مسالة في البداء
تأليف
العلامة المجاهد آيةالله الشيخ محمد جواد البلاغي
انّ الله جلّ شأنه قد اقتضت حكمته و لطفه بعباده - في دلالتهم على مقام إلهيّته في علمه و قدره و إرادته - أن يجعل نظام العالم - في أحواله و أدواره و مواليده - مبنيّاً - نوعاّ- على قوانين الأسباب والتسبيب في المسببات ، المرتبطة بالغايات و الحكم ، والدالّه على قصدها .
و هوالخالق للسبب و المسبّب ، والجاعل للتسبيب، و بيده الأسباب وتسبيباتها ، في وجودها و بقائها و تأثيرها ، و تحكيم بعضها على بعض ، فقد يعدم السبب ، وقد يبطل
تأثيره ، و قد يمنع تأثيره بسببٍ آخر ، وقد يعدم ما يحسب الناس أنه موضوع القانون المقرّر ويقيم غيره مقامه .
و هذا هو مقام البداء والمحو والإثبات ، وهو- جلّ شأنه -عالم منذ الأزل بما تؤدي إليه مشيئته من المحو والإثبات ، وهذا العلم هو « ام الكتاب » (1).
فالمحو انما هو لما له نحو ثبوتٍ بتقديرالأسباب و تسبيباتها ، وسيرها في التسبيب.
و على ذلك يجري ما روي في « أصول الكافي » في صحيفة هشام و حفص ، عن ابي عبدالله عليه السلام :
«[و](2) هل يمحى إلا ما كان ثابتاً؟!...» الرواية(3).
إذ لا يعقل محو ما هو ثابت الوقوع بعينه في علم الله و أم الكتاب .
و أمّا كون المراد من المحو هو إفناء الموجود، و من الإثبات إيجاد المعدوم أو إبقاء الموجود - كما ذكر في صدر السؤال (4)-:
فيدفعه اوّلاً: أنه خلاف ظاهر الآية الكريمة و سوقها؛لأنّ
____________
1- سورةالرعد39:13
ه (2) أثبتناه من المصدر.
ه (3) الكافي 1/114ح2، و تتّمته : و هل يثبت إلا ما لم يكن؟!
4- يشير المؤلف - نوّر الله مرقده - إلى ورود سؤال عن « البداء» إليه ، و إلى تحرير هذه الرسالة جواباً عن ذلك السؤال.
استعمال المحوو مقابلته بأم الكتاب إنما يناسب مقام التسجيل والكتابة ، التي هي كناية عن التقدير والتسجيل بسير الأ سباب - وإن كان نوعياً-.
و لا يناسب في المقام إفناء العين الموجودة ، مضافاً إلى أنّه عند إرادة الإفناء لا يبقى لقوله تعالى: « وعنده أمّ الكتاب » (5) معنىً تأسيسيّ ترتبط به أطراف الكلام في الآية ، و يناسب ذكر المحو والإثبات ، كما لاينبغي أن يخفى.
و يدفعه ثانياً: احتجاج الإمام عليه السلام بهذه الآية للبداء ، وكذا الكثير من استشهادات الأئمة بهذه الآية.
و أما البداء فهو بمعنى الظهور.مأخوذ من : بدا يبْدو بدواً و بُدُوّاً و بداءةً وبداءً و بدوءً ، فيقال : فلان بدا له في الرأي ، أي ظهر له ما كان مخفيّاً عنه ، و فلان برز فبداله من الشجاعة ما كان مخفيّأً عن الناس (6).
فمعنى « بدا» في المثالين واحد ، ولكنّ الاختلاف فيهما جاء من ناحية اللام و ربطها للظهور.
____________
5- سورة الرعد39:13.
6- أنظر مادّة « بدا» من : لسان العرب 14/65 و الصحاح 6/2278.
فالبداء المنسوب إلى الله جلّ شأنه إنما هو بمعنى المثال الثاني .أي : ظهر لله من المشيئة
ما هو مخفي على الناس ، و على خلاف ما يحسبون .
هذا ما يقتضيه العقل .
و يشهد له من صريح الأحاديث ما رواه في «أصول الكافي » في صحيح عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
« ما بدا الله في شي ء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له »(7).
و رواية عمروبن عثمان ، عنه عليه السلام :
«إن الله لم يبدُ له من جهل »(8).
و صحيحة فضيل - الآتية - عن أبي جعفر عليه السلام .
و صحيفة منصور بن حازم :« سألت أبا عبدالله عليه السلام : هل يكون اليوم شي ء لم يكن في علم الله بالأمس؟
قال عليه السلام: لا من قال هذا فأخزاه الله.
قلت:أرأيت ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة ، أليس في علم الله؟!
قال عليه السلام : بلى ، قبل أن يخلق الخلق»(9).
____________
ه(7) الكافي 1/114ح 9.
ه(8) الكافي 1/115ح10.
ه (9) الكافي 1/115ح11
أقول:
و إنّ قوله تعالى : « يَمحو الله ما يشاء و يُثبت و عندهُ امّ الكتاب » (10) ينادي بأنّ مقام المحو و
الإ ثبات هو غير مقام أم الكتاب ، و علم الله المكنون ، و مشيئته و إرادته الأزلية.
بل هو في مقام الظاهر في سير الأسباب و تسبيباتها.
فقد تقتضي مشيئته - جلّ اسمه - أن يمنع أسباب البقاء و طول العمر عن الزاني و قاطع الرحم ، و قد يمنع الأسباب المهلكة عن واصل الرحم و المتصدّق و الداعي مثلاً ؛ فيمحو في هذه الموارد ما جعله لنوع الأسباب من التسبيب ، و قد لا يمحوه في بعض الموارد لحكمة أخرى ، فيكون قد أثبته ، أي أبقاه ثابتاً .
و قد يراد من قوله تعالى : « يُثبتُ » أنه يثبت حين المحو خلاف المحو ، والله العالم .
قد كان الناس يحسبون أنّ إسماعيل بن الصادق عليه السلام هو الإمام بعد أبيه ، لما عملوه من أنّ الإمامة للولد الأ كبر ما لم يكن ذا عاهةٍ ؛ و لأنّ الغالب في الحياة الدنيا وأسباب البقاء أن يبقى إسماعيل بعد أبيه عليه السلام ، فبدا و ظهر بموت إسماعيل انّ الإمام هو الكاظم عليه السلام ؛ لأنّ
عبدالله كان ذا عاهة ، فظهر لله (11) و بدا للناس ما هو في علمه المكنون .
____________
10- سورة الرعد 39:13 .
ه(11) أي : من الله.
و كذا في موت محمّد بن الهادي عليهما السلام ، حيث ظهر للشيعة أن الإمام بعد الهادي و الحسن العسكري عليه السلام .
و هذا الظهور للشيعة هو الأ مر الذي أحدثه الله بموت محمد ، كما قال الهادي للعسكري عليهما السلام عند موت محمد : « أحْدِث لله شكراً ، فقد أحدَثَ فيك أمراً» (12).
فالإمامة ثابـتة للكاظم و العسكري منذ الأ زل ، و قد جاء في الأ حاديث البالغة حدّ التواتر - أو ما يقاربه - عن النّبي صلى الله عليه و آله و سلم و الأ ئمة ممّن هو قبل الكاظم و العسكري عليهم السلام ما يتضمن النصّ على إمامتهما في جملة الأ ئمة عليهم السلام ، و قد ذكر[ نا] (13)
بعض هذه الأ خبار بنحو الإشارة إليها في كتاب « نصائح الهدى » (14).
و إلى ما ذكرناه في معنى البداء و المحو يرشد ما رواه في أصول الكافي :
كصحيحة زرارة ، عن أ حدهما عليهما السلام :
____________
12- الكافي 1/262 ح 4 و5 و8.
ه(13) أثبتناها لضرورة السياق .
ه(14) نصائح الهدى : 22 و ما بعدها ، و راجع في أمر النصّ على إمامة الإمامين موسى الكاظم و الحسن العسكري عليهما السلام : الكافي 1/245-248 و 261-264 و441 ح 1و442 ح 3، كفاية الأثر : 255-263- و 282-288 و مواضع أخرى مختلفة منه ، الإرشاد 2/216-220 و314 -320 ، إعلام الورى: 294-300 و 367-370.
« ما عُبِدَ اللهُ بشيء مثل البداء»(15).
و معتبرة هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
« ما عُظّم الله (بشيء مثل) البداء»(16).
و صحيحة الريان ، عن الرضا عليه السلام :
« ما بعث الله نبيّاً قطّ إلا بتحريم الخمر و أن يقرّ لله با لبداء»(17).
و نحوها معتبرتا مرازم وجهم ، عن أبي عبدالله عليه السلام (18).
فإن الاعتراف بمجرد انّة يظهر لله من الأمور ما لم يكن محتسباً- بل كان المحتسب غيره- ليس له أهميّة بالنسبة إلى جلال الله .
إذن ، فالفضل المذكور و الأهميّة الكبرى للاعتراف
____________
15- الكافي 1/113 ح 1.
16- الكافي 1/113 ذح 1، وفيه بدل ما بين القوسين : « بمثل ».
ه(17)- الكافي 1/115 ح 15.
18- قال مرازم : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : « ما تنبّأ نبيّ قطّ حتى يقرّ لله بخمس خصال : بالبداء ، و المشيئة ، و السجود ، و العبوديّة ، و الطاعة».
الكافي 1/115 ح 13.
و قال جهم عمّن حدّثه -: قال أبو عبدالله عليه السلام : « أن الله عزّو جلّ أخبر محمداً صلّى الله عليه وآله و سلّم بما كان منذ كانت الدنيا ، و بما يكون إلى انقضاء الدنيا ، و أخبره بالمحتوم من ذلك ، واستثنى عليه فيما سواه».
الكافي 1/115 ح 14.
بالبداء ما هو إلا لأنّه يرجع إلى الاعتراف بحقيقة الإلهية ، و أنّ الموجد للعالم انّما هو إله موجد بالإرادة و القدرة على مقتضى الحكمة ، متصرّف بقدرته بما يتراءى من العلل و تعليلاتها التي هي من صنعه و إيجاده ، والخاضعة لتصرّف مشيئته فيها ، لا أنّ وجود العالم منوط بالتعليلات الطبيعية و محض اقتضاء الطبيعة العمياء فاقدة الشعور والإرادة ، تعالى الله عمّأ يقولون.
و على ذلك تجري صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام :
« ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار [ له] (19)
بالعبودية ، و خلع الأنداد ، و أن الله يقّدم ما يشاء و يوّخر ما يشاء» (20).
فالبداء ، و أنّ الله يمحو ما يشاء و يثبت ، وعنده أم الكتاب ، يكون الاعتراف بحقيقتها المعقولة و مدلول الأ حاديث ، هوالفارق بين الإلهية و الطبيعية ، وهو الفارق بين الاعتراف بحقيقة الإلهية و بين المزاعم المستحيلة في مسألة العقول العشرة المبنية على التقليد الأعمى للفسلفة اليونانية و مزاعم أوهامها، مع الخبط في أمر الإيجاد بالأرادة والتعليل الطبيعي.
ثم ان مقتضى دلالة العقل والنقل هو أنّ البداء و المحو لا يقعان فيما أخبرالله به أنبياءه و أوصياءهم ، وأخبروا به عنه جلّ
____________
19- أثبتناه من المصدر.
ه(20) الكافي 1/114 ح 3.
اسمه.
اما دلالة العقل ، فلأن وقوع ذلك يستلزم عدم وثوق الناس بهم و بأخبارهم ، وحمل الناس لهم على الجهل و الكذب على الله ، فيسقط محلّهم ، و ينقض الغرض من نصبهم للنبوّه و الإمامة ، و نقض الغرض قبيح و محال على الله جلّ اسمه.
وامّا النقل، فمنه ما رواه في أصول الكافي ، في صحيحة الفضلي ، عن أبي جعفر عليه السلام :
«العلم علمان : فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، و علم علّمه ملائكته و رسله فأنه سيكون ، لا يكذب الله نفسه ولا ملائكته و لا رسله ، و علم عنده مخزون يقدّم منه ما يشاء ، ويؤخّر منه ما يشاء ، ويثبت ما يشاء»(21).
و نحوها صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام (22) و رواية أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام (23).
و ايضًا: أنّ الأنبياء و الأئمة لا يخبرون عن المغيّبات من
____________
21- الكافي 1/114 ح 6.
22- قال الفضيل : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : « من الأمور أمور موقوفة عندالله ، يقدّم منها ما يشاء و يؤخّر منها ما يشاء». الكافي 1/114ح 7.
23- قال أبو بصير : قال أبوعبدالله عليه السلام : « أن لله علمين ، علم مكنون مخزون ، لا يعلمه إلا هو ، من ذلك يكون البداء ، وعلم علّمه ملائكته و رسله وأنبياءه فنحن نعلمه ». الكافي 1/114ح8.
اطّلاعهم على الأسباب و قوانينها ، التي هي معرض للبداء و المحو- كما يسمّيها الناس ب«النفوس الفلكية والأ لواح القدرية»- إن هي الا أسماء- فإنه اعتماد على الظن ، وهو خلاف وظيفتهم الكريمة ، و يلزم من ذلك أن يجعلوا أنفسهم معرضاً لعدم الوثوق بهم ، وعدّ الناس لهم من الكاذبين حينما يظهر خلاف ما أخبروا به ، وهذا نقض لغرضهم في دعوة الناس إلى الله وإلى قبول أقوالهم و إرشادهم و تصديقهم ، و نقض الغرض قبيح مستحيل على المعصوم .
إذن ، فلا يخبرون الناس بالغيب اعتماداً على الأسباب أو الألواح القدرية- كما يقال و يزعم -، و إن كانوا أكمل البشر في تلك العلوم .
و مما يشهد لذلك ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام من قوله في بعض المواطن : « ولولا آية سبقت في كتاب الله - و هي قوله تعالى: « محواالله ما يشاء و يثبت وعنده ام الكتاب » -
لأخبرتكم بما يكون إلى يوم القيامة»(24).
يريد- صلوات الله عليه- أن هذه العلوم المستندة إلى سيرالأسباب والتسبيبات والتقدير هو أعلم الناس بها، و أكملهم فيها ، و لكنّه لا يعتمد عليها ، ولا يخبر الناس
____________
24- ورد الحديث باختلاف يسير في المصادر التالية: التوحيد: 305، أمالي الصدوق : 280 ب 55 ح1 ،الاحتجاج:258،قرب الإسناد:353 ح 1266، و عنها في بحار الأنوار 4/97 ح 4 و5.
بمد اليلها ، لأنها معرض للمحو.
فالمحصّل مما ذكرناه:
أنّ المحو والإثبات في الآية الكريمة ليس المراد منها إفناء الموجود و إبقاءه ، أو تجديد موجود آخر.
و أن البداء والمحو لا يتعلق بما في أم الكتاب ، ولا بما يخبر الله به أنبياءه والأئمة، ولا بما يخبرون به عن الله من أنباء الغيب ، ولا يخبرون عما هو معرض للبداء والمحو ، صلوات الله و سلامه عليهم .