فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثالث: تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها

 

إنّ الأمر المهم بعد الوقوف على النصوص، هو تحديد مفهوم البدعة التي وقعت موضوعاً للحكم الشرعي كسائر الموضوعات الواردة في المصدرين الرئيسين، فما لم تحدّد ولم نقف على مفهومها الدقيق وعلى ما هو معتبر في صميمها عند الشرع، لا يمكن لنا تطبيق الحكم الكلّي على مصاديقها ومواضيعها. وقد اتّضح بعد دراسة الأدلّة أنّ قيود البدعة التي هي الموضوع لدى الشرع ثلاثة، نذكرها بالتدريج:

الأوّل: التدخّل في الدين عقيدة وحكماً، بزيادة أو نقيصة.

الثاني: أن تكون هناك إشاعة ودعوة.

الثالث: أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

وإليك دراسة هذه القيود المكوّنة لمفهوم البدعة التي اتّخذها الكتاب والسنّة موضوعاً للحكم.

1- التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة:

هل إنّ الموضوع في المصدرين هو نفس البدعة أو خصوص البدعة في الدين؟ فلو قلنا بأنّ الموضوع نفس البدعة بسيطاً، سواء كان الإحداث والإبداع راجعاً إلى صميم الدين أو غيره، فيكون الحكم بحرمة ذلك الموضوع الواسع أمراً غير ممكن، ولأجل ذلك لجأ أصحاب ذلك القول إلى تقسيمها إلى أقسام خمسة حسب انقسام الأحكام.

وأمّا إذا كان الموضوع هو الأمر المركّب، أي البدعة في الدين، فذلك له حكم واحد لا يقبل التخصيص. إلاّ أنّ صحة إحدى النظرتين متوقفة على دراسة الآيات والروايات. وقد اتّضح ممّا سبق، عند استعراض النصوص، أنّ الموضوع في الكتاب والسنّة هو البدعة في الدين لا مطلقها، فلو كان الكتاب والسنّة يتكلّمان فيها فإنّما يتكلّمان فيها باسم الدين والشريعة وعن البدعة فيهما، لأنّ كلّ متكلّم إنّما يتكلّم في إطار اختصاصه ومقامه وحسب شأنه، فالكتاب العزيز كتاب إلهي جاء لهداية الناس وإلى ما فيه مرضاة الله بتشريعه القوانين والسنن، والنبيّ الأكرم مبعوث لتبيان ذلك الكتاب بأقواله وأفعاله وتقريراته، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما أنزل إليهم ولعلّهم يتفكّرون).[سورة النحل: الآية44].

وعلى ضوء ذلك فإنّ الكتاب والسنّة يتكلّمان بتلك الخصوصية التي يمتلكانها، فإذا تكلّما عن البدعة فإنّما يتكلّمان عن البدعة الواردة في حوزتهما، وقيد الدين والشريعة وإن لم يذكرا في متون النصوص غالباً، لكنّهما مفهومان من القرائن الموجودة فيها، فلا عبرة بالإطلاق بعد القرائن الحافّة على الكلام، هذا ما نستنبطه من مجموع الخطابات الواردة في الأدلّة وإليك بيان ودراسة تلك الأدلّة تفصيلاً.

1- تضافرت الآيات على ذمّ عمل المشركين حينما كانوا يقسمون رزق الله إلى ما هو حلال وحرام فجاء الوحي مندّداً بقوله: (قلّ ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون).[سورة يونس: الآية 59]. وفي آية أخرى يعدّ عملهم افتراءً على الله كما يقول: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب).[سورة النحل: الآية 116]. ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى الله سبحانه، وأنّه سبحانه قد جعل منه حلالاً وحراماً، فكان عملهم بدعة في الدين.

2- وقفت في التقديم، أنّه سبحانه يصف من لم يحكم بما أنزل الله، بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ومن المعلوم أنّ أحبار اليهود كانوا يحرّفون الكتاب فيصفون ما لم يحكم به الله، بكونه حكم الله، قال سبحانه: (فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم ممّا كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكسبون).[سورة البقرة: الآية 79]. فقوله (هذا من عند الله) صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الإلهية فيعرّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله، وهذا يؤكد بأنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها.

3- ذمّ الله سبحانه الرهبان لابتداعهم ما لم يكتب عليهم، قال، سبحانه: (ورهبانيّةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله فما رعوها حقّ رعايتها).[سورة الحديد: الآية 27]. ومعنى الآية أنّهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرع لهم ذلك العمل، والقرآن يردّهم بقوله: (ما كتبناها عليهم).

4- إنّه سبحانه وصف أهل الكتاب بأنّهم اتّخذوا رهبانهم وأحبارهم أرباباً من دون الله، وقد فسّره النبيّ الأكرم بأنّهم كانوا يحرّمون ما أحلّ الله فيتبعونهم أتباعهم، أو يحلّلون ما حرّم الله عليهم فيقبلونه بلا تردّد، ومن المعلوم أنّ الأحبار والرهبان كانوا يعرّفون ما تخيّلوه من الحرام والحلال على انّه حكم الله سبحانه، وليس هذا إلاّ بدعة في الشرع، وتدخلاً في أمر الشريعة.

وإذا تدبّرت في هذه الآيات وأمثالها يتّضح لك أنّ الآيات تدور حول محور واحد هو البدعة في الدين لا مطلقها، ولا يضرّ عدم ذكر القيد في اللفظ إذ هو مفهوم من القرائن القطعية.

ثمّ إنّ في قوله: (إلاّ ابتغاء رضوان الله) وجهين: فمنهم من يجعله استثناء منقطعاً، أي ما كتبنا عليهم الرهبانية وإنّما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، ومنهم من يجعله استثناءً متّصلاً، بمعنى أنّه سبحانه كتب عليهم أصل الرهبانية، لأجل كسب رضوان الله، ولكنّهم لم يراعوا حقّها. فتكون البدعة على الأوّل نفس الرهبانية وعلى الثاني الخروج عن حدودها.

هذا كلّه حول الآيات، وأمّا السنّة ففيها قرائن كثيرة تعطي نفس المفهوم الذي أعطته الآيات، وإليك تلك القرائن.

1- ففي الرواية الأولى يبتدئ النبي كلامه بقوله: (اصدق الحديث كتاب الله وأفضل الهدى هدي محمد) وهذا يدل على أنّ ما اتّخذه النبي موضوعاً للبحث هو ما يرجع إلى كتاب الله وهدي نبيّه، فإذا قال بعده: (وشرّ الأمور محدثاتها) يكون المراد أي ما دخل في الشريعة من أمور، وإذا قال: (كلّ بدعة ضلالة)، أي البدعة فيما يتكلّم عنه، ومن المعلوم أنّه يتكلّم عن دعوته وشريعته، فتحوير كلامه إلى مطلق البدعة، وإن لم يمسّ الكتاب والسنّة، تأويل للظاهر بلا دليل.

2- ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله) يحكم على كلّ بدعة بالضلال، ومن المعلوم أنّه لا يصدق إلاّ على البدعة في الشريعة، وأمّا غيرها فهي على أقسام كما قالوا.

3- روى مسلم في صحيحه أنّ رسول الله إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتدّ غضبه كأنّه منذر جيش ثمّ يقول: (أمّا بعد فانّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد.. الخ) ومن المعلوم أنّ الأرضية الصالحة لثوران غضبه ليس إلاّ تدخّل المبتدع في شريعته، لا مطلق التدخل في شؤون الحياة وإن لم تمسّ دينه، خصوصاً إذا كان في مصلحة الإنسان.

4- إنّه (صلى الله عليه وآله) وصف البدعة بالضلالة وقال: (إنّ صاحبها في النار) ولا تصدق تلك القاعدة إلاّ على صاحب البدعة في الشريعة.

5- إنّه (صلى الله عليه وآله) عند ما رأى أنّ رجالاً يذادون عن حوضه فأخذ يناديهم بقوله: (ألا هلمّ ألا هلمّ ألا هلمّ) فإذا ينادي المنادي بقوله: (إنّهم قد بدّلوا بعدك) فيقول النبي: (فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!) ومن المعلوم أنّه قد بدلّوا دين الرسول وشريعته وإلاّ لما كانوا مستحقّين دعاءه بقوله: (فسحقاً…).

6- دلّت الروايات السابقة على أنّه إذا ظهرت البدع في الأمّة فعلى العالم أن يظهر علمه وإلاّ فعليه لعنة الله.

7- كما دلّت على أنّ صاحب البدعة لا تقبل توبته.

8- وإن من زار ذا بدعة فقد سعى في هدم الإسلام.

9- وأوضح من الكل ما خطب الإمام علي (عليه السلام) حيث قال: (إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف كتاب الله).

10- وفي رواية أخرى: ما أحدثت بدعة إلاّ تركت فيها سنّة، فاتركوا البدع والزموا المهيع إنّ عوازم الأمور أفضلها، وإنّ محدثاتها شرارها(1).

11- هذا ما تعطيه نصوص الكتاب والسنّة، وتليهما نصوص لفيف من أهل اللغة التي سبق ذكرها، مثل:

قول الخليل: والبدعة: ما استحدثت بعد الرسول.

وقول الراغب: البدعة في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة.

وقول الفيروز آبادي: البدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال.

وتليه نصوص لفيف من الفقهاء، نظير قول ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أحدث ممّا لا اصل له في الشريعة يدلّ عليه.

وقول ابن حجر العسقلاني: البدعة: ما أحدث وليس له اصل في الشرع.

وقول ابن حجر الهيثمي: البدعة: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص.

وقول الزركشي: البدعة الشرعية: هي التي تكون ضلاله(2).

ومن يدرس هذه النصوص جليلها ودقيقها يقف على أنّ موضوع البحث في جميع الأدلّة هو الأمر الذي يمتّ إلى الشريعة بصلة، وأنّ الله سبحانه ونبيّه الصادع بالحق يهيبان بالمجتمع الإسلامي عن البدعة والكذب على الله، والتدخّل في الكتاب والسنّة، والتلاعب بما أنزل الله في مجالي العقيدة والشريعة، وهذا أمر واضح لا سترة عليه، وبذلك يختلف اتّجاهنا في تفسير النصوص عن غيرنا.

فإذا ثبت ذلك اتّضح أنّ البدعة ليس لها إلاّ قسم واحد، ولها حكم واحد لا يخصص ولا يقيّد بل هو بمثابة لا يقبل التخصيص، وهذا نظير قوله سبحانه: (إنّ الشّرك لظلم عظيم).[سورة لقمان: الآية 13]. فإنّ تلك القاعدة لا تقبل التخصيص أي يمتنع تجويز الظلم والشرك في مكان دون مكان، نظير قوله سبحانه: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون).[سورة القلم: الآية 35].

ثمّ إنّ النتيجة التي توصّلنا إليها قد توصّل إليها الشاطبي بطريقة أخرى هذا موجزها:

(قال: الباب الثالث: في أنّ ذمّ البدع والمحدثات عام لا يخصّ محدثة دون غيرها - إلى أن قال:- فاعلموا - رحمكم الله - أنّ ما تقدّم من الأدلّة حجّة في عموم الذمّ من أوجه:

أحدها: أنّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها ما يقتضي، أنّ منها ما هو هدى. ولا جاء فيها: كلّ بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا. ولا شيء من هذه المعاني فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنّها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنّه لا يوجد، فدلّ على أنّ تلك الأدلّة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكليّة التي لا يتخلّف من مقتضاها فرد من الأفراد.

الثاني: أنّه قد ثبت في الأصول أنّ كلّ قاعدة كليّة أو دليل شرعي كلّي إذا تكرّرت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصوليّة أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرّرها وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم، كقوله تعالى: (ألاّ تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى).[سورة النجم: الآيتان 38 – 39]. فما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعدّدة أن كلّ بدعة ضلالة، وأنّ كلّ محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالّة على أنّ البدع مذمومة، ولم يأت في آية ولا حديث، تقييد ولا تخصيص، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها.

الثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمّها كذلك، وتقبيحها والهروب عنها - إلى أن قال: - فهو بحسب الاستقراء، إجماع ثابت، فدلّ على أن كلّ بدعة ليست بحقّ، بل هي من الباطل.

الرابع: أنّ متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لأنّه من باب مضادة الشارع وإطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح(3) وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذمّ ، إذ لا يصحّ في معقول ولا منقول استحسان مشاقّة الشارع(4).

إلى هنا تمّ الكلام في تحديد البدعة من حيث كون الموضوع بسيطاً ومركّبا، ويترتّب عليه أنّه لا تعمّ البدعة غير الشريعة، كالعادات والصناعات والأعلام وغيرها، بل يستخرج حكمها من الكتاب والسنّة بنفس عناوينها، لا بما هي بدعة، فربّما تكون حلالاً وأخرى حراماً، لكن ليس كلّ حرام بدعة. كما سيأتي.

2- البدعة إشاعة ودعوة

إذا كانت البدعة هي إدخال ما ليس في الدين فيه أو نقصه منه في مجال العقيدة والشريعة، فهل يتحقّق مفهومها بقيام الشخص بذلك العمل، وحده في بيته ومنزله، كأن يزيد في صلاته ما ليس فيها أو ينقص منها شيئاً، أو أنّه ليس ببدعة وإن كان عمله باطلاً وبفعله عاصياً؟ بل إنما البدعة تتوقّف على إشاعة فكرة خاطئة في العقيدة، أو عمل غير مشروع في المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع، ولك أن تستظهر ذلك القيد من الآيات والروايات، فإنّ عمل المشركين في التحليل والتحريم لم يكن عملاً شخصياً في الخفاء، بل إنّ المبتدع الأوّل قد أحدث فكرة وأشاعها ودعا الناس إليها، كما كان الحال كذلك في الرهبان والأحبار، ويشهد على ذلك بوضوح ما رواه مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عــليه من الإثــم مثـــل آثام من يتّبعـــه، لا ينــقــص ذلك مــن آثــامهم شـــيئاً)(5).

ويدل عليه قول القائل يوم القيامة: (إنّهم قد بدّلوا بعدك) فإنّ تبديل الدين، ليس عملاً شخصيّاً بل هو عمل جماعي إلى غير ذلك من القرائن الموجودة في الروايات.

إلى هنا خرجنا بنتيجتين:

الأولى: إنّ مصبّ البدعة في الأدلّة هو الدين والشرع.

الثانية: إنّ البدعة لا تنفك عن الدعوة إلى الباطل.

وإليك بيان القيد الثالث.

3- عدم وجود أصل لها في الدين

العنصر الثالث المقوّم لمفهوم البدعة هو فقدان الدليل على جواز العمل بها، لا في الكتاب ولا في السنّة، وذلك ظاهر، إذ لو كان هناك دعم من الشارع للعمل، لما كان أمراً جديداً في الدين أو تدخّلاً في الشرع، ولأجل ذلك قلنا: إنّ أفضل التعاريف هو قولهم: (إدخال ما ليس من الدين في الدين) أو(إدخال ما لم يعلم من الدين في الدين).

وبعبارة واضحة: البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول، ولم يرد فيه نصّ على الخصوص، ولم يكن داخلاًً في بعض العمومات.

وإن شئت قلت: إحداث شيء في الشريعة لم يرد فيه نصّ، سواء كان أصله مبتدعاً، كصوم عيد الفطر، أو خصوصيته مبتدعة كالإمساك إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض، معتقداً بأنّه الواجب في الشرع وفي النصوص السابقة للعلماء تصريح بذلك.

قال ابن حجر العسقلاني: (والمراد بالبدعة، ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة).

قال ابن رجب الحنبلي: (البدعة: ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة)(6).

وقال العلامة المجلسي: (البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً)(7).

وعلى ضوء ذلك تنحل هناك عويصة المصاديق التي ربّما تعدّ من البدعة، لعدم ورود نصّ خاصّ فيها ولكن تشملها العمومات بصورة كليّة، فهذه لا تكون بدعة، وذلك لأنّه لو كان هناك نصّ خاص، لأخرجه عن البدعة وهذا واضح جدّاً، أما إذا لم يكن هناك نص خاص، ولكن العمومات تشمله بعمومها فهذا ما نوضحه بالمثال التالي:

إنّ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده عن الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم). [سورة الأنفال: الآية60]. فإنّ قوله: (من قوّةٍ) مفهوم كلّي يشمل كيفية الدفاع، ونوعيّة السلاح، وشكل الخدمة العسكرية المتبعة في كلّ عصر ومصر، فالجميع برمته هو تطبيق لهذا المبدأ، وتجسيد لهذا الأصل، فالتسلّح بالغواصات والأساطيل البحريّة والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من أدوات الدفاع، ليس بدعة بل تجسيد لهذا الأصل ومن حلاله.

وإنّ من يعد التجنيد العسكري بدعة فهو غافل عن حقيقة الحال، فإنّ الإسلام يأمر بالأصل ويترك الصور والأشكال لمقتضيات العصور.

إلى هنا خرجنا بلزوم وجود قيود ثلاثة في تحقّق البدعة وصدقها:

1- أن يكون تدخّلاً في الشريعة وتصرّفاً فيها عقيدةً وحكماً.

2- أن تكون هناك إشاعة بين الناس.

3- أن لا يكون هناك أصل على المشروعية لا خاصّاً ولا عامّاً.

ويجمع الكلّ (القول في الدين بغير علم على الأغلب، بل مع العلم بالخلاف ولكن يقدّم رأيه عليه، بظنّ الإصلاح أو غيره من الحوافز).

هذا هو تحديد البدعة بمفهومها الدقيق الذي نتّخذه قاعدة كليّة، ونستكشف به حال الموضوعات التي تضاربت فيها الأقوال والأفكار بين موسّع ومضيّق. وسيوافيك شرحها.

 

1- قد سبقت مصادرها في الفصل الأول فلاحظ.

2 - قد مضت النصوص في مواضعها.

3 - لا يخفى أنّ الإمام الشاطبي يقول في كلمته هذه بالحسن والقبح العقليين مع أنّه خلاف مذهبه، لاحظ الصفحة 114 من الاعتصام.

4 - الإمام الشاطبي، الاعتصام ج1: ص141 و ص142.

5 - لاحظ الفصل الأول، الحديث التاسع.

6 - مضت النصوص في محلّها.

7 - المجلسي، البحار ج74: ص202.