( 17 )
التعريف بالشيعة
إذا أردنا الكلام عن الشيعة بدون تعصب ولا تكلف ، قلنا : هي الطائفة الإسلامية التي توالي وتقلد الأئمة الاثني عشر من أهل بيت المصطفى عليا وبينه ، وترجع إليهم في كل المسائل الفقهية من العبادات والمعاملات ، ولا يفضلون عليهم أحد سوى جدهم صاحب الرسالة محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا هو التعريف الحقيقي للشيعة بكل اختصار ، ودعك من أقوال المرجفين والمتعصبين من أن الشيعة هم أعداء الإسلام ، أو أنهم يعتقدون بنبوة علي وأنه صاحب الرسالة أو أنهم ينتمون إلى عبد الله بن سبأ اليهودي .
وقد قرأت كتبا ومقالات عديدة يحاول أصحابها بكل جهودهم تكفير الشيعة وإخراجهم من الملة الإسلامية .
ولكن أقوالهم كلها محض افتراء وكذب صريح لم يأتوا عليه بحجة ولا بدليل سوى أنهم يعيدون ما قاله أسلافهم من أعداء أهل البيت ، والنواصب الذين تسلطوا على الأمة وحكموها بالقوة والقهر ، وتتبعوا عثرة النبي ومن تشيع لهم فقتلوهم وشردوهم ونبزوهم بكل الألقاب .
ومن هذه الألقاب التي تتردد كثيرا في كتب أعداء الشيعة لقب الرافضة ، أو الروافض . فيخيل للقارئ لأول وهلة أن هؤلاء رفضوا قواعد الإسلام ولم يعملوا بها ، أو أنهم رفضوا رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلمولم يقبلوا بها .
____________
(1) ونقصد بالشيعة هنا ، ( الإمامية الاثني عشرية ) والمسماة أيضاً بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق ، ولا يتعلق بحثنا بالفرق الأخرى كالإسماعيلية والزيدية ولا يهمنا من أمر هؤلاء ما دمنا نعتقد بأنهم كسائر الفرق الأخرى التي لم تتمسك بحديث الثقلين ، ولا ينفع اعتقادهم بإمامة علي بعد رسول الله مباشرة .
( 18 )
ولكن الواقع على غير هذا ، إنما لقبوا بالروافض لأن الحكام الأولين من بني أمية وبني العباس ومن يتزلف إليهم من علماء السوء أرادوا تشويههم بهاذ اللقب ، لأن الشيعة والوا عليا ورفضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان أولا ، كما رفضوا خلافة كل الحكام من بني أمية وبني العباس ولم يقبلوا بها ثانيا .
ولعل هؤلاء كانوا يموهون على الأمة بإعانة بعض الوضاعين من الصحابة بأن خلافتهم شرعية لأنها بأمر الله سبحانه ، فكانوا يروجون بأن قوله تعالى : {با أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» ( النساء : 59 ) تخصهم ونازلة في حقهم ، فهم أولو الأمر الواجبة طاعتهم على كل المسلمين ، وقد استأجروا من يروي لهم كذبا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمقول : « ليس أحد خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية » فليس من حق أي مسلم أن يخرج عن طاعة السلطان .
وبهذا نفهم بأن الشيعة إنما استهدفوا من قبل الحكام لأنهم رفضوا بيعتهم ولم يقبلوا بها واعتبروها اغتصابا لحق أهل البيت ، فكان الحكام وعلى مر العصور يوهمون العامة بأن الشيعة رافضون للإسلام بل يريدون هدمه والقضاء عليه ، كما عبر عن ذلك بعض الكتاب والمؤرخين ممن يدعي العلم من السابقين واللاحقين .
وإذا رجعنا إلى لعبة تلبيس الحق بالباطل فسندرك بأن هناك فرقا بين من يريد هدم الإسلام وبين من يريد هدم الحكومة الجائرة الفاسقة التي تعمل ضد الإسلام .
فالشيعة لم يخرجوا على الإسلام ، إنما خرجوا على الحكام الجائرين وهدفهم إرجاع الحق إلى أهله لإقامة قواعد الإسلام بالحاكم العادل . وعلى كل حال فالذي عرفناه خلال البحوث السابقة من كتاب « ثم اهتديت » و « مع الصادقين » و « أهل الذكر » أن الشيعة هم الفرقة الناجية لأنهم تمسكوا بالثقلين كتاب الله وعترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا أنصفنا المنصفين ، فإن البعض من علماء « أهل السنة » يعترف بهذه الحقيقة ، فقد قال ابن منظور في كتابه « لسان العرب » في تعريف الشيعة .
( 19 )
« والشيعة هم قوم يهوون هوى عثرة النبي ويوالونهم » كما يقول الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بعد استعراض هذا المقطع من الكتاب المذكور :
« وإذا كان الشيعة هم الذين يهوون هوى عثرة النبي ويوالونهم فمن من المسلمين يرفض أن يكون شيعيا ؟ ! » .
هذا وقد ولى عصر التعصب والعداوة الوراثية ، وأقبل عهد النور والحرية الفكرية ، فعلى الشباب المثقف أن يفتح عينيه ، وعليه أن يقرأ كتب الشيعة ويتصل بهم ويتكلم مع علمائهم كي يعرف الحق من بابه ، فكم خدعنا بالكلام المعسول وبالأراجيف التي لا تثبت أمام الحجة والدليل .
والعالم اليوم في متناول الجميع ، والشيعة موجودون في كل بقاع الدنيا من هذه الأرض ، وليس من الحق أن يسأل الباحث عن الشيعة أعداء الشيعة وخصومهم الذين يخالفونهم في العقيدة ، وماذا ينتظر السائل من هؤلاء أن يقولوا في خصومهم منذ بداية التاريخ ؟
فليست الشيعة فرقة سرية لا تطلع على عقائدها إلا من ينتمي إليها ، بل كتبها وعقائدها منشورة في العالم ، ومدارسها وحوزاتها العلمية مفتوحة لكل طلاب العلم ، وعلماؤهم يقيمون الندوات والمحاضرات والمناظرات والمؤتمرات ، ويندون إلى كلمة سواء وإلى توحيد الأمة الإسلامية .
وأنا على يقين بأن المنصفين من الأمة الإسلامية إذا ما بحثوا في الموضوع بجد سوف يستبصرون إلى الحق الذي ليس بعده إلا الضلال لأن مانعهم من الوصول هو فقط وسائل الدعاية المغرضة والإشاعة الكاذبة من أعداء الشيعة أو تصرف خاطئ من بعض عوام الشيعة
(1) .
ويكفي في أغلب الأحيان أن تزاح شبهة واحدة أو تنمحي خرافة باطلة حتى ترى من كان عدوا للشيعة يصبح منهم.
____________
(1) ستعرف في آخر الكتاب بأن أعمال بعض العوام من الشيعة ينفر الشباب المثقف من أهل السنة ولا يشجعهم على مواصلة البحث للوصول إلى الحقيقة .
( 20 )
ويحضرني في هذا الصدد قصة الشامي الذي ضللته وسائل الإعلام في ذلك العهد ، عندما دخل المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلموجد رجلاً يركب فرسه عليه هيبة ووقار وحوله كوكبة من أصحابه يحوطونه من كل جانب وهم طوع إشارته .
استعرب الشامي وتعجب أن يكون في الدنيا رجل له من الهالة والتعظيم أكثر من معاوية في الشام فسأل عن الرجل ، فقيل له : إنه الحسن بن علي بن أبي طالب ، قال : هذا هو ابن أبي تراب الخارجي ؟ ثم أولغ سبا وشتما في الحسن وأبيه وأهل بيته .
وشهر أصحاب الحسن سيوفهم كل يريد قتله ، ومنعهم الإمام الحسن ونزل عن جواده فرحب به ولاطفه قائلا له :
يبدو أنك غريب عن هذه الديار يا أخا العرب ؟ قال الشامي : نعم أنا من الشام من شيعة أمير المؤمنين وسيد المسلمين معاوية بن أبي سفيان ، فرحب به الإمام من جديد وقال له : أنت من ضيوفي وامتنع الشامي ولكن الحسن لم يتركه حتى قبل النزول عنده وبقي الإمام يخدمه بنفسه طيلة أيام الضيافة ويلاطفه ، فلما كان اليوم الرابع بدا على الشامي الندم والتوبة مما صدر منه تجاه الحسن بن علي وكيف يسبه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحسن الضيافة ، فطلب من الحسن ورجاه أن يسامحه على ما صدر منه وكان بينهما الحوار التالي بمحضر من أصحاب الحسن :
الحسن : أقرأت القرآن يا أخا العرب ؟
الشامي : أنا أحفظ القرآن كله .
الحسن : هل تعرف من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم ؟
الشامي : إنهم معاوية وآل أبي سفيان .
استغرب الحاضرون وتعجبوا وابتسم له الحسن قائلا : أنا الحسن بن علي وأبي
( 21 )
هو ابن عم رسول الله وأخوه ، وأمي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، وجدي رسول الله سيد الأنبياء والمرسلين وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار ، ونحن أهل البيت الذي طهرنا الله سبحانه وافترض مودتنا على كل المسلمين ونحن الذين صلى الله وملائكته علينا وأمر المسلمين بالصلاة علينا ، وأنا وأخي الحسين سيدا شباب أهل الجنة .
وعدد له الإمام الحسن بعض فضائل أهل البيت وعرفه حقيقة الأمر فاستبصر الشامي وبكى وأخذ يقبل أنامل الحسن ويلثم وجهه معتذرا عما صدر منه في حقه قائلا :
والله الذي لا إله إلا هو إني دخلت المدينة وليس لي على وجه الأرض أبغض منكم، وها أنا أخرج منها وليس على وجه الأرض أحب إلي منكم ، وإني أتقرب إلى الله سبحانه بحيكم ومودتكم وموالاتكم والبراءة من أعدائكم .
التفت الإمام الحسن إلى أصحابه قائلا :
لقد أردتم قتله وهو بريء لأنه لو عرف الحق ما كان ليعانده وإن أكثر المسلمين في الشام مثله لو عرفوا الحق لاتبعوه .
ثم قرأ قول الله تعالى :
«ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» ( فصلت : 34 ) .
نعم هذا هو الواقع الذي يجهله أكثر الناس مع الأسف فكم من إنسان يعادي الحق ويعانده ردحا من عمره ، حتى يكتشف في يوم من الأيام أنه على خطأ فيسارع بالتوبة والاستغفار وهذا هو واجب كل إنسان فقد قيل : « الرجوع للحق فضيلة » .
وإنما المصيبة في الذين يرون الحق عيانا ويلمسونه بأيديهم ثم يقفون ضده ويحاربونه من أجل أغراض خسيسة ودنيا دنيئة وأحقاد دفينة .
وهذا النمط من الناس ، قال في حقهم رب العزة والجلالة :
«وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون» ( يس : 10 ) فلا فائدة في تضييع الوقت معهم وحرق الأعصاب من أجلهم ، وإنما الواجب علينا أن نضحي بكل شيء
( 22 )
مع أولئك المنصفين الذين يبحثون عن الحق ويبذلون جهدهم للوصل إليه والذين قال في حقهم رب العزة والجلالة :
«إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم» ( يس : 11 ) .
فعلى المستبصرين من الشيعة في كل مكان أن ينفقوا من أوقاتهم ومن أموالهم في سبيل التعريف بالحق لكل أبناء الأمة الإسلامية ، فلم يكن أئمة أهل البيت حكرة على الشيعة وحدهم ، إنما هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى لكل المسلمين .
وإذا بقي الأئمة من أهل البيت مجهولين لدى عامة المسلمين وخصوصا منهم المثقفين من أبناء « أهل السنة والجماعة » فإن الشيعة يتحملون مسؤولية ذلك عند الله .
كما إذا بقي الناس كفارا وملحدين لا يعرفون دين الله القويم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلمسيد المرسلين ، فالمسؤولية على كل المسلمين .
( 23 )
التعريف بأهل السنة
هم الطائفة الإسلامية الكبرى التي تمثل ثلاثة أرباع المسلمين في العالم ، وهم الذين يرجعون في الفتوى والتقليد إلى أئمة المذاهب الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل .
وقد تفرع عنها فيما بعد ما يسمى بالسلفية التي جدد معالمها ابن تيمية الذي يسمونه مجدد السنة ، ثم الوهابية التي ابتدعها محمد بن عبد الوهاب ، وهو مذهب السعودية .
وكل هؤلاء يسمون أنفسهم « بأهل السنة » وفي بعض الأحيان يضيفون كلمة الجماعة ، فيقال « أهل السنة والجماعة » .
ويتبين لنا من خلال البحث التاريخي أن كل من انتمى إلى ما يسمى عندهم بالخلافة الراشدة ، أو الخلفاء الراشدين وهم « أبو بكر وعمر وعثمان وعلي » واعترف بإمامتهم سواء في عهدهم أو في عصرنا فهو سني من « أهل السنة والجماعة » .
وكل من رفض تلك الخلافة واعتبرها غير شرعية ، وقال بثبوت النص على علي بن أبي طالب فهو شيعي من أهل الرفض .
ويتبين لنا أيضاً أن كل الحكام ، من أبي بكر وإلى آخر خلفاء بني العباس
____________
(1) سيتبين لنا في أبحاث لاحقة بأن « أهل السنة والجماعة » لم يلحقوا علي بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين الثلاثة إلا في زمن متأخر جدا .
( 24 )
هم راضون على أهل السنة ومتفقون تماما معهم ، وغاضبون ومنتقمون من الذين تشيعوا لعلي بن أبي طالب وبايعوه بالخلافة كما بايعوا أولاده من بعده .
وعلى هذا الأساس فإن علي بن أبي طالب وشيعته لم يكونوا معدودين عندهم من « أهل السنة والجماعة » وكأن هذا الاصطلاح ـ يعني « أهل السنة والجماعة » قد وضع في مقابل علي وشيعته ، وهو حسب أعتقادي السبب الرئيسي في تقسيم الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول إلى سنة وشيعة .
وإذا رجعنا لتحليل الأسباب وكشف الأستار حسب المصادر التاريخية الموثوقة لوجدنا أن هذا التقسيم ظهر عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلممباشرة وبدون فصل ، إذ أن الأمر استتب لأبي بكر باعتلائه منصة الخلافة وايدته الأغلبية الساحقة من الصحابة ، وعارضه علي بن أبي طالب وبنو هاشم وقلة قليلة من الصحابة الذين كانوا في أغلبهم من الموالي .
وبديهي أن السلطة الحاكمة أقصت هؤلاء وأبعدتهم واعتبرتهم خارجين من الصف الإسلامي ، وعملت كل جهودها على شل معارضتهم بكل الأساليب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
ومن المعلوم أن « أهل السنة والجماعة » اليوم ، لا يدركون الأبعاد السياسية التي لعبت في تلك العصور ، ومدى العداوة والبغضاء التي أولدتها تلك الأدوار الخبيثة في عزل وإبعاد أعظم شخصية عرفها تاريخ البشرية بعد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، و «أهل السنة والجماعة » في هذا العصر يظنون أو يعتقدون بأن الأمور كانت على أحسن ما يرام وأنها تدور وفق الكتاب والسنة في زمن الخلفاء الراشدين وأن هؤلاء كانوا يتشبهون بالملائكة فكانوا يحترمون بعضهم ولم تكن بينهم أحقاد ولا مطامع ولا نوايا سيئة .
ولكل ذلك تراهم يرفضون كل ما يقوله الشيعة في الصحابة عامة وفي الخلفاء الراشدين منهم خاصة .
وكأن « أهل السنة والجماعة » لم يقرأوا كتب التاريخ التي سجلها علماؤهم ، واكتفوا فقط بما يسمعونه من أسلافهم من مديح وإطراء وإعجاب بعامة
( 25 )
الصحابة وخصوصاً منهم الخلفاء الراشدين ، ولو فتحوا قلوبهم وأبصارهم وتصفحوا تاريخهم وكتب الحديث عندهم طلبا للحق ومعرفة الصواب لغيروا عقيدتهم ليس في الصحابة فحسب ولكن في كثير من الأحكام التي يعتبرونها صحيحة وما هي كذلك .
وإني أحاول بهذا المجهود المتواضع أن أبين لإخواني من « أهل السنة والجمعة» بعض الحقائق التي طفحت بها كتب التاريخ ، وأخرج لهم باختصار وجيز النصوص الجلية التي تدحض الباطل وتظهر الحق ، عسى أن يكون في ذلك الدواء الناجع لتشتت المسلمين واختلافهم ويعمل على توحيدهم وجمع كلمتهم .
وإن « أهل السنة والجماعة » كما أعرفهم اليوم ليسوا متعصبين ، وليسوا ضد الإمام علي وأهل البيت ، بل إنهم يحبونهم ويحترمونهم ولكنهم في نفس الوقت يحبون ويحترمون أعداء أهل البيت ويقتدون بهم باعتبار « كلهم من رسول الله ملتمس » .
و « أهل السنة والجماعة » لا يعملون بقاعدة الولاء لأولياء الله والبراءة من أعداء الله ، بل يلقون بالمودة للجميع ويترضون على معاوية بن أبي سفيان كما يترضون على علي بن أبي طالب .
وقد بهرتهم هذه التسمية البراقة ( أهل السنة والجماعة ) ولم يعرفوا خفاياها ودسائسها التي وضعها دهاة العرب ولو علموا يوماً بأن علي بن أبي طالب هو مخض السنة المحمدية وهو بابها الذي يؤتى منه للدخول إليها ، قد خالفوه في كل شيء وخالفهم ، لتراجعوا عن موقفهم ولبحثوا الموضوع بجد ، ولما وجدت «أهل السنة » إلا شيعة لعلي وللرسول صلى الله عليه وآله وسلمولكل ذلك لابد من كشف حقيقي لتلك المؤامرة الكبرى التي لعبت أخطر الأدوار في إقصاء السنة المحمدية ، وإبدالها ببدع جاهلية سببت نكسة المسلمين وارتدادهم عن الصراط المستقيم وتفرقهم واختلافهم ثم تكفير ومقاتلة بعضهم البعض ، الشيء الذي سبب تخلفهم العلمي والتقني مما أدى إلى احتلالهم وغزوهم ثم إذلالهم وتحقيرهم وتذويبهم .
( 26 )
وبعد هذا الاستعراض الوجيز للتعريف بالشيعة وبالسنة لابد من الملاحظة بأن اسم الشيعة لا يعني معارضة السنة كما يتوهم عامة الناس عندما يتباهون بقولهم : نحن أهل السنة ، ويقصدون بأن غيرهم ضد السنة ، فهذا لا يوافق عليه الشيعة أبداً ، بل إن الشيعة يعتقدون بأنهم وحدهم المتمسكين بسنة النبي الصحيحة لأنهم أتوها من بابها وهو علي بن أبي طالب ولا باب سواه وعلى رأيهم لا يمكن الوصول إلى الرسول إلا عن طريقه .
ونحن كالعادة في توخي الحياد للوصول إلى الحق لابد أن نتدرج بالقارئ العزيز ، ونستعرض معه بعض الأحداث التاريخية ونقدم إليه الدليل والبرهان على أن الشيعة هم أهل السنة كما جاء عنوان الكتاب .
ونترك له بعد ذلك حرية الاختيار والتعليق .
( 27 )
أول حادث فرق المسلمين إلى شيعة وسنة
ذلك هو الموقف الرهيب والخطير الذي وقفه عمر بن الخطاب وأكثر الصحابة تجاه أمر سول الله صلى الله عليه وآله وسلمعندما أراد أن يكتب لهم ذلك الكتاب الذي يعصم المسلمين من الضلالة
(1) .
وعارضوه بشدة وقساوة وعدم احترام لمقامه السامي حتى اتهموه بالهجر والهذيان ، مدعين بأن كتاب الله يكفيهم فلا حاجة لكتابة الرسول .
ومن خلال هذه الحادثة التي سماها ابن عباس رزية المسلمين يتبين لنا بأن الأكثرية من الصحابة يرفضون السنة النبوية ويقولون : « حسبنا كتاب الله ».
أما علي وأتباعه من الصحابة وهم الأقلية والذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيعة علي ، فكانوا يمتثلون أوامر الرسول بدون اعتراض ولا نقاش ويعتبرون كل أقواله وأفعاله سنة واجبة الاتباع تماما ككتاب الله ، ألم يقل كتاب الله :
«الذين آمنوا أطيعوا الله يا أيها وأطيعوا الرسول» ( النساء : 59 )
وسيرة عمر بن الخطاب معروفة عند كل المسلمين ومواقفه المعارضة للنبي في كل أدوار حياته مشهورة
(2) .
وبطبيعة الحال فإن عمر بن الخطاب كان يرى عدم التقيد بالسنة النبوية ، ويظهر ذلك جليا من خلال أحكامه عندما أصبح للمؤمنين فكان يجتهد
____________
(1) رزية يوم الخميس مشهورة في صحيح البخاري وصحيح مسلم .
(2) لقد وافينا البحث لمعارضة عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلمفي كتابنا « فاسألوا أهل الذكر » .
( 28 )
برأيه مقابل النصوص النبوية بل كان يجتهد برأيه مقابل النصوص الإلهية الجلية فيحرم ما أحل الله ويحلل ما حرم الله
(1) .
وبطبيعة الحال إن أنصاره ومؤيديه من الصحابة كانوا على شاكلته ، وإن محبيه والمعجبين به من السلف والخلف يقتدون به وببدعه الحسنة كما يسمونها .
وسيأتي خلال الأبحاث القادمة بأنهم يتركون سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلمويتبعون سنة عمر بن الخطاب .
____________
(1) كتحريمه سهم المؤلفة قلوبهم ومتعة الحج ومتعة النساء التي حلّلها الله وتحليله طلاق الثلاث بطلقة واحدة وقد حرّم الله ذلك.
( 29 )
الحادث الثاني في مخالفتهم للسنة النبوية
ذلك هو رفضهم الالتحاق بجيش أسامة الذي عبأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمبنفسه وأمرهم بالسير تحت قيادته ، يومين قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.
ووصل الأمر بهم إلى الطعن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلموانتقاده إذ ولى عليهم شابا صغيراً لا نبات بعارضيه عمره سبعة عشر عاماً .
وتخلف عن السير أبو بكر وعمر وبعض الصحابة ولم يلتحقوا بالجيش بدعوى إدارة أمر الخلافة رغم لعن الرسول لمن تخلف عن أسامة
(1) .
أما علي وأتباعه فلم يعينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفي الجيش وذلك لحسم الخلاف ، وليصفوا الجو ويخلو من أولئك المعاندين والمعارضين لأمر الله ، فلا يرجعوا من مؤتة إلا والأمر قد استتب لعلي كما يريده الله ورسوله في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
لكن دهاة العرب من القريشيين عرفوا ذلك منه ، فرفضوا الخروج من المدينة وتباطأوا حتى لحق الرسول بربه ، فأبرموا أمرهم كما خططوا له من قبل ، وأبعدوا ما أراده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو بعبارة أخرى رفضوا السنة النبوية .
وبهذا يتبين لنا ولكل باحث أن أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وأبا عبيدة عامر بن الجراح كانوا يرفضون السنة النبوية ويجتهدون بآرائهم جريا وراء المصالح الدنيوية ومن أجل الخلافة ولو كلفهم ذلك معصية الله ورسوله .
____________
(1) إقرأ كتاب الملل والنحل للشهرستاني قول النبي : لعن الله من تخلف عن جيش أسامة ج 1 ص 29 .
( 30 )
أما علي والصحابة الذين اتبعوه فكانوا يتقيدون بالسنة النبوية ويعملون على تنفيذها حرفياً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، وقد رأينا علياً ( ع ) في تلك المحنة كيف أنه تقيد بوصية النبي له على أن يقوم بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ومواراته في قبره ، فنفذ علي كل أوامره ولم يشغله عن ذلك شاغل ، ورغم علمه المسبق بأن الجماعة تسابقوا إلى السقيفة لاختيار أحدهم للخلافة ، وكان بإمكانه أن يسارع إليها هو الآخر ويفسد عليهم تخطيطهم ولكن احترامه للسنة النبوية والعمل على تطبيقها يحتم عليه البقاء بجانب ابن عمه ولو كلفه ذلك ضياع الخلافة .
ولابد لنا هنا من وقفة ولو قصيرة ، لنلاحظ الخلق العظيم الذي ورثه علي من المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
ففي حين يزهد علي في الخلافة من أجل تنفيذ السنة نرى الآخرين يرفضون السنة من أجل الخلافة .
( 31 )
الحادث الثالث الذي أبرز الشيعة في مقابل « أهل السنة »
ذلك هو الموقف الخطير الذي وقفه أغلب الصحابة في السقيفة ليخالفوا صراحة النصوص النبوية التي نصبت علياً للخلافة وقد حضروها كلهم يوم الغدير بعد حجة الوداع .
ورغم اختلاف المهاجرين والأنصار في أمر الخلافة إلا أنهم تصافقوا في الأخير على ترك النصوص النبوية وتقديم أبي بكر للخلافة ولو كلفهم ذلك زهق النفوس ، وشمروا على سواعدهم لقتل كل من تحدثه نفسه بمخالفتهم ولو كان من أقرب الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
(1) .
وهذا الحادث أبرز أيضاً أن الأغلبية الساحقة من الصحابة عاضدوا أبا بكر وعمر في رفض سنة نبيهم وإبدالها باجتهاداتهم ، فهم أنصار الاجتهاد .
كما أبرز في المقابل الأقلية من المسلمين الذين تمسكوا بالنصوص النبوية وتخلفوا عن البيعة لأبي بكر وهم علي وشيعته .
نعم ، لقد ظهر في المجتمع الإسلامي بعد الأحداث الثلاثة المذكورة ، هوية الفريقين أو الحزبين المتعارضين ، يعمل أحدهما على احترام السنة النبوية وتنفيذها ، ويعمل الثاني على دحض السنة النبوية وطمسها وإبدالها بالاجتهاد الذي يطمع الأكثرية ويمنيهم بالوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه .
____________
(1) وأكبر دليل على ذلك تهديد عمر بن الخطاب بحرق بيت فاطمة الزهراء بمن فيها ، والقصة مشهورة في كتب التاريخ .
( 32 )
برز على رأس الحزب الأول السني علي بن أبي طالب وشيعته ، وبرز على رأس الحزب الثاني الاجتهادي أبو بكر وعمر وأغلب الصحابة .
وعمل الحزب الثاني بقيادة أبي بكر وعمر على تحطيم وكسر شوكة الحزب الأول ودبروا لذلك عدة تدابير للقضاء على الحزب المعارض ، من ذلك :
أولاً : عزل المعارضة وشلها اقتصادياً
أول مبادرة بادر بها الحزب الحاكم هو إقصاء المعارضين عن كل موارد الرزق والمال ، وقد عمد أبو بكر وعمر على طرد فلاحي فاطمة من فدك
(1) واعتبرا تلك الأرض ملكاً للمسلمين ، وليست خالصة لفاطمة كما أقر بذلك أبوها صلى الله عليه وآله وسلم.
كما حرماها من ميراث أيها بدعوى أن الأنبياء لا يورثون ، وقطعا عنها سهم الخمس الذي كان رسول الله يخص به نفسه وأهل بيته لأن الصدقات محرمة عليهم .
وبذلك أصبح علي مشلولاً اقتصادياً فقد اغتصبت منه أرض فدك التي كانت تدر عليه أرباحاً هائلة ، وكذلك حرم من ميراث ابن عمه والذي هو حق من حقوق زوجته ، وقطع عنه سهم الخمس ، فأصبح علي وزوجته وأولاده في حاجة لمن يسد رمقهم ويكسو أجسامهم ، وهو بالضبط ما عبر عنه أبو بكر عندما قال للزهراء : نعم أنت لك الحق في الخمس ولكني سوف أعمل فيه عمل رسول الله ، فلا أتركك تجوعين ولا تعرين .
وكما قدمنا فإن الصحابة الذين تشيعوا لعلي أغلبهم من الموالي الذين لا ثراء لهم ، فلا يخشى الحزب الحاكم منهم ولا من تأثيرهم ، فالناس يميلون للغني ويحتقرون الفقير .
____________
(1) قصة فدك معروفة في كتب التاريخ ، وخصام الزهراء لأبي بكر حتى ماتت وهي غاضبة عليه مشهورة ذكرها البخاري ومسلم .
( 33 )
ثانياً : عزل المعارضة وشلها اجتماعياً
ولأجل اساقط الصف المعارض الذي يتزعمه علي بن أبي طالب فقد عمل الحزب الحاكم أيضاً على عزله اجتماعياً .
وأول شيء فعله أبو بكر وعمر هو تحطيم الحاجز النفسي والعاطفي الذي يحمل المسلمين كافة على احترام وتقدير قرابة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا كان علي هو ابن عم النبي وسيد العترة الطاهرة ، قد وجد له مبغضون ضمن الصحابة الذين كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، فضلاً عن المنافقين الذين كانوا يتربصون به .
فإن فاطمة هي وحيدة النبي التي بقيت بعده في أمته وهي أم أبيها كما كان يسميها الرسول صلى الله عليه وآله وسلموسيدة نساء العالمين فكل المسلمين يحترمونها ويتعظمونها للمكانة التي حظيت بها عند أبيها وللأحاديث التي قالها في فضائلها وشرفها وطهارتها .
ولكن أبا بكر وعمر عمدا إلى إسقاط هذا الاحترام والتقدير من نفوس الناس ، فجاء عمر بن الخطاب إلى بيت الزهراء وفي يده قبس من نار وطوق بيتها بالحطب وأقسم أن يحرقها بمن فيها إن لم يخرجوا لبيعة صاحبه .
يقول ابن عبد ربه في العقد الفريد
(1) :
« وأما على والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له : إن أبوا قاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟
قال : نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة » .
فإذا كانت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين كما جاء في صحاح « أهل السنة والجماعة » ، وإذا كان ولداها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وريحانة
____________
(1) العقد الفريد لابن عبد ربه الجزء الرابع عند ذكر جماعة تخلفوا عن بيعة أبي بكر .
( 34 )
النبي في هذه الأمة يستهان بهم ويستصغر شأنهم حتى يقسم عمر أمام الملأ أن يحرق عليهم دارهم إن رفضوا البيعة لأبي بكر ، فهل يبقى بعد هذا في نفوس الآخرين شيء من الاحترام أو التقدير لعلي بن أبي طالب الذي يبغضه أكثرهم ويحسدونه وقد أصبح بعد وفاة النبي زعيم الصف المعارض وليس عنده من حطام الدنيا ما يرغب الناس فيه ؟
فهذا البخاري يحدث في صحيحه بأن فاطمة طالبت أبا بكر بميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولو يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر
(1) .
فقد نجح الحزب الحاكم نجاحاً كبيراً في عزل علي بن أبي طالب اقتصادياً واجتماعياً وأسقطه من أعين الناس ، فلم يبق له بينهم احترام ولا تقدير وخصوصاً بعد وفاة الزهراء ولذلك استنكر علي وجوه الناس فاضطر لمصالحة أبي بكر ومبايعته حسب ما يرويه البخاري ومسلم .
وتعبير البخاري كلمة « استنكر على وجوه الناس » يدلنا دلالة واضحة على مدى الحقد والبغض الذي كان يواجهه أبو الحسن ( سلام الله عليه ) بعد وفاة ابن عمه وزوجته ، ولعل بعض الصحابة كان إذا مشى بينهم يسبونه ويشتمونه ويستهزئون به ، ولذلك استنكر وجوههم للمنكر الذي رآه .
ولا نقصد من هذا الفصل سرد التاريخ ومظلومية علي بقدر ما نريد إظهار الحقيقة المرة والمؤلمة ، ألا وهي أن حامل لواء السنة النبوية وباب علم الرسول أصبح متروكاً ، وفي المقابل أصبح أنصار الاجتهاد بالرأي الذين يرفضون السنة النبوية هم الحاكمون والمؤيدون أغلب الصحابة .
____________
(1) صحيح البخاري ج 5 ، ص 82 باب غزوة خيبر ، صحيح مسلم كتاب الجهاد .
( 35 )
ثالثاً : عزل المعارضة سياسياً
رغم الحصار الشديد ومصادرة الحقوق المالية وعزلهم عن المجتمع الإسلامي حتى تحولت وجوه الناس عن علي بن أبي طالب كما مر علينا ، فإن الحزب الحاكم لم يكتف بكل ذلك حتى عمد إلى عزله سياسياً وإبعاده عن كل أجهزة الدولة وعدم إشراكه في أي منصب حكومي أو إسناده أي مسؤولية . وبالرغم من تعيينهم الولاة من الطلقاء ومن فساق بني أمية الذين حاربوا الإسلام طوال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بقي الإمام علي بعيداً عن مسرح الحياة السياسية طيلة ربع قرن حياة أبي بكر وعمر وعثمان . وفي حين كان بعض الصحابة الولاة يجمع الأموال ويكنز الذهب والفضة على حساب المسلمين ، كان علي بن أبي طالب يسقي نخيل اليهود كي يحصل على قوته بكد يمينه وعرق جبينه .
وهكذا بقي باب العلم ، حبر الأمة وحامل السنة حبيس داره ولا يعرف قدره إلا بعض المستضعفين الذين كانوا يعدون على الأصابع فكانوا يتشيعون له ويهتدون بهديه ويتمسكون بحبله .
وقد حاول الإمام علي زمن خلافته إرجاع الناس إلى القرآن والسنة النبوية بدون جدوى إذ أنهم تعصبوا لاجتهاد عمر بن الخطاب وصاح أكثرهم في المسجد : واسنه عمراه .
ونستنتج من كل هذا بأن عليا وشيعته تمسكوا بالسنة النبوية وعملوا على إحيائها ولم يحيدوا عنها أبداً بينما اتبعت بقية الأمة بدع أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وسموها بـ « البدع الحسنة »
(1) .
وهذا ليس من الادعاء بل هي الحقيقة التي أجمع عليها المسلمون وسجلوها في صحاحهم وعرفها كل باحث ومنصف .
فقد كان الإمام علي يحفظ القرآن ويعرف كل أحكامه وهو أول من جمعه
____________
(1) صحيح البخاري ج 2 ، ص 252 باب صلاة التراويح وكذلك ج 7 ص 98 .
( 36 )
بشهادة البخاري نفسه .
في حين لم يكن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان يحفظونه ولا يعرفون أحكامه
(1) .
وقد أحصى المؤرخون على عمر قوله سبعين مرة : لولا علي لهلك عمر ، وقول أبي بكر : لا عشت في زمن لست فيه يا أبا الحسن … أما عثمان فحدث ولا حرج .
____________
(1) جهل عمر بحكم الكلالة مشهور في كتب السنة ، وكذلك جهله بأحكام التيمم معلوم لدى الجميع ، ذكره البخاري في صحيحه ج 1 ص 90 .
( 37 )
السنة النبوية بين الحقائق والأوهام
إذا كان عمر بن الخطاب المعدود عند « أهل السنة والجماعة » من الملهمين ومن أعلم الصحابة ، إذا لم يكن أعلمهم على الإطلاق للرواية التي أخرجوها في صحاحهم أن النبي أعطاه فضل شرابه وتأول ذلك بالعلم ، يشهد على نفسه بأنه يجهل الكثير من السنة النبوية وقد شغل عنها بالتجارة في الأسواق .
فهذا البخاري يروي في صحيحه في باب الحجة على من قال : إن أحكام النبي كانت ظاهرة وما كان بعضهم يغيب عن مشاهدة النبي وأمور الإسلام ، قال :
استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولاً فرجع ، فقال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له فدعي له فقال : ما حملك على ما صنعت ؟
فقال : إنا كنا نؤمر بهذا ، فقال عمر : فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك ، فانطلق إلى مجلس الأنصار فقالوا : لا يشهد إلا أصاغرنا ، فقام أبو سعيد الخدري فقال : قد كنا نؤمر بهذا فقال عمر : خفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألهاني الصفق بالأسواق .
____________
(1) صحيح البخاري ج8 ص157 من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة صحيح مسلم ج6 ص179 في باب الاستئذان من كتاب الآداب.
( 38 )
تعليق : في هذه القصة طرائف لابد من ذكرها
* أولاً : إن قضية الاستئذان معروفة في الإسلام وهي سنة نبوية يعرفها الخاص والعام وقد كان الناس يستأذنون للدخول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذه من آداب الإسلام ومفاخره .
وتفيد هذه الرواية بأن عمر بن الخطاب كان له حراس وشرطة تمنع الناس من الدخول عليه إلا بالإستئذان ، فقد استأن عليه أبو موسى ثلاث مرات ولم يأذن له فرجع ولكن أنصاره وأتباعه من بني أمية وكأنهم أرادوا تفضيله وتقديمه على النبي فقالوا بأنه كان ينام على حافة الطريق بدون حرس حتى قيل فيه : عدلت فنمت .
وكأنهم يقولون بأنه اعدل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن النبي كان عنده حراسة ، وإلا لماذا يقال : مات العدل مع عمر ؟ !
* ثانياً : تفيدنا هذه الرواية على مدى الغلظة والشدة التي كان يعرف بها عمر بن الخطاب وكيف كان يعامل المسلمين بدون مبرر لذلك .
فهذا أبو موسى الأشعري وهو من أكابر الصحابة يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الاستئذان ، فيقول له عمر : والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا
(1) .
فهناك مبرر لإهانة أبي موسى وتكذيبه أمام الناس وتهديده بالضرب الموجع لمجرد رواية رواها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى قال أبي بن كعب ـ بعدما شهد بصحة الحديث ـ : يا أبن الخطاب لا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله
(2) .
أما أنا فلا أرى من مبرر غير استبداد عمر برأيه في أكثر الأمور ، وإذا ما عارضوه بكتاب الله أو بسنة النبي فتراه يغضب ويهدد ، الشيء الذي جعل كثيراً من الصحابة يكتمون الحق وهم يعلمون كما وقع ذلك لعمار بن ياسر عندما
____________
(1) صحيح مسلم ج 6 ص 179 كتاب الآداب ، باب الاستئذان .
(2) المصدر نفسه .
( 39 )
جابه عمر بالسنة النبوية في قضية التيمم ، ولما هدده عمر قال عمار : إن شئت لم أحدث به
(1) .
والشواهد كثيرة على منع عمر الصحابة من نقل الأحاديث النبوية وذلك من عهد أبي بكر وبالأخص في أيام خلافته التي امتدت أكثر من عشر سنوات أحرق خلالها كل ما جمع من الأحاديث النبوية ومنع الصحابة من نقلها وحبس بعضهم من أجلها
(1) .
وقد فعل ذلك من قبله أبو بكر كما فعل ذلك عثمان من بعده .
فكيف يقال لنا بأن الخلفاء كانوا يعملون كلهم بالسنة النبوية في حين أن السنة النبوية لم تلق منهم إلا الحرق والمنع والتعتيم ؟ !
* ثالثا : تفيدنا هذه الرواية بأن عمر بن الخطاب كان كثيراً ما يتغيب عن مجالسة النبي والاستماع لأحاديثه ويشتغل عنه بالتجارة في الأسواق .
ولذلك غابت عنه أكثر الأحاديث النبوية التي عرفها الخاص والعام من الصحابة حتى صبيانهم ، يشهد على ذلك قول الأنصار عندما فزع إليهم أبو موسى من تهديد عمر ، قالوا : فو الله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا ، فقام أبو سعيد الخدري ، وكان أصغر القوم ، فشهد أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحدث بذلك.
وهذا في حد ذاته توهين لشأن عمر الذي اعتلى منصة الخلافة وهو لا يعرف من السنة النبوية أبسط الأمور التي عرفها أصغر القوم سنا ، واين هو من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول : « إذا تولى وال أمر رعية وهو يعلم أن فيهم من هو أعلم منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين » .
وأنى لعمر بن الخطاب أن يصغي قلبه لمثل هذه الأحاديث النبوية التي رفضها في حياة النبي ولم يقنع بها وجعل لنفسه حق الاجتهاد في مقابلها .
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 193 باب التيمم وكذلك صحيح البخاري .
( 40 )
بقي أن نعترف لأبي حفص باعترافه بالجهل عندما يواجه من قبل بعض الصحابة بالحجة والدليل ، فيقول مرة : كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال ، ومرة يقول : لولا علي لهلك عمر ، وأخرى يقول : لقد أهالني عن أحاديث النبي الصفق بالأسواق .
وإذا كان عمر يتلهى عن السنة النبوية بالصفق في الأسواق فإنه عن القرآن أكثر لهواً ، فقد اختلف مرة مع أبي بن كعب وهو من أشهر الحفاظ وأنكر عليه قراءته وقال بأنه لم يسمع بها من قبل ، فقال له أبي : يا عمر إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق
(1) .
فشغله بالتجارة ولهوه بالصفق في الأسواق يعرفه الخاص والعام وليس هو بالأمر الخفي عن الصحابة وخصوصاً منهم العارفين بكاب الله وسنة رسوله .
لذلك اعتقد بأنه كان يعيش عقدة نفسية كبيرة ، وهي عقدة الجهل المركب، إذ يرى أصغر المسلمين يعرف ما لا يعرف هو ويحفظ ما لا يحفظ هو، ويرى إلى جانبه عليا وهو شاب لم يبلغ الثلاثين يصوب رأيه بما حفظه من الكتاب والسنة وبمحضر من الصحابة ، حتى يضطر للقول : « لولا علي لهلك عمر » .
ويرى أمرأة تقوم في آخر المسجد فتعترض عليه وهو فوق المنبر وتحاججه بكتاب الله في قضية مهور النساء على مشهد ومسمع من كل المصلين ، فيقول عند ذلك : كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال .
وفي الحقيقة لم يكن ذلك قناعة منه بقدر ما هو تغطية على جهله وكسب الموقف لصالحه ليقول الناس عنه بأنه متواضع كما نسمع اليوم الكثير من الناس يرددون ذلك .
ومن أجل هذه العقدة عمل عمر على محق السنة النبوية ما استطاع لذلك سبيلاً ، واجتهد برأيه معارضاً للكتاب والسنة ، والشواهد على ذلك كثيرة جداً
(2) .
____________
(1) تاريخ ابن عساكر ج 2 ص 228 وروى مثل هذا الحاكم في مستدركه وأبو داود في سننه وابن الأثير في جامع الأصول .
(2) ذكرت بعضها في كتاب ( مع الصادقين ) وكتاب ( فاسألوا أهل الذكر ) .
( 41 )
والمتتبع لسيرة عمر يكتشف بأنه لم يعش مع النبي بعد إسلامه إلا نصف عمر الرسالة أو أقل من ذلك بكثير .
فها هو يحدث عن نفسه في هذا الصدد فيقول :
« كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً ، فإذا نزلت جئته يخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك
(1) .
فقوله : كنا نتناوب النزول على رسول الله ينزل يوماً وأنزل يوماً ، فيه دلالة واضحة على أنه كان بعيد المسكن عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك قسم عمر حياته إلى يومين يوم ينزل لرؤية النبي ، ويوم لا ينزل ولا يكلف نفسه عناء النزول لبعد المسافة .
أو أن المسافة لم تكن بعيدة ولكنه ينزل إلى الأسواق ويشتغل فيها بالصفق والتجارة .
وإذا أضفنا هذا إلى قوله : « ألهاني الصفق بالأسواق عن أحاديث النبي » في قضية أبي موسى الأشعري المتقدم ذكرها ثم أردفنا بقول أبي بن كعب له : « يا عمر إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق » ، كما مر علينا ، تأكدنا بأنه لم يقض وقتا طويلاً مع صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم .
ولعله كان يغيب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى في المناسبات الكبرى التي يجتمع فيها المسلمون كافة كيوم عيد الفطر وعيد الأضحى ، ولذلك نراه يسأل بعض الصحابة الذين لم تشغلهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يسألهم عما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عيد الفطر وعيد الأضحى .
فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين ، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا وافد الليثي ، ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأضحى والفطر فقال : كان يقرأ فيهما بـ
«ق والقرآن المجيد» و
«اقتربت الساعة وانشق القمر» .
____________
(1) صحيح البخاري ج 1 ص 31 من كتاب العلم باب التناوب في العلم .
(2) صحيح مسلم ج 3 ، ص 61 كتاب الصلاة باب ما يقرأ به في صلاة العيدين .
( 42 )
وعن أبي واقد الليثي أنه قال : سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم العيد فقلت : بـ
«اقتربت الساعة» و
«ق والقرآن المجيد» (1) .
فشهادة عبيد الله وأبو واقد الليثي على عمر بأنه لم يكن يعرف قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العيدين ، إذا أضفنا إليها شهادة أبي بن كعب وشهادته هو على نفسه بأنه كان يشغله عن القرآن والسنة الصفق بالأسواق عرفنا الأسرار والألغاز التي بقيت حتى الآن محيرة للعلماء كفتواه بترك الصلاة للمجنب الذي لا يجد الماء وجهله بأحكام التيمم التي جاء بها القرآن والسنة ، وكحكمه في الكلالة التي قضى فيها بعدة أحكام متناقضة ، رغم نزولها في كتاب الله ورغم ما جاء فيها من التفصيل والبيان في السنة النبوية فإن عمر لم يفهمها إلى أن فارق الحياة
(2) .
ولو وقف عمر عند حده وحاول التعلم للقضاء على جهله لكان خيرا له وللمسلمين ، ولكنه أخذته العزة بالإثم فراح يحرم ما أحل الله ورسوله كمتعة الحج ومتعة النساء وسهم المؤلفة قلوبهم ، ويحلل ما حرم الله ورسوله كإمضائه الطلاق الثلاث والتجسس على المسلمين وغير ذلك
(3) .
ومن أجل ذلك عمل هو وصاحبه أبو بكر من أول يوم على منع أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنع تدوينها وكتابتها حتى وصل الأمر بهما إلى حرق كل ما جمعه الصحابة من الأحاديث والسنن النبوية ، أولا لطمس حقائق علي وأهل البيت التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وثانيا لكي لا يجدوا في النصوص النبوية معارضة للسياسة التي تبنوها والأحكام التي اجتهدوا بها بآرائهم وثالثاً لأن عمر بن الخطاب ما كان يعرف من سنة النبي إلا القليل .
فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس أن عمر بن
____________
(1) صحيح مسلم ج 3 ص 61 كتاب الصلاة باب ما يقرأ به في صلاة العيدين .
(2) أخرج البيهقي في سننه أن عمر سأل النبي عن ميراث الجد مع الاخوة ، فقال له النبي : ما سؤالك عن هذا يا عمر ؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلمه ، قال سعيد بن المسيب : فمات عمر قبل أن يعلمه .
(3) إقرأ كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوي .
( 43 )
الخطاب تحير في حكم الشك في الصلاة ، فقال له : يا غلام هل سمعت من رسول الله أو من أحد أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع
(1) ؟
عجبت والله أمر عمر بن الخطاب خليفة المسلمين لا يعرف كيف يرقع صلاته فيسأل عن ذلك صبيان الصحابة وهو أمر يعرفه عامة المسلمين والأميون منهم حتى في يومنا الحاضر والأعجب من ذلك قول « أهل السنة والجماعة » بأن عمر كان أعلم الصحابة فإذا كان أعلمهم على هذا النمط فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر .
نعم تبقى فقط بعض المعارضة الطفيفة التي لاتغير من أحكامهم واجتهاداتهم شيئاً ولا تهدد مصالح الخلافة ، كقضية استئذان أبي موسى أو استدلال أبي بن كعب بقراءة لا يعرفها عمر ، عند ذلك يفتخر عمر بالرجوع إلى الاعتراف وهو فضيلة فيقول : لقد ألهاني عن ذلك الصفق بالأسواق .
فأين هذا من قول علي بن أبي طالب الذي يقول :
« كان لي مدخل خاص على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل يوم مرتين مرة في الصباح وأخرى في المساء » ؟
فهذه المجالس كانت خاصة بعلي في كل صباح ومساء أضف إلى ذلك حضوره دائماً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجالسه العامة .
فكان علي أقرب الناس للنبي وأشدهم لصوقا به وأخصهم لديه من يوم ولادته ، فقد تربى في حجره حتى شب فكان يتبعه اتباع الفصيل إثر أمه في كل مكان ، وفي غار حراء عند نزول الوحي عليه وقد رضع حليب الرسالة وترعرع على معارف السنة النبوية من أول مهدها .
فمن أولى بالسنة منه ، وهل لأحد غيره أن يدعيها لو أنصف المنصفون ورجع إلى الحق المعاندون ؟
وهذا أكبر دليل على أنه ( سلام الله عليه ) وشيعته الذين اتبعوه هم رمز السنة المحمدية
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 1 ص 190 .
( 44 )
وأعلامها . أما غيرهم ممن لم يهتدوا بهديه ويسيروا على دربه فهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية ، ولو أنهم سموا أنفسهم « بأهل السنة » غفلة وتقليداً .
وسنبين ذلك بنحو أكثر وضوحاً في ما يأتي من أبحاث في مضمون هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً» ( الأحزاب : 70 ـ 71 ) .
( 45 )
أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية
أيها القاريء العزيز ، لا يستفزك هذا العنوان ، فأنت بحمد الله تمشي على طريق الحق لتصل في النهاية إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى . فلا تدع وساوس الشيطان ، ولا الغرور بالنفس ، ولا التعصب المقيت يستولي عليك ويصدك عن الوصول إلى الهدف المنشود والحق المفقود وجنة الخلود .
وكما قدمنا في ما سبق بأن المتسمين « بأهل السنة والجماعة » هم القائلون بخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . هذا ما يعرفه الناس اليوم .
ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن علي بن أبي طالب لم يكن معدوداً عند «أهل السنة» من الخلفاء الراشدين ، لا ولم يعترفوا حتى بشرعية خلافته .
وإنما ألحق علي بالخلفاء الثلاثة في زمن متأخر جداً ، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين للهجرة في زمن أحمد بن حنبل .
أما الصحابة من غير الشيعة والخلفاء والملوك والأمراء الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم ، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبداً ، بل منهم من كان يلعنه ولا يعتبره حتى من المسلمين وإلا كيف يجوز لهم سبه ولعنه على المنابر ؟ وقد عرفنا سياسة أبي بكر وعمر في إقصائه وعزله كما قدمنا ، ثم جاء عثمان بعدهما فأمعن في احتقاره أكثر من صاحبيه والتقليل من شأنه حتى هدده مرة بالنفي كما نفى أبا ذر الغفاري . ولما ولي معاوية أمعن في سبه ولعنه وحمل
( 46 )
الناس على ذلك فدأب حكام بني أمية على ذلك في كل مدينة وقرية ودام ذلك ثمانين عاماً
(1) .
بل وتواصل ذلك اللعن والطعن والبراءة منه ومن شيعته أكثر من ذلك بكثير ، فهذا المتوكل الخليفة العباسي يصل به الحقد إلى نبش قبر علي وقبر الحسين بن علي وذلك سنة أربعين ومائتين للهجرة .
وهذا الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين في عهده ، يخطب الناس يوم الجمعة فيقول لهم من فوق المنبر : « إن الحديث الذي روي عن رسول الله أنت مني بمنزلة هارون من موسى صحيح ولكنه محرف لأن رسول الله قال له : أنت مني بمنزلة قارون من موسى » فاشتبه على السامع
(29 .
ولما كان عهد المعتصم الذي كثر فيه الزنادقة والملحدون والمتكلمون وولى عهد الخلافة الراشدة واشتغل الناس بمشاكل هامشية وكانت محنة أحمد بن حنبل في قوله بقدم القرآن وأصبح الناس يدينون بدين ملوكهم وبأن القرآن مخلوق .
ولما تراجع أحمد بن حنبل عن قوله الأول خوفاً من المعتصم وخرج من محنته واشتهر بعد ذلك ولمع نجمه في عهد المتوكل بين أهل الحديث
(3) عند ذلك ألحق علي بن أبي طالب بالخلفاء الثلاثة .
ولعل أحمد بن حنبل بهرته الأحاديث الصحيحة الواردة في فضائل علي والتي ظهرت رغم أنف الحكام ، فهو القائل : « لم يرد في أحد من الناس من الفضائل بالأحاديث الحسان مثل ما ورد في علي بن أبي طالب » .
عند ذلك ربع بخلافته واعتبرها صحيحة بعد ما كانت عندهم منكورة .
الدليل على ذلك :
جاء في طبقات الحنابلة ـ وهو الكتاب الصحيح والمشهور عندهم ـ : عن ابن أبي يعلى بالإسناد عن وديزة الحمصي قال :
____________
(1) كلهم باستثناء عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) .
(2) تاريخ بغداد ج 8 ص 266 .
(3) أهل الحديث هم أنفسهم أهل السنة والجماعة .
( 47 )
دخلت على أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي ( رضي الله عنه )
(1) فقلت له : يا أبا عبد الله إن هذا الطعن على طلحة و الزبير فقال : بئسما قلت ، وما نحن وحرب الجمل وذكرها ؟ أصلحك الله إنما ذكرناها حين ربعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمة قبله !
فقال لي : وما يمنعني من ذلك ؟ ! قلت : حديث ابن عمر فقال لي : عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى ، وعلي قد سمى نفسه أمير المؤمنين ، فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير ؟ ! قال : فانصرفت عنه
(2) .
ومن هذه القصة يتبين لنا بأن « أهل السنة » لم يقبلوا بخلافة علي ويقولوا بصحتها إلا بعد أحمد بن حنبل بكثير كما لا يخفى .
ويظهر جليا من هذا المحدث أنه زعيم « أهل السنة والجماعة » ومتكلمهم ، لأنهم يرفضون خلافة علي محتجين على ذلك بحديث عبد الله بن عمر ـ ففيه أهل السنة ـ والذي أخرجه البخاري في صحيحه وبما أنهم يقولون بأن البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله ، فكان لزاماً عليهم رفض خلافة علي وعدم الاعتراف بها .
وقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب « فاسألوا أهل الذكر » ولا بأس بإعاته لتعميم الفائدة ، فإن في الإعادة إفادة . أخرج البخاري في صحيحة عن عبد الله ابن عمر ، قال : « كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنخير أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ( رضي الله عنهم )
(3) .
كما أخرج البخاري في صحيحه حديثا آخر لابن عمر أكثر صراحة من الأول إذ قال عبد الله بن عمر :
____________
(1) أنظر إلى هذا الحديث رغم أنه لا يسب عليا ولا يلعنه بل يقول : ( رضي الله عنه ) ولكنه لا يقبل بأ، يكون علي معدوداً من الخلفاء وينكر ذلك على أحمد بن حنبل ، وقوله : إنما ذكرناها يدل على أنه يتكلم باسم الجماعة وهم أهل السنة الذين بعثوه إلى أحمد بن حنبل منكرين عليه .
(2) كتاب طبقات الحنابلة ج 1 ص 292 .
(3) صحيح البخاري ج 4 ص 191 كتاب بدء الخلق ، باب فضل أبي بكر بعد النبي .
( 48 )
« كنا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نفاضل بينهم »
(1) .
ومن أجل هذا الحديث الذي ليس لرسول الله فيه رأي ولا عمل ، إنما هو من خيال عبد الله بن عمر وآرائه الفاسدة وحقده وبغضه المعروف لعلي ، بنى « أهل السنة والجماعة » مذهبهم على عدم الاعتراف بخلافة علي .
وبأمثال هذه الأحاديث استباح بنو أمية سب علي ولعنه وشتمه وانتقاصه ، ودأب الحكام من عهد معاوية إلى أيام مروان بن محمد بن مروان سنة 132 للهجرة يلعنون علياً على المنابر ويقتلون من تشيع له أو من أنكر عليهم ذلك»
(2) .
ثم قامت دولة العباسيين من عهد العباس السفاح سنة 132 للهجرة وإلى عهد المتوكل سنة 247 للهجرة ، تواصلت خلالها البراءة من علي ومن تشيع له بأساليب مختلفة ومتعددة حسب الظروف والملابسات لأن دولة العباسيين قامت على أنقاض أهل البيت والمتشيعين لهم ، فكان الحكام لا يجهرون بلعن علي عندما تقتضي مصلحة الدولة ولكنهم يعملون في الخفاء أكثر من عمل الأمويين وقد استفادوا من التجربة التاريخية التي أبرزت مظلومية أهل البيت وشيعتهم وعطف الناس عليهم ، فعمل الحكام بدهاء لكسب الموقف لصالحهم وتقربوا إلى أئمة أهل البيت لا حباً فيهم ولا اعترافاً بحقهم وإنما لاحتواء الثورات الشعبية التي تقوم في أطراف الدولة وتهدد كيانها ، ذلك ما فعله المأمون بن هارون الرشيد مع الإمام علي بن موسى الرضا ، أما إذا سطرت الدولة وقضت على الثورات الداخلية فإنها تمعن في إهانة الأئمة وشيعتهم كما فعل المتوكل الخليفة العباسي الذي اشتهر ببغض علي وشتمه حتى نبش قبره وقبر الحسين .
ولكل ذلك قلنا بأن « أهل السنة والجماعة » لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير .
____________
(1) صحيح البخاري ج 4 ص 203 باب مناقب عثمان بن عفان من كتاب بدء الخلق .
(2) باستثناء سنتين تولى خلالهما عمر بن عبد العزيز فأبطل اللعن ، ولكن بعد قتله عادوا إلى اللعن وإلى أكثر من اللعن حتى نبشوا قبره وحرموا أن يتسمى أحد باسمه .
( 49 )
صحيح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها ، ولكنه لم يقنع بها أهل الحديث كما قدمنا ، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر .
فلابد لذلك من وقت طويل حتى يقتنع الناس ويقبلوا الفكرة التي ظهر بها أحمد بن حنبل ، والتي قد يظهر الحنابلة بمظهر المنصفين والمتقربين لأهل البيت فتميزهم عن المذاهب السنية الأخرى من المالكية والحنفية والشافعية والذين كانوا يتنافسون لكسب المؤيدين . فلابد إذا من قبول الفكرة وتبنيها .
وبمرور الزمن قال « أهل السنة والجماعة » كلهم بمقولة أحمد بن حنبل وقبلوا بتربيع الخلافة بعلي وأوجبوا له ما أوجبوه للخلفاء الثلاثة من الاحترام والترضي .
أليس هذا أكبر دليل على أن « أهل السنة والجماعة » كانوا من النواصب الذين يبغضون علياً ويعملون على انتقاصه وإسقاطه » .
ولقائل أن يقول : كيف يصح ذلك ونحن نرى اليوم « أهل السنة والجماعة» يحبون الإمام علياً ويترضون عنه ؟
فنقول نعم ، لما قدم العهد ومات الأئمة من أهل البيت ولم يعد هناك ما يخيف الحكام ويهدد ملكهم ، وتلاشت هيبة الخلافة الإسلامية واستولى عليها المماليك والمغول والتتار ، وضعف الدين وأصبح أكثر المسلمين يشغلهم الفن والطرب واللهو والمجون والخمر والجواري ، وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وأصبح المعروف عندهم منكراً والمنكر عندهم معروفاً وعم الفساد البر والبحر ، عند ذلك بكى المسلمون على أسلافهم وتغنوا بأمجادهم وتذاكروا أيامهم فسموها بالعصور الذهبية وبما أن أفضل العصور عندهم هو عصر الصحابة فهم الذين فتحوا الأمصار ووسعوا المملكة الإسلامية شرقا وغربا ودان لهم الأكاسرة والقياصرة فترضوا على الصحابة جميعاً بما فيهم علي بن أبي طالب ، وإذا كان « أهل السنة والجماعة » يقولون بعدالتهم جميعاً فلا يمكنهم عند ذلك أن يخرجوا علياً من بين الصحابة .
ولو قالوا بإخراجه لافتضحوا وكشف أمرهم عند كل عاقل وباحث ، فموهوا
( 50 )
على العامة بأنه رابع الخلفاء الراشدين وهو باب مدينة العلم رضي الله عنه وكرم الله وجهه .
ونحن نقول لهم : فلماذا لا تقلدوه في أمور دينكم ودنياكم إن كان اعتقادكم فيه صحيحاً بأنه باب مدينة العلم ؟
لماذا تركتم الباب عمداً وقلدتم أبا حنيفة ومالكاً ، والشافعي وابن حنبل وابن تيمية ، الذين لا يدانوه في علم ولا عمل ولا فضل ولا شرف ، فأين الثرى من الثريا وأين السيف من المنجل وأين معاوية من علي لو كنتم تعقلون؟
هذا بقطع النظر عن كل النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي توجب على كل المسلمين اتباع الإمام علي من بعده والاقتداء به ، ولقائل من « أهل السنة » أن يقول : إن فضل علي وسابقته وجهاده في سبيل الإسلام وعلمه الغزير وشرفه العظيم وزهده الكبير يعرفه الناس جميعاً ، بل إن أهل السنة يعرفون علياً ويحبونه أكثر من الشيعة ( هذا ما يردده الكثير منهم اليوم ) .
فنقول هؤلاء : أين كنتم
(1) وأين كان أسلافكم وعلماؤكم عندما كان علي يلعن على المنابر مئات السنين ؟ فلم نسمع ولم يحدثنا التاريخ أن أحداً منهم أنكر ذلك أو منع من ذلك أو قتل من أجل ولائه وحبه لعلي ، فلا ولن نجد من علماء أهل السنة من فعل ذلك بل كانوا مقربين للسلاطين والأمراء والولاة لما اعطوهم من البيعة والرضا وأفتوا لهم بقتل الرافضة الذين يوالون علياً وذريته ، وهؤلاء موجودون حتى في عصرنا الحاضر .
لقد دأب النصارى على معاداة اليهود غير القرون واعتبروهم مجرمين وحملوهم مسؤولية قتل السيد المسيح عيسى بن مريم ، ولكن لما ضعف أمر النصارى وتلاشت أمور العقيدة عندهم واعتنق أكثرهم مذهب الإلحاد وأصحبت الكنيسة في سلة المهملات للموقف المعادي الذي وقفته ضد العلم والعلماء ،
____________
(1) لقد تعمدت القول : أين كنتم ، وأقصد بها المعاصرين من « أهل السنة والجماعة » اليوم ، فإنهم يقرأون في صحيح مسلم بأن معاوية كان يسب علياً ويأمر الصحابة بذلك ، فلا ينكرون ، بل إليهم يترضون على سيدهم معاوية كاتب الوحي عندهم ، فدل ذلك على أن حبهم لعلي حب مزيف حال عن كل اعتبار .
( 51 )
وفي المقابل قوي أمر اليهود واستفحل واستشرى حتى احتلوا الأراضي العربية والإسلامية بالقوة ، وامتد نفوذهم في الشرق والغرب وأقاموا دولة إسرائيل ، عند ذلك اجتمع البابا يوحنا بولس الثاني مع أحبار اليهود وبرأهم من جريمة قتل المسيح .
« فالناس ناس والزمان زمان » .
( 52 )
« أهل السنة » ومحق السنة
نريد في هذا الفصل توضيح شيء مهم لا غنى للباحث أن يتعمق فيه ، ليكشف بدون لبس بأن الذين يتسمون « بأهل السنة » ليس لهم في الحقيقة من سنة النبي شيء يذكر .
وذلك لأنهم ، أو بالأحرى لأن أسلافهم من الصحابة والخلفاء الراشدين عندهم الذين يقتدون بهم ويتقربون إلى الله بحبهم وولائهم قد وفقوا من السنة النبوية موقفاً سلبياً إلى درجة أنهم أحرقوها ومنعوا من كتابتها والتحدث بها
(1) .
وإضافة لما سبق توضحيه ، لابد لنا من كشف الستار عن تلك المؤامرة الخسيسة التي حبكت ضد السنة النبوية المطهرة لمنع انتشارها والقضاء عليها في المهد ، وإبدالها ببدع الحكام واجتهاداتهم وآراء الصحابة وتأويلاتهم .
وقد عمل الحكام الأولون :
أولاً : على وضع الأحاديث المكذوبة التي تؤيد مذهبهم في منع الكتاب لعموم السنة النبوية والأحاديث الشريفة .
فها هو الإمام مسلم يخرج في صحيحه ، عن هداب بن خالد الأزدي عن همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
____________
(1) يراجع في هذا الصدد كتاب « فاسألوا أهل الذكر » من صفحة 200 وما بعدها .
( 53 )
« لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عني ولا حرج … »
(1) .
والغرض من وضع هذا الكتاب هو تبرير ما فعله أبو بكر وعمر تجاه الأحاديث النبوية التي كتبها بعض الصحابة ودونوها ، وقد وضع هذا الحديث في زمن متأخر عن الخلفاء الراشدين ، وغفل الوضاعون الكاذبون عن الأمور التالية :
أ : لو قال هذا الحديث صاحب الرسالة لامتثل أمره الصحابة الذين كتبوا عنه ولمحوه قبل أن يتولى أبو بكر وعمر حرقها بعد سنوات عديدة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ب : لو كان هذا الحديث صحيحاً لاستدل به أبو بكر أولا ، ثم عمر ثانيا ، لتبرير منعهما كتابة الأحاديث ومحوها ، ولاعتذر أولئك الصحابة الذين كتبوها إما جهلاً وإما نسياناً .
ت : لو كان هذا الحديث صحيحاً لوجب على أبي بكر وعلى عمر أن يمحوا الأحاديث محواً لا يحرقاها حرقاً .
ث : لو صح هذا الحديث فالمسلمون من عهد عمر بن عبد العزيز الى يوم الناس هذا كلهم آثمون لأنهم خالفوا نهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رأسهم عمر بن عبد العزيز الذي أمر العلماء في عهده بتدوين الأحاديث وكتابتها ، والبخاري ومسلم اللذان يصححان هذا الحديث ثم بعصيانه ويكتبان ألوف الأحاديث عن النبي .
ج : وأخيراً لو صح هذا الحديث لما غاب عن باب مدينة العلم علي بن أبي طالب الذي جمع أحاديث النبي في صحيفة طولها سبعون ذراعاً ويسميها الجامعة ( وسيأتي الكلام عنها لاحقاً بحول الله ) .
ثانياً : عمل الحكام الأمويون على التأكيد بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير معصوم عن الخطأ وهو كغيره من البشر الذين يخطئون ويصيبون ، ويروون في
____________
(1) صحيح مسلم ج 8 ، ص 229 كتاب الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم .
( 54 )
ذلك عدة أحاديث . والغرض من وضع تلك الأحاديث هو التأكيد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجتهد برأيه فكان كثراً ما يخطئ مما حدا ببعض الصحابة أن يصوب رأيه ، كما جاء ذلك في قضية تأبير النخل ونزول آية الحجاب ، والاستغفار للمنافقين ، وقبول الفدية من اسرى بدر ، وغير ذلك مما يدعيه « أهل السنة والجماعة » في صحاحهم وما يعتقدونه في صاحب الرسالة ( عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام ) .
ونحن نقول لأهل السنة والجماعة :
إذا كان هذا هو ديدنكم وهذا هو اعتقادكم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف تدعون التمسك بسنته ، وسنته عندكم وعند أسلافكم غير معصومة ، بل غير معلومة ولا مكتوبة ؟
(1)
على أننا نرد على هذه المزاعم والأكاذيب وندجضها من نفس كتبكم وصحاحكم
(2) .
فهذا الإمام البخاري يخرج في صحيحه من كتاب العلم وفي باب كتابة العلم ، عن أبي هريرة قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب
(3) .
ويستفاد من هذه الرواية بأن هناك من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان يكتب أحاديثه ، وإذا كان أبو هريرة يروي أكثر من ستة آلاف حديث عن النبي شفاهياً فإن عبد الله بن عمرو بن العاص فاق هذا العدد كتابياً ولذلك اعترف أبو هريرة بأن عبد الله بن عمرو أكثر منه أحاديث عن النبي لأنه كان يكتب ولا شك بأن هناك في الصحابة كثيرين ممن كانوا يكتبون عن النبي أحاديثه ولم يذكرهم أبو هريرة لعدم اشتهارهم بكثرة الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم .
____________
(1) لأن تدوين السنة النبوية تأخر إلى زمن عمر بن عبد العزيز أو بعده ، أما الخلفاء والحكام الذين حكموا قبله فقد أحرقوها ومنعوا من كتابتها والتحدث بها .
(2) الغريب أن أهل السنة كثراً ما يروون الحديث ونقيضه في نفس الكتاب ، والأغرب من ذلك أنهم كثيراً ما يعملون بما هو مكذوب ويهملون ما هو صحيح .
(3) صحيح البخاري ج 1 ص 36 باب كتابة العلم .
( 55 )
وإذا أضفنا إلى هؤلاء الإمام علي بن أبي طالب الذي كان ينشر من فوق المنبر صحيفة يسميها الجامعة ، جمع فيها كل ما يحتاجه الناس من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد توارثها الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) وكثراً ما تحدثوا عنها .
فقد قال الإمام جعفر الصادق :
« إن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً ، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي بيده ، ما من حلال ولا حرام وما من شيء يحتاج إليه الناس وليس قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش »
(1) .
وقد أشار البخاري نفسه في صحيحه إلى هذه الصحيفة التي كانت عند علي في عدة أبواب من كتابه ، ولكنه وكما عودنا البخاري فإنه أبتر الكثير من خصائصها ومضمونها .
قال البخاري في باب كتابة العلم :
« عن الشعبي عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم كتاب ؟
قال : لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجلاً مسلماً أو ما في هذه الصحيفة.
قال : قلت : وما في هذه الصحيفة ؟
قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر »
(1) .
كما جاء في صحيح البخاري في موضع آخر قوله :
« عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي قال : ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم »
(1) .
كما جاء في موضع آخر من صحيح البخاري قوله :
( 56 )
عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : خطبنا علي فقال : « ما عندنا كتاب نقرأه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة »
(1) .
وينقل البخاري في باب آخر من صحيحه قوله :
عن علي ( رضي الله عنه ) قال : « ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة »
() .
كما أخرج البخاري في موضع آخر من صحيحه قوله :
عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : خطبنا علي ( رضي الله عنه ) على منبر من أجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة ، فقال : « والله ما عندنا كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة »
(3) .
ولم ينقل البخاري ما قاله الإمام جعفر الصادق من أن الصحيفة تسمى الجامعة لأنها جمعت كل حلال وكل حرام ، وفيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي بن أبي طالب . فاختصرها بقوله مرة : بأن فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر ، ومرة أخرى بقوله : فنشرها علي فإذا فيها أسنان الإبل ، وإذا فيها المدينة حرم … وإذا فيها ذمة المسلمين واحدة … وإذا فيها من والى قوماً بغير إذن مواليه ..
إنه التزوير والتعتيم على الحقائق ، وإلا هل يعقل أن يكتب علي هذه الكلمات الأربعة في صحيفة ويعلقها على سيفه وتلازمه عندما يخطب من فوق المنبر ويجعل منها المرجع الثاني بعد كتاب الله فيقول للناس : ما كتبنا عن النبي إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ؟ ؟ !
وهل كان عقل أبي هريرة أكبر من عقل علي بن أبي طالب إذ كان يحفظ عن رسول الله مائة ألف حديث من غير كتابة ؟
____________
(1) صحيح البخاري ج 4 ، ص 67 وصحيح مسلم ج 4 ص 115 .
(2) صحيح البخاري ج 4 ص 69 .
(3) صحيح البخاري ج 8 ص 144 .
( 57 )
عجيب والله أمر هؤلاء الذين يقبلون مائة ألف حديث عن أبي هريرة الذي لم يصحب النبي إلا ثلاث سنوات وكان يجهل القراءة والكتابة ويزعمون بأن عليا باب مدينة العلم الذي تعلم منه الصحابة شتى العلوم والمعارف ، كان يحمل صحيفة فيها أربعة أحاديث ظلت تلازمه من حياة الرسول إلى ايام خلافته فيصعد بها على المنبر وهي معلقة على سيفه ؟ كبرت كلمة تخرج من أقواههم إن يقولون إلا كذباً .
على أن في ما أخرجه البخاري كفاية للباحثين والعقلاء ، وذلك عندما ذكر بأن فيها العقل ، فهو دليل بأن في الصحيفة أشياء كثيرة تخص العقل البشري والفكر الإسلامي .
ونحن لا نريد إقامة الدليل على ما في الصحيفة ، فأهل مكة أدرى بشعابها وأهل البيت أدرى بما فيه وقد قالوا بأن فيها كل ما يحتاجه الناس من حلال وحرام حتى أرش الخدش .
ولكن الذي يهمنا في هذا البحث هو أن الصحابة كانوا يكتبون أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقول أبي هريرة بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب أحاديث النبي ، وقول علي بن أبي طالب : ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ، كما جاء في صحيح البخاري ، هو دليل قاطع على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن كتابة أحاديثه أبداً ،بل العكس هو الصحيح ، وأن الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه « لا تكبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه » هو حديث مكذوب وضعه أنصار الخلفاء لتأييد وتبرير ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان من حرق الأحاديث النبوية ومنع السنة من الانتشار . ومما يزيدنا يقينا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن كتابة الأحاديث عنه بل إنه أمر بها ، هو ما قاله الإمام علي أقرب الناس للنبي : « ما كتبنا عنه غير القرآن وما في هذه الصحيفة » والذي صححه البخاري .
وإذا أضفنا إلى هذا قول الإمام جعفر الصادق بأن الصحيفة الجامعة هي من إملاء رسول الله وخط علي فمعناه أن النبي أمر علياً بالكتابة .
( 58 )
وحتى لا يبقى عندك شك أيها القارئ العزيز ، أزيدك ما يلي :
أخرج الحاكم في مستدركه وأبو داود في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والدارمي في سننه ، أخرجوا كلهم حديثاً مهماً جداً بخصوص عبد الله بن عمرو الذي ذكره أبو هريرة بأنه كان يكتب عن النبي :
قال عبد الله بن عمرو : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ( ص)، فنهتني قريش وقالوا : تكتب كل شيء سمعته من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟
قال عبد الله : فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأومأ إلى فيه وقال : « أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق
(1) .
ونلاحظ من خلال هذا الحديث بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب كل ما يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينهه النبي عن ذلك وإنما وقع النهي من قريش ، ولم يرد عبد الله التصريح بأسماء الذين نهوه عن الكتابة لأن في نهيهم طعن على رسول الله ، كما لا يخفى فأبهم القول بأنهم قريش ، والمقصود بقريش زعماؤها من المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وأبو عبيدة وطلحة والزبير ومن سار على رأيهم .
كما نلاحظ بأن نهيهم لعبد الله كان في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ما يؤكد عمق المؤامرة وخطورتها .
وإلا لماذا يعمد هؤلاء لنهي عبد الله عن الكتابة بدون الرجوع إلى النبي نفسه ؟
كما يفهم أيضاً من قولهم له : إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا ، أن عقيدتهم في النبي كانت هزيلة إلى درجة أنهم يشكون فيه بأنه يقول باطلاً ويحكم ظلماً خصوصاً في حالة الغضب ، وما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما ذكر له عبد اله بن عمرو نهي قريش وما قالوه في شأنه فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
____________
(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 105 .
(2) سنن أبي داود ج2 ص126.
(3) سنن الدارمي ج1 ص125.
(4) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج2 ص162.
( 59 )
« أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق » ـ إشارة إلى فمه ـ لدليل آخر على علم الرسول بشكهم في عدالته ، وأنهم يجوزون عليه الخطأ وقول الباطل فأقسم بالله بأنه لا يخرج من فمه إلا الحق .
وهذا هو التفسير الصحيح لما جاء في قوله سبحانه وتعالى :
«وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى» (النجم : 3 ـ 4 ).
وأنه صلى الله عليه وآله وسلم معصوم عن الخطأ وقول الباطل وبهذا فإننا نجزم بأن كل الأحاديث والروايات التي وضعت في زمن الأمويين والتي يستفاد منها بأنه غير معصوم لا يصح شيء منها ، كما أن الحديث المذكور يشعرنا بأن تأثيرهم على عبد الله بن عمرو كان كبيراً حتى أمسك عن الكتابة كما صرح هو بنفسه إذ قال : « فأمسكت عن الكتابة » وبقي على ذلك إلى أن جاءت مناسبة تدخل فيها رسول الله بنفسه لإزالة الشكوك التي تثار حول عصمته وعدالته ، وكانت كثراً ما تشار حتى بمحضره صلى الله عليه وآله وسلم كقولهم له صراحة : أأنت نبي الله حقاً ؟
(1) أو : أنت الذي تزعم أنك نبي
(2) ، أو والله ما قصد بهذه القسمة وجه الله
(3) .
أو كقول عائشة للنبي : إن ربك يسارع في هواك
(4) أو قولها له : أقصد إلى غير ذلك من العبارات النابية التي تعرب عن شكهم في عصمته واعتقادهم بأنه يحيف ويظلم ويخطئ ويكذب والعياذ بالله .
فكان صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الخلق العظيم رؤوفاً رحيماً كثيراً ما يزيح تلك الشبهات بقوله مرة : ما أنا إلا عبد مأمور ، ومرة يقول : والله إني لأبر لله وأتقى ، وأخرى يقول : والذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق ، وكثيراً ما كان يقول : رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر .
فلم تكن هذه الكلمات النابية التي تطعن في عصمته وتشكك في نبوته
____________
(1) قاله عمر بن الخطاب في صلح الحديبية أخرجه البخاري ج 2 ص 122 .
(2) قالته عائشة بنت أبي بكر للنبي كتاب إحياء العلوم للغزالي ج 2 ص 29 .
(3) قاله صحابي من الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجه البخاري ج 4 ص 47 .
(4) صحيح البخاري ج 6 ص 24 وكذلك في صفحة 128 من الجزء السادس .
( 60 )
صادرة عن أناس متروكين أو عن المنافقين ، ولكنها مع الأسف صدرت عن عظماء الصحابة وعن أم المؤمنين والذين هم عند « أهل السنة والجماعة » قدوة وأسوة حسنة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ومما يزيدنا يقينا بأن حديث « لا تكتبوا عني » هو حديث موضوع لا أساس له من الصحة ولم ينطق به رسول الله إطلاقاً ، أن أبا بكر نفسه كان يكتب عن رسول الله بعض الأحاديث التي جمعها في عهد النبي ، ثم بعد ما تولى الخلافة بدا له أن يحرقها لأمر قد لا يخفى على الباحثين .
فها هي اينته عائشة تقول : جمع أبي الحديث عن رسول اله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ، فقلت : يتقلب لشكوى أو لشيء بلغه ، فلما أصبح قال : أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك ، فجئته بها فأحرقها
(1) .
وهذا عمر بن الخطاب أيضاً في خلافته يخطب يوماً في الناس قائلاً : ( لا يبقين أحد عنده كتاباً إلا أتاني به فأرى فيه رأيي » فظنوا أنه يريد النظر فيها ليقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه يكتبهم فأحرقها بالنار
(2) .
كما بعث في الأمصار يأمرهم : من كان عنده شيء فليمحه
(3) . فهذا أكبر دليل على أن الصحابة عامة سواء منهم المقيمين في المدينة أو في بقية الأمصار الإسلامية الأخرى كلهم عندهم كتب جمعوا فيها الأحاديث النبوية التي كتبوها على عهده صلى الله عليه وآله وسلم فأحرقت كلها بفعل أبي بكر أولا ثم عمر ثانياً ومحيت بقية الكتب التي في الأمصار بأمر عمر في خلافته
(4) .
وعلى هذا فلا يمكن لنا ولا لأي عاقل أن يصدق بأن رسول الله نهاهم عن
____________
(1) كنز العمال ج 5 ص 237 ، وابن كثير في البداية والنهاية ، وتذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 5 .
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 188 والخطيب البغدادي في تقييد العلم .
(3) جامع بيان العلم لابن عبد البر .
(4) انظر رعاك الله إلى هذا العمل الشنيع الذي فعله الخلفاء أبو بكر وعمر تجاه السنة النبوية ، والخسارة العظمى التي لا تقدر والتي تسببا فيها للأمة الإسلامية التي كانت في أشد الحاجة للأحاديث النبوية لفهم القرآن وفهم أحكام الله تعالى ، وإنها لعمري أحاديث صحيحة لأنهم كتبوها عنه مباشرة وبدون واسطة ، أما الأحاديث التي جمعت في ما بعد أغلبها أحاديث موضوعة ، لأن الفتنة وقعت وقتل المسلمون بعضهم ، وكتبت بأمر الحكام الجائرين .
( 61 )
كتابة الحديث بعدما عرفنا بأن أكثر الصحابة كانت عندهم كتب للأحاديث وخصوصاً الصحيفة التي كانت تلازم الإمام علي وطولها سبعون ذراعاً ويسميها الجامعة لأنها جمعت كل شيء .
وبما أن السلطة الحاكمة والسياسة السائدة ، اقتضت مصالحها محو السنة وحرقها وعدم التحدث بها ، فإن الصحابة المؤيدين لتلك الخلافة امتثلوا الأوامر ونفذوها ، فلم يبق لهم ولا لأتباعهم من التابعين سوى الاجتهاد بالرأي ، أو الاقتداء بسنة أبي بكر وسنة عمر وسنة عثمان وسنة معاوية وسنة يزيد وسنة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسنة سليمان بن عبد الملك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول الله أو سنته أو حديث عمر بن الخطاب
(1) .
وهكذا يتبين لنا أنه حتى في الظروف التي سمحت بتدوين السنة وبعد مرور مائة سنة على طمسها ومنعها ، نرى الحاكم الأموي المعتدل والذي ألحقه «أهل السنة » بالخلفاء الراشدين ، يأمر بجمع سنة رسول الله وسنة عمر بن الخطاب ، وكأن عمر بن الخطاب شريك محمد في رسالته ونبوته .
ولماذا لم يطلب عمر بن عبد العزيز من أئمة أهل البيت الذين عاصرهم أن يعطوه نسخة من الصحيفة الجامعة ، ولماذا لم يكلفهم هم بجمع الأحاديث النبوية فهم أعلم بحديث جدهم من غيرهم ؟ ؟
فالمحققون والباحثون يعرفون سر ذلك .
وهل يحصل الاطمئنان إلى تلك الأحاديث التي جمعها « أهل السنة والجماعة» من بني أمية وأعوانهم الذين يمثلون خلافة قريش وقد عرفنا حقيقة قريش وعقيدتها في رسول الله وسنته المطهرة ؟
ويبقى واضحاً بعد هذا بأن السلطة الحاكمة وعلى مر عصور الخلافة ، عملت بالاجتهاد والقياس ومشاورة بعضهم .
وبما أن السلطة قد أقصت الإمام علياً عن مسرح الحياة وأهملته فلم يكن لها عليه من سلطان لحرق ما كتبه في عهد الرسالة بإملاء النبي نفسه .
____________
(1) موطأ الإمام مالك ج1 ص5.
( 62 )
وبقي علي بن أبي طالب يحتفظ بتلك الصحيفة التي جمع فيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش ، ولما تولى الخلافة كان يعلقها على سيفه ويصعد على المنبر ليخطب في الناس ويعرفهم بأهميتها .
وقد تواترت الأخبار عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنهم توارثوا تلك الصحيفة أبا عن جد وكابرا عن كابر ، وكانوا يفتون بها في المسائل التي يحتاجها معاصروهم ممن اقتدوا بهديهم .
ولذلك كان الإمام جعفر الصادق والإمام الرضا وغيرهم من الأئمة يرددون دائماً نفس الكلام بخصوصها ويقولون : « إننا لا نفتي الناس بآرائنا ، إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنها آثار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أهل علم نتوارثها كابراً عن كابر ، نكتنزها كما يكتنز الناس ذهبهم وفضتهم »
(1) .
وقال جعفر الصادق مرة أخرى .
حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ، وحديث رسول الله هو قول الله ( عز وجل )
(2) .
وبكل هذا يصبح حديث الثقلين المتواتر : تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً
(3) ، هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال ، وتصبح السنة النبوية ، الصحيحة ليس لها من حافظ وراع وقيم غير الأئمة الأطهار من آل بيت المصطفى المختار .
كما يستنتج من هذا أن شيعة أهل البيت الذين تمسكوا بالعترة هم أهل السنة النبوية ، وأن « أهل السنة والجماعة » مدعون ما ليس لهم ، ولا تقوم دعواهم على حجة ولا دليل .
ـ والحمد لله الذي هدانا لهذا ـ .
____________
(1) معالم المدرستين للعلامة العسكري ج 2 ص 302 .
(2) أصول الكافي ج 1 ص 53 .
(3) صحيح مسلم ج 5 ص 122 . صحيح الترمذي ج 5 ص 637 .
( 63 )
الشيعة في نظر « أهل السنة »
إذا استثنينا بعض العلماء المعاصرين الذين أنصفوا في كتاباتهم عن الشيعة بما تفرضه عليهم الأخلاق الإسلامية ، فإن الأغلبية الساحقة منهم قديماً وحديثاً لا زالوا يكتبون عن الشيعة بعقلية الأمويين الحاقدين ، فتراهم في كل واحد يهيمون ويقولون ما لا يفقهون ، ويسبون ويشتمون ويتقولون افتراء وبهتاناً على شيعة آل البيت ما هم منه براء ، ويكفرونهم ينبذونهم بالألقاب اقتداء بسلفهم الصالح معاوية وأضرابه ، الذين استولوا على الخلافة الإسلامية بالقوة والقهر والمكر والدهاء والخيانة والنفاق .
فمرة يكتبون بأن الشيعة هي فرقة من تأسيس عبد الله بن سبأ اليهودي ، ومرة يكتبون بأنهم من أصل المجوس ، وأنهم روافض قبحهم الله ، وأنهم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى ، ومرة يكتبون بأنهم منافقون لأنهم يعملون بالتقية وأنهم إباحيون يبيحون نكاح المحارم ويحللون المتعة وهي زنا ، والبعض يكتب بأن لهم قرآناً غير قرآننا ، وأنهم يبعدون علياً والأئمة من بنيه ويبغضون محمداً وجبريل وأنهم وأنهم ….
ولا يمر عام إلا ويطلع علينا كتاب أو مجموعة كتب من أولئك العلماء الذين يتزعمون « أهل السنة والجماعة » بزعمهم وكله تكفير واستهانة بالشيعة .
وليس لهم في ذلك مبرر ولا دافع إلا إرضاء أسيادهم الذين لهم مصلحة في تمزيق الأمة وتفريقها والعمل على إبادتها . كما ليس لهم فيما يكتبون من حجة ولا دليل سوى التعصب الأعمى والحقد الدفين والجهل المقيت ، وتقليد السلف
( 64 )
بدون تمحيص ولا بحث ولا بينة ، فهم كالببغاء يعيدون ما يسمعون ويستنسخون ما كتبه النواصب من أذناب الأمويين ، والذين لا يزالون يعيشون على مدح وتمحيد يزيد بن معاوية
(1) .
فلا نستغرب من أولئك الممجدين ليزيد بن معاوية ، أن يسبوا ويكفروا أعداء يزيد هذا .
وإذا كان سلفهم الصالح ، يزيد وأبوه معاوية يغدقون على أتباعهم ومن تشيع لهم الذهب والفضة ويشترون بها ضمائرهم في الماضي ، فإن ملايين الدولارات ، والقصور الفخمة في لندن وباريس والتي ملئت بزرق العين ، من الشقراوات ، والخمر المصفى ، لقادر على شراء ضمائرهم ودينهم وأوطانهم في الحاضر .
ولو كان هؤلاء يتبعون السنة النبوية كما يزعمون لتعلموا من أخلاقه العالية صلى الله عليه وآله وسلم احترام الغير ولو خالفهم في العقيدة .
ألم تقل السنة النبوية : « المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا » ، و « المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » .
ألم يصرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » فلو كان هؤلاء الكتاب المدعون أنهم من « أهل السنة والجماعة » يعرفون السنة النبوية ، لما سمحت لهم نفوسهم بتكفير من يشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله ، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ، ويحج البيت الحرام ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
وبما أنهم أتباع السنة الأموية والقرشية فهم يتكلمون ويكتبون بالعقلية الجاهلية والأفكار القبلية والنعرات العنصرية . فالشيء من مأتاه لايستغرب ، وكل إناء بالذي فيه ينضح .
____________
(1) فقد نشرت وزارة المعارف للمملكة العربية السعودية كتاباً بعنوان : « حقائق عن أمير المؤمنين يرزيد بن معاوية » وهذا الكتاب انتخبته وزارة المعارف للتدريس في مدارسها الرسمية .
( 65 )
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الذكر الحكيم :
«قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم …» ( آل عمران : 64 ) ؟
فإن كانوا من أهل السنة حقاً ، فلينادوا أخوانهم من الشيعة إلى كلمة سواء بينهم .
وإذا كان الإسلام ينادي أعداءه من اليهود والنصارى إلى كلمة سواء للتفاهم والتآخي ، فكيف بمن يعبدون إلهاً واحداً ، ونبيهم واحد وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ومصيرهم واحد !
فلماذا لا ينادي علماء « أهل السنة » إخوانهم من علماء الشيعة ويجلسون معهم حول طاولة البحث ، ويجادلونهم بالتي هي أحسن ويصلحون عقائدهم إن كانت فاسدة كما يزعمون ؟
لماذا لا يعقدون مؤتمراً إسلامياً يجمع علماء الفريقين وتطرح فيه كل المسائل الخلافية على مسمع ومرأى من كل المسلمين حتى يعرفوا وجه الصواب من الكذب والبهتان ؟
وخصوصاً وأن « أهل السنة والجماعة » يمثلون ثلاثة أرباع المسلمين في العالم ، ولهم من الإمكانات المادية والنفوذ لدى الحكومات ما يجعل ذلك عندهم سهلاً ميسوراً إذ يملكون الأقمار الصناعية .
ولأن « أهل السنة والجماعة » لا يعملون لمثل هذا أبداً ، ولا يريدون المواجهة العلمية التي ينادي بها كتاب الله المجيد بقوله :
«قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ( البقرة : 111 ) .
«قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون» ( الأنعام : 148 )
ولذلك تراهم دائماً يلجأون إلى السب والشتم والتكفير والبهت والافتراء وهم يعرفون بأن الحجة والدليل مع خصومهم الشيعة .
وأعتقد بأنهم يخافون أن يتشيع أكثر المسلمين إذا كان كشفت الحقائق كما وقع
( 66 )
بالفعل لبعض العلماء الأزهريين في مصر الذين سمحوا لأنفسهم بالبحث عن الحق فأدركوه واستبصروا ونبذوا ما كانوا عليه من عقيدة « السلف الصالح » .
فالعلماء من « أهل السنة والجماعة » يدركون هذا الخطر الذي يهدد كيانهم بالذوبان ، فإذا أعيتهم الحيلة وصل الأمر بالبعض منهم أن حرم على أتباعه ومقلديه أن يجلسوا مع الشيعة أو يجادلوهم أو يتزوجوا منهم أو يزوجوهم أو يأكلوا من ذبائحهم .
ويفهم من موقفهم هذا بأنهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية ، وهم أقرب ما يكونون من سنة بني أمية الذين عملوا بكل جهودهم على إضلال الأمة المحمدية بأي ثمن لأن قلوبهم لم تخشع لذكر الله وما نزل من الحق ودخلوا في الإسلام وهم كارهون .
وهذا ما عبر عنه إمامهم معاوية بن أبي سفيان الذي قتل خيار الصحابة من أجل الوصول إلى الحكم فقط ، فقد قال في أول خطبة له :
« إني لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون » .
وصدق الله إذ يقول :
«إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون» ( النمل : 34 ) .
( 67 )
« أهل السنة والجماعة » في نظر الشيعة
إذا استثنينا بعض المتعصبين من عوام الشيعة الذين ينظرون إلى « أهل السنة والجماعة » بأنهم كلهم من النواصب
(1) ، فإن الأغلبية الساحقة من علمائهم قديماً وحديثاً ، لا زالوا يعتقدون بأن إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » هم ضحايا الدس والمكر الأموي لأنهم أحسنوا الظن « بالسلف الصالح » واقتدوا بهم بدون بحث ولا تمحيص ، فأضلوهم عن الصراط المستقيم وأبعدوهم عن الثقلين ـ كتاب الله والعترة الطاهرة ـ الذين يعصمان المتمسك بهما من الضلالة ويضمنان له الهداية .
فترهم كثيراً ما يكتبون للدفاع عن أنفسهم وللتعريف بمعتقداتهم داعين للإنصاف ولتوحيد الكلمة مع إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » .
وقد جاب بعض علماء الشيعة في الأقطار والأمصار باحثين عن الأساليب الكفيلة لتأسيس دور وجمعيات إسلامية للتقريب بين المذاهب ومحاولة جمع الشمل .
ويمم آخرون منهم وجهتهم صوب الأزهر الشريف منارة العلم والمعرفة عند « أهل السنة » ، وتقابلوا مع علمائه وجادلوهم بالتي هي أحسن ، وعملوا على إزالة الأحقاد ، كما فعل الإمام شرف الدين الموسوي عند لقائه بالإمام سليم الدين البشري ، وكان من نتيجة ذلك اللقاء والمراسلات ولادة الكتاب القيم
____________
(1) النواصب جمع ناصبي : وهم الذين ناصبوا العداء لأهل البيت النبوي وحاربوهم وقتلوهم وتتبعوهم أمواتاً فنبشوا قبورهم .
( 68 )
المسمى بـ « المراجعات » والذي كان له الدور الكبير في تقريب وجهات النظر عند المسلمين . كما أن جهود أولئك العلماء من الشيعة كللت بالنجاح في مصر فأصدر الإمام محمود شلتوت مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت فتواه الجريئة في جواز التعبد بالمذهب الشيعي الجعفري ، وأصبح الفقه الشيعي الجعفري من المواد التي تدرس بالأزهر الشريف .
هذا ودأب الشيعة وعلماؤهم بالخصوص على التعريف بأئمة أهل البيت الطاهرين وبالمذهب الجعفري الذي يمثل الإسلام بكل معانيه وكتبوا في ذلك المجلدات والمقالات وعقدوا لذلك الندوات وخصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عقدت مؤتمرات عديدة في طهران باسم الوحدة الإسلامية وباسم التقريب بين المذاهب ، وكلها دعوات صادقة لنبذ العداء والأحقاد ، ولبث روح الأخوة الإسلامية واحترام المسلمين بعضهم لبعض .
وفي كل عام يدعو مؤتمر الوحدة الإسلامية علماء ومفكرين من الشيعة والسنة فيعيشون أسبوعاً كاملاً تحت ظل الأخوة الصادقة فيأكلون ويشربون ويصلون ويدعون ويتبادلون الآراء والأفكار ويعطون ويأخذون .
ولو لم يكن لتلك المؤتمرات دور إلا تأليف القلوب وتقريب المسلمين بعضهم من بعض ليتعارفوا وتزول الأحقاد لكان فيها الخير الكثير والفضل العميم ، ولسوف تؤتى أكلها بعد حين إن شاء الله رب العالمين .
وأنت إذا دخلت إلى أي بيت من بيوت الشيعة العاديين فضلاً عن بيوت العلماء والمثقفين ، فسوف تجد فيه مكتبة تضم إلى جانب مؤلفات الشيعة جانباً كبيراً من مؤلفات « أهل السنة والجماعة » على عكس « أهل السنة والجماعة » فقد لا تجد عن علمائهم كتاباً شيعياً واحداً إلا نادراً .
ولذلك هم يجهلون حقائق الشيعة ولا يعرفون إلا الأكاذيب التي يكتبها أعداؤهم .
كما أن الشيعي العادي تجده في أغلب الأحيان يعرف التاريخ الإسلامي بكل أدواره وقد يحتفل بإحياء بعض ذكرياته .
( 69 )
أما العالم السني تجده قليلاً ما يهتم بالتاريخ فهو يعتبره من المآسي التي لا يريد نبشها والاطلاع عليها ، بل يجب إهمالها وعدم النظر فيها لأنها تسيء الظن بـ « السلف الصالح » .
وبما أنه أقنع نفسه أو أوهمها بعدالة الصحابة أجمعين ونزاهتهم ، فلم يعد يتقبل ما سجله التاريخ عليهم .
لكل ذلك تراه لا يصمد للنقاش البناء الذي يقوم على الدليل والبرهان ، فتراه إما يتهرب من البحث لعلمه مسبقاً بأنه مغلوب وإما أن يتغلب على عواطفه وميوله ويقحم نفسه في البحث فيصبح ثائراً على كل معتقداته ويتشيع لأهل بيت المصطفى .
فالشيعة هم أهل السنة النبوية لأن إمامهم الأول بعد النبي هو علي بن أبي طالب الذي يعيش ويتنفس بالسنة النبوية . أنظر إليه وقد جاؤوه ليبايعون بالخلافة على أن يحكم بسيرة الشيخين فقال : « لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله » فلا حاجة لعلي في الخلافة إن كانت على حساب السنة النبوية ، فهو القائل : « إن خلافتكم عندي كعفطة عنز إلا أن أقيم حدا من حدود الله » .
وقال ابنه الإمام الحسين : قولته المشهورة التي بقيت ترن في مسمع الدهر : « إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني » .
ولهذا فإن الشيعة ينظرون إلى اخوانهم من « أهل السنة والجماعة » بنظر العطف والحنان وكأنهم يريدون لهم الهداية والنجاة لأن ثمن الهداية عندهم حسب ما جاءت به الروايات الصحيحة خير من الدنيا وما فيها ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عندما بعثه لفتح خيبر : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن قالوها فقد عصم منك دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو خير لك من أن يكون لك حمر النعم
(1) .
____________
(1) صحيح مسلم ج 7 ص 122 كتاب الفضائل باب فصائل علي بن أبي طالب .
( 70 )
وكما كان هم علي بن أبي طالب الوحيد هو هداية الناس والرجوع بهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكذلك شيعته اليوم هممهم أن يدفعوا عن أنفسهم كل التهم والأكاذيب وأن يعرفوا إخوانهم من « أهل السنة » بحقائق أهل البيت ( عليهم السلام ) وبالتالي يهدوهم إلى سواء السبيل .
«لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون» (يوسف : 111) .
( 71 )
التعريف بأئمة الشيعة
لقد انقطع الشيعة للأئمة الاثني عشر من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أولهم علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن ، ثم ابنه الحسين ، ثم التسعة المعصومون من ذرية الحسن ومن نسله .
وقد نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هؤلاء الأئمة في العديد من المرات تصريحاً وتلميحاً وقد ذكرهم بأسمائهم في بعض الروايات التي أخرجها الشيعة والبعض من علماء « السنة » .
وقد يعترض البعض من « أهل السنة » على هذه الروايات مستغرباً كيف يتكلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور غيبية ما زالت في طي العدم ؟ وقد جاء في القرآن قوله :
«لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء» ( الأعراف : 188 ) .
وإجابة على ذلك نقول بأن هذه الآية الكريمة لا تنفي عن الرسول علمه بالغيب مطلقاً ، إنما جاءت رداً على المشركين الذين طلبوا منه أن يعلمهم عن قيام الساعة ، وموعد الساعة قد اختص الله سبحانه بعلمه .
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى :
«عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ….» ( الجن : 26 ـ 27 ) .
وفي هذا دلالة على أنه سبحانه يطلع على غيبه رسله الذين اصطفاهم ، ومن ذلك مثلاً قول يوسف ( عليه السلام ) لأصحابه في السجن :
«لا يأتيكما طعام
( 72 )
ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي …» ( يوسف : 37 ) .
وكقوله تعالى :
«فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً» ( الكهف : 65 ) . حكاية عن الخضر الذي التقى بموسى وعلمه من علم الغيب ما لم يستطع عليه صبراً .
والمسلمون شيعة وسنة لم يختلفوا في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم الغيب وقد سجلت سيرته الكثير من الأخبار بالغيب كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ويح عمار تقتله الفئة الباغية » وقوله لعلي : « أشقى الآخرين الذي يضربك على رأسك فيخضب لحيتك » وقوله : « إن ابني الحسن يصلح الله به فئتين عظيمتين » وكقوله لأبي ذر بأنه سيموت وحيداً طريداً إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة ، ومنها حديثه المشهور الذي أخرجه البخاري ومسلم وكل المحدثين والذي جاء فيه : « الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش » وفي بعض الروايات « كلهم من بني هاشم » .
وقد أثبتنا في الأبحاث السابقة من كتاب « مع الصادقين » وكتاب «فاسألوا أهل الذكر » بأن علماء السنة أنفسهم أشاروا في صحاحهم ومسانيدهم إلى تلك الأحاديث الدالة على إمامة الأئمة الاثني عشر وصححوها .
وإذا سأل سائل : لماذا تركوهم واقتدوا بغيرهم من ائمة المذاهب الأربعة ، إذا كانوا يعترفون بتلك الأحاديث ويصححونها ؟ ؟
والجواب هو : إن « السلف الصالح » كلهم من أنصار الخلفاء الثلاثة الذين أولدتهم السقيفة أبو بكر وعمر وعثمان ، فكان نفورهم من أهل البيت وعداؤهم للإمام علي وأولاده لابد منه ، فعملوا كما قدمنا على محق السنة النبوية وإبدالها باجتهاداتهم .
وسبب ذلك انقسام الأمة إلى فرقتين بعد وفاة الرسول مباشرة فكان «السلف الصالح » ومن تبعهم ورأى رأيهم يمثلون « أهل السنة والجماعة» وهم الأغلبية الساحقة في الأمة ، وكان الأقلية القليلة علي وشيعته الذين تخلفوا عن البيعة ولم
( 73 )
يقبلوا بها فأصبحوا من المنبوذين والمغضوب عليهم وأطلقوا عليهم اسم الروافض .
وبما أن « أهل السنة والجماعة » هم الذين تحكموا بمصير الأمة عبر القرون فحكام بني أمية كلهم وحكام بني العباس كلهم هم أنصار وأتباع مدرسة الخلافة التي أسسها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية
(1) ويزيد .
ولما فشل أمر الخلافة وذهبت هيبتها وأصبحت في أيدي المماليك والأعاجم وسمع بتدوين السنة النبوية ، عند ذلك ظهرت تلكم الأحاديث التي عمل الأولون على طمسها وكتمانها ولم يقدروا فيما بعد على محوها وتكذيبها ، وبقيت تلك الأحاديث من الألغاز المحيرة عندهم لأنها تخالف الأمر الواقع الذي آمنوا به .
وحاول بعضهم التوفيق بين تلك الأحاديث وما هم عليه من العقيدة فتظاهروا بمحبة أهل البيت ومودتهم فتراهم كلما ذكروا الإمام علياً يقولون رضي الله عنه وكرم الله وجهه ، حتى يتبين للناس بأنهم ليسوا بأعداء لأهل البيت النبوي .
فلا يمكن لأي واحد من المسلمين حتى المنافقين منهم أن يظهر عداءه لأهل البيت النبوي ، لأن أعداء أهل البيت هم أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يخرجهم من الإسلام كما لا يخفى .
والمفهوم من كل هذا بأنهم في الحقيقة أعداء أهل البيت النبوي ونقصد بهؤلاء « السلف الصالح » الذين تسموا أو سماهم أنصارهم بـ « أهل السنة والجماعة » والدليل أنك تجدهم كلهم يقلدون المذاهب الأربعة الذين أوجدتم السلطة الحاكمة ( كما سنبينه عما قريب ) ، وليس عندهم في أحكام الدين شيء يرجعون فيه لفقه أهل البيت أو لأحد الأئمة الاثني عشر .
____________
(1) لقد أغفلنا ذكر خلافة علي بن أبي طالب قصداً ، لأن « أهل السنة والجماعة » لم يكونوا يعترفون بها كما قدمنا إلا في زمن أحمد بن حنبل . راجع فصل ( أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية » ص 44 من هذا الكتاب .
( 74 )
والحقيقة تفرض بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة المحمدية لأنهم تقيدوا في كل أحكامهم الفقهية بأئمة أهل البيت الذين توارثوا السنة الصحيحة عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدخلوا فيها الآراء والاجتهادات وأقوال العلماء .
وبقي الشيعة على مر العصور يتعبدون بالنصوص ويرفضون الاجتهاد في مقابل النص ، كما يؤمنون بخلافة علي وبنيه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على ذلك ، فهم يسمونهم خلفاء الرسول ولو لم يصل منهم إلى الخلافة الفعلية إلا علي ، ويرفضون ولا يعترفون بالحكام الذين تداولوا الخلافة من أولها إلى آخرها لأن أساسها كان فلتة وقى الله شرها ولأنها قامت رفضاً ورداً على الله ورسوله وكل الذين جاؤوا بعدها هم عيال عليها فلم يقم خليفة إلا بتعيين السابق له ، أو بالقتال والتغلب والقهر
(1) .
ولذلك اضطر « أهل السنة والجماعة » للقول بإمامة البر والفاجر لأنهم قببلوا بخلافة كل الحكام حتى الفاسقين منهم .
وامتاز الشيعة الإمامية بالقول بوجوب عصمة الإمام فلا تصح الإمامة الكبرى وقيادة الأمة إلا للإمام المعصوم وليس في هذه الأمة بشر معصوم إلا الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
____________
(1) يستثنى من ذلك فقط خلافة علي بن أبي طالب ، فهو الوحيد الذي لم يتعين من قبل الذي سبقه ، ولم يسلط عليها بالقهر والقوة ، بل بايعه المسلمون بكل حرية وطواعية بل ودعوهم إليها بإصرار .
( 75 )
التعريف بأئمة « أهل السنة والجماعة »
وقد انقطع « أهل السنة والجماعة » إلى الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة ، وهم : أبو حنيفة ومالك ، والشافعي وأحمد بن حنبل .
وهؤلاء الأئمة الأربعة لم يكونوا من صحابة الرسولصلى الله عليه وآله وسلم ولا من التابعين فلا يعرفهم رسول الله ولا يعرفونه ، ولم يرهم ولم يرونه ، فأكبرهم سنا أبو حنيفة بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة عام لأن مولده كان في سنة ثمانين للهجرة ووفاتة سنة خمسين ومائة ، أما أصغرهم أحمد بن حنبل فكان مولده سنة خمس وستين ومائة وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين ، هذا بالنسبة لفروع الدين .
أما بالنسبة لأصول الدين فـ « أهل السنة والجماعة » يرجعون للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي ولد سنة سبعين ومائتين وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة .
فهؤلاء هم أئمة « أهل السنة والجماعة » والذين ينقطعون إليهم في أصول الدين وفروعه .
فهل ترى فيهم واحداً من أئمة أهل البيت ، أو من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو تكلم رسول الله عن واحد منهم وأرشد الأمة إليه ؟ ؟ كلا لا يوجد شيء من ذلك ودونه خرط القتاد .
وإذا كان « أهل السنة والجماعة » يدعون التمسك بالسنة النبوية ، فلماذا
( 76 )
تأخرت تلك المذاهب إلى ذلك العهد ؟ وأين كان « أهل السنة والجماعة » قبل وجود تلك المذاهب ؟ وبماذا كانوا يتعبدون ، وإلى من كانوا يرجعون ؟
ثم كيف ينقطعون إلى رجال لم يعاصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عرفوه ، وإنما ولدوا بعدما وقعت الفتنة وبعدما تحارب الصحابة وقتل بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضاً ، وبعدما تصرف الخلفاء في القرآن والسنة واجتهدوا فيهما بآرائهم .
وبعدما استولى يزيد بن معاوية على الخلافة فاستباح مدينة الرسول المنورة لجيشه يفعل فيها ما يشاء ، فعاث جيشه فيها فساداً وقتل خيار الصحابة الذين لم يبايعوه واستبيحت الفروج وانتهكت المحارم وحبلت النساء من سفاح .
فكيف يركن العاقل إلى أولئك الأئمة الذين هم من تلك الطبقة البشرية التي تدنست بأوحال الفتنة وتغذت بألبانها المتلونة ، وشبت وترعرت على أساليبها الماكرة الخداعة ، وقلدتها أوسمة العلم المزيفة . فلم يبرز للوجود منهم إلا الذين رضيت عليهم الدولة ورضوا عنها
(1) .
كيف يترك ـ من يدعي التمسك بالسنة ـ الإمام علي باب مدينة العلم والإمام الحسن والإمام الحسين سيدا شباب أهل الجنة والأئمة الطاهرين من عترة النبي الذين ورثوا علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتبع أئمة لا علم لهم بالسنة النبوية بل هم صنيعة السياسة الأموية ؟
كيف يدعي « أهل السنة والجماعة » بأنهم أتباع السنة النبوية وهم يهملون القيمين عليها ؟ بل كيف يتركون وصايا النبي وأوامره بالتمسك بالعترة الطاهرة ، ثم يدعون أنهم أهل السنة ؟ !
وهل يشك مسلم عرف التاريخ الإسلامي وعرف القرآن والسنة بأن «أهل السنة والجماعة » هم أتباع الأمويين والعباسيين ؟
وهل يشك مسلم عرف القرآن والسنة وعرف التاريخ الإسلامي بأن الشيعة الذين يقلدون عترة النبي ويوالونهم هم اتباع السنة النبوية ، وليس لأحد غيرهم أن يدعيها ؟
____________
(1) سيأتي في الأبحاث القادمة بأن الحكام الأمويين والعباسيين هم الذين أوجدوا تلك المذاهب وفرضوها .
( 77 )
أرأيت أيها القارئ العزيز كيف تقلب السياسة الأمور وتجعل من الباطل حقاً ومن الحق باطلاً ! فإذا بالموالين للنبي وعترته تسميهم بالروافض وبأهل البدع ، وإذا بأهل البدع الذين نبذوا سنة النبي وعترته واتبعوا اجتهاد الحكام الجائرين تسميهم « أهل السنة والجماعة » إنه حقاً أمر عجيب .
أما أنا فأعتقد جرماً بأن قريش هي وراء هذه التسمية وهو سر من أسرارها ولغز من ألغازها .
وقد عرفنا في ما سبق بأن قريشاً هي التي نهت عبد الله بن عمرو عن كتابه السنة النبوية بدعوى أن النبي غير معصوم .
فقريش هي في الحقيقة أشخاص معينون لهم نفوذ وعصبية وقوة معنوية في أوساط القبائل العربية ، وقد يسميهم بعض المؤرخين بـ « دهاة العرب » لما اشتهروا به من المكر والدهاء والتفوق في إدارة الأمور ، ويسميهم البعض بـ « أهل الحل والعقد » .
ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وأبو سفيان ومعاوية ابنه وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، وطلحة بن عبد الله ، وعبد الرحمان بن عوف ، وأبو عبيدة عامر بن الجراح وغيرهم
(1) .
وقد يجتمع هؤلاء للتشاور وتقرير أمر يتفقون عليه فيبرمون أمرهم ويفشونه في الناس ليصبح فيما بعد أمراً واقعاً وحقيقة متبعة دون أن يعرف سائر الناس سر ذلك .
ومن هذا المكر الذي مكروه قولهم بأن محمداً غير معصوم وهو كسائر البشر يجوز عليه الخطأ فينتقصونه ويجادلونه في الحق وهم يعلمون .
ومنها شتمهم لعلي بن أبي طالب ولعنهم إياه باسم أبي تراب وتصويره للناس بأنه عدو لله ولرسوله .
____________
(1) لقد استثنينا من هؤلاء الإمام علياً ( عليه السلام ) لأنه يفرق بين دهاء الحكمة وحسن التدبير وبين دهاء الخداع والغش والنفاق ، وقد قال غير مرة : « لولا الغش والنفاق لكننت أدهى العرب » كما جاء في القرآن قوله : «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» فمكر الله هو الحكمة وحسن التدبير ، أما مكر المشركين فهو غش ونفاق وخداع وزور وبهتان .
( 78 )
ومنها شتمهم ولعنهم للصحابي الجليل عمار بن ياسر تحت اسم مستعار فسموه عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء ، لأن عماراً كان ضد الخلفاء وكان يدعو الناس لإمامة علي بن أبي طالب
(1) .
ومنها تسمية الشيعة الذين والوا علياً ـ بالروافض ـ كي يموهوا على الناس بأن هؤلاء رفضوا محمداً واتبعوا علياً .
ومنها تسمية أنفسهم بـ « أهل السنة والجماعة » حتى يموهوا على المؤمنين المخلصين بأنهم يتمسكون بسنة النبي مقابل الروافض الذين يرفضونها.
وفي الحقيقة هم يقصدون بـ « السنة » البدعة المشؤومة التي ابتدعوها في سب ولعن أمير المؤمنين وأهل بيت النبي على المنابر في كل مسجد من مساجد المسلمين وفي كل البلدان والمدن والقرى ، فدامت تلك البدعة ثمانين عاماً ، حتى كان خطيبهم إذا نزل للصلاة قبل أن يلعن علي بن أبي طالب ، صاح به من في المسجد « تركت السنة ، تركت السنة » .
ولما أراد الخليفة عمر بن عبد العزيز إبدال هذه السنة بقوله تعالى :
«إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى …» ( النحل : 90 ) تآمروا عليه وقتلوه لأنه أمات سنتهم وسفه بذلك أقوال أسلافه الذين أوصلوه للخلافة فقتلوه بالسم وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة ولم تطل خلافته غير سنتين وذهب ضحية الإصلاح لأن بني عمومته الأمويين لم يقبلوا أن يميت سنتهم ويرفع بذلك شأن أبي تراب والأئمة من ولده .
وبعد سقوط الدولة الأموية جاء العباسيون فنكلوا بدورهم بأئمة أهل البيت وشيعتهم إلى أن جاء دور الخليفة جعفر بن المعتصم الملقب « بالمتوكل » فكان من أشد الناس عداوة لعلي وأولاده ووصل به البغض والحقد إلى نبش قبر الحسين في كربلاء
____________
(1) يراجع في ذلك كتاب « الصلة بين التصوف والتشيع » للدكتور مصطفى كامل الشبيبي المصري ، والذي بين فيه بعشرة أدلة قوية بأن عبد الله بن سبأ اليهودي أو ابن السوداء ليس إلا سيدنا عمار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه) .
( 79 )
ومنع الناس من زيارته
(1) وكان لايعطي عطاء ولا يبذل مالا إلا لمن شتم علياً وولده .
وقصة المتوكل مع ابن السكيت العالم النحوي المشهور معروفة وقد قتله شر قتلة ، فاستخرج لسانه من قفاه عندما اكتشف بأنه يتشيع لعلي وأهل بيته في حين أنه كان أستاذاً لولديه .
وبلغ حقد المتوكل ونصبه أن أمر بقتل كل مولود يسميه أبواه باسم علي لأنه أبغض الأسماء إليه . حتى أن علي بن الجهم الشاعر لما تقابل مع المتوكل قال له : يا أمير المؤمنين إن أهلي عقوني ، قال المتوكل : لماذا ؟ قال : لأنهم سموني علياً وأنا أكره هذا الاسم وأكره من يتسمى به ، فضحك المتوكل وأمر له بجائزة .
وكان يقيم في مجلسه رجلاً يتشبه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فيضحك الناس عليه ويقولون : قد أقبل الأصلع البطين فيسخر منه أهل المجلس ويتسلى بذلك الخليفة .
ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ بأن المتوكل هذا ، والذي دل بغضه لعلي على نفاقه وفسقه يحبه أهل الحديث وقد لقبه بـ « محيي السنة » .
وبما أن أهل الحديث هم أنفسهم « أهل السنة والجماعة » فثبت بالدليل الذي لا ريب فهي أن « السنة » المقصودة عندهم هي بغض علي بن أبي طالب ولعنه والبراءة منه فهي النصب .
ومما يزيدنا وضوحاً على ذلك أن الخوارزمي يقول في كتابه : « حتى أن هارون بن الخيزران وجعفر المتوكل على الشيطان لا على الرحمان ، كانا لا يعطيان مالاً ولا يبذلان نوالاً ، إلا لمن شتم آل أبي طالب ونصر مذهب النواصب »
(2) .
____________
(1) وإذا كان الخليفة يصل إلى هذه الدرجة من الخسة والانحطاط فينبش قبور الأئمة من أهل البيت وبالخصوص قبر سيد شباب أهل الجنة ، فلا تسأل بعدها عما فعلوه في الشيعة الذين كانوا بتبركون بزيارة قبره . فقد وصل شيعة أهل البيت إلى أقصى المعاناة والمحن حتى يتمنى المسلم أن يتهموه بأنه يهودي ولا يتهموه بالتشيع فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
(2) كتاب الخوارزمي ص 135 .
( 80 )
كما ذكر ابن حجر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : لما حدث نصر بن علي بن صهبان بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وقال : «من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان في درجتي يوم القيامة » ، أمر المتوكل بضربه ألف سوط ، فأشرف على الهلاك ، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد وجعل يقول له : يا أمير المؤمنين هذا من أهل السنة ، فلم يزل به حتى تركه
(1) .
والعاقل يفهم من قول جعفر بن عبد الواحد للمتوكل بأن نصراً هو من أهل السنة لينفذه من القتل دليل آخر بأن « أهل السنة » هم أعداء أهل البيت الذين يبغضهم المتوكل ويقتل كل من يذكر هلم فضيلة واحدة وإن لم يكن يتشيع لهم .
وهذا ابن حجر يذكر أيضاً في كتابه بأن عبد الله بن إدريس الأزدي كان صاحب « سنة وجماعة » وكان صلباً في السنة مرضياً وكان عثمانياً
(2) .
كما قال في عبد الله بن عون البصري : إنه موثق وله عبادة وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع ، قال ابن سعد : كان عثمانياً
(3) .
وذكر أيضاً أن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني كان حريزي المذهب ، ( أي على مذهب حريز بن عثمان الدمشقي ) المعروف بالنصب وقال ابن حيان : إنه كان صلباً في السنة
(4) .
وبهذا عرفنا بأن النصب والبغض لعلي وأولاده وشتم آل أبي طالب ولعن أهل البيت يعد عندهم من الصلابة في « السنة » ، وعرفنا بأن العثمانيين هم أهل النصب والعداء لأهل البيت ، وهم أهل الشدة على من يتولى علياً وذريته .
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر ترجمة نصر بن علي بن صهبان .
(2) ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 145 والمعروف أن العثمانيين كانوا يلعنون علياً ويتهمونه بقتل عثمان بن عفان .
(3) إبن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 348 .
(4) إبن حجر في تهذيب التهذيب ج 1 ص 82 .
( 81 )
ويقصدون بأهل البدع « الشيعة الذين قالوا بإمامة علي » ، لأنها عندهم بدعة ، إذ خالفت ما عليه الصحابة والخلفاء الراشدين و « السلف الصالح » من إبعاده وعدم الاعتراف بإمامته ووصايته .
والشواهد التاريخية على إقامة هذا الدليل كثيرة جداً ولكن ما ذكرناه فيه الكفاية لمن أراد البحث والتحقيق وقد رمنا الاختصار كالعادة ، وعلى الباحثين أن يدركوا أضعاف ذلك إن شاؤوا .
«والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» (العنكبوت : 69 ) .
( 82 )
النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عين أئمة الشيعة
لا يشك باحث درس السيرة النبوية وعرف التاريخ الإسلامي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عين الأئمة الاثني عشر ونص عليهم ليكونوا خلفاءه من بعده وأوصياءه على أمته .
وقد جاء ذكر عددهم في صحاح أهل السنة وأنهم اثنا عشر وكلهم من قريش وقد أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما .
كما جاء في بعض المصادر السنية ذكرهم بأسمائهم موضحاً صلى الله عليه وآله وسلم بأن أولهم علي بن أبي طالب وبعده ابنه الحسن ثم أخوه الحسين ثم تسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي .
أخرج صاحب ينابيع المودة في كتابه قال : قدم يهودي يقال له : «الأعتل » فقال : يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك . قال : سل يا أبا عمارة ، فسأله عن أشياء إلى أن قال : صدقت ، ثم قال : فأخبرني عن وصيك من هو ؟ فما من نبي إلا وله وصي وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون .
فقال : إن وصيي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين .
قال : يا محمد فسمهم لي .
قال : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى
( 83 )
محمد فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي فهؤلاء اثنا عشر ، قال : فأسلم اليهودي وحمد الله على الهداية
(1) . ولو أردنا تصفح كتب الشيعة وما فيها من الحقائق يخصوص هذا الموضوع لوجدنا أضعاف ذلك .
ولكن يكفينا دليلاً أن علماء « السنة والجماعة » يعترفون بعدد الأئمة الاثني عشرة ، ولا وجود لهؤلاء الأئمة غير علي وبنيه الطاهرين .
ومما يزيدنا يقيناً أن الأئمة الاثني عشر من أهل البيت لم يتتلمذوا على أي واحد من علماء الأمة ، فلم يرو لنا أصحاب التواريخ ولا المحدثون وأصحاب السير بأن أحد الأئمة من أهل البيت تلقى علمه من بعض الصحابة أو التابعين ، كما هو الحال بالنسبة لكل علماء الأمة وأئمتهم .
فأبو حنيفة تتلمذ على جعفر الصادق ومالك تتلمذ على أبي حنيفة ، والشافعي تلقى عن مالك وأخذ عنه وهكذا أحمد .
أما أئمة أهل البيت فعلمهم موهوب من الله سبحانه وتعالى يتوارثونه أبا عن جد ، فهم الذين خصهم الله بقوله :
«ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» ( فاطر : 32 ) .
وقد عبر الإمام جعفر الصادق عن هذه الحقيقة مرة بقوله : عجباً للناس يقولون بأنهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعملوا به واهتدوا ! ويروون أنا أهل البيت لم نأخذ علمه ولم نهتد به ونحن أهله وذريته ، في منازلنا أنزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس ، أفتراهم علموا واهتدوا وجهلنا وضللنا ؟ !
نعم ، كيف لا يتعجب الإمام الصادق من أولئك الذين يدعون أنهم أخذوا العلم من رسول الله ، وهم يعادون أهل بيته وباب علمه الذي منه يؤتى ،
____________
&n