|
ـ 3 ـ زيارة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الكتاب العزيز أمر القرآن الكريم المسلمين بالحضور عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليستغفر لهم الله، لأنّ دعاءه يستجاب فيهم، قال عزّ وجلّ: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرّسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً)[سورة النساء:الآية64]. قال الإمام السبكي: (دلّت الآية على الحث على المجيء إلى الرسول(صلى الله عليه وآله) والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة، فهي رتبة له لا تنقطع بموته تعظيماً له)(1). ثم إنّه بسط الكلام في دلالة الآية على شمولية المجيء إلى الرسول(صلى الله عليه وآله) بعد موته، فمن أراد فليراجع إليه، غير أنّا نستدلّ بالآية بوجه آخر ونقول: لو كانت هذه الآية هي الوحيدة في هذا المجال، لذهبنا إلى القول بأنّها خاصّة بحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومدة تواجده بين الناس، ولكنّنا نستخلص منها حكماً عامّاً شاملاً لا يختص بالحياة الدنيوية وذلك من خلال ما يلي: أوّلاً: إنّ القرآن الكريم يصرّح بحياة الأنبياء والأولياء - وجماعات أخرى - في البرزخ ويعتبرهم مبصرين وسامعين في ذلك العالم. ثانياً: إنّ الأحاديث الشريفة تصرّح بأنّ الملائكة تبلغ خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله) سلام من يسلّم عليه، فقد جاء في الصحاح: ( إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: ما من أحد يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام)(2). وقال(صلى الله عليه وآله) : (صلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم)(3). ثالثاً: إنّ المسلمين - منذ ذلك اليوم - فهموا من هذه الآية معنى مطلقاً لا ينتهي بموت رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى أنّ بعض الأعراب - بوحي من أذهانهم الخالصة من كل شائبة - كانوا يقصدون قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويزورونه ويتلون هذه الآية عند قبره المطهّر ويطلبون منه الاستغفار لهم. وقد ذكر تقيّ الدين السبكي في كتاب (شفاء السقام) والسمهودي في كتاب(وفاء الوفا) نماذج من زيارة المسلمين لقبر رسول الله وتلاوة هذه الآية عند قبره الشريف، وفيما يلي نذكر بعض تلك النماذج: روي سفيان بن عنبر عن العتبي - وكلاهما من مشايخ الشافعي وأساتذته - أنّه قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) فجاء أعرابيّ فقال: (السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرّسول لوجدوا الله توّاباً رحيما) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي). ثم بكى وأنشأ يقول: يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطـــاب مــن طيـبهنّ القاع والأكم نـــفسي الــفداء لقـــبر أنت ساكنه فيـــه العــفاف وفيه الجود والكرم ثم استغفر وانصرف(4). ويروي أبو سعيد السمعاني عن الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول الله(صلى الله عليه وآله) فرمى بنفسه على القبر الشريف وحثا من ترابه على رأسه وقال: (يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله ما وعينا عنك، وكان فيما أنزله عليك: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم...) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربّي(5). إنّ كل هذا يدل على أنّ المنزلة الرفيعة التي منحها الله تعالى لحبيبه المصطفى(صلى الله عليه وآله) كما صرّحت بها هذه الآية ليست خاصّة بحياته، بل تؤكّد على أنّها ثابتة له بعد وفاته أيضاً. وبصورة عامّة... يعتبر المسلمون كلّ الآيات النازلة في تعظيم رسول الله واحترامه، عامّة لحياته وبعد مماته، وليس هناك من يخصّصها بحياته(صلى الله عليه وآله) . وقد جاء في التاريخ: لمّا استشهد الإمام الحسن بن عليّ(عليهما السّلام) وجيء بجثمانه الطاهر إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ظنّ بنو أمية أنّ بني هاشم يريدون دفن الإمام بجوار قبر جدّه المصطفى فأثاروا الفتنة والضجّة للحيلولة دون ذلك، فتلا الإمام الحسين(عليه السلام) قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ) [سورة الحجرات: الآية 2]. ولم يردّ عليه أحد - حتى من الأمويين - بأن هذه الآية خاصة بحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله). واليوم نصب المسلمون هذه الآية على الجدار المقابل لقبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهم يقصدون بذلك المنع من رفع الأصوات هناك. ومن هذا المنطلق يمكننا أن نستنتج من الآية معنىً واسعاً عامّاً، وهو أنّ للمسلمين اليوم أن يقفوا أمام قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويسألوه أن يستغفر الله لهم. وليس لزيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله) معنى سوى ما تضمّنته هذه الآية وأمثالها، فانها تدلّ على موضوعين هما: 1- إنّ للإنسان أن يقف عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد وفاته ويسأله أن يستغفر الله له. 2- إنّ هذه الآية تشهد على جواز زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأنّ حقيقة الزيارة لا تعني سوى (حضور الزائر عند المزور) فإذا كان الوقوف عند قبر النبي وسؤاله أن يستغفر الله له جائزاً فقد تحقق أمران: أ- سألناه أن يستغفر الله لنا. ب - حضرنا عنده وتحدّثنا إليه، والزيارة ليست إلا هذا.
|
|
1 - الإمام السبكي، شفاء السقام: ص81. 2 - سنن أبي داود ج 1: ص470 و 471، كتاب الحج، باب زيارة القبور. 3 - الشيخ منصور علي ناصف، التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج 2:ص 189. 4 - وفاء الوفا ج4: ص1361- أحمد زيني دحلان، الدرر السنيّة: ص21. 5 - ابن حجر، الجوهر المنظم، وذكره السمهودي في وفاء الوفا ج2:ص 612, وزيني دحلان في الدرر السنية: ص21. |