( 1 )
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وكونوا مع الصادقين
( التوبة 119)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين المتفضّل علينا بالهداية والعناية والتمكين والمنعم
على عباده بكل خير وسعادة ليكونوا صالحين مَنْ تَوكّلَ عليه كفاه وحفظه
منْ كيدُ الشياطينْ ومَنْ تنكبَ عَنْ صراطه فهو من المخذولين .
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ناصر المستضعفين والمظلومين حبـيب المساكين الذين آمنوا بالله رغبة فيما أعده سبحانه لعباده الصادقين ..
وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين أعلا الله مقامهم على سائر
المخلوقين ليكونوا قدوة العارفين ومنار الهدى وسفينة النجاة التي من تخلّف
عنها كان من الهالكين ..
.. ثم الرضا والرضوان على أصحابه الميامين الذين بايعوه وناصروه ولــم يكونوا من الناكثين وثبتوا بعده على العهد وما بدّلوا وما إنقلبوا وكانوا مـــن الشاكرين وعلى من تبعهم بإحسان وسار على هديهم من الأولين والآخرين الى قيام يوم الدين .
( 6 )
رب اشرح لي صدري ويَسرْ لي امري وأحللْ عقدةً من لساني يفقه قولي رب وأفتحْ بصيرةَ كل من يقرأ كتابي على الحقيقة التي تهدي بها عبادك
المخلصين .
أما بعد فقد لقيّ كتابي « ثم إهتديت » قبولاً حسناً لدى القرّا ء الأعزّاء
الذين أبدوا بعض الملاحظات الهامّة حول موضوعات متفرقة في الكتاب المذكور وطلبوا المزيد من التوضيح في المسائل التي إختلف في فهمها كثيراً من المسلمين سنّةً وشيعة ومن أجل رفع اللَبسْ والغموض عن ذلك لمن أراد التحقيق والوقوف على جَـلّية الأمرِ فقد ألّفتُ هذا الكتاب بنفسِ الأسلوب الذي إتبعته هناك ' ليَسهل على الباحثِ المنصف الوصول الى الحقيقة من أقرب سبلها ' كما وصلـــتُ اليها من خلال البحث والمقارنة ، وقد أسميته ــ على بركة الله ــ ( مع الصادقيـن )
إقتباساً من قوله تعالى
يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
ومَنْ مِنَ المسلمين يرفض أو يزهد في أن يكون مع أولئك الصادقين ؟ !.
هذا ما إقتنعتُ به شخصياً وما أحاول توضيحه لغيري ما إستعطتُ إلى
ذلك سبيلاً دون فرضً لرأيي بل ومع إحترامي لرأي غيري ، فللّه وحده
الهادي وهو الذي يتولى الصالحين ..
وقد إعترض البعض على عنوان الكتاب السابق « ثم إهتديت » لإنطوائه على غموض قد بَعَثَ على التأملِ والتساؤلِ حول ما إذا كان الآخرون على ضلالة وما مدلول تلك الضلالة إن قُصد هذا المعنى ؟ وعلى هذا الإعتراض أجيب موضحاً :
أولاً : جاء في القران الكريم لفظ الضلالة بمعنى النسيان قال تعالى :
{ قال عُلمُها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى }
(1) وقال عَزّ وَجلّ :
أن تضل إحداهما فتذكر إحداهمـا الأخرى (2) . كما ورد في القران الكريم
____________
(1) طه 52 .
(2 ) البقرة 282 .
( 7 )
لفظ الضلالة تعبيراً عن حالة التحقيق والبحث والتفتيش قال تعالى مخاطباً
رسوله الكريم : { ووجدك ضالاً فهدى }
(1) أي وجدك تبحث عن الحقيقة فهداك إليها والمعروف عن سيرته صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قبل نزول الوحي عليه كان يهجر قومه في مكة ليختلي في غار حرّاء الليالي العديدة باحثاً عن الحقيقة .
ومن هذا المعنى أيضاً قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
(الحكمةُ ضالّة المؤمن أين ما وجدها أخذها ).
فعنوان كتابي الأول يتضمن هذا المعنى ..
ثانياً : وعلى فرض أن العنوان يتضمن معنى الضلالة التي تقابل الهداية فيما
نقصده على المستوى الفكري من إصابة النهج الإسلامي الصحيح الذي يضعنا على الصراط المستقيم كما عقّب بعض القرّاء بذلك فليكن كذلك وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروحٍ رياضية بنّاءة ، وَنفَسٍ موضوعيً خلاّق .. ينسجم في الفهم مع قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم :
« تركتُ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ».
فالحديث وا ضح وصريح في ألإشارة الى ضلال من لم يتمسك بهما معاً « الكتاب والعترة ».
وعلى كل حال فأنا مقتنع بأنني إهتديت بفضل الله سبحانه وتعالى الى التمسك بكتاب الله وعترة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحق .
فكتابي الأول والثاني يحملان عناوينَ من القرآن الكريم وهو أصدق الكلام وأحسنه وكل ما جمعته في الكتابين ـ إن لم يكن الحق فهو أقرب مايكون إليه
____________
(1) الضحى 7 .
(8 )
لأنه مما إتفق عليه المسلمون سنةً وشيعة وما ثبت عند الفريقين إنّه صحيح . فكانت النتيجة ولادة هـذين الكتابين بحمد الله « ثم إهتديتُ ولأكون مع الصّادقين » .
والله أسأل أن يهدي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أجمعهم حتى يكونوا خير أمةٍ ويقودوا العالم بأسره الى النور والهداية تحت لواء الإمام المهدي المنتظرالذي وعدنا به جدّه صلى الله عليه وآله وسلم ليملأ الأرض عدلآ وقِسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً وليتم نور الله ولو كره الكافرون .
( 9 )
المقدمة
بسم الله الرحّمن الرّحيم والصلاة والسلامِ على أشرف المرسلين سيّدنا ومولانا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
أما بعد فإن الدين يعتمد بنحو أساسي على العقائد التي تكون منه مجموعة الإصول والمرتكزات التي يؤمن بها معتنقوا هذا الدين أو ذاك . والتي لابد أن يقوم إيمانهم بها على الدليل القاطع والبرهان الجلي الذي ينطلق من المسلمات العقلية التي يؤمن بها جميع الناس ليتسنى له إقناعهم بما يدعوهم اليه ورغم ذلك فإنه ثمة أفكار يصعب على العالم تفسيرها .. مثلما يصعب على العقل التصديق بها عند الوهلة الأولى من ذلك مثلاً أن تكون ألـنار « بَرّداً وسَلاماً » في حين أن العلم والعقل يتفـقان على إنها حرارةٌ مهلكة ، أو أن تقطَّع الطير الى أجزاء متناثرة فوق الجبال ثم تُدعى فتأتي تسعى في حين أن العلم والعقل يستبعدان ذلك أو أن يُشفى الأعمى والأبرص والأكمه بمجرد مسح عيسى (ع) بل وإحياء الموتى في حين أن العلم والعقل لايجدان تفـسيراً لهذا .. وهي أمور تندرج في باب المعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه (عليهم السلام ) وهي موجودة لدى المسلمين واليهود والنصارى ..
(10 )
وإنما أجرى الله سبحانه وتعالى تلك المعجزات والخوارق علي أيدي أنبيائه ورسله عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام ، ليُفهم العباد بأن عُقولهم قاصرة عن الإدراك والإحاطة بكل شيء ، لأنه سبحانه لم يؤتهم من العلم إلا قليلاً ، ولعلّ في ذلك صلاحهم وكمالهم النسبي ، فقد كفر الكثير بنعمة الله وأنكر الكثير وجوده سبحانه ، وأعْنَزَ الكثيرُ منهم بالعلم والعقل حتى عبدوهما من دون الله ، هذا مع قلة العلم والعقل ، فكيف لو أعطاهم علم كل شيء ؟!
ونظراً لأهمية العقيدة ومركزيتها في إيمان المسلم فإن كتابي هذا قد تناول
جملة من العقائد الإسلامية التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة والتي كانت مسرحاً لإختلاف فرق المذاهب الإسلامية فَعَقدتُ فصلاََ خاصاََ بمعتقدات أهل السنة والشيعة في القرآن الكريم والسنة النبوية ، ثم تَطرقتُ بعدَ ذلك لسائرِ المسائلْ التي إختلفوا فيها وشنّعَ بعضهم على البعض الآخر بدون مبرر ، هادفاً من ذلك بيانْ ما رأيته الحق ، راغباً في مساعدة من يريد البحث~ عنه آملاً أن يساهم ذلك في قيام الوحدة الإسلامية على أساسٍ فكريَّ متين ، والله أسأل أنْ يوفقنا جميعاً لما يُحبُ ويرضى ويجمع كلمة المسلمين على الصواب إنه عزيز قدير ..
(11 )
القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة وعند الشيعة الأمامية ألإثني عشرية
هو كلام الله المنزل على رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلّم ، وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المرجع الأعلى للمسلمين في أحكامهمْ وعباداتهم وعقائدهم ؛ من شكّ فيه أو أهانه فقد بريء من ذمة الإسلام ، فهم ــ المسلمون كافة ــ متفقون على تقديسه وإحترامه والتعبّد بما ورد فيه ..
ولكنهم إختلفوا في تفسيره وتأويله ، ومرجع الشيعة في التفسير والتأويل يعود إلى النبي صلىّ الله عليه وآله وسلم وشروحات الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومرجع أهل السنّة والجماعة يعود إلى أحاديث النبي صلىّ الله عليه وآله وسلم أيضاً ولكنهم يعتمدون على الصحابة ــ دون تمييز ــ أو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة في نقل الأحاديث وشرحها وتفسيرها ..
وبطبيعة الحال نشأ من ذلك إختلاف في العديد من المسائل الإسلامية وخصوصاََ الفقهية منها ، وإذا كان الإختلاف بين المذاهب الأربعة من مدرسة أهل السنة والجماعة ظاهراً ، فلا غرابة في أن يكون بينهم وبين مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) أظهر ..
(12 )
وكما ذكرت في مستهلّ الكتاب فإنني سوف لن أتطرّق إلا إلى بعض الأمثلة بغية الإختصار ، وعلى من يريد البحث والإستزادة أن يغوص في أعماق البحر لإستخراج ما يمكنه من الحقائق الكامنة والجواهر المخفيّة !
يتفق أهل السنة مع الشيعة في القول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بَينَ للمسلمين كل أحْكام القرآن وفَسْرَ كل آياته ، ولكنهم إختلفوا فيمن ينبغي الرجوع إليه بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بغية التعرّف إلى ذلك البيان والتفسير ، فذهب أهل السنة إلى ألإعتماد على الصحابة ــ دون تمييز ــ ومن بعدهم الأئمة الأربعة وعلماء الأمة الإسلامية ، أما الشيعة فقالوا : أن الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤهلون لذلك وصفوة من الصحابة المنتجبين ، فأهل البيت (عليهم السلام ) هم أهل الذكر الذين أمرنا الله تعالى بالرجوع أليهم في قوله عزَّ وجلَّ
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) وهم الذين إصطفاهم الله تعالى وأورثهم علم الكتاب في قوله عزَّ وجَّل
ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا (2) ولكل ذلك جعلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عِدْلَ القرآن والثقل الثاني الذي أمر المسلمين بالتمسك به فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
« تركت فيكم الثقلين كتاب ألله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا »
(3) .
وفي لفظ مسلم كتاب الله أهل بيتي ـ أذكركم الله في أهل بيتي قالها ثلاث مرات
(4) .
____________
(1) النحل : آية 43 تفسير الطبري ج14 ص 109 وتفسير إبن كثير ج 2 ص 570
(2) فاطر آية 32 .
(3) أخرجه الترمذي في صحيحه ج 2 ص 329 والنسائي والإمام أحمد
صحيح مسلم ج 2 ص 362 باب فضائل الإمام علي بن أبي طالب .
(13 )
ومن المعلوم أن أهل البيت ( عليهم السلام ) كانوا أعلم الناس وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم ، وقد قال فيهم الفرزدق :
إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خيرُ أهل الأرض قيل هُمُ وأسوق هنا مثالا واحداً للتذكيرِ بطبيعة الرابطة بين أهلِ البيت ( عليهم السلام ) والقرآن الكريم ، فقد قال تعالى :
فلا أقسم بمواقع النجوم . وإنه لَقَسم عظيم لو تعلمون عظيم . إنه لقرآن كريم . في كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهّرون (1)
فهذه الآيات تشير بدون لبس إلى أن اهل البيت ( عليهم السلام ) ــ وعلى رأسهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ــ هم الذين يدركون معاني القرآن الغامضة ، لإنا لو أمعنـّا النظر في ألقَسَم الذي أقسَم به رب العزّة والجلالة لوجدنا مايلي : إذا كان الله تعالى يُقسم بالعصر وبالقلم والتين والزيتون فعظمة ألقَسَم بمواقع النجوم بينه لما تنطوي عليه من أسرار وتأثير على الكون بأمره سبحانه ، ونلاحظ تعزيز القسم في صفة النفي والإثبات ، فبعد القسم يؤكد سبحانه : إنه لقرآن كريم . في كتاب مكنون ، والمكنون ما كان باطناَ ومستتراً ، ثم يقول عّز وجـلّ : (لا يمسه إلا المطهّرون ) ، و(لا ) هنا للنفي ، ويمسه تعني يدركه ويفهمه وليس المقصود بها لمس اليد ، فهناك فرقٌ بين اللّمسْ والَمسْ . قال تعالى
إن الذين إتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون (2) وقال أيضاً عزّ مَنْ قائل
والذين يأكلون إلربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المَسْ (2) ، فالمس هنا يتعلق بالعقل والإدراك لا بِلمْسِ اليد ، وكيف يُقسم الله سبحانه وتعالى بأن لا يلمس القرآن ( باليد ) إلا من تطهّر ، والتاريخ يحدثنا بأن بعض الجبّارين قد عبثوا به ومزّقوه ، وقد شاهدنا الإسرائيليين يدوسونه بأقدامهم ــ نستجير بالله ــ ويحرقونه عندما
____________
(1) الواقعة : آية 75 ــ 79
(2) الأعراف : آية 201 .
(3) البقرة آية 275 .
(14 )
إحتلّوا بيروت في إجتياحهم سيء الصيت ، وقد نقلت أجهزة التلفزة عن ذلك صوراً بشعة ومذهلة . فالمدلول لقوله تعالى وطهّرهم ، أنه معاني القرآن المكنون إلا نخبة من عباده الذين إصطفاهم وطهرهم تطهيراً ، والمطهَّرون في هذه الآية اسم مفعول أي وقع تطهيرهم ، وقد قال عزَّ وجلّ ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً )
(1)
فقوله تعالى : ( لا يمسّه إلا المطهّرون ) معناه : لا يدرك حقيقة القرآن إلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، ولذلك قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
« النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الإختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب إختلفوا فصاروا حزب إبليس »
(2) .
وما يذهب إليه الشيعة في ذلك يستند إلى القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم المروية حتى في صحاح أهل السنّة كما وجدنا .
____________
(1) الأحزاب آية 33
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك ج / 149 عن إبن عباس وقال هذا حديث صحيح الإسناد
(15 )
السنّة النبوية الشريفة عند أهل السنّة والجماعة وعند الشيعة الأمامية
هي كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أو فعله ، أو اقرّه . وهي المرجع الثاني عندهم بعد القرآن الكريم في أحْكامِهمْ وعباداتهم وعقائدهم .
يضيفُ أهل السنّة والجماعة إلى السنّة النبوية سنة الخلفاء الراشدين الأربع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وذلك لحديث يروونه :
« عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي عِضّوا عليها بالنواجذ »
(1)
وليس أدلّ على ذلك من إتباعهم سنّة عمر بن الخطاب في صلاة التراويح التي نهى عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
(2) . والبعض منهم يضيفون إلى سنة الرسول سنة الصّحابة بأجمعهم ( أي صحابي كان ) وذلك لحديث ــ يروونه :
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 126 .
(2) صحيح البخاري 7 / 99 ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله .
(16 )
« أصحابي كالنجوم بأيّهم إقتديتم إهتديتم » وحديث « أصحابي أمنةٌ لأمتي »
(1) .
أما حديث أصحابي كالنجوم فهو لا ينسجم مع العقل والمنطق والحقيقة العلمية إذ أن العرب لم يكونوا ليهتدوا في مسيرهم الصحراوي لمجرد إقتدائهم بأي نجم من النجوم وإنما كانوا يهتدون بإتباع نجوم معيّنة محدّدة معروفة لهم أسماؤها ، كما أن هذا الحديث لا تؤيده الأحداث اللاحقة والممارسات التي بدت من بعض الصحابة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فإن منهم من إرتد
(2) . كما إنهم إختلفوا في كثير من الأمور ألتي سببت الطعن ( بعضهم في بعض )
(3) ، ولعن بعضهم بعضاً
(4) ، وقتل بعضهم بعضاً
(5) وأقيم الحد على بعض ( الصحابة ، ) لشرب الخمر والزنا والسرقة وغير ذلك ، فكيف يقبل عاقلٌ بهذا الحديث الذي يأمر بالإقتداء بمثل هؤلاء ؟ وكيف يكون من يقتدي بمعاوية الخارج على إمام زمانه أمير المؤمنين في حربه للأمام علي ( عليه السلام ) مهتدياً ؟ وهو يعلم أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم سّماه إمام الفئة الباغية
(6) ؟ وكيف يكون من المهتدين من يقتدي بعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبسر بن أرطأة وقد قتلوا الأبرياء لتدعيم ملك الأمويين . وأنت أيها القاريء اللبيب إذا قرأت حديث أصحابي كالنجوم يتبينّ لك أنه موضوع لأنه موجّه إلى الصحابة فكيف يقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يا أصحابي إقتدوا بأصحابي ؟ ! ..
أما حديث يا أصحابي عليكم بالأئمة من أهل بيتي فهم يهدونكم من بعدي فهو أقرب إلى الحق لأنه له شواهد عديدة تؤيده في السنة النبوية …
____________
(1) صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة ومسند أحمد بن حنبل 4 / 398 .
(2) كالذين حاربهم أبو بكر وسُمّوا بأهل الردة .
(3) كما طعن أكثر الصحابة في عثمان حتى قتلوه
(4) كما فعل ذلك معاوية الذي كان يأمر بلعن علي .
(5) كحروب الجمل وصفين والنهروان وغيرها .
(6) حديث « ويح عمار تقتله الفئة الباغية » .
(17 )
والشيعة الإمامية يقولون بأنّ المقصود بحديث « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي »» هم الأئمة الإثنا عشر من أئمة أهل البيتْ سلام الله عليهم وهم الذين أوجب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، على أمّته أن تتمسّك بهم وتتبعهم كما تتمسّك وتتبع كتاب الله
(1)
ولمَّا آليتُ على نفسي فإني لا أستدلُ إلا بما يَحتجّ به الشيعة من صحاح أهل السنة والجماعة فإني قد إقتصرت على ذلك ، وإلا فإن في كتب الشيعة أضعاف ذلك وبعبارات أكثر صراحة ووضوحاً
(2) .
على إن الشيعة لا يقولون بأن أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم لهم حقّ التشريع بمعنى أن سنّتهم هي إجتهادٌ منهم ، بل يقولون بأن كل أحكامهم هي من كتاب الله وسنة رسوله التي علّمها رسول الله علياً وعلّمها علي أولاده فهو علمٌ يتوارثونه ولهم في ذلك أدلّةٌ كثيرة نقلها علماء أهل السُنّة والجماعة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم . ويبقى السؤال دائما يعود بإلحاح : لماذا لم يعمل أهل السنة والجماعة بمضمون هذه الأحاديث الصحيحة عندهم ..؟؟؟
ثم بعد ذلك يختلفُ الشيعة والسنّة في تفسير الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسَلم كما سبق لنا توضيحه في فقرة إختلافهم في تفسير القرآن ، بالنسبة لمعنى الخُلفاء الرّاشدين الذي ورد في حديثه صلّى الله عليه وآله وسلّم وصحّحه كلٌ من الفريقين ، ولكن يفسّره السنّة على إنهم الخلفاء الأربعة
____________
(1) صحيح الترمذي5 /326 صحيح مسلم 2 /362 النسائي في
الخصائص كنز العمال ج 1 / 44 ــ مسند أحمد بن حنبل 5 / 189 الحاكم في المستدرك ج 3 /148 الصواعق المحرقة لأبن حجر ص 148 الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 2 / 194 الطبراني ج 1 / 131
(2) أضرب لذلك مثلا واحدا : أخرج الصدوق في الإكمال بسنده الى الإمام الصادق عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله (ص) الأئمة من بعدي إثنا عشر . أولهم علي وآخرهم القائم ، هم خلفائي وأوصيائي .
( 18 )
الذين إعتلوا منصّة الخلاَفة بعد رسول الله ، ويفسّره الشيعة على إنّهم الخلفاء الإثنا عشر وهم أئمة أهل البيت سلام الله عليهم .
ذلك إنا نرى هذا الإختلاف شائعاً في كل ما يتعلّق بالأشخاص الذين زكّاهم القرآن والرسول أو أمر بإتباعهم ، مثال ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم :
« علماء أمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل » أو « العلماء ورثةُ الأنبياء »
(1) .
فأهل السنّة والجماعة يعمّمون هذا الحديث على كل علماء الأمة بينما يخصّصهُ الشيعة بالأئمة الأثني عشر ومن أجل ذلك يفضلونهم على الأنبياء ماعدا أُولي العزم من الرسل .
والحقيقة أن العقل يميل الى هذا التّخصيص .
اولاً : لأن القرآن أورث علم الكتاب للذين إصطفى من عباده وهو تخصيص ، كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصّ أهل بيته بأمور لم يُشركهم فيها بأحد ، حتى سَّماهم سفينة النجاة وسمّاهم أئمة الهدى ومصابيح الدّجى والثقل الثاني الذي يعصم من الضلالة .
فظهر من هذا ، أن قول أهل السنّة والجماعة يعارض هذا التخصيص الذي أثبته القرآن والسنة النبوية ، وإن العقل لا يرتاح إليه لما فيه من الغموض وعدم المعرفة بالعلماء الحقيقيينّ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم ، وعدم تمييزهم عن العلماء الذين فرضهم على الأئمّة الحكّام الأمويّون والعّباسيّون ، وما أبعـد الفرق بين اولئك العلماء وبين الأئمة من أهل البيت الذين لايذكر التاريخ لهم إستاذاً تتلمذوا على يديه سوى أن يتلقّى الإبن عن أبيه ومع ذلك فقد روى علماء أهل السنة في علومهم روايات عجيبة وخصوصاً الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الرضا الذي أفحم بعلومه أربعين قاضياً جمعهم إليه المأمون وهو
____________
(1) صحيح البخاري ج 1 كتاب العلم . صحيح الترمذي كتاب العلم أيضا .
(19 )
لايزال صبيّاً
(1) .
ومما يؤكد تميز أهل البيت عن غيرهم مايظهر لنا من إختلاف أصحاب المذاهب الأربعة عند أهل السنّة والجماعة في كثير من المسائل الفقهية بينما لا يختلف الأئمة الإثنا عشر من أئمة أهل البيت في مسألة واحدة .
ثانياً : لو أخذنا بقول أهل السنة والجماعة في تعميم هذه الآيات والأحاديث على كلّ علماء الأمّة لوجب أن تتعدّد الآراء والمذاهب على مرّ الأجيال و لأصبح هناك الآف المذاهب ولعلّ علماء أهل السنة والجماعة تفطّنوا لما لهذا الرأي من سخافة وتفريق لوحدة العقيدة فأسرعوا الى غلق باب الإجتهاد منذ زمن بعيد .
أمّا قول الشيعة فهو يدعو الى الوحدة والإلتفاف حول أئمة معروفين خصّهم الله تعالى والرسول بكل المعارف التي يحتاجها المسلمون في كل العصور ، فلا يمكن لأي مدّع بعد ذلك أن يتقوْل على الله وعلى الرسول ويبتدع مذهباً يُلزم الناس بإتّباعه ، فإختلافهم في هذه المسألة كإختلافهم في المهدي الذي يؤمن به الفريقان ، ولكنّ المهدي عند الشيعة معلوم معروف أبوه وجدّه، وعند أهل السنّة والجماعة لايزالُ مجهولاً وسيولد في آخر الزمان ولذلك ترى كثيراً منهم أدّعى المهدية ، وقد قال لي شخصياً الشيخ إسماعيل صاحب الطريقة المدنية بأنّه هو المهدي المنتظر ، وقالها أمام صديق لي كان من أتباعه ثم إستبصر فيما بعد .
أمّا عند الشيعة فلا يمكن لأي مولود عندهم أن يدّعي ذلك وحتّى لو سَمّى أحدهم إبنه بالمهدي فهو تيمُّناً وتبرّكاً بصاحب الزمان كما يُسمّي أحدُنا إبنهُ محمداً أو علياً ، وإن ظهور المهدي عندهم هو حدّ في ذاته معجزة لأنّه وُلِد منذ إثني عشر قرناً وتغيّبَ .
ثم بعد كل هذا قد يختلف أهل السنة والجماعة في معنى الحديث الثابت
____________
(1) العقد الفريد لإبن عبد ربّه ــ والفصول المهمة لإبن الصباغ المالكي 3 / 42
(20 )
الصحيح عند الفريقين حتى لو كان الحديث لا يتعلّق بالأشخاص ومن ذلك مثلاً حديث :
«« إختلاف أمّتي رحمة »» .
الذي يفسّره أهل السنة والجماعة : بأنّ إختلاف الأحكام الفقهية في المسألة الواحدة هو رحمة للمسلم الذي بإمكانه أن يختار أي حكم يناسبه ويتماشى مع الحلّ الذي يرتضيه ففي ذلك رحمة به ، لأنّه إذا كان الإمام مالك مثلاً متشدّداً في مسألة ما ، فإن بامكان المسلم أن يُقلدْ أبا حنيفة المتساهل فيها .
أمّا عند الشيعة فهم يفسّرون الحديث على غير هذا المعنى ويرون أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) لّما سُئل عن هذا الحديث « إختلاف أمّتي رحمة » قال صدق رسول الله ! فقال السائل إذا كان إختلافهم رحمة فاجتماعهم نقمة ! فقال الصادق : ليس حيثُ ذهبت ويذهبون ( يعني في هذا التفسير ) إنّما قصد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إختلاف بعضهم إلى بعض يعني يسافر بعضهم الى بعض وينفر اليه ويقصده لأخذ العلم عنه وأستدلّ على ذلك بقول الله تعالى : ( فلولا نَفر من كل فرقة منهم آية طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلّهم يحذرون )
(1)
ثم أضاف قائلاً فإذا إختلفوا في الدّين صاروا حزب إبليس .
وهو كما نرى تفسير مقنعٌ ولأنّه يدعو لوحدة العقيدة لا للإختلاف فيها
(2) .
ثم إن الحديث بمفهوم أهل السنة والجماعة غير معقول لأنّه يدعو للإختلاف والفُرقة وتعدّد الآراء والمذاهب وكل هذا يعارض القرآن الكريم الذي يدعونا للوحدة والإلتفاف حول شيء واحدٍ : يقول سبحانه :
وإن هذه أمتكم أمةً
____________
(1) سورة التوبة : آية 122
(2) البسملة في الصلاة مكروهة عند المالكية وواجبة عند الشافعية ومستحبة عند الحنفية والحنابلة قالوا : بإ خفاتها صلّى في الصلاة الجهرية
(21 )
واحدة وأنا ربكم فاتقونِ ويقول
وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا (2) ويقول :
ولا تنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم (3) .
فاي نزاع وأية تفرقة هي أكبر من تقسيم الأمّة الواحدة الى مذاهب وأحزاب وفرق يخالف بعضهم بعضاّ ويسْخر بعضهم من بعضٍ بل ويكفّر بعضهم بعضاً حتى يستحلّ بعضهم دم البعض الآخر ، وهو ماوقع بالفعل على مرّ العصور ، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك ، هذا وقد حذّرنا سبحانه من النتائج الوخيمة التي تصير إليها أمّتنا إذا تفرّقت فقال سبحانه :
ولا تكونوا كالذين تفرّقوا وإختلفوا من بعد ما جاءهم البينات (4) إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء (5) ولاتكونوا من المشركين . من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً ، كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون (6)
وتجدر الإشارة هنا بأن معنى شيعاً لا علاقة لها بالشيعة كما توهّم بعض البُسطاء عندما جاءني ينصحني على زعمه قائلاً : يا أخي بالله عليك دعنا من الشيعة فان الله يمقُتهم وحذّر رسوله أنْ يكون منهم ! قلتُ وكيف ذلك ؟ قال :
إن الّذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لستَ منهم في شيء وحاولتُ إقْناعهُ بأن شِيَعاً معناها أحزاباً ولاعلاقة لها بالشيعة ولكنّه ومع الأسف الشديد لم يقتنع لأن سيّده إمام المسجد هكذا علّمه وحذّره من الشيعة فلم يعدْ يتقبّل غير ذلك
أعود إلى الموضوع فاقول بأني كنتُ في حيرة قبل إستبصاري عندما أقرأ حديث « إختلاف أمّتي رحمة » وأقارنه مع حديث :
____________
(1) سورة المؤمنون آية 52 .
(2) سورة آل عمران آية 103
(3) سورة الأنفال آية 46
(4) سورة آل عمران آية 105
(5) سورة الأنعام آية 159
(6) سورة الروم أية 21 ـ 22 .
( 22 )
« ستفترق أمّتي إلى إثنتين وسبعون فرقة كلها في النار إلا واحدة »
(1) .
وأتسائل كيف يكون إختلاف الأمة رحمة في نفس الوقت يوجب دخول النار ؟؟
وبعد قرائتي لتفسير الإمام جعفر الصادق (عليه السلام ) بهذا الحديث زالت الحيرة وإنحلّ اللّغْزُ وعرفتُ بعد ذلك بأن الأئمة من أهل البيت ، هم أئمة الهدى ومصابيح الدْجى وهم بحق ترجمان القرآن والسنه وحقيق بالرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أن يقول في حقهم :
« مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ، لا تتقدموهم فتهلكوا ولا تتخلّوا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم »
(2) .
وكان حقيق بالإمام علي ( عليه السلام ) أن يقول :
« إنظروا أهل بيت نبيكم فإلزموا سمتهم وإتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا ولا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا » 3 .
وقال ( عليه السلام ) في خطبة أخرى يعرف بها قدر أهل البيت ( عليهم السلام ) :
« هم عيش العلم وموتُ الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم
____________
(1) سنن إبن ماجة كتاب الفتن ج 2 / رقم الحديث 3993 مسند أحمد ج 3 ص 120 والترمذي في كتاب الإيمان . (2 ) الصواعق المحرقة لإبن حجر ص 139 وص 227 الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 132 مسند أحمد بن حنبل ج3 ص 17 وج 4 ص366 حلية الأولياء ج 4 ص 309 مستدرك الحاكم ج 3 ص 115 تلخيص الذهبي ـ المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 22 . (3 ) نهج البلاغة للإ مام علي ج 2 ص 190 .
(23 )
عن باطنهم ، وصمتهم عن حكم منطقهم ، لايخالف الحق ولا يختلفون فيه هم دعائم الإسلام ، وولائج الإعتصام ، بهم عاد الحق الى نصابه ، وإنزاح الباطل عن مقامه ، وإنقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدّين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية . فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل »
(1) .
نعم ، صدق الإمام علي فيما بيّنه فهو باب مدينه العلم ، فهناك فرق كبير بين من عقل الدين عقل وعاية ورعاية وبين من عقله عقل سماع ورواية .
والذين يسمعون ويروون كثيرون ، فكم كان عدد الصحابة الذين يجالسون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويسمعون منه الأحاديث وينقلونها بغير فهم أوْ علم فيتغيّر معنى الحديث وقد يؤدّي الى العكس الذي قصده الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وقد يؤدّي بعض الأحيان الى الكفر لصعوبة إدراك الصحابي للمعنى الحقيقي
(2) .
أمّا الذين يعون العلم ويرعونه فقليلون جدَّاً وقد يُفني الإنسانُ عمره في طلب العلم ولايحصل منه إلاّ على اليسير ، وقد يتخصّص في باب من أبواب العلم أو فنّ من فنونه ولا يمكنه أن يحيط بكل أبوابه ، ولكن المعروف أن أئمه أهل البيت ( عليه السلام ) كانوا مُلمّين وعارفين بشتّى العلوم ، وهذا ماأثبته الإمام علي كما يشهد المؤرخون وكذلك محمد الباقر وجعفر الصادق الذي تتلمذ على يده الآف الشيوخ من شتى العلوم والمعارف من فلسفة وطب وكيمياء وعلوم طبية وغيرها .
____________
(1) نهج البلاغة للإمام علي 3 / 439 .
(2) مثال ذلك مارواه أبو هريرة من « إن الله خلق آدم على صورته » ولكن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أوضح الأمر فقال إن رسول الله صلّى الله عليه آله وسلم سمع رجلين يتسابان فقال أحدهما للآخر قبح الله وجهك ووجه من يشبهك فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم « إن الله خلق آدم على صورته » أي إنك بسبك من يشبهه قد سببت آدم لأنه يشبهه .
(24 )
العقائد عند الشيعة وعند أهل السنة والجماعة
مّما زاد قناعتي بأنّ الشيعة الإمامية هي الفرقة الناجية هو إن عقائدهم سمحت وسهلت القبول لكل ذي عقل حكيم وذوق سليم ، ونجد عندهم لكل مسأله من المسائل ولكل عقيدة من العقائد تفسيراً شافياً كافياً لأحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام ) ، قد لا نجد لها حلاً عند أهل السنّة وعند الفرق الأخرى .
وسأتتّبع في هذا الفصل بعض العقائد وأهمّها عند الفريقين ، وأحاول إبراز ما إقتنعتُ به ، وأترك للقاريء حرية الفكر والإختيار والنقد والتجريح .
وألفت النظر إلى أن العقيدة الأساسية هي بالنسبة للمسلمين كافّةً عقيدة واحدة ، وهي الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، لا يفرّقون بين أحد من رسله كما يتفقُون في أن النار حق والجنة حق وأن الله يبعث من في القبور ويحشرهم جميعا ليوم الحساب .
كما إنهم يتفقون على القرآن ويؤمنون بأن نبيّهم محمد رسول الله ، وقبلتهم واحدة ولكن وقع الإختلاف في مفهوم هذه العقائد فأصبحت مسرحاً للمدارس الكلامية ويرون فيها شتّى الآراء والمذاهب .
(25 )
العقيده في الله تعالى ( عند الطرفين )
وأهمّ مايذكر في هذا الموضوع هي رؤية الله تعالى فقد أثبتها أهل السنّة والجماعة لكل المؤمنين في الآخرة وعندما نقرأ صحاح السنة والجماعة كالبخاري ومسلم مثلاً نجد روايات تؤكد الرؤيا حقيقة لا مجازاً
(1) . بل نجد فيها تشبيها لله سبحانه ، وإنه يضحك
(2) ويأتي ويمشي وينزل الى سماء الدنيا
(3) بل ويكشف عن ساقه التي بها علامة يُعرف بها
(4) . ويضعُ رجله في جهنّم فتمتليء وتقول قط قط الى غير ذلك من الأشياء والأوصاف التي يتنزّه الله جلّ وعلا عن أمثالها
(5) .
وأذكر إنّني مررت بمدينة لآمو في كينيا بشرق أفريقيا ووجدت إماماً من الوهّابية يحاضر المصلين داخل المسجد ويقول لهم بأنّ لله يدين ورجلين وعينين ووجهاً ، ولّما إستنكرتُ عليه ذلك قام يستدلّ بآيات من القرآن قائلا
وقالت
____________
(1) صحيح البخاري 2 / 47 و5 /179/ و6 / 33 .
(2) صحيح البخاري ج 4 / 226 وج 5 / 47 ـ 48 صحيح مسلم ج 1 /114 ـ 122 .
(3) صحيح البخاري ج 8 / 197 .
(4) صحيح البخاري ج 8 /182
(5) صحيح البخاري ج 8 /187 وفي صفحة 202 يثبت إن لله يد وإصابع
(26 )
اليهود يد الله مغلولة غُلّتْ أيديهم ولعنوا بما قالوا بلْ يداه مبسوطتان … (1) وقال أيضاً
وأصنع الفلك باعيننا … (2) وقال :
كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك … (3) .
قلتُ : يا أخي ، كلّ هذه الآيات التي أدليتَ بها وغيرها إنما هي مجازُ
وليستْ حقيقة !
أجاب قائلاً : كل القرآن حقيقة وليس فيه مجازاً ، قلتُ :إذن ماهو تفسيركم للآيه التي تقول :
ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى … (4) ، فهل تحملون هذه الآيات على المعنى الحقيقي ؟ فكلّ أعمي في الدنيا يكون أعمي في الآخرة ؟ أجاب الشيخ نحن نتكلّم عن يد الله وعين الله ووجه الله ، ولا دخل لنا في العميان !
قُلت : دعنا من العميان فما هو تفسيركم في الآية التى ذكرتَها :
كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك … إلتفت الى الحاضرين وقال لهم : هل فيكم من لم يفهم هذه الآيه ؟ إنّها واضحة جليّة كقوله سبحانه
كل شيء هالك إلا وجهه (5) . قلتُ : أنت زدت الطين بلَّةً ! ياأخي نحن إنّما إختلفنا في القرآن ، إدّعيتَ أنتَ بأن القرآن ليس فيها مجاز وكلّه حقيقة ! وإدعيتُ أَنا بأن في القرآن مجازاً وبالخصوص الآيات التي فيها تجسيم لله تعالى أو تشبه ، وإذا أصررت على رأيك فيلزمك أن تقول ، بأن كل شيء هالك لولا وجهه معناه يداه ورجلاه وكل جسمه يفنى ويهلك ولا يبقى منه إلا الوجه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ! ثم التفتُّ الى الحاضرين قائلاً : فهل ترضون بهذا التفسير ؟ سكتَ
____________
(1) سورة المائده آية 64 .
(2) سورة هود آية 37
(3) سورة الرحمن آية 27
(4) سورة الإسراء آية 72
(5) سورة القصص آية 88 .
(27 )
الجميع ولم يتكّلم شيخهم المحاضر بكلمة فودّعهم وخرجتُ داعياً لهم بالهداية والتوفيق .
نعم هذه عقيدتهم في الله في صحاحهم وفي محاضراتهم ولأقول أنَّ بعض علماؤنا ينكر ذلك ولكن الأغلبية يؤمنون برؤية الله سبحانه في الآخرة وإنهم سوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر ليس دونها سحاب ويستدلّون بالآية
وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة (1) .
وبمجردّ إطلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك ويُسلّمْ عقلك بقبول تأويل الآيات القرآنيه ألتي فيها تجسيم أو تشبيه لله تعالى وحملها على المجاز والإستعارة ، لا على الحقيقة ولا على ضواهر الألفاظ ، كما توهمه البعض .
يقول الإمام علي _( عليه السلام ) في هذا الصدد :
« لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعتٌ موجودٌ ولا وقتٌ محدودٌ ولا أجل ممدودٌ … »
(2) .
ويقول الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) في الردّ على المشبّهة :
« بل كل ما ميّزناه بأوهامنا في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا مردود إلينا … »
(3) .
ويكفينا في هذا ردّ الله سبحانه في محكم كتابه قوله :
ليس كمثله شيء وقوله
لا تدركه الأبصار وقوله لرسوله وكليمه موسى ( عليه السلام ) لمّا طلب
____________
(1) سوره القيامة آية 23 هذه ألآية فَسّرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام ) لأن الوجوه تكون يومئذ ناضرة بمعنى الحسن والبهجة والى رحمة ربّها ناضرة .
(2) نهج البلاغة شرح محمد عبده ج 1 الخطبة عدد 1 .
(3) عقائد الإمامية .
( 28 )
رؤيته
قال ربّ أرني أنظر اليك : قال : لن تراني وإن « الزمخشرية » تفيد التأييد كما يقول النحات .
كل ذلك دليل قاطع على صحة أقوال الشيعة الذين يعتمدون فيها على أقوال الأئمة من أهل البيت ، معدن العلم وموضع الرسالة ، ومن أورثهم الله علم الكتاب .
ومن أراد التوسّع في هذا البحث فما عليه إلا الرجوع الى الكتب المفصّلة لهذا الموضوع ككتاب « كلمة حول الرؤيا » للسيد شرف الدين صاحب المراجعات
(1) .
كتاب المراجعات من الكتب التي يجب ان يقرأها كل من يريد التعرف على عقائد الشيعة الإمامية وأفكارهم
(29 )
العقيدة في النبوة ( عند الطرفين )
والخلاف الواقع بين الشيعة وأهل السنة في هذا الباب هو موضوع العصمة فالشيعة يقولون بعصمة الأنبياء ( عليهم السلام ) قبل البعثة وبعدها ، ويقول أهل السنة والجماعة بأنهم المعصومون فيما يبلّغونه من كلام الله فقط ، أمّا فيما عدا ذلك فهم كسائر البشر يخطئون ويصيبون . وقد رووا في ذلك عدّة روايات في صحاحهم تثبتُ بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أخطأ في عدّة مناسبات وكان بعض الصحابه يصوّبه ويصلحه ، كما في قضية أسرى بدر التي اخطأ فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأصاب عمر ، ولولاه لهلك رسول الله …
(1) ومنها إنه لما قدم المدينة وجد أهلها يُؤبرون النّخل فقال لهم : « لا تؤبّروه وسيكون تمراً » ولكنه جاء شيصاً ، فجاؤه وشكوا له ذلك فقال لهم « أنتم أعلم بأمور دنياكم مني » وفي رواية أخرى قال لهم :
« إنّما أنا بشرٌ إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر »
(2) .
____________
(1) البداية والنهاية لإبن كثير نقل عن الإمام أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي .
(2) صحيح مسلم في كتاب الفضائل ج 7 / 95 ومسند الإمام أحمد ج 1 /162 وج 3 / 152 .
(30 )
ومرّة يروون إنّه سُحِرَ وبَقيَ أياماً مسحوراً لا يدري مايفعل ، حتّى إنّه كان يخيّل إليه إنه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ
(1) أو يخيّل اليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه
(2) .
ومرهً يروون أنّه سها في صلاته فلم يدر كم صلّى من ركعة
(3) وأنه نام وإستغرق في نومه حتّى سمعوا غطيطه ثُم إستقظ فصلّى بدون وضوء
(4) .ويروون أنه يغضب ويسبّ ويلعنُ من لا يستحقّ ذلك فيقول :
« اللّهم إنّما أنا بشرٌ فأي المسلمين لعنته ، أو سبيتُه فأجعله له زكاة ورحمة … »
(5) .
ويررون أنه كان مضطجعاً في بيت عائشه كاشفاً عن فخذيه ودخل عليه أبو بكر وتحدّث معه وهو على تلك الحال ، ثم دخل عمر وتحدّث معه وهو على تلك الحال ، ولّما استأذن عثمان جلس وسوّى ثيابه ، ولّما سألته عاشة عن ذلك ، قال لها :
« إلا استحي من رجُلٍ تستحي منه الملائكه »
(6) .
ويروون إنه كان يصبح جُنَّباً في رمضان
(7) فتفوته صلاة الفجر ، الى غير ذلك من الأحاديث التى لا يقبلها عقل ، ولا دين ، ولا مروءة
(8) .
أمّا الشيعة ـ إستناداً الى أئمة أهل البيت ـ فهم ينزّهون الأنبياء عن هذه
____________
(1) صحيح البخاري ج 7 /29
(2) صحيح البخاري ج 4 /68 .
(3) صحيح البخاري ج 1 /123 وج2 /65
(4) صحيح البخاري ج 1 /37 وص 44 وص 171
(5) سنن الدارمي كتاب الرقاق .
(6) صحيح مسلم باب فضائل عثمان ج 7 /117 .
(7) صحيح البخاري ج 2 /232 وص 234 .
(8) صحيح البخاري ج 3 /114 وج 7 /96 .
(31 )
التّرهات وخصوصاً نبينا محمد عليه أفضل الصلاه وأزكى السلام يقولون بأنه منزه عن الذنوب والخطايا والمعاصي صغيرة كانت أم كبيرة ، وهو معصوم عن الخطأ والنسيان والسهو والسّحر وكلما يخالط العقل ، بل هو منزّهٌ حتى عمّا يتنافى مع المروءة والأخلاق الحميدة كالأكل في الطريق ، أو الضحك بصوت عال أو المزاح بغير حق ، أو أي فعل يستهجنُ عمله عند العرف العام ، فضلاً عن أن يضع خده على خدّ زوجته أمام النّاس ويتفرج معها على رقص السودان
(1) أو أن يخرج زوجته في غزوة فيتسابق معها فيغلبها مرة وتغلبه أخرى فيقول لها « هذه بتيك »
(2) .
والشيعة يعتبرون الروايات التي رويتْ في هذا المعنى والتي تتناقض مع عصمة الأنبياء كلّها موضوعة من قبل الأموين وأنصارهم أولا. للحطّ من قيمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثانياً . لكي يلتمسوا عذراً لأعمالهم القبيحة وأخطائهم الشنيعة التي سجّلها لهم التاريخ ، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطيءُ ويميلُ مع الهوى ، كما رووا ذلك في قصّة « عشقه زينب بنت جحش لّما رآها تمشط شعرها وهي زوجة لزيد بن حارثة فقال : سبحان الله مُقلّب القلوب »
(3) أو قصّة ميله الى عائشة وعدم عدله مع بقية زوجاته حتّى بعثنَ له مرّة مع فاطمة ومرّة مع زينب بنت جحش ينشدنه العدل
(4) فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الحالة فلا لوم بعد ذلك على معاويه بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص ويزيد بن معاوية وكلّ الخلفاء الذين فعلوا الموبقات وإستباحوا الحرمات وقتلوا الأبرياء .
والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام ) الذين هم أئمه الشيعة يقولون
____________
(1) صحيح البخاري ج 3 /228 وج 2 /3 كتاب العيدين .
(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 6 / 75 .
(3) تفسير الجلالين في تفسير قوله تعالى / وتخفي في نفسك ما الله مبديه (4) صحيح مسلم ج 7 /136 باب فضائل عائشة .
(32 )
بعصمتة صلّى الله عليه وآله وسلم ، ويأولون الآيات القرآنية التي يفهمُ ظاهرها أن الله سبحانه عاتب نبيّه مثل « عبس وتولّى »» أو التي في بعضها إقرار الذنوب عليه كقوله
ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وما تأخّر أو قوله
لقد تاب الله على النّبي و
عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم .
وكلّ هذه الآيات لاتخدش في عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم فبعضها لم يكن هو المقصود بها وبعضها الآخر يحملُ على المجاز لا على ظواهر الألفاظ ، وهو كثير الإستعمال في لغة العرب وقد إستعمله سبحانه في القرآن الكريم .
ومن أراد التفصيل والوقوف على حقيقة الأشياء فما عليه إلا الرجوع إلى كتب التفسير عند الشيعة أمثال الميزان في تفسير القرآن للّعلامة الطباطبائي وتفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية والإحتجاج للطبرسي وغيرهم لأنّني رُمتُ الإختصار وإبراز عقيدة الفريقين بصفة عامّة وليس هذا الكتاب إلا لغرض بيان قناعتي الشخصيه التي إقتنعتُ بها ، وإختياري الشخصي لمذهب يقول بعصمة الأنبياء والأوصياء من بعدهم ويّريحُ فكري ، ويقطعُ عني طريق الشكّ والحيرة .
والقول بأنه معصوم فقط في تبيلغ كلام الله قولٌ هُراءٌ لا حُجةَ فيه لأنّه ليس هناك دليلٌ على إن هذا القسم من كلامه هو من عند الله ، وذاك القسم هو من عند نفسه ، فيكون في الأوّل معصوماً ويكون في الثاني غير معصوم ويحتملُ فيه الخطأ .
أعوذ بالله من هذا القول المتناقض الذي يبعثُ على الشكّ والطعن في قداسة الأديان .
وهذا يذكّرني بمحاورة دارت بيني وبين جماعة من الأصدقاء بعد إستبصاري وكنتُ أحاول إقناعهم بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم ، وكانوا يحاولون إقناعي بأنه معصوم فقط في تبليغ القرآن وكان من بينهم إستاذٌ من توزد ( منطقه الجريد )
(1) وهم مشهورون بالذكاء والعلم والنكتة
____________
(1) منطقه الجريد بالجنوب التونسي تبعد عن قفصة 92 كلم وهي مسقط راس أبو القاسم الشابي الشاعر المعروف والخضر حسين الذي ترأس الأزهر الشريف والكثير من علماء تونس مولودون في هذه المنطقة .
(33 )
الطريفة ، ففكّر قليلاً ثم قال : « ياجماعة أنا عندي رأي في هذه المسئلة » فقلنا جميعاً : ـ تفضّل هات ماعندك ! قال :
ـ إنّ ما يقوله أخونا التيجاني على لسان الشيعة هو الحق الصحيح ، ويجبُ علينا الإعتقاد بعصمة الرسول المطلقة ، وإلا داخلنا الشك في القرآن نفسه !
ـ
قالوا : ولم ذلك ؟ أجاب على الفور :
هل وجدتُم أيّ سورة من سور القرآن تحتها إمضاء الله تعالى ؟؟
ويقصد بالأمضاء : الختمُ الذي يختمُ به العقود والرسائل دلالة على هوية صاحبها وإنها صادرة عنه . وضحك الجميع لهذه النكتة الطريفة ، ولكنّها ذاتَ معنى عميق ، فأي إنسان غير متعصّب يتمعّن بعقله ستصدمه هذه الحقيقة ألا وهي : الإعتقاد بأنّ القرآن كلام الله وهو الإعتقاد بعصمة مُبلّغه المطلقة بدون تجزأة لأنّه لايمكن لأحد ان يدّعي بأنّه سمع الله يتكّلمُ ولا يدّعي احدٌ بأنه رأى جبرائيل عندما ينزل بالوحي .
والخلاصة أنّ قول الشيعة في العصمة قولٌ سديد يطمئنّ إليه القلب ويقطع وساوس النّفس والشيطان ، ويقطع الطريق على كل المشاغبين وخصوصاً أعداء الدّين من اليهود والنصارى والملحدين الذين يبحثون عن ثغرات ينفذون منها لنسف معتقداتنا وديننا ، والطعن في نبيّنا فتراهم كثيراً ما يحتجّون علينا بما أورده صحيح البخاري ومسلم من أفعال وأقوال تنسب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو منها بريءٌ
(1) .
____________
(1) أخرج البخاري في صحيحه ج 3 /152 في باب شهادة الأعمى من كتاب الشهادات قال : حدثنا إبن عبيد ميمون أخبرنا عيسى … عن عائشة قالت : سَمِعَ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم رجُلاً يقرأ في المسجد فقال : رحِمَهُ الله لقدْ أذكرني كذا وكذا أية أسقطتهنّ من سورة كذَا وكذَا …
(34 )
وكيف لنا أن نقنعهم بأنّ كتاب البخاري وكتاب مسلم فيهما بعض الأكاذيب ، وهذا الكلام خطير طبعاً ، لأن أهل السنّة والجماعة لا يقبلونه فالبخاري عندهم أصحّ كتاب بعد كتاب الله !
____________
(1) إقرأ وأعجب أيها القاريء من هذا الرسول ألذي يسقط الآيات ، ولولا هذا الأعمى الذي ذكره بهنّ لكنّ في خبر كان ـ أستغفر الله من هذا الهذيان
(35 )
العقيدة في الإمامة ( عند الطرفين )
والقصد من الإمامة في هذا البحث هي الإمامة الكبري للمسلمين ، أعني الخلافة والحكم ، والقيادة والولاية .
وبما أنّ كتابي إعتمد في أبحاثه على المقارنة بين مذهب أهل السنّة والجماعة ، والشيعة الإمامية لا بد لي من إبراز مبدأ الإمامة عند الفريقين ، حتّى يتبينّ للقاريء والباحث ماهي الأسس والمعالم التي يرتكز عليها كلّ من الفريقين ، ويعرف بالتّالي القناعات التي الزمتني بقبول التحوّل وترك ماكنتُ عليه .
فالإمامة عند الشيعة ، هي أصل من أصول الدّين لما لها من الأهمية الكبرى والخطورة العظمى وهي قيادة خير إمة أخرجت للنّاس وما تقوم عليه القيادة من فضائل عديدة وخصائص فريدة أذكر منها ، العلم والشجاعة والحلم والنزاهة والعفّة والزهد والتقوى والصلاح الخ .
فالشيعة يعتقدون بأن الإمامة منصب إلهي يعهد به الله سبحانه إلى من يصطفيه من عباده الصالحين ليقوم بذلك الدور الخطير إلا وهو قيادة العالم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وعلى هذا كان الإمام علي بن أبي طالب إماماً للمسلمين بإختيار الله له ،
(36 )
وقد أوحى لرسوله لكي ينصّبه علماً للناس ، وقد نصّبه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ودلّ الأمة عليه وبعد حجة الوداع في غدير خم ، فبايعوه « هذا مايقوله الشيعة » .
أمّا اهل السنّة والجماعه فيقولون أيضاً بوجوب الإمامه لقيادة الأمّة ، ولكنّهم يجعلون للأمة حق إختيار إمامها وقائدها ، فكان أبو بكر بن أبي قحافه إماماً للمسلمين بإختيار المسلمين أنفسهم له بعد وفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي سكت عن أمر الخلافة ولم يبينّ للأمّة شيئا منها وترك الأمر شورى بين النّاس .
أين الحقيقه
إذا تأمّل الباحث في أقوال الطرفين وتمعّن في حُجج الفريقين بدون تعصّب فسوف يقترب من الحقيقة بدون شك وها أنا سوف أستعرض وإياكم الحقيقة التي وصلت اليها على النحو التالي :
1 - الإمامة في القرآن الكريم :
قال الله تعالى :
وإذ إبتلى إبراهيم ربّهُ بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إماماً ، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (1) .
في هذه الآية الكريمة يبّيُن الله لنا بأنّ الإمامة منصبٌ إلهي يعطيه الله لمن يشاء من عباده لقوله : جاعلك للناس إماماً كما توضّح الآيه بأن الأمامة هي عهد من الله لا ينالها إلا العباد الصالحين الذين إصطفاهم الله لهذا الغرض لإ نتفائه عن الظالمين الذين لا يستحقّون عهده سبحانه وتعالى .
وقال تعالى :
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاه وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (2) .
____________
(1) سورة البقرة آية 124 .
(2) سورة الأنبياء آية 73 .
( 37 )
وقال سبحانه وتعالى :
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (1) .
وقال أيضاً :
ونريد أن نمنّ على الذين إستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين .
(2) وقد يتوهّم البعض بأن مدلول الآيات المذكوره يُفهم منها بأن الإمامة المقصودة هنا هي النبّوه والرساله وهو خطأ في المفهوم العام للإمامة ، لأن كل رسول هو نبي وإمام وليس كل إمام رسول أو نبي ! .
ولهذا الغرض أوضح الله سبحانه تعالى في كتابه العزير بأن عباده الصالحين يمكن لهم أن يسألوه هذا المنصب الشريف ليتشرّفوا بهداية النّاس وينالوا بذلك الأجر العظيم قال تعالى :
والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً والذين إذا ذُكّروا بآيات ربّهم لم يخرُّوا عليها صُمَّا وعمياناً ، والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعيُنٍ وأجعلنا للمتقين إماماً (3) .
كما ان القرآن الكريم إستعمل لفظ الإمامة للتدليل على القادة والحكّام والظالمين الذين يُضلّون أتباعهم وشعوبهم ويقودونهم الى الفساد والعذاب في الدنيا والآخرة ، فقد جاء في الذكر الحكيم ، حكاية عن فرعون وجنوده ، قوله تعالى :
فاخذناه وجنوده فنبذناهم في أليمّ فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون الى النّار ويوم القيامة لا ينُصرون ، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة هم من المقبوحين (4) .
وعلى هذا الأساس فقول الشيعة هو الأقرب لما أقره القرآن الكريم لأن الله
____________
(1) سورة السجدة آيه 24
(2) سورة القصص آيه 5 .
(3) سورة الفرقان آية 71 ـ 74 .
(4) سورة القصص آية 41 ـ 42 .
(38 )
سبحانه وتعالى أوضح بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ الإمامة منصب إلهي ويجعله الله حيث يشاء وهو عهد الله الذي نفاه عن الظّالمين وبما إنّ غير علي من صحابة النبي قد أشركوا فترة ما قبل الإسلام فإنهم بذلك يصبحون من الظالمين ،فلا يستحقّون عهد الله لهم بالإمامة والخلافة ، ويبقى قول الشيعة بأنّ الإمام علي بن أبي طالب إستحقّ وحده دون سائر الصحابة عهد الله بالإمامة لأنّه لم يَعبُد إلا الله وكرّم الله وجهه دون الصحابة لأنه لم يسجد لصنم ، وإذا قيل بأنّ الأسلام يجبّ ماقبله ، قلنا نعم ولكن يبقى الفُرق كبيراً بين من كان مشركاً وتاب ، ومن كان نقيّاً خالصاً لم يعرف إلا الله .
2 ـ الإمامة في السنّة النبوية :
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الإمامة أقوالاً متعدّدة رواها كّل من الشيعة والسنة في كتبهم ومسانيدهم فمرّة تحدث عنها بلفظ الإمامة ومرّة بلفظ الخلافة وآخرى بلفظ الولاية أو الإمارة .
جاء في الإمامة قوله صلى الله عليه وآله وسلم :
« خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم » .
قالوا يارسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال « لا ما أقاموا فيكم الصلاة »
(1) .
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :
( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنونّ بسنّتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس »
(2) .
____________
(1) صحيح مسلم ج 6 / 24 باب خيار الأئمة وشرارهم .
(2) صحيح مسلم ج 6 /20 باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن .
(39 )
وجاء في الخلافة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
« لا يزال الدين قائما حتّى تقوم الساعه أو يكون عليكم إثنا عشر خليفه كلّهم من قريش »
(1) .
وعن جابر بن سمرة قال سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : « لايزال الإسلام عزيزاً إلى إثنا عشر خليفة ثم قال كلمه لم افهمها فقلتُ لأبي ، ما قال ؟ فقال كلّهم من قريش »
(2) .
وجاء في الإمارة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم قال : لا ما صلّوا »
(3) .
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في لفظ الإمارة أيضاً :
« يكون إثنا عشر أميراً كلهم من قريش »
(4) .
وجاء عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم محذراً أصحابه :
« ستحرصون على الإمارة وستكون ندامه يوم القيامة فنعم المرضعةُ وبئسِت الفاطمةُ »
(5) .
وجاء الحديث أيضاً بلفظ الولاية .
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
« ما من وال َيلي رعيّةٌ من المسلمين فيموت وهو غاشً لهم إلا حرّمَ الله عليه
____________
(1) صحيح مسلم ج 6 /4 باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش .
(2) صحيح مسلم ج 6 /3 وصحيح البخاري ج 8 / 105 وص 128 .
(3) صحيح مسلم ج 6 / 23 باب وجوب الإنكار على الإمراء .
(4) صحيح البخاري ج 8 /127 باب الإستخلاف .
(5) صحيح البخاري ج 8 / 106 باب مايكره من الحرص على الإمارة .
(40 )
الجنّة »
(1) .
كما حدث صلّى الله عليه وآله وسلّم بلفظ الولاية :
(لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً كلّهم من قريش »
(2) .
وبعد هذا العرض الوجيز عن مفهوم الإمامة أو الخلافة التي إستعرضتها من القرآن الكريم ومن السنّة النبّوية الصحيحة بدون تفسير ولا تأويل ، بل إعتمدتُ على صحاح أهل السنّه دون غيرهم من الشيعة لأنّ هذا الأمر ( أعني الخلافة في إثني عشر كلهم من قريش ) عندهم من المسلّمات لا غبار عليها ، ولا يختلف فيها إثنان منهم ، مع العلم بأنّ بعض علماء أهل السنّة والجماعة يصرحون بأن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قال :
« يكون بعدي إثنا عشر خليفة كلهم من بني هاشم » .
(3) . وعن الشعبي عن مسروق قال بينما نحن عند أبن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى :هل عهد اليكم نبيكم كم خليفة يكون من بعده قال : إنك لحديث السنّ وإن هذا شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، نعم عهد إلينا نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم إنه يكون بعده إثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل … »
(4) .
وبعد هذا فلنستعرض أقوال الفريقين على صحّة إدّعاء كلّ منهما من خلال النصوص الصريحة ، كما نناقش تأويل كلّ منهما في هذه المسألة الخطيرة التي فرقت المسلمين من يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى يومنا هذا ، وقد نشأ من ذلك إختلاف المسلمين الى مذاهب وفرق ومدارس كلامية وفكرية ، بعد أن كانوا أمّة واحدة . فكل خلاف وقع بين المسلمين سواء في الفقه أو في التفسير
____________
(1) صحيح البخاري ج 8 /106باب مايكره من الحرص على الإمارة.
(2) صحيح مسلم ج 6 ص 3 باب الخلافة في قريش .
(3) ينابيع المودة ج 3 /104
(4) ينابيع المودة ج 3 /105 .
(41 )
للقرآن أو في فهم السنّة النبوية الشريفة منشؤه وسببه الخلافة وما أدراك مالخلافة التي أصبحت بعد السقيفة أمراً واقعاً يُستنكر بسببها أحاديث صحيحة وآياتّ صريحه وتُخْتلقْ من أجل تثبيتها وتصحيحها أحاديث أخرى لا أساس لها في السنّة النبوية الصحيحة ، وهذا يذكرني بإسرائيل والأمر الواقع ذلك إن الرؤساء والملوك العرب إجتمعوا وإتفقوا أن لا إعتراف بإسرائيل ولا تفاوض معها ولا سِلْمّ فما أُخِذَ بالقوّة لا يستردّ بغير القوة وبعد سنوات قليلة إجتمعوا من جديد ليقطعوا هذه المرّة علاقاتهم مع مصر التي إعترفت بالكيان الصهيوني وبعد سنوات قليلة أعادوا علاقاتهم مع مصر ولم يطعنوا بعلاقتها بإسرائيل مع أنّ أسرائيل لم تعترف بحق الشعب الفلسطيني ولم تغيّر شيئاً من موقفها بل زادت في تعنّتها وضاعفت قمعها للشعب الفلسطيني ، فالتاريخ يعيد نفسه وقد إعتاد العربُ التسليم بالأمر الواقع .
(42 )
رأي أهل السنة والجماعة في الخلافة ومناقشته
رأيهم معروف وهو أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم توفي ولم يُعين أحداً للخلافة ، ولكن أهل الحل والعقد من الصحابة إجتمعوا في سقيفه بني ساعدة ، وولّوا أمرهم أبا بكر الصديق لمكانته من رسول الله ، ولأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إستخلفه في الصلاة أيام مرضه ، فقالوا : رضَيهُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمر ديننا فكيف لا نرضاه لأمر دنيانا ؟ ويتلخص قولهم في :
1 ـ الرسول لم ينص على أحد .
2 ـ لاتكون الخلافة إلا بالشورى .
3 ـ إستخلاف أبي بكر وقع من طرف كبار الصحابة .
نعم هذا رأيي عندما كنت مالكيا أدافع عنه بكل ما أوتيت من قوّة وأستدلّ عليه بآيات الشورى . وأحاول جهدي التبجّح بأنّ الأسلام هو دين الديمقراطيه في الحكم وإنه السباقُ لهذا المبدأ الإنساني الذي تفخرُ به الدّول المتحضرة الراقية .
وأقول : إذا كان الغربُ ماعرف النظام الجمهوري إلا في القرن التاسع عشر فإن الإسلام عرفه وسبقهم إليه في القرن السادس .
( 43 )
ولكن وبعد لقائي بعلماء الشيعة وقراءة كتبهم والإطلاع على أدلّتهم المقنعة التي هي موجودة في كتبنا غيّرتُ رأيي الأول لمّا أسفرت الحجة عن وجهها لأنه لا يليق بجلال الله سبحانه أن يترك أمة بدون إمام وهو القائل :
إنّما أنتَ منذرٌ ولكلّ قوم هادٍ كما لايليق برحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّه يترك أمته بدون راعٍ ، وبالخصوص إذا عرفنا أنه كان يخشى على أمته الفرقة
(1) والإنقلاب على ألأعقاب
(2) . والتنافس على الدنيا
(3) حتى يضرب بعضهم رقاب بعض
(4) ، ويتبعوا سنن اليهود والنصارى
(5) .
واذا كانت أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر تبعث الى عمر بن الخطاب حين طعّن فتقول له : « إستخلف على أمة محمد ولا تدعهم بعدك هملاً فإنّي أخشى عليهم الفتنة »
(6) .
وإذا كان عبدالله بن عمر يدخل على أبيه حين طُعن فيقول له : « أن الناس زعموا أنك غير مُستخلفٍ ، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيتَ أنه قد ضيّع فرعاية الناس أشد »
(7) .
وإذا كان أبو بكر نفسه وهو الذي إستخلفه المسلمون بالشورى يحطّم هذا المبدأ ويسارع الى إستخلاف عمر من بعده ليقطع بذلك دابر الخلاف والفرقة والفتنة ، وهو الأمر الذي تنبأ به علي ( عليه السلام ) حينما شدد عليه عمر لمبايعة أبي بكر فقال له :
____________
(1) الترمذي وأبو داود وإبن ماجة ومسند أحمد بن حنبل ج 2 /332.
(2) صحيح البخاري ج 7 / 209 باب الحوض . وج5 /192 .
(3) صحيح البخاري ج 4 /63
(4) صحيح البخاري ج 7 /112 .
(5) صحيح البخاري ج 4 / 144 وج 8 /151 .
(6) الإمامة والسياسة لإبن قتيبة ج 1 /28 .
(7) صحيح مسلم ج 6 /5 باب الإستخلاف وتركه .
(44 )
« إحلب حلباً لك شطره وأشدد له اليوم يردده عليك غداً »
(1) .
أقول إذا كان أبو بكر لا يؤمن بالشورى فكيف نصدّق بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الأمر بدون إستخلاف وهل إنه لم يكن يعلم ما عمله أبو بكر وعائشة وعبدالله بن عمر ، وما يعلمه كل النّاس بالبداهة ، من إختلاف الآراء وتشتت الأهواء عندما يوكل اليهم أمر ألإختيار بالخصوص اذا كان الأمر يتعلق بالرئاسة وإعتلاء منصة الخلافة ، كما وقع ذلك بالفعل حتّى في أختيار أبي بكر يوم السقيفة إذ إنّنا رأينا خلاف سيد الأنصار سعد بن عبادة وإبنه قيس بن سعد ، وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوّام
(2) والعباس بن عبدالمطلب وسائر بني هاشم وبعض الصحابة الذين كانوا يرون الخلافة حقّاً لعلي ( عليه السلام ) وتخلّفوا في داره عن البيعة حتّى هُدِّدوا بالحرق
(3) .
في مقابل ذلك نرى الشيعة الإمامية يثبتون عكس مقالة أهل السنة ويؤكدون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عيّنَ عليّاً للخلافة ونصّ عليه في عدة مناسبات وأشهرها في غدير خـم .
وإذا كان الأنصاف يقتضي منك أن تستمع الى خضمك ليدلي برأيه وحجّته في قضية وقع الخلافة فيها معك ، فكيف إذا إحتجّ خصمك بما تشهد أنتَ نفسك بوقوعه »
(4) .
وليس دليل الشيعة دليلاً واهياً أو ضعيفاً حتّى يمكنك التغاضي عنه وتناسيه بسهولة وإنما الأمر يتعلقُ بآيات من الذكر الحكيم أُنزلتْ بهذا الشأن وأولاها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من العناية ما سارت به الركبـان
____________
(1) الإمامة والسياسة لإبن قتيبه ج 1 /18 .
(2) صحيح البخاري ج 8 /26باب رجم الحبلي من الزنا
(3) تاريخ الخلفاء لإبن قتيبة ج 1 /18 وما بعدها
(4) وذلك إنه ليس هناك دليل عند الشيعة إلا وفي كتب السنة مصداقة .
(45 )
وتناقله العام والخاض حتّى ملأتْ كتب التاريخ والأحاديث وسجّله الرواة جيلاً بعد جيل .
1 ـ ولاية علي في القرآن الكريم
قال الله تعالى :
إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فأنّ حزب الله هو الغالبون (1)
أخرج الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير
(2) بالإسناد الى أبي ذرّ الغفاري قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا صمّتا ورأيته بهاتين وإّلا عميتا ، يقول : .
« عليٌّ قائد البررة وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ».
أما إنّي صلّيت مع رسول الله ذات يوم ، فسأل سائل في المسجد ، فلم يُعطه أحد شيئاً ، وكان علي راكعاً فأومأ بخنصره إليه وكان يتختّم بها ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره ، فتضرّع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عزًّ وجلّ يدعوه فقال : اللّهم إن أخي موسى سألك « قال ربّ إشرح لي صدري ويسّر لي أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ، وأجعل لي وزيراً من أهلي ، هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري ، كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً ، إنك كنت بنا بصيراً » فأوحيتَ إليه « قد أوتيتَ سؤالك ياموسى » « اللّهم وإنّي عبدك ونبيك ، فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري ، وأجعل لي وزيراً من أهلي عليَّاً أشدد به ظهري » قال أبو ذر ، فوالله ما إستتمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الكلمه حتى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآيه :
إنما وليكم الله
____________
(1) سورة المائدة آية 55 ـ 56 .
(2) أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي المتوفي سنه 337 هجريه ذكره إبن خلكان وقال : كان أوحد زمانه في علم التفسير صحيح النقل موثوق به .
(46 )
ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاه وهم راكعون، ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون (1) .
ولا خلاف عند الشيعة في إنها نزلت في علي بن أبي طالب رواية عن أئمه أهل البيت ( عليهم السلام ) وهي من الأخبار المتسالم عليها عندهم فقد رويتْ في العديد من كتب الشيعة عندهم مثل :
1 ـ بحار الأنوار للمجلسي
2 ـ إثبات الهداة للحر العاملي .
3 ـ تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي
4 ـ تفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية .
5 ـ الغدير للعلامة الأميني ـ وغير هؤلاء كثير ـ .
كما روي نزولها في علي بن أبي طالب من علماء السنة والجماعة جمع غفير أذكر منهم فقط علماء التفسير .
1 ـ تفسير الكشاف للزمخشري ج 1 / 649 .
2 ـ تفسير الطبري ج 6 / 288 .
3 ـ زاد المسير في علم التفسير لإبن الجوزي ج 2/383 .
4ـ تفسير القرطبي ج 6 س 219 .
5 ـ تفسير الفخر الرازي ج 12 / 26 .
6 ـ تفسير إبن كثير ج 2 / 71 .
7 ـ تفسير النسفي ج 1 / 289 .
8 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 ص 161 .
9 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج 2 / 293 .
10 ـ أسباب النزول للإمام الواحدي ص 148 .
____________
(1) الجمع بين الصحاح الستة . صحيح النسائي ـ مسند أحمد ـ إبن حجر في صواعقه وكذلك رواها إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة .
( 47 )
11 ـ أحكام القرآن للجصّاص ج 4 / 102 .
12 ـ التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي ج 1 / 181 .
وما لم أذكره من كتب السنة أكثر مما ذكرت .
2 ـ أية البلاغ تتعلق أيضاً بولاية علي
:
قال تعالى :
يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك وأن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس (1) .
يقول بعض المفسّرين من أهل السنّة والجماعة بأن هذه الآية نزلت في بداية الدعوة عندما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقيم حرساً يحرسونه خوفاً من القتل والإغتيال فلما نزلتْ
والله يعصمك من الناس قال « إذهبوا فإنّ الله قد عصمني » .
فقد أخرج إبن جرير وإبن مردويه عن عبدالله بن شفيق قال : « إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعقبّه ناس من أصحابه فلما نزلت
والله يعصمك من الناس فخرج فقال :
« يا أيها الناس إلحقوا بملاحقتكم فإنّ الله قد عصمني من الناس »
(2) .
وأخرج إبن حبان وإبن مردويه عن أبي هريره قال كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحه وأظلها فينزل تحتها فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها ، فجاء رجل فأخذه فقال : يامحمد من يمنعك مني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله يمنعني منك . ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت
والله يعصمك من الناس (3) .
____________
(1) سورة المائدة آية 67
(2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 3 / 119 .
(3) نفس المصدر السابق .
( 48 )
كما أخرج الترمذي والحاكم وأبو نعيم عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُحرسُ حتّى نزلتْ والله يعصمك من ألناس فأخرج رأسه من القبّة : فقال أيها الناس ، إنصرفوا فقد عصمني الله .
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل وإبن مردويه وإبن عساكر عن إبن عبّاس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُحرسُ وكان يرسل عمّه معه أبو طالب كل يوم رجلاً من بني هاشم يَحرسونه ، فقال : ياعّمْ إن الله قد عصمني لا حاجه لي إلى من تبعث .
ونحن إذا تأمّلنا في هذه الأحاديث وهذه التأويلات وجدناها لا تستقيم ومفهوم الآية الكريمة ولا حتى مع سياقها تُفيد بأنها نزلتْ في بداية الدعوة حتى وإن البعض يصرّح بأنها في حياة أبي طالب يعني قبل الهجرة بسنوات كثيرة وبالخصوص رواية أبي هريرة التي يقول فيها « كنّا إذا صحبنا رسول الله في سفر تركنا له أعظم دوحه … الخ » فهذه الرواية ظاهرة الوضع لأن أبا هريرة لم يعرف الإسلام ولا رسول الله إلا في السنة السابعة للهجرة النبوية كما يشهد هو نفسه بذلك
(1) فكيف يستقيم هذا؛ وكل المفسّرين سنّة وشيعة أجمعوا على أن سوره المائدة مدنية وهي آخر ما نزل من القرآن ؟؟؟
فقد خرج أحمد وأبو عبيد في فضائله والنحاس في ناسخه والنسائي وإبن المنذر والحاكم وإبن مردويه والبيهقي في سننه عن جُبير بن نفير قال : حججتُ فدخلتُ على عائشة ، فقالت : لي ياجبير تقرأ المائدة ؟ فقلتُ نعم ، فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فإستحلّوه ، وما وجدتم من حرام فحرّموه
(2) .
____________
(1) فتح الباري 6 /31 البدايه والنهاية ج 8 / 102 سير أعلام النبلاء للذهبي ج / 436 الإصابه لإبن حجر ج 3 /287 .
(2) جلال الدين السيوطي الدر المنثور 3 / 3 .
(49 )
كما أخرج أحمد والترمذي وحَسّنه الحَاكمْ وصَححّه ، وإبن مردويه والبيهقي في سننه عن عبدالله بن عمرو قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة
(1) .
وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرطني قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع ، فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته ، فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(2) .
وأخرج إبن جرير عن الربيع بن أنس قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في المسير في حجة الوداع وهو راكب راحلته ، فبركت به راحلته من ثـقلها
(3) .
وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المائدة من آخر القرآن تنزيلاً ، فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها
(4) .
فكيف يقبل العاقل المنصف بعد كل هذا ، إدّعاء من قال بنزولها في أوّل البعثة النبّوية ؟ وذلك لصرفها عن معناها الحقيقي ، أضف إلى ذلك إن الشيعة لا يختلفون في إن سورة المائدة هي آخر القرآن نزولاً وإن هذه الآية بالذات
يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك … والتي تسمّى آية البلاغ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجه عقيب حجة الوداع في غدير خمّ قبل تنصيب الإمام علي عَلماً للناسِ ليكونَ خليفته من بعده وذلك يوم الخميس وقد نزل بها جبرائيل ( عليه السلام ) بعد مضي خمس
____________
(1) نفس المصدر السابق .
(2) الدر المنثور في التفسير المأثور 3 /4 .
(3) الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي 3 /4 .
(4) نفس المصدر السابق .
( 50 )
ساعات من النهار فقال : يامحمد أن الله يقرؤك السلام ويقول : يا أيها الرسول
يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس .
على أن قوله سبحانه وتعالى
وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته يدلّ دلالة واضحة بأن الرسالة إنتهت أو هي على وشك النهاية ، وإن بقي فقط أمرٌ مهمّ لايكتمل الدّينُ إلا به .
كما تُشعر الآية الكريمة بأن الرسول كان يخشى تكذيب النّاس له إذا مادعاهم بهذا الأمر الخطير ، ولكن الله سبحانه لم يُمهله التأجيلْ فالأجل قد قَرُبَ ، وهذه الفرصة هي أحسن الفرص وموقفها هو أعظم المواقف إذ إجتمع معه صلّى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة الف رافقوه في حجّة الوداع وما زالت قلوبهم عامرة بشعائر الله مستحضرة نعي الرسول نفسه اليهم .
وقوله لهم : لَعلّي لا ألقاكم بعد عامكم هذا ويوشك أن يأتي رسول ربّي وأدعى فأجيب ، وهم سيفترقون بعد هذا الموقف الرّهيب للعودة الى ديارهم ولعلّهم لا تُتاحُ لهم فرصة اللّقاء مرّة أخرى بهذا العدد الكبير وغدير خم هو مفترق الطرقات فلا يمكن لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يُفوّتَ هذه الفرصة باي حال من الأحوال . كيف وقد جاءه الوحي بما يشبه التهديد على أن كل الرّسالة منوطة بهذا البلاغ والله سبحانه قد ضمن له العصمة من الناس فلا داعي للخوف من تكذيبهم فكم كُذِبتْ رسُلٌ من قبله ولكن لم يُثنَهم ذلك عن تبليغ ما أمروا به فما على الرسول إلا البلاغ ولو علم الناس مُسبّقاً بأن أكثرهم للحق كارهون
(1) ولو علم فإن منهم مكذبين
(2) ماكان سبحانه أن يتركهم دون إقامة الحجّة عليهم لئّلا يكون للناس على الله حجّةً بعد الرّسُل وكان الله عزيزاً
____________
(1) سورة الزخرف آية 78 .
(2) سورة الحاقة آية 49 .
(51 )
حكيماً
(1) .
على إن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة في من سبقه من إخوانه الرسل الذين كذّبتهم أممهم قال تعالى :
وإن يكذّبوك فقد كذّبتْ قبلهم قوم نوح وعادٌ وثمودُ وقومُ إبراهيمَ وقومُ لوطٍ وأصحابُ مدينَ ، وكُذِبَ موسى فأمليتُ للكافرين ، ثم أخذتُهُمْ فكيف كان نكيرِ .
(2)
ونحن إذا تركنا التعصّب المقيت ، وحب الإنتصار للمذهب لوجدنا أن هذا الشرح هو المناسب لعقولنا ويتماشى مع سياق الآية والأحداث التي سبقتها وأعقبتها .
وقد أخرج كثير من علمائنا نزولها في غدير خمّ في شأن تنصيب الإمام علي وصححّوا تلك الروايات ووافقوا بذلك إخوانهم من علماء الشيعة ، وأذكر على سبيل المثال من علماء السنه :
1 ـ الحافظ أبو نعيم في كتاب نزول القرآن
2 ـ الإمام الواحدي في كتاب أسباب النزول ص 150 .
3 ـ الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير .
4 ـ الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج1 /187
5 ـ جلال الدين السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسيبر بالمأثور ج 3 / 117 .
6 ـ الفخر الرّازي في تفسيره الكبير ج 12 /50 .
7 ـ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ج 2 /86 ج 6 / 463 .
8 ـ تاريخ دمشق لأبن عساكر الشافعي ج 2 /86 .
9 ـ فتح القدير للشوكاني ج 2 / 60 .
____________
(1) سوره النساء آية 165 .
(2) سورة الحج آية 42 ـ 44 .
( 52 )
10 ـ مطالب السؤول لإبن طلحه الشافعي ج 1 /44 .
11 ـ الفصول المهمة لإبن الصباغ المالكي ص 25 .
12 ـ يانبيع المودّة للقندوزي الحنفي ص 120 .
13 ـ الملل والنحل للشهرستاني ج 1 / 163 .
14 ـ إبن جرير الطبري في كتاب الولاية .
15 ـ إبن سعيد السجستاني في كتاب الولاية .
16 ـ عمدة القاريء في شرح البخاري لبدر الدين الحنفي ج 8 /584 .
17 ـ تفسير القرآن لعبد الوهاب البخاري .
18 ـ روح المعاني للألوسي ج2 / 384 .
19 ـ فرائد السمطين للحمويني ج 1 / 185 .
20 ـ فتح البيان في مقاصد القرآن للعلامة سيد صديق حسن خان ج 3 / 63 .
فهذا نزرٌ يسيرٌ ممّن يحضرني وهناك أضعاف هؤلاء من علماء أهل السنّة ذكرهم العلاّمة الأميني في كتاب الغدير .
فماذا ياتُرى فعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عندما أمره ربّه بإبلاغ ما أنزل اليه ؟؟
يقول الشيعة ، بأنّه جمع النّاس على صعيد واحد في ذلك المكان وهو غدير خمّ ، وخطبهم خطبة بليغة طويله وأشهدهم على أنفسهم فشهدوا بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أولى بهم من أنفسهم وعند ذلك رفع يد علي بن أبي طالب وقال :
« من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وأنصر من نصره وإخدل من خذله وأدر الحق معه حيث دار »
(1) .
____________
(1) وهو مايسمّى بحديث الغدير وقد أخرجه علماء الشيعة وعلماءالسنّة على حد سواء .
( 53 )
ثمَّ البسه عمامته وعقد له موكباً وأمر أصحابه بتهنئته بإمرة المؤمنين ففعلوا وفي مقدّمتهم أبو بكر وعمر يقولان بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصحبت وأمسيت مولى كل مؤمن ومومنة
(1) .
وبعدما فرغوا أنزل الله عليه
اليوم اكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً .
هذا مايقوله الشيعة وهو عندهم من المسلمات ولا يختلف فيه عندهم إثنان ، فهل لهذه الحادثة ذكرٌ عند أهل السنّة والجماعة ؟ وحتى لا ننحاز إليهم ويُعحبنا قولهم : فقد حذّرنا الله سبحانه بقوله :
ومن النّاس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهدُ الله على مافي قلبه وهو الدّ الخصام .. (2)
فالواجب أن نحتاط ونبحث هذا الموضوع بكل حذر ونْنظرُ في أدلّه الفريقين بكل نزاهه مبتغين في ذلك رضاه سبحانه .
والجواب نعم ، إن كثيراً من علماء أهل السنّة يذكرون هذه الحادثة بكل أدوارها وها هي بعض الشواهد من كتبهم .
1 ـ أخرج الإمام أحمد بن حنبل من حديث زيد بن أرقم قال : نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواد يقال له وادي خم ، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير ، قال فخطبنا ، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس فقال :
« ألستم تعلمون ، أو ألستم تشهدون إني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟
____________
(1) أحمد بن حنبل في مسنده ج 4 /281 والطبري في تفسيره والرازي في تفسيره الكبير ج 3 /636 وإبن حجر في صواعقه والدارقطني والبيهقي والخطيب البغدادي والشهرستاني وغيرهم .
(2) سورة البقرة آية 204 .
( 54 )
قالوا : بلى قال : فمن كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه … »
(1) .
2 ـ أخرج الإمام النسائي في كتاب الخصائص عن زيد بن أرقم قال : لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمّمن ، ثم قال :
( كإني دُعيت فاجبتُ وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فأنظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض ، ثم قال : إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ، ثم إنه أخذ بيد علي فقال : من كنتُ وليّه فهذا وليّه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه . قال أبو الطفيل فقلتُ لزيد : سمعته من رسول الله فقال : وإنّه ماكان في الدوحات أحد إلا ورآه بعينيه وسمعه بأذنيه »
(2) .
3 ـ أخرج الحاكم النيسابوري عن زيد بن أرقم من طريقين صحيحين على شرط الشيخين قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات فقممن فقال :
« كإني دعيتُ فأجْبتُ وإني تركتُ فيكم الثقيلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحـوض ، ثم قال : إن الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال : من كنتُ مولاه فهذا وليّه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه … »
(3) .
4 ـ كما أخرج هذا الحديث مسلم في صحيح يُسْنده الى زيدُ بن أرقم
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل ج 4 / 372 .
(2) النسائي في كتاب الخصائص ص 21 .
(3) مستدرك الحاكم ج 3 / 109 .
( 55 )
ولكنّه إختصره فقال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خّماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال :
«أمّا بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيبُ وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وإستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي … »
(1) .
تعليق ـ بالرغم من أن الإمام مسلم إختصر الحادثة ولم يروها بكاملها إلا إنها بحمد الله كافية وشافية ولعلّ الإختصار كان من زيد بن أرقم نفسه لما إضطرته الظروف السياسية الى كتمان حديث الغدير وهذا نفهمه من سياق الحديث إذ يقول الرّاوي : إنطلقتُ أنا وحُصين بن سبرة وعمر بن مسلم الى زيد بن أرقم ، فلمّا جلسنا إليه قال له حُصين ، لقد لقيتَ يازيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعتَ حديثه وغزوتَ معه وصلّيتَ خلفه ، لقد لقيتَ يازيدُ خيراً كثيراً ، حدثنا يازيد ماسمعت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال : يا إبن أخي والله لقد كبرتْ سنّي وقدُمَ عهدي ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعِي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما حدّثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه ، ثم قال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يدعى خُمَّاً …
فيبدوا من سياق الحديث إن حُصيناً سأل زيد بن أرقم عن حادثة الغدير وأخرجه أمام الحاضرين بهذا السؤال وكان بدون شك يعلم بأن الجواب صريح على ذلك يسبّب له مشاكل مع الحكومة التي كانت تحمِلُ الناس على لعن علي بن أبي طالب ، ولهذا نجده يعتذر للسائل بأنه كبُرتْ سنّه وقدُم عهده ونسي بعض
____________
(1) صحيح مسلم ج 7 /122 باب فضائل علي بن أبي طالب وذكر الحديث أيضاً الإمام أحمد والترمذي وإبن عساكر وغيرهم .
( 56 )
الذي كان يَعِي ثم يُضيف طالباً من الحاضرين بأن يقبلوا مايحدّثهم به ولا يكلّفوه ما يريد السّكوت عنه .
ومع خوفه ، ومع إختصاره للحادثه وإقتضابها فقد أوضح زيد بن أرقم ( جزاه الله خيراً ) كثيراً من الحقائق وأْلمحَ لحديث الغدير بدون ذكره ، وذلك قوله قام فينا رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكة والمدينة ، ثم بعد ذلك ذكر فضل علي وإنه شريك القرآن في حديث الثقلين كتاب الله وأهل بيتي بدون أن يذكر إسم علي وترك للحاضرين أن يستنتجوا ذلك بذكائهم لأن كلّ المسلمين يعرفون أن علياً هو سيد أهل بيت النبوه .
ولذلك نرى حتّى الإمام مسلم نفسه فهم من الحديث ماتفهمناه وعرف ماعرفناه فتراه يخرج هذا الحديث من فضائل علي بن أبي طالب رغم أن الحديث ليس فيه ذكر لإسم علي بن أبي طالب
(1) .
5 ـ أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح عن زيد بن أرقم وعن حذيفه بن أسيد الغفاري قال : خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بغدير خمّ تحت شجرات فقال :
« أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد إنك قد بلغتَ وجاهدتَ ونصحتَ ، فجزاه الله خيرا . فقال : اليس تشهدون أن لا إالله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حقً ، وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت ، وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعثُ من في القبور ؟ قالوا : بلا نشهد بذلك . فقال اللَّهم إشهد ، ثم قال : يا أيها الناس أن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنتُ مولاه فهذا مولاه ـ يعني علياً ـ اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، ثم قال : ياأيها الناس إني فرطكم ، وإنكم واردون علي الحوض ، حوض أعرض ما بين بصري الى
____________
(1) صحيح مسلم ج 7 /122 باب فضائل علي بن أبي طالب .
( 57 )
صنعاء ، فيه عدد النجوم قدحان من فضة ، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين ، كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا ، وعترتي أهل بيتي فإنه نبأني اللطيف الخبير إنهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض »
(1) .
6 ـ كما أخرج الإمام أحمد من طريق البراء بن عازب من طريقين ، قال : كنا مع رسول الله ، فنزلنا بغدير خم ، فنودي فينا الصلاه جامعة ، وكسح لرسول الله صلّى الله عليه وآلله وسلّم ، تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي ، فقال : « الستم تعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى قال : ألستم تعلمون إني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلى قال : فأخذ بيد علي ، فقال :
من كنتُ مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والله وعاد من عاداه ، قال فلقيَهُ عمر بعد ذلك ، فقال له : هنيئاً يا بن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة »
(2) .
وبإختصار فقد روي حديث الغدير من أعلام أهل ألسنّة زيادة عمّن ذكرنا ، الترمذي وإبن ماجة ، وإبن عساكر وأبي نعيم ، وإبن الأثير ، والخوارزمي ، والسيوطي ، وإبن حجر الهيثمي ، وإبن الصباغ المالكي والقندوزي الحنفي ، وإبن المغازلي وإبن كثير ، والحمويني والحسكاني ، والغزالي ، والبخاري في تاريخه .
على أن العلاّمة الأميني صاحب كتاب الغدير ذكر من علماء أهل السنه
____________
(1) إبن حجر في صواعقه ص 25 نقلاً عن الطبراني والحكيم الترمذي
(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل الجزء الرابع صفحة 281. كذلك في كنز العمّال جزء 15 ص 117 . فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ج 1 / 350
( 58 )
والجماعة الذين رووا حديث الغدير وأخرجوه في كتبهم على إختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في القرن الأول للهجرة وحتى القرن الرابع للهجرة فكان عددهم يزيد عن ثلثمائه وستين عالماً ، ولمن أراد التحقيق فعليه بمراجعة كتاب الغدير
(1) .
أفيمكن بعد كلّ هذا . أن يقول قائل بأنّ حديث الغدير هو من مختلقات الشيعة .
والعجب الغريب أنّ أغلب المسلمين عندما تذكر له حديث الغدير ، لا يعرفه أو قل لمْ يسمع به والأعجب من هذا كيف يدّعي علماء أهل السنّة بعد هذا الحديث المجمع على صحّته ، بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يستخلف وترك الأمر شورى بين المسلمين .
فهل هناك للخلافة حديث أبلغ من هذا وأصرح يا عباد الله ؟؟ وإني لأذكر مناقشتي مع أحد علماء الزيتونة في بلادنا عندما ذكرتُ له حديث الغدير محتجّاً به على خلافة الإمام علي فاعترف بصحّته ، بل وزاد في الحبل وصلة فاطلعني على تفسيره للقرآن الذي ألّفه بنفسه ، والذي يذكر فيه حديث الغدير ويصححه ويقول بعد ذلك :
« وتزعم الشيعة بأن هذا الحديث هو نصّ على خلافة سيدنا علي كرّم الله وجهه ، وهو باطل عند أهل السنّة والجماعة لأنه يتنافى مع خلافة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر الفاروق وسيدنا عثمان ذي النورين ، فلا بدّ من تأويل لفظ المولى الوارد في الحديث على معنى المحب والناصر ، كما ورد ذلك في الذكر الحكيم ، وهذا ما فهمه الخلفاء الرّاشدون والصحابة الكرام رضي الله عليهم تعالى أجمعين ، وهذا ما أخذه عنهم التابعون وعلماء المسلمين ، فلا عبرة لتأويل الرافضة لهذا الحديث لأنهم لايعترفون بخلافة الخلفاء ويطعنون في صحابة الرسول وهذا وحده كافٍ لردّ أكاذيبهم وإبطال مزاعمهم » إنتهي كلامه في
____________
(1) كتاب الغدير للعلاّمة الأميني في إحدى عشر مجلداً وهو كتاب قيّم جمع فيه صاحبه كل ما يتعلّق بحديث الغدير من كتب أهل السنّة والجماعة.
( 59 )
الكتاب .
سألته : هل الحادثة وقعتْ بالفعل في غدير خم ؟
أجاب : لو لم تكن وقعتْ ما كان ليرويها العلماء والمحدّثون ! قلتُ : فهل يليق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجمع أصحابه في حرّ الشمس المحرقة ويخطب لهم خطبة طويلة ليقول لهم بأنّ علي محبّكم وناصركم ؟ فهل ترضون بهذا التأويل ؟
أجاب : أن بعض الصحابة إشتكى عليَّا وكان فيهم من يحقد عليه ويبغضه ، فأراد الرسول أن يزيد حقدهم فقال لهم بأنّ علياً محبّكم وناصركم ، لكي يحبّوه ولا يبغضوه .
قلتُ : هذا لايتطلّب إيقافهم جميعاً والصلاة بهم وبدأ الخطبة بقوله : الستُ أولى بكم من أنفسكم لتوضيح معنى المولى ، وإذا كان الأمر كما تقول فكان بإمكانه أن يقول لمن إشتكى منهم عليّاً « إنّه محبّكم وناصركم » وينتهي الأمر بدون أن يحبس في الشمس تلك الحشود الهائلة وهي أكثر من مائة الف فيهم الشيوخ والنساء ، فالعقل لا يقنع بذلك أبداً !
فقال : وهل العاقل يصدق بأن مائة الف صحابي لم يفهموا مافهمتَ أنتَ والشيعة ؟؟
قلتُ : أولاً لم يكن يسكن المدينة المنوّرة إلا قليلٌ منهم . وثانياً : إنهم فهموا بالضبط مافهمتهُ أنا والشيعة ولذلك رووا العلماء بأن أبا بكر وعمر كانا من المهنّئين لعلي بقولهم : « بخ بخ لك يا إبن أبي طالب أمسيت وأصبحت مولى كل مؤمن » .
قال : فلماذا لم يبايعوه إذاً بعد وفاة النبيّ ؟ أتراهم عصوا وخالفوا أمر النبي ؟ أستغفر الله من هذا القول .
قلتُ : إذا كان العلماء من أهل السنّة يشهدون في كتبهم بأنّ بعضهم ـ
( 60 )
أعني من الصحابة ـ كانوا يخالفون أوامر النبّي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبحضرته
(1) ، فلا غرابة في ترك أوامره بعد وفاته ، وإذا كان أغلبهم يطعنُ في تأميره أسامة بن زيد لصغر سنه رغم إنها سرّية محدودة ولمدّة قصيرة فكيف يقبلون تأمير علي على صغر سنه ولمدّة الحياة وللخلافة المطلقة ؟ ولقد شهِدتَ أنتَ بنفسك بأن بعضهم كان يبغض علياً ويحقد عليه !! .
أجابني متحرّجاً : لو كان الإمام علي كرّم الله وجهه ورضي الله عنه يعلَمُ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إستخلفه ، ماكان ليسكتَ عن حقه وهو الشجاع الذي لا يخشى أحداً ويهابه كل الصحابة.
قلتُ : سيدي هذا موضوع آخر لا أريد الخوض فيه لأنك لم تقتنع بالأحاديث النبوية الصحيحة وتحاول تأويلها وصرفها عن معناها حفاظاً عل كرامة السلف الصالح ، فكيف أقنعك بسكوت الإمام علي أو بإحتجاجه عليهم بحقّه في الخلافة ؟
إبتسم الرّجل قائلاً أنا والله من الذين يفضّلون سيدنا علياً كرّم الله وجهه على غيره ، ولو كان الأمر بيدي لما قدّمتُ عليه أحداً من الصحابة لأنه باب مدينة العلم وهو أسد الله الغالب ، ولكن مشيئة الله سبحانه هو الذي يقدّم من يشاء ويؤخّر من يشاء لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون .
إبتسمتُ بدروي له وقلتُ : وهذا أيضاً موضوع آخر يجرّنا للحديث عن القضاء والقدر وقد سبق لنا أن تحدّثنا فيه وبقي كلٌ منّا على رأيه ، وإنّي لأعجب ياسيدي لماذا كلّما تحدثتُ مع عالم من علماء أهل السنّه وأفحمته بالحجّة سرعان ما يتهرب من الموضوع الى موضوع آخر لاعلاقة له بالبحث الذي نحن بصدده قال : وأنا باقٍ على رأيي لا أغيّره . ودّعته وإنصرفتُ . وبقيت أفكّرُ ملياً لماذا لا أجد
____________
(1) صحيح البخاري ومسلم إذ أخرجا عدة مخالفات لهم كما في صلح الحديبية وكما في رزية يوم الخميس وغير ذلك كثير .
( 61 )
واحداً من علمائنا يكمل معي هذا المشوار ويوقف الباب على رجله كما يقول المثل الشائع عندنا .
فالبعض يبدأ الحديث ، وعندما يجد نفسه عاجزاً عن إقامه الدّليل على أقواله يتملّص بقوله : تلك إمّه قد خلتْ لها ما كسبتْ ولكم ما كسبتم ، والبعض يقول مالنا ولإثاره الفتن والأحقاد فالمهم إن السنّة والشيعة يؤمنون بإله واحد ورسول واحد وهذا يكفي والبعض يقول بإيجاز : يا .خي إتق الله في الصحابة ، فهل يبقى مع هؤلاء مجال للبحث العلمي وإنارة السبيل والرجوع للحق الذي ليس بعده إلا الضلال ؟ وأين هؤلاء من إسلوب القرآن الذي يدعو الناس لإقامه الدليل
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين مع العلم بأنهم لو يتوقفون عن طعنهم وتهجمهم على الشيعة لما الجأونا للجدال معهم حتّى بالتي هي أحسن .
( 63 )
آية إكمال الدين تتعلق أيضا بالخلافة
قوله سبحانه وتعالى :
اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً (1) ، يجمع الشيعة على نزولها بغدير خم بعد تنصيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي خليفة للمسلمين وذلك رواية عن أئمة العترة الطاهرة وبذلك تراهم يعدّون الإمامة من أصول الدّين .
ورغم أن الكثير من علمائنا يروون نزولها في غدير خم بعد تنصيب الإمام علي أذكر منهم على سبيل المثال :
1 ـ تاريخ دمشق لإبن عساكر ج 2 / 75 .
2 ـ مناقب علي أبي طالب لإبن المغازلي الشافعي ص 19 .
3 ـ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 8 ص 290 .
4 ـ الإتقان للسيوطي ج 1 / 31 .
5 ـ المناقب للخوارزمي الحنفي ص 80 .
6 ـ تذكره الخواص للسبط إبن الجوزي ص 30
____________
(1) سورة المائده آية 3 .
(64 )
7 ـ تفسير إبن كثير ج 2 / 14 .
8 ـ روح المعاني للألوسي ج 6 / 55 .
9 ـ البداية والنهاية لإبن كثير الدمشقي ج 5 / 213 .
10 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج 3 /19
11 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 115 .
12 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 /157 .
أقول رغم ذلك لابدّ لعلماء أهل السنّة من صرف هذه الآية الى مناسبة أخرى، وذلك للحفاظ على كرامة السلف الصالح من الصحابة ، وإلا لو سلّموا بنزولها في غدير خمّ لأعترفوا ضمنّياً بأن ولاية علي بن أبي طالب هي التي أكمل الله بها الدّين وأتم بها على المسلمين نعمته ولتبخّرت خلافة الخلفاء الثلاثه الذين سبقوه ، ولتزعزعت عدالة الصحابة ، ولذابت أحاديث كثيرة مشهورة كما يذوب الملح بالماء ، وهذا أمرّ مستحيل وخطبٌ فادحٌ ، لأنه يتعلّق بعقيدة أمّة كبيرة لها تاريخها وعلماؤها وأمجادها ، فلا يمكن لنا تكذيب أمثال البخاري ومسلم الذين يروون بأن الآية إنما نزلت عشية عرفة في يوم الجمعة .
وبمثل ذلك تصبح الروايات الأولى مجرّد خرافات شيعيّة لا أساس لها من الصحّة ويصبح الطعن على الشيعة أولى من الطعن على الصحابة فهؤلاء معصومون عن الخطأ
(1) ولا يمكن لأي إنسان أن ينتقد أفعالهم وأقوالهم ، أما أولئك الشيعة فهم مجوس ، كفّار ، زنادقة وملحدون ومؤسس مذهبهم هو عبدالله بن سبأ
(2) وهو يهودي أسلم في عهد عثمان ليكيد للمسلمين وللإسلام .
____________
(1) لأنهم يعتقدون بأن الصحابة كالنجوم بأيهم إقتديتم إهتديتم .
(2) إقرأ كتاب عبدالله بن سبأ للعلامة العسكري لتعرف بأنه لاوجود له ، وهو من مختلقات سيف بن عمر التميمي المشهور بالوضع والكذب ـ وإقرأ كتاب الفتنه الكبرى لطه حسين وإن شئت فأقرأ كتاب الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور مصطفى كامل الشيبي لتعرف بأن عبدالله بن سبأ هذا ليس غير سيدنا عمار بن ياسر رضي الله تعالىعنه .
( 65 )
وهذا أسهل بكثير للتمويه على الأمة التي تربّت على تقديس وإحترام الصحابه ( أي صحابي كان ولو شاهد النبي مرّة واحدة ) وأنّى لنا ان نقنعهم بأن تلك الروايات ليست خرافات شيعية وإنما هي من أحاديث الأئمه الأثني عشر الذين نص رسول الله على إمامتهم ، الذين نجحت الحكومات الإسلامية في القرن الأول في غرس حب وأحترام الصحابة مقابل التنفير من علي وبنيه ، حتى لعنتهم على المنابر وتتبعت شيعتهم بالقتل والتشريد ، فنشأ من ذلك بغض وكراهية لكل الشيعة ، لما روّجتْهُ وسائل الإعلام في عهد معاوية من إشاعات وخزعبلات وعقائد فاسدة ضدّ الشيعة ، وهم ( الحزب المعارض ) كما يسمّى عندنا اليوم لعزلهم والقضاء عليهم .
ولذلك نجد حتّى الكُتابْ والمؤرّخين في تلك العصور يسمّونهم الرّوافض ويكفّرونهم ويستبيحون دمائهم تزلّفاً للحكّام ولمّا إنقرضت الدولة الأموية وخلفتها الدولة العبّاسية نسج بعض المؤرخين على منوالهم وعرف البعض حقيقة أهل البيت
(1) فحاول التوفيق والإنصاف فألحق علياً بالخلفاء الرّاشدين ولكن لم يجرأوا على التصريح بأحقيته ، ولذلك تراهم لا يخرجون في صحاحهم إلا النزر اليسير من فضائل علي والتي لا تتعارض مع خلافة الذين سبقوه ، والبعض منهم وضع كثيراً من الأحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان على لسان علي نفسه ، حتى يقطع بذلك ( على زعمه ) الطريق على الشيعة الذين يقولون بأفضليته .
وإكتشفْتُ خلال البحث بأن شهرة الرجال وعظمتهم إنما كانت تقدّر ببغضهم لعلي بن أبي طالب ، فالأمويون والعباسيون كانوا يقربون ويعظمون كل من حارب الإمام علي أو وقف ضدّه بالسيف أو باللسان ، فتراهم يرفعون بعض الصحابة ويضعون آخرين ، ويغدقون الأموال على بعض الشعراء ويقتلون آخرين ، ولعلّ عائشة أمّ المؤمنين لم تكن لتحضى بتلك المنزلة عندهم لولا
____________
(1) ذلك لأن الأئمه من أهل البيت فوضوا أنفسهم بأخلاقهم وعلومهم التي ملأت الخافقين وبزهدهم وتقواهم والكرامات التي حباهم الله بها .
( 66 )
بغضها
(1) وحربها لعلي.
ومن ذلك أيضا تجد العباسيين يعلون من شأن البخاري ومسلم والإمام مالك لأنهم لم يخرجوا في فضائله إلا القليل بل نجد صراحة في هذه الكتب بأن علي بن أبي طالب لا فضل له ولا مزية فقد روي البخاري في صحيحه في باب مناقب عثمان عن إبن عمر قال : كنا في زمن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نعدِلُ بأبي بكر أحداً ثم عُمرَ ثم عثمانَ ثم نترك أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا نفاضل بينهم
(2) فعليّ عنده كسائر النّاس « إقرأ وأعجب » !!
كما في أن في الأمّة فرقاً أخرى كالمعتزلة والخوارج وغيرهم ممّن لا يقول بمقالة الشيعة ، ولأن إمامة علي وأولاده من بعده تقطع عليهم الطريق للوصول للخلافة والتحكم في رقاب النّاس والتلاعب بمصيرهم وممتلكاتهم كما فعل ذلك بنو أميّة وبنو العباس في عهد الصحابة وعهد التابعين والى يوم الناس هذا . لأن حكام العصر الذين وصلوا الى الحكم سواء بالوراثة كالملوك والسلاطين ، أو حتّى الرؤساء الذين إنتخبتهم شعوبهم لا يعجبهم هذا الإعتقاد ؛ أعني أن يعتقد المؤمنون بخلافة أهل البيت ، ويضحكون من هذه الفكرة التيوقراطية ، التي لا يقول بها إلا الشيعة ، وخصوصاً إذا كان هؤلاء الشيعة قد بلغوا من سخافة العقل وسفاهة الرأي إنهم يعتقدون بإمامة المهدي المنتظر الذي سيملأ أرضهم قسطاً وعدلاً كما مُلئتْ ضلماً وجوراً .
ونعود الآن لمناقشة أقوال الطرفين في هدوء وبدون تعصّب ، لنعرف ماهي
____________
(1) كانت لا تطيق ذكر أسمه البخاري 1 / 162 ـ 7 / 18 ـ 5 /140 ويقول المؤرخون لما بلغها خبر مقتله سجدت شكرا لله وقالت في ذلك شعراً .
(2) صحيح البخاري 4 /191 وص 201 كما روي البخاري في صحيحه 4 /195 رواية تُنسب الى محمد بن الحنفية قال : قلتُ لأبي أيّ الناس خيرُ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أبو بكر قلتُ ثم مَنْ قال : ثم عُمرُ وخشيتُ أنْ يقولَ عثمانُ قلتُ ثم أنتَ قالَ : ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين .
( 67 )
المناسبة وما هو سبب نزول آيه « إكمال الدين » حتّى يتضّح لنا الحقّ فنتبعه وما علينا بعد ذلك من رضا هؤلاء ، أو غضب أولئك مادمنا نتوخّى قبل كل شيء رضا الله سبحانه والنجاة من عذابه
يوم لاينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم ، يوم تُبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ فأمّا الذين إسودّتْ وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأمّا الذين إبيضّتْ وجوههُمْ ففي رحمه الله هم فيها خالدون (1) .
____________
(1) سوره المائده آية 106 .
(68 )
( 69 )
مناقشة القول بأن الآية نزلت يوم عرفة
أخرج البخاري في صحيحه
(1) قال : حدّثنا محمد بن يوسف حدّثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب إن أنّاساً من اليهود قالوا : لو نزلت هذه الآيه فينـا لأتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر أَيَّةُ آيةٍ ؟ فقالوا :
اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً .
فقال عمر : إنّي لأعلم أي مكان أنزِلتْ ، أنزِلتْ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقفٌ بعرفة .
وأخرج إبن جرير عن عيسى بن حارثة الأنصاري قال : كنّا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني يا أهل الإسلام ، لقد أنزِلتْ عليكم آية لو أنزِلتْ علينا لأتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعه عيداً وما بقي منّا إثنان وهي « اليوم أكملت لكم دينكم » فلم يجبه أحد منّا ، فلقيتُ محمد بن كعب القرطبي فسألته عن ذلك ، فقال : ألا رددتم عليه ؟ فقال عمر بن الخطاب أنزلتْ على النّبي وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة ، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين مابقي منهم
____________
(1) صحيح البخاري 5 /127 .
( 70 )
أحد
(1) .
أوَّلاً ـ نلاحظ من خلال هذه الروايات أن المسلمين كانوا يجهلون تاريخ ذلك اليوم المشهود ، ولا يحتفلون به مّما دعا اليهود مرّة والنصّارى أخرى أن يقولوا لهم : لو إن هذه الآية فينا أنزلت لأتخذنا يومها عيداً مّما حدا بعمر بن الخطاب أن يسأل أيةُ آية ؟ ولّما قالوا : « اليوم أكملتُ لكم دينكم » قال : إني لأعلم أي مكان أُنزلتْ ، أُنزلتْ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفة .
فإننا نشمّ رائحه الدسّ والتعتيم من خلال هذه الرواية والذين وضعوا هذا الحديث على لسان عمر بن الخطاب في زمن البخاري أرادوا أن يوفّقوا بين آراء اليهود والنصارى في أن ذلك اليوم هو يوم عظيم يجب أن يكون عيداً ، وبين ما هم عليه من عدم الإحتفال بذلك اليوم وعدم ذكره بالمرّة حتى تناسوه ، والمفروض أن يكون من أكبر الأعياد لدى المسلمين إذ أن الله سبحانه أكمل لهم فيه دينهم وأتمَّ فيه نعمته عليهم ورضي لهم الإسلام ديناّ .
ولذلك ترى في الرواية الثانية قول الرواي عندما قال له النصراني : يا أهل الإسلام ، لقد أنزلت عليكم آية لو أُنزلتْ علينا لأتخذنا ذلك اليوم عيداً مابقي منّا إثنان .
قال الرواي فلم يُجبْهُ أحدٌ منّا ؛ وذلك لجهلهم بتاريخ وموقف ذلك اليوم وعظمته ، ويبدو أن الراوي نفسه إستغرب كيف يغفل المسلمون عن الإحتفال بمثل ذلك اليوم ولهذا نراه يلقي محمد بن كعب القرطبي فيسأله عن ذلك فيردّ هذا الأخير بأنّ عمر بن الخطاب روي إنها انزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة .
فلو كان ذلك اليوم معروفاً لدى المسلمين على إنّه يوم عيد لما جهله هؤلاء الرّواة سواء أكانوا من الصحابة أم من التابعين ، لأن الثابت المعروف لديهم أن
____________
(1) جلال الدين السيوطي الدر المنثور في التفسير المأثور 3 /18 .
( 71 )
للمسلمين عيدين إثنين وهما عيد الفطر وعيد الأضحى ، حتّى أن العلماء والمحدّثين كالبخاري ومسلم وغيرهما تراهم يخرجون في كتبهم كتاب العيدين ـ صلاة العيدين ـ خطبة العيدين الى غير ذلك من المتسالم عليه لدى خاصّتهم وعامّتهم ، ولا وجود لعيد ثالث .
وأغلبُ الظنّ إن القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة ومؤسسي هذه النظرية هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خمّ بعد تأمير الإمام علي ، فكان تحويل نزولها في يوم عرفة أهون وأسهل على القائلين به لأن يوم الغدير جمع مئه الف حاج أو يزيدون ، وليس هناك مناسبة في حجة الوداع أقرب الى الغدير من يوم عرفة في المقارنة إذ أن الحجيج لم يجتمعوا على صعيد واحد إلا فيهما ، فالمعروف إن النّاس يكونون متفرّقين جماعات واشتاتاً في كل أيام الحجّ ولا يجتمعون في موقف واحد إلا في عرفة .
ولذلك نرى إن القائلين بنزولها يوم عرفة يقولون بنزولها مباشرة بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشهيرة والتي أخرجها المحدّثون .
واذا كان النّص بالخلافة على علي بن بي طالب قد صرفوه عن حقيقتة وباغتوا النّاس « بمن فيهم علياً نفسه والذين كانو منشغلين معه بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودفنه » بالبيعة لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة على حين غفلة ، وضربوا بنصوص الغدير عرض الجدار وجعلوه نسيا منْسيَّاً ، فهل يمكن لأي أحد بعد الذي وقع أن يحتجّ بنزول الآية يوم الغدير ؟
فليست الآيه أوضح في مفهومها من حديث « الولاية » وإنّما تحمل في معناها إكمال الدّين وإتمام النعمّة ورضا الربّ ليس إلا ، وإن كانت تنطوي على إشعار بحصول حدات لهم في ذلك اليوم هو الذي سبب كمال الدين .
ومّما يزيدنا يقيناً بصحة هذا الإعتقاد ، ما رواه إبن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال : قال كعب « لو إن غير هذه الأمّة نزلتْ عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أُنزلتْ فيه عليهم فاتّخدوه عيداً يجتمعون فيه » ! فقال عمر : وأي آيه يا
(72 )
كعب ؟ فقال :
اليوم أكملتُ لكم دينكمْ فقال عمر : لقد علمتُ اليوم الذي أُنزلتْ والمكان الذي نزلتْ فيه ، نزلتْ في يوم جمعة ، ويوم عرفة ، وكلاهما بحمد الله لنا عيد
(1) .
ثانيا ـ على ان القول بنزول الآية
اليوم أكملت لكم دينكم في يوم عرفة يتنافى مع آية البلاغ
يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك والتي تأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغ أمر مهم لا تتم الرسالة إلا به ، والتي سبق البحث وتبينّ نزولها بين مكة والمدينة بعد حجة الوداع وهو مارواه أكثر من مائة وعشرين صحابياً وأكثر من ثلاثمائة وستين من علماء أهل السنة والجماعة ، فكيف يكمل الله الدّين ويتمّ النعمة في يوم عرفه ثم بعد إسبوع يأمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم وهو راجع الى المدينة بإبلاغ شيء مهم لا تتم الرسالة إلا به ؟؟ كيف يصحّ ذلك يا أولي الألباب ؟؟؟
ثالثا ـ إن الباحث المدقق إذا أمعن في النظر في خطبة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم يوم عرفه لا يجد فيها أمراً جديداً يجهله المسلمون والذي يمكن إعتباره شيئاً مهمّاً أكمل الله به الدّين وأتّم به النّعمة ، اذ ليس فيها إلا جملة من الوصايا التي ذكرها القرآن أو ذكرها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في عدة مناسبات وأكدّ عليها يوم عرفة . وإليك ما جاء في الخطبة على ماسجّله كل الروّاه :
ـ إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا ويومكم هذا .
ـ إتّقوا الله ولا تبخسوا ألنّاس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها .
ـ الناس في الإسلام سواء لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى .
ـ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي ، وكل ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي .
____________
(1) الدّر المنثور للسيوطي في تفسير الآية /اليوم أكملت لكم دينكم //
سوره المائدة .
( 73 )
ـ أيها الناس إنّما النسيء زيادة في الكفر … إلا وإن الزمان قد إستدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض .
ـ إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً في كتاب الله منها أربعة حرمٌ .
ـ أوصيكم بالنساء خيراً ، إنّما إتخذتموهن لأمانة الله وإستحللتم فروجهن بكتاب الله .
ـ أوصيكم بمن ملكت أيمانكم فاطعموهم ممّا تأكلون وإلبسوهم مّما تلبسون.
ـ إنّ المسلم أخو المسلم ، لا يغشّه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحل له دمه ولا شيء من ماله .
ـ إن الشيطان قد يأس أن يُعبد بعد اليوم ولكن يُطاع فيما سوى ذلك من أعمالكم التي تحتقرون . ـ
أعدى الأعداء على الله قاتل غير قاتله ، وضارب غير ضاربه ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أَنّزلَ الله على محمد ، ومن إنتمى الى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
ـ إنما أُمرتُ أن أقاتل الناس حتّى يقولوا : لا إله إلا الله وأني رسول الله ، واذا قالوها عصموا مني دماءهم ، وأموالهم إلا بحق وحسابهم على الله .
ـ لا ترجعوا بعدي كفاراً ، مضلّين يضرب بعضكم رقاب بعض .
هذا كل ماقيل في خطبة عرفة من حجة الوداع وقد جمعتُ فصولها من جميع المصادر الموثوقة حتى لايبقى شيء من وصاياه صلّى الله عليه وآله وسلّم التي ذكرها المحدثون إلا أخرجتها فهل فيها شيء جديد بالنسبة للصحابة ؟ كلا فكل ماجاء فيها مذكور في القرآن ومبين حكمه في السنّه النبّوية ، فقد قضى صلى الله عليه وآله وسلم حياته كلها يبينّ للناس مانزّل إليهم ويعلّمهم كل صغيرة وكبيرة ، فلا وجه لنزول آية « إكمال الدّين وإتمام النعمة ورضا الله » بعد هذه الوصايا التي يعرفها المسلمون ، وإنما أعدها عليهم للتأكيد لأنّهم لأوّل مرّه يجتمعون عليه
(74 )
بذلك العدد الهائل ولأنه أخبرهم قبل الخروج الى الحجّ بأنها حجة الوداع فكان واجباً عليه أن يسمعهم تلك الوصايا .
أمّا إذا أخذنا بالقول الثاني : وهو نزول الآية يوم غذير خمّ بعد تنصيب الإمام علي خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأميراً للمؤمنين ، فإنّ المعنى يستقيم ويكون مطابقاً ، لأن الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم من أهمّ الأمور ولا يمكن أن يترك الله عباده سدى ولا ينبغي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يذهب دون إستخلاف ويترك أمته هملاً بدون راعٍ وهو الذي ماكان يُغادر المدينة إلا ويستخلف عليها أحداً من أصحابه ، فكيف نصدّق بأنّه إلتحق بالرفيق الأعلى وما فكّر بالخلافة ؟؟؟ .
وإذا كان ألمُلحدون في عصرنا يؤمنون بهذه القاعدة ويسرعون الى تعيين خلف للرئيس حتّى قبل موته ليَسوسَ أمور الناس ولا يتركونهم يوماً واحداً بدون رئيس !
فلا يمكن أن يكون الدّين الإسلامي وهو أكمل الأديان وأتمها والذي ختم الله به كل الشرائع أن يُهمل أمراً مهماً كهذا .
وقد عرفنا فيما تقدم بأن عائشة وإبن عمر وقبلهما أبو بكر وعمر أدركوا كلهم بأنه لابد من تعيين الخليفة وإلا لكانت فتنة ، كما أدرك ذلك من جاء بعدهم من الخلفاء فكلُّهم عَيّنوا مَنْ بعدهم فكيف تغيب هذه الحكمة على الله وعلى رسوله ؟؟؟
فالقولُ بأنّ الله سبحانه أوحى الى رسوله في الآية الأولى « آية البلاغ » وهو راجع من حجة الوداع بأنْ يُنصّب عليّاً خليفة له بقوله :
يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزلَ إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالتهُ والله يعصمك من الناس أي : يامّحمد إنْ لم تبلّغ ماأمرتك به بأنّ علياً هو ولي المؤمنين بعدك فكأنك لم تُكمل مهمتك التي بُعثتَ بها ، إذ أن إكمال الدّين بالإمامة أمرٌ ضروري لكل العقلاء .
(75 )
ويبدو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخشى معارضتهم له أو تكذيبهم ، فقد جاء في بعض الروايات : قوله صلّى الله عليه وآله وسلم : وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كلّ أبيض وأسود : أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي ، فسألتُ جبرئيل أن يستعفي لي ربّي لعلمي بقلّة المتّقين وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعلي وشدّة إقبالي عليه حتى سمّوني إذناً ، فقال تعالى :
ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذنٌ قل أذن خير لكم ولو شئتُ أن أسميهمّ وأدلُ عليهم لفعلتُ ولكنّي بسترهم قد تكرّمتُ ، فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فإعلموا معاشر الناس إن الله قد نصّبه لكم ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل أحد … الخطبه
(1) .
فلمّا أنزل الله عليه
والله يعصمك من الناس أسرع في نفس الوقت وبدون تأخير بإمتثال أمر ربّه فنصب علياً خليفة من بعده وأمر أصحابه بتهنئته بإمارة المؤمنين ففعلوا وبعدها أنزل الله عليهم
اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً .
أضف الى كل ذلك إنّنا نجد بعض علماء أهل السنّة والجماعة يعترفون صراحة بنزول آية البلاغ في إمامة علي فقد رووا عن إبن مردويه عن إبن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل اليك من ربّك ـ إنّ عليّاً مولى المؤمنين ـ وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس
(2) .
وبعد هذا البحث إذا أضفنا روايات الشيعة عن الأئمة الطاهرين يتجلّى لنا
____________
(1) أخرجها بكاملها الحافظ إبن جرير الطبري في كتاب الولاية كما أخرج جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ج 2 /298 خطبة في نفس المعنى بألفاظ متقاربه .
(2) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 3 /57 .
جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ج2 / 298 عن إبن عباس .
( 76 )
بأن الله أكمل دينه بالإمامة ولذلك كانت الإمامة عند الشيعة اصلاً من أصول الدّين .
وبإمامة علي بن أبي طالب أتمّ الله نعمته على المسلمين لئلا يبقوا هملاً تتحاذبهم الأهواء وتمزّقهم الفتن فيتفرقوا كالغنم بدون راع ـ
ورضي لهم الإسلام ديناً ، لأنّه إختار لهم أئمة أذهب عنهم الرجس وطّهرهم وأتاهم الحكمة وورثهم علم الكتاب ليكونوا أوصياء محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم فيجب على المسلمين أن يرضوا بحكم الله وإختياره ويسلّموا تسليماً ، لأن مفهوم الإسلام العام هو التسليم لله قال تعالى :
وربّك يخلق مايشاء ويختار ماكان له الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربّك يعلم ما تكنْ صدورهم وما يُعلنون وهو الله لا إله إلا هُو له الحمدُ في الأولى والآخرة وله الحكمُ وإليه ترجعون (1) .
ومن خلال كل ذلك يُفهمُ بأن يوم الغدير إتخذه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم عيد اذ بعد تنصيب الإمام علي وبعد أن نزل عليه قوله :
اليوم أكملتُ لكم دينكم … الآية : قال : الحمد لله على إكمال الدّين ، وإتمام النّعمة ، ورضى الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي
(2) ثم عقد له موكباً للتهنئة وجلس صلى الله عليه وآله وسلم في خيمة وأجلس عليَّاً بجانبه وأمر المسلمين بما فيهم زوجاته أمهات المؤمنين أن يدخلوا عليه أفواجاً ويهنّئوه بالمقام ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، ففعل النّاس ما أمروا به وكان من جملة المهنئينّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بهذه المناسبة أبو بكر وعمر .
وقد جاءا إليه يقولان له : بخٍ بخٍ لك يا إبن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ
____________
(1) سورة القصص آيه 68 ـ 69 ـ 70 .
(2) الحاكم الحسكاني عن بي سعيد الخدري في تفسيره للآية . والحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه « ما نزل من القرآن في علي » .
(77 )
مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة
(1) .
ولمّا عرف حسّان بن ثابت شاعر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فرح النبي وإستبشاره في ذلك اليوم قال : أتأدن لي يارسول الله أن أقول في هذا المقام أبياتاً تسمعهن ، فقال : قل على بركة الله ، لا تزال ياحسّان ، مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك .
فأنشد يقول :
يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخمّ فأسمع بالرسول مناديا **
الى آخر الأبيات التي ذكرها المؤرخون
(2) .
ولكنّ ورغم كل ذلك فإنّ قريشاً إختارت لنفسها وأبتْ أن تكون في بني هاشم النبوّة والخلافة فيجحفون على قومهم بُجُحاُ بُجَّحاً ، كما صرّح بذلك عمر بن الخطاب لعبدالله بن عبّاس في محاورة دارت بينهما
(3) .
فلم يكن في وسع أحد أن يحتفل بذلك العيد بعد ذكراه الأولى التي أحتفل بها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وإذا كانوا قد تناسوا نصّ الخلافة وتلاشى من أذهانهم ولم يمض عليه من
____________
(1) روى هذه القصّة كل من الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه سرّ العالمين ص 6كما رواها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 4 /281 .
والطبري في تفسيره 3 / 428 والبيهقي والثعلبي ، والدار قطني والفخر الرّازي وإبن كثير وغيرهم .
(2) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه مانزل من القرآن في علي .
ـ الخوارزمي المالكي في كتاب المناقب ص0 8 ـ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب .
ـ جلال الدين السيوطي في كتابه ـ الإزدهار فيما عقده الشعراء من الأشعار.
(3) الطبري في تاريخه 5 / 31 .
تاريخ ابن الأثير 3 /31 وشرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد 2 /18 .
( 78 )
الوقت غير شهرين ومع ذلك لم يتكلم به أحد ، فكيف بذكر الغدير التي مضى عليها عام كامل ، على إن هذا العيد مربوط بذلك النص على الخلافة فإذ إنعدم النّص وزال السببُ لم يبق في ذلك العيد أثرٌ يذكر .
ومضت على ذلك السنون حتّى رجع الحق إلى أهله بعد ربع قرن ، فأحياها الإمام علي من جديد بعد ما كادت تُقبرُ وذلك في الرحبة عندما ناشد أصحاب محمد ممن حضر عيد الغدير أن يقوموا فيشهدوا أمام النّاس ببيعة الخلافة فقام ثلاثون صحابياً منهم ستةّ عشر بدريَّاً وشهدوا
(1) والذي كتم الشهادة وإدّعى النسيان ، كأنس بن مالك الذي أصابتْه دعوى علي بن أبي طالب فلم يقم من مقامه ذلك إلا أبرص فكان يبكي ويقول أصابتني دعوة العبد الصالح لأني كتمتُ شهادته
(2) وبذلك أقام أبو الحسن الحجّة على هذه الأمّة ومنذ ذلك العهد وحتّى يوم الناس هذا وإلى قيام الساعة يحتفل الشيعة بذكرى يوم الغدير وهو عندهم العيد الأكبر ، كيف لا وهو اليوم الذي أكمل الله لنا فيه الدّين وأتمّ فيه علينا النعمة ورضي بالإسلام لنا ديناً ، وهو يوم عظيم الشأن عند الله ورسوله والمؤمنين ، ذكر بعض علماء أهل السنة عن أبي هريرة إنه قال : لّما أخد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد علي وقال : من كنتُ مولاه فعلي مولاه .. الى آخر الخطبة ، فأنزل الله عزّ وجلّ
اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً قال أبو هريرة وهو يوم غدير خم من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهرا
(3) .
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 4 /370 وكذلك 1 / 119 . النسائي في الخصائص ص 19 ـ كنز العمال /397 ـ إبن كثير في تاريخه 5 / 211 .
.
ـ إبن الأثير في أسد الغابه 4 / 28 وإبن حجر العسقلاني في الإصابة 2 /408 ـ السيوطي في جمع الجوامع .
(2) مجمع الزوائد للهيثمي 9 /106 ـ إبن كثير في تاريخه 5 / 211 .
إبن الأثير في أسد الغابه 3 /321 ـ حلية الأولياء 5 /26 .
أحمد بن حنبل 1 /119 .
(3) إبن كثير في كتاب البداية والنهاية 5 /214 .
( 79 )
أمّا روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في فضائل ذلك اليوم فحدّث ولا حرج ، والحمد لله على هدايته أن جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين والمحتفلين بعيد الغدير .
وخلاصة البحث أن حديث الغدير « من كنتُ مولاه فعلي مولاه ، أللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وإنصر من نصره وإخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار » هو حديث أو بالأحرى هي حادثة تاريخية عظيمة أجمعت الأمة الإسلامية على نقلها ، فقد مرعلينا ذكر ثلاثمائه وستين من علماء أهل السنة والجماعة وأكثر من ذلك من علماء الشيعة.
ومن أراد البحث والمزيد فعليه بكتاب الغدير للعلاّمة الأميني .
وبعد الذي عرضناه لا يُستغربُ أنْ تنقسمَ الأمّة الإسلامية الى سنة وشيعة ، تمسّكت الأولى بمبدأ الشورى في سقيفة بني ساعدة ، وتأولتْ النّصوص الصريحة وخالفتْ بذلك ما أجمع عليه الرواة من حديث الغدير ، وغيره من النصوص .
وتمسكتْ الثانية بتلك النّصوص فلم ترض عنها بدلاً وبايعتْ الأئمة الأثني عشر من أهل البيت ولم تبغ عنهم حولاً والحقّ إنّني عندما أبحثْ في مذهب أهل السنّة والجماعة خصوصاً في أمر الخلافة ، أجد المسائل مبنيةً على الظنّ والإجتهاد ، لأنّ قاعدة الإنتخاب ليس فيها دليل قطعي على أنّ الشخص الذي نختاره اليوم هو أفضل من غيره لأننا لا نعلمُ خائنه الأعين وما تُخفي الصدور ، ولأنّنا في الحقيقية مركّبون من عواطف وعصبيات وأنانية كاملة في نفوسنا وستلعب هذه المركبات دورها إذا ما أوكل الينا إختيار شخص من بين اشخاص .
وليستْ هذه الأطروحة خيالاً أو أمراً مبالغاً فيه ، فالمتتبّع لهذه الفكرة ، فكرة إختيار الخليفة سيجد ان هذا المبدأ الذي يطبّل له لم ينجح ولا يمكن له أن ينجح أبداً .
فهذا أبو بكر زعيم الشورى بالرغم من وصوله الى الخلافة « بالإختيار
(80 )
والشورى » ، نراه عندما شارف على الوفاة أسرع الى تعيين عمر بن الخطاب خليفةً له ! دون إستعمال طريقة الشورى . وهذا عمر بن الخطاب الذي ساهم في تأسيس خلافة أبي بكر نراه ـ بعد وفاة أبي بكر يُعلن على الملأ بأن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله المسلمين شرّها
(1) .
ثم بعد ذلك نرى أن عمراً عندما طُعن وأيقن بدنو أجلـه عينّ ستّة أشخاص ليختاروا بدورهم واحداً منهم ليكون خليفة ، وهو يعلم علم اليقين أنّ هؤلاء النفر على قلّتهم سيختلفون رغم الصحبة والسبق للإسلام والورع والتقوى فتثور فيهم العواطف البشرية التي لا ينجو منها إلاّ المعصوم ، ولذلك نراه ـ لحسم الخلاف ـ رجّح كفّه عبدالرحمن بن عوف فقال ـ أذا إختلفتُم فكونوا في الشق الذي فيه عبدالرحمن بن عوف ونرى بعد ذلك بأنهم إختاروا الإمام علياً ليكون خليفة ولكنّهم إشترطوا عليه أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين أبي بكر وعمر وقَبِلَ عليُّ كتاب الله وسنة رسوله ورفض سنة الشيخين
(2) وقَبلَ عثمان هذه الشروط فبايعوه بالخلافة وقال علي في ذلك :
« فيا لله وللشّورى متى إعترض الريبُ فيَّ مع الأول منهم حتّى صرتُ أُقرنُ الى هذه النظائر ، لكني أسففتُ إذا أسّفوا وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هنٍ وهنٍ .. »
(3) .
وإذا كان هؤلاء وهم نخبة المسلمين وهم خاصّة الخاصّة تلعبُ بهم العواطف فيكون فيهم الحقد وتكون فيهم العصبية بينهن وهن « يقول محمد عبده في شرحه لهذه الفقرة : يشير الإمام علي الى أغراض أخرى يكره ذكرها » فعلى الدنيا بعد ذلك السلامّ .
____________
(1) صحيح البخاري 8 /26 باب رجم الحبلى من الزنـا .
(2) تاريخ الطبري وإبن الأثير بعد موت عمر بن الخطاب وإستخلاف عثمان
(3) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 1 /88 .
( 81 )
على أن عبدالرحمن بن عوف ندم فيما بعد على إختياره ، وغَضبَ على عثمان وإتّهمه بخيانه العهد لّما حدث في عهده ماحدث وجاءه كبار الصحابة يقولون له : يا عبدالرحمن هذا عمل يديك . قال لهم : ما كنتُ أظنّ هذا به ولكن لله عليَّ ألا أكلمه أبداً . ثم مات عبدالرحمن بن عوف وهو مهاجر لعثمان حتى رووا أنّ عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول بوجهه الى الحائط ولم يكلّمه
(1) .
ثم كان بعد ذلك ما كان وقامت الثوره على عثمان وإنتهت بقتله ، ورجعتْ الأمّة بعد ذلك للإختيار من جديد وفي هذه المرّة إختاروا عَّلياً ولكنْ يا حسرة على العباد : فقد إضطربتْ الدولة الإسلامية وأصبحت مسرحا للمنافقين ولإعدائه المُناوئين والستكبرين والطامعين لإرتقاء منصّة الخلافة بايّ ثمن وعلى أي طريق ولو بإزهاق النفوس البريئه ، وقد تغيرتْ أحكام الله ورسوله على مرّ تلك السّنين الخمس والعشرين ووجد الإمام علي نفسه وسط بحر لّجي وأمواج متلاطمة وظلمات حالكة وأهواء جامحة وقضى خلافته في حروب دامية فُرضتْ عليه فرضاً من الناكثين والقاسطين والمارقين ولم يخرج منها إلاّ بإستشهاده سلام الله عليه وهو يتحسّر على أمّة محمد وقد طمع فيها الطليق بن الطليق معاوية بن أبي سفيان وأضرابه كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم وغيرهم كثيرون ، وما جرًّأ هؤلاء على مافعلوه إلاّ فكرة الشورى والإختيار .
وغرقت أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم في بحر من الدّماء ، وتحكّم في مصيرها سفهاؤها وأرذالُها وتحوّلتْ الشورى بعد ذلك الى الملك العضوض ، الى القيصرية والكسروية .
وإنتهت تلك الفتره التي أطلقوا عليها إسم الخلافة الرّاشدة وبها سمّوا الخلفاء الأربعة بالراشدين والحقّ إنّه حتّى هؤلاء الأربعة لم يكونوا خلفاء بالإنتخاب والشورى سوى أبي بكر وعلي ، وإذا إستثنينا أبا بكر لأنّ بيعته كانت
____________
(1) تاريخ الطبري وإبن الأثير في حوادث سنة 36 للهجرة محمد عبده في شرح النهج 1 /88 .
( 82 )
فلتَة على حين غفلة ولم يحضرها « الحزب المعارض » كما يقال اليوم وهم علي وسائر بني هاشم ومن يرى رأيهم ، لم يبق معنا من عُقدتْ له بيعة بالشورى والإختيار إلا علي بن أبي طالب الذي بايعه المسلمون رغم انفه وتخلّف عنه بعض الصحابة فلم يفرض عليهم ولا هدّدهم .
وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون علي بن أبي طالب خليفة لرسول الله بالنّص من الله وكذلك بالإنتخاب من المسلمين وقد إجتمعت الأمة الإسلامية قاطبة سنّة وشيعة على خلافة علي وإختلفوا على خلافة غيره كما لا يخفى . أقول ياحسرة على العباد لو إنّهم قبلوا ما إختاره الله لهم لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ولأنزل الله عليهم بركات من السّماء ولكان المسلمون اليوم أسياد العالم وقادته كما أراد الله لهم لو إتّبعوه
وأنتَّم الأعلون إن كنتم مؤمنين .
ولكنّ إبليس اللّعين عدوُنا المبين : قال مخاطباً ربّ العزة :
فبما أغويتني لأقعدنّ لهم سراطك المستقيم ، ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (1) .
فلينظر العاقل اليوم إلى حالة المسلمين في العالم ، وهم أذلاّء لا يقدرون على شيء يركضون وراء الدّول معترفين بإسرائيل وهي ترفض الإعتراف بهم ولا تسمح لهم حتى بالدخول الى القدس التي صبحت عاصمة لها ، وإذا مارأيت بلاد المسلمين اليوم ترى إنهم تحت رحمة امريكا وروسيا وقد أكل الفقر شعوبهم وقتلهم الجوع والمرض ، في حين تأكل كلاب أوربا شتّى أنواع اللحوم والأسماك ، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .
وقد تنبأتْ سيدة النساء فاطمه الزهراء سلام الله عليها عندما خاصمتْ أبا بكر وخطبتْ خطبتها في نساء المهاجرين والأنصار وقالت في آخرها مُخبرةً عن مآل الأمة :
____________
(1) سورة الأعراف آية 16 ـ 17 .
( 83 )
أما لعمري لقد لقحتْ فنظرت ريثما تُنتجْ ، ثم إحتلبوا ملأ القعب دما عبيطاً وزُاعفاً مبيداً ، هناك يخسر المبطلون ويعرف التَالونْ غبْ ما أمسّه الأوّلون ، ثم طيبوا عن دنياكم أنفساً وإطمئنّوا للفتنه جأشاً ، وإبشروا بسيف صارم وسطوه معتدٍ غاشم وهرج شامل ، واستبداد من الظالمين ، يدعُ فيئكم زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فياحسرةً لكم ، وأنّى بكم ، وقد عُمّيتْ عليكم أنلزمكموها وانتم لها كارهون »
(1) .
صدقتْ سيده النساء فيما تنبأتْ به وهي سليلة النّبوة ومعدن الرساله ، وقد تجسدت اقوالها في حياة الأمة ومن يدري لعلّ الذي ينتظرها أبشّع مّما إقضى ، ذلك بأنهم كَرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم .
العنصر المهم في البحث
بَقِيَ عنصرٌ واحدٌ مهمّ في كل هذا البحث يستحقّ العناية والدرس ، وربما هو الإعراض الوحيد الذي كثيراً ما يثار عندما يُفحمُ المعاندون بالحُجج الدّامغة فتراهم يلجأون الى الإستغراب وإستبعاد أن يكون قد حضر تنصيب الإمام علي مائة الف صحابي ثم يتواطئون كلهم على مخالفته والإعراض عنه وفيهم خيرة الصحابة وأفضل الأمّة ! وهذا ماوقع لي بالذات عند اقتحام البحث فلم أصدّقْ ولا يمكن لأحدٍ أن يصدّقْ إذا ماطُرحتْ القضيه بهدا الطرح ، ولكن عندما ند