________
(1) قوله عليه السلام: «أما والله لقد تقمصها فلان (ابن أبي قحافة) وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى… الخ».
توجد في نهج البلاغة للامام علي وهي الخطبة الثالثة: 1/33 أفست أيران وتوجد هذه الخطبة في مصادر أخرى من الفريقين قبل وجود السيد الرضي ـ المولود سنة 359 والمتوفي 406 هـ الذي جمع كلام الامام علي عليه السلام وبعده.
راجع في ذلك: الغدير للعلامة الأمينين: 7/82 ـ 85. فانه ذكر 28 مصدراً و: 4/186 ـ 198 حول نهج البلاغة وصحة كونه للشريف الرضي.
وراجع أيضاً: كتاب مصادر نهج البلاغة للسيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب: 2/20 ـ 31، مدارك نهج البلاغة لكاشف الغطاء: 237، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/69 أفست على ط1 بمصر و: 1/205 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي: 124، وتوجد في العقد الفريد لابن عبدربه المالكي المتوفي سنة 328 هـ كما ذكره في البحار: 8/161 ط قديم، والشيخ ابراهيم القطيفي في الفرقة الناجية. ولكن الأيدي (الأمينة) على ودائع العلم قد حذفتها عند الطبع!
وتوجد الخطبة الشقشقية أيضاً في مصادر شيعية قبل السيد الرضي.
راجع: علل الشرائع للشيخ الصدوق المتوفي 381 هـ 1/150 باب ـ 122 ـ رقم 12، معاني الأخبار للصدوق: 2/343، الارشاد للشيخ المفيد المتوفي 413 أستاذ السيد الرضي: 167، كتاب الجمل للشيخ المفيد: 62.
ونقلها بعد السيد الرضي: الشيخ الطوسي المتوفي 460 هـ من غير طريق الرضي في الأمالي: 1/382 ـ 384، وفي تلخيص الشافي: 3/53 ـ 57، والطبرسي في الاحتجاج: 1/281، والمجلسي في البحار: 8/159 ط قديم، وأوعزت لها كتب معاجم اللغة: لسان العرب: 12/53، النهاية لابن الأثير: 2/490، القاموس للفيروز آبادي: 3/251 ط دار العلم للجميع، مجمع الأمثال للميداني.
وراجع: ما هو نهج البلاغة للسيد هبة الدين الشهرستاني ط النعمان.
(2) هي الخطبة 3 من نهج البلاغة في ص25 من جزئه الأول (منه قدس).
(3) راجع الخطبة 167 أو ص103 من الجزء الثاني من النهج (منه قدس).
أمراً هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه» اهـ. (1) وقد قال له قائل (2) : «إنك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقال: بل أنتم والله لأحرص وانما طلبت حقاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه» (3) وقال عليه السلام (4) : «فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي مستأثراً على منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يوم الناس هذا» (5) .
____________
(1) يوجد في: نهج البلاغة للامام علي عليه السلام خطبة ـ 167 ـ 2/300 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/495 و: 3/36 ط1 بمصر و: 9/305 و: 11/109 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1/144 ط مصطفى محمد بمصر و: 1/155 ط الحلبي بمصر و: 1/134 ط سجل العرب بالقاهرة.
(2) كما في الخطبة 167 أيضاً (منه قدس).
(3) يوجد في: نهج البلاغة للامام علي خطبة ـ 167 ـ ص300 ط مصر، شرح ابن أبي الحديد: 2/495 أفست على ط مصر و: 9/305 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1/144 ط مصطفى محمد بمصر و: 1/155 ط الحلبي و: 1/134 ط سجل العرب بالقاهرة.
(4) كما في الخطبة 5 ص37 من الجزء الأول من النهج (منه قدس).
(5) يوجد في: نهج البلاغة للامام علي خطبة ـ 6 ـ 1/43 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/75 و: 2/496 ط1 بمصر و: 1/223 و: 9/306 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، وراجع مصادر نهج البلاغة: 2/45 ط القضاء بالنجف.
وقال عليه السلام مرة: «لنا حق فإن أعطيناه، وإلا ركبنا أعجاز الابل، وإن طال السرى (1) » (2) وقال عليه السلام في كتاب كتبه الى أخيه عقيل (3) : «فجرت قريش عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي» (4) وكم قال عليه السلام: (5) «فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضبت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم» (6) .
وسأله بعض أصحابه: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال: (7) «يا أخا بني أسد إنك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد، ولك بعد
____________
(1) هذه الكلمة هي 21 من كلماته في باب المختار من حكمه، ص155 من النهج، وقد علق عليها السيد الرضي كلمة نفيسة، وعلق عليها الشيخ محمد عبده كلمة أخرى، يجدر بالأديب مراجعتها (منه قدس).
(2) يوجد في: نهج البلاغة باب المختار من حكم أمير المؤمنين برقم ـ 21 ـ ص562 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/496 و: 4/252 أفست بيروت على ط مصر و: 18/132 و: 9/307 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل تاريخ الطبري: 4/236، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3/74.
(3) وهو الكتاب 36 في ص67 من الجزء 3 من النهج (منه قدس).
(4) يوجد في: نهج البلاغة للامام علي: 3/488 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4/55 و: 2/496 أفست بيروت على ط1 بمصر و: 16/148 و: 9/306 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل.
(5) راجع الخطبة 25 ص62 من الجزء الأول من النهج (منه قدس).
(6) يوجد في: نهج البلاغة للامام علي خطبة ـ 26 ـ 1/68 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/122 أفست بيروت على ط1 بمصر و: 2/20 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، الامامة والسياسة لابن قتيبة: 1/144 ط مصطفى محمد و: 1/156 ط الحلبي و: 1/134 ط سجل العرب.
(7) كما في ص79 من الجزء الثاني من النهج من الكلام 157 (منه قدس).
ذمامة الصهر وحق المسألة وقد استعلمت فاعلم، أما الاستبداد علينا بهذا المقام، ونحن الأعلون نسباً، والأشدون برسول الله نوطا، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم؛ وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم لله والمعود اليه يوم القيامة، ودع عنك نهباً صيح في حجراته… الخطبة» (1) وقال عليه السلام (2) : «أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا؟ كذباً علينا وبغياً أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويُستجلى العمى؛ إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم.. الخ» (3) وحسبك قوله في بعض خطبه (4) : «حتى إذا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج (5) ، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه، فبنوه في غير مواضعه، معادن كل
____________
(1) يوجد في: نهج البلاغة للامام علي من كلام له برقم ـ 161 ـ 2/281 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/241 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل و: 2/454 أفست على ط مصر.
(2) كما في ص36 والتي بعدها من الجزء الثاني من النهج من الكلام 140 (منه قدس).
(3) يوجد في: نهج البلاغة للامام أمير المؤمنين خطبة ـ 143 ـ 2/249 ط مصر و: 2/255 ط دار الأندلس و: 2/36 ط الاستقامة، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/401 أفست على ط1 بمصر و: 9/84 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل.
(4) راجعه في آخر ص48 والتي بعدها من الجزء الثاني من النهج في الخطبة 146 (منه قدس).
(5) دخائل المكر والخديعة (منه قدس).
خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة، قد ماروا في الحيرة، وذهلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون؛ من منقطع الى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين (1) » وقوله في خطبة خطبها بعد البيعة له، وهي من جلائل خطب النهج (2) «لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من هذه الأمة أحد، ولا يسوى من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، اليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق الى أهله، ونقل الى منتقله (3) » وقوله عليه السلام من خطبة أخرى يعجب فيها من مخالفيه: «فيا عجبي! ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي… الخطبة (4) » (5) .
____________