فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

رأي الشيخ الصدوق

يتجلّى للمتأمّل في كلام الشيخ الصدوق عدم تباعده عن الإذعان بمحبوبية الشهادة لأمير المؤمنين (عليه السلام) على الإطلاق، فانه - في كتابه: (من لا يحضره الفقيه) ص 59 بعد أن روى عن أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي عن الإمام الصادق (عليه السلام) فصول الأذان والإقامة وكانت الرواية خالية عن ذكر الشهادة الثالثة - قال ما هذا نصه:

(هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه ولا ينقص، والمفوّضة(1) (لعنهم الله) قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان:

(محمّدٌ وآل محمّد خير البريّة) - مرتين - وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمداً رسول الله: (أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً) - مرتين - ولا شك في أن علياً ولي الله وأنه أمير المؤمنين حقاً وأن محمداً وآله (صلوات الله عليهم) خير البريّة، ولكن ليس ذلك من أصل الأذان، وإنما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلّسون أنفسهم في جملتنا)(2) انتهى بحروفه.

ولم يخف على القارئ النابه غرضه ومراده، فانه بصدد نفي جزئية الشهادة الثالثة في الأذان، ردّاً على المفوّضة المثبتين جزئيتها فيه، من جهة خلو ما استصحّه من الأخبار الشارحة لفصوله، ولم يكن غرضه نفي محبوبية الشهادة بالولاية على نحو يحكم بالضلال على من يأتي بها لأجل الرجحان المطلق المستفاد من كثير من الأخبار المقارنة بين الشهادتين والشهادة الثالثة، كما عرفتها فيما تقدم، بل قوله الأخير: (لا شك أن علياً ولي الله وأنه أمير المؤمنين وأن محمداً وآله خير البرية ولكن ليس ذلك من أصل الأذان) يفسّر لنا رأيه وإيمانه في رجحان الشهادة بالولاية حتى في الأذان لكن لا على أن يكون من أصله بل من جهة المحبوبية المطلقة، وعلى هذا فلا يصح أن ينسب إليه (نوّر الله ضريحه) اعتقاد عدم رجحان الشهادة بالولاية في الأذان لا بقصد الجزئية.

وليت شيخنا الصدوق ذكر لنا تلك الأخبار التي نسبها إلى المفوّضة، لنعرف مقدار ما نصّت به من الجزئية أو غيرها، ولننظر في رجال السند لنعرف الثقة في النقل من غيره، فإن كثيراً من الأخبار ناقش المتقدّمون من العلماء (رضوان الله عليهم) في أسانيدها ودلالتها، وخالفهم المتأخّرون فصحّحوا السند كما استوضحوا الدلالة (وكم ترك الأول للآخر).

على أنه (أعلى الله مقامه) اعترف بورود الأخبار الدالة على جزئية الشهادة الثالثة، غاية الأمر ردّها بأنها من وضع المفوّضة، فاعترافه بورودها رواية، وردّه لها دراية (والرواية لا تعارضها الدراية).

ورأيه وإن كان محترماًًًًًً جداً - لأنه من أقطاب المذهب وأعلام الملّة ولولاه وأمثاله لاندرست أحاديث الشريعة الحقّة - إلا أن العصمة عن الخطأ مختصّة بالمعصومين (عليهم السلام).

وبالجملة: لم يظهر من كلام الصدوق أنه يرى نفي محبوبية الشهادة الثالثة في الأذان، وإنما كان بصدد نفي الجزئية، لأنه في مقام الردّ على المفوّضة القائلين بالجزئية في زعمه، كما قال: (إنما ذكرت ذلك ليعرف المتّهمون المدلّسون أنفسهم في جملتنا) واسم الإشارة يعود إلى الجزئية التي رواها المدلّسون.

ولا يكاد يشكّ متأملٌ فيما أوضحناه من غرضه ومراده، ولو تنازلنا وقلنا بأن له رأياً في المنع عن الشهادة الثالثة حتى بنحو الرجحان المطلق، فلا يكون رأيه حجة ولا يجب علينا تقليده فيما ذهب إليه، خصوصاً لم نجد أحداً من أعلام الإمامية - من عهد المجلسي سنة 1110 هـ - إلى اليوم - من يفتي بعدم الاستحباب المطلق للشهادة الثالثة في الأذان، ونصوص فتاواهم التي ستقرأها تنادي بالرجحان المطلق الذي دلّت عليه العمومات، فهل يعقل خفاء الحكم عليهم أجمع؟!

وسيتبين لك من الشيخ الطوسي والشهيدين الذهاب إلى عدم المنع أيضاً.

ثم أن جملة من الرجال رماهم (القميّون) بالتفويض والغلو لإكثارهم من ذكر فضائل الأئمة (عليهم السلام) بما يرفعهم إلى فوق مستوى البشر كما هو كذلك حسب النصوص المتواترة معنى، ولم يكن غرضهم من ذكر تلك الروايات إثبات تفويض الخلق والرزق إليهم (عليهم السلام) كما هو رأي (المفوّضة).

وحديث أهل البيت (صعب مستصعب لا يتحمله إلاّ نبي مرسل أو ملك مقرّب أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان)(3) وليس كلما يذكر من المنازل العالية لأهل البيت (عليهم السلام) مستلزم للقول بالغلو والتفويض، فقد ورد في أحاديث كثيرة: (نزّهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم).

ولعل هؤلاء الذين نسبهم الصدوق إلى التفويض هم من هذا القبيل، فكان من المناسب جداً ذكر أسمائهم ليعرفهم أهل التنقيب من أي طائفة.

ولقد أوضح المحقّقون من العلماء سلامة جماعة من الرجال المنسوبين إلى الغلو والتفويض كما يتجلّى ذلك لمن نظر في كتب الرجال.

 

1- المفوضة: فرقة ضالة قالت بأن الله خلق محمداً (صلى الله عليه وآله) وفوّض إليه خلق الدنيا فهو خلف الخلائق. وقيل: بل فوض ذلك إلى علي (عليه السلام)، وهم غير الذين يقولون بتفويض أعمال العباد إليهم كالمعتزلة وأضرابهم. (هامش من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 290 طبعة قم).

2- من لا يحضر الفقيه: ج 1 ص 290 بعد الحديث: 897.

3- هذه الأخبار رواها أبو جعفر محمد بن الحسن القمي الصفار المتوفي سنة 290 في بصائر الدرجات ص 20 - 25 باب 11 وقد أدرك الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).