الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة العقائد الإمامية

فهرس الكتاب


 



( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم


   
    مقدّمة المركز :
   
    لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والإفهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الأُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث .
    وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الإسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن .
    ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم



( 6 )


نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج .
    ولأجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الإنترنت العالمية صوتاً وكتابةً .
    كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم .
    وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان « سلسلة الندوات العقائدية » بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها .
    وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها .
    سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله .
   

مركز الأبحاث العقائدية
فارس الحسّون


( 7 )




( 8 )

بسم الله الرحمن الرحيم


   
    تمهيد :
   
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين .
    موضوع بحثنا « حديث الثقلين »، هذا الحديث الذي لو عمل به وطبّق لما وقع خلاف بين المسلمين .
    إنّ الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وإلى نبذ الخلافات بين الفرق ، من جملة الأُمور التي يهتمّ بها المفكّرون المصلحون من المسلمين، وعندهم للوصول إلى هذا الهدف مشاريع واقتراحات ونظريات، ولكن حديث الثقلين خير جامع بين المسلمين، لأنّه حديث يتّفق عليه كلّ الأطراف، وهو حديث واضح في مدلوله وفي معناه .
    ولنذكر قبل الورود بالبحث لفظاً أو لفظين من ألفاظ هذا الحديث الشريف :



( 9 )


في صحيح الترمذي بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : « يا أيّهاالناس إنّي تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي »(1) .
    وفي صحيح الترمذي أيضاً بإسناده عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : « إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »(2) .
    فهذان لفظان من ألفاظ الحديث، عن صحابيين من رواة هذا الحديث الشريف من الصحابة .
    والبحث في هذا الحديث لابدّ وأن يكون في جهات :
    الجهة الأُولى :في تحقيق ألفاظ هذا الحديث .
    الجهة الثانية : في رواة هذا الحديث .
    الجهة الثالثة : في دلالات هذا الحديث .
    الجهة الرابعة : في المناقشات والمعارضات .
____________
    (1) صحيح الترمذي 5/662 رقم 3786 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
    (2) صحيح الترمذي 5/663 رقم 3788 .



( 10 )




( 11 )

الجهة الأُولى :
في تحقيق ألفاظ حديث الثقلين


    هذا الحديث مشهور بحديث الثقلَين، والثَقَل : متاع المسافر كما في اللغة، فإنّي تارك فيكم الثَقَلين، الثقلين تثنية ثَقَل، وجماعة من المحدّثين واللغويين يقرأون الكلمة بالثِّقْلين : « إنّي تارك فيكم الثِّقْلين »، فيكون تثنية للثِقْل .
    ولعلّ الأظهر كون الكلمة محرّكةً، أي « إنّي تارك فيكم الثَّقَلين » على أن تكون تثنية للثَقَل .
    يقول صاحب القاموس : والثقل ـ محركة ـ متاع المسافر وحشمه وكلّ شيء نفيس مصون ، ومنه الحديث : إنّي تارك فيكم الثَقَلين كتاب الله وعترتي(1) .
    وإنّما أُرجّح الثَّقَل والثَّقَلين على الثِّقْلين، لأنّه إذا كان الثَّقَل
____________
    (1) القاموس المحيط 3/342 ـ ثقل ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1403 هـ .


( 12 )


بمعنى متاع المسافر، فهذا أنسب بحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالظروف التي قال فيها هذا الكلام، لأنّ المسافر من بلد إلى بلد وخاصةً مع العزم على عدم العود إلى بلده السابق، يأخذ معه متاعه، ولمّا كانت المراكب في تلك العصور لا تتحمّل أخذ جميع وسائل الإنسان وأمتعته، فلابدّ وأن يأخذ المسافر أنفس الأشياء وأغلى الأشياء وأثمن الأشياء التي يمتلكها، أو تكون في حوزته .
    ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في حديث الثقلين : « إنّي قد دعيت فأجبت »، أو : « يوشك أنْ أُدعى فأُجيب »، هذه مقدمة حديث الثقلين، فيخبر رسول الله عن دنوّ أجله وقرب رحيله عن هذه الحياة، وحينئذ يقول : « وإنّي تارك »، ولا يخفى أنّ أغلى الأشياء عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأثمنها في حياته : القرآن والعترة، فكان ينبغي أنْ يأخذ القرآن والعترة معه، لكن مقتضى رأفته بهذه الأُمّة وحرصه على بقاء هذا الدين هو أن يبقي أغلى الأشياء عنده في هذا العالم، ويترك الثقلين الأمرين اللّذين كان مقتضى الحال أن يأخذهما معه، فيقول : « إنّي تارك فيكم الثَقَلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي »، ثمّ يوصيهم بقوله : « ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا »، فالغرض من إبقاء هذين الأمرين بين الأُمّة، والهدف من تركهما فيهم هو أنْ لا يضلّوا من بعده .



( 13 )


فبهذه القرائن الموجودة في داخل الحديث، والظروف المحيطة بهذا الحديث، نرجّح أنْ تكون الكلمة الثقَلين لا الثقْلين .
    وقد لاحظتم في اللفظين المذكورين أنّه في اللفظ الأوّل يقول : « ما إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا »، وفي اللفظ الثاني يقول : « ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا »، وهذان اللفظان موجودان عند غير الترمذي أيضاً .
    فلفظة « ما إن أخذتم » أو لفظة « الأخذ » موجودة في مسند أحمد(1)، وفي مسند ابن راهويه(2)، وفي طبقات ابن سعد(3)، وفي صحيح الترمذي(4)، وفي مسند أبي يعلى(5)، وفي المعجم
____________
    (1) مسند أحمد 5/492 رقم 18780 .
    (2) أنظر : المطالب العالية لابن حجر العسقلاني، رقم 1873 .
    (3) طبقات ابن سعد 1 / 194 .
    (4) صحيح الترمذي 2 / 219 .
    (5) على مافي بعض المصادر، مثل كتاب مفتاح النجا للعلامة البدخشي .



( 14 )


الكبير للطبراني(1)، وفي مصابيح السنّة للبغوي(2)، وفي جامع الأُصول لابن الأثير(3)، وفي غيرها من المصادر .
    ولفظ « التمسك » تجدونه في مسند عبد بن حميد(4)، وفي الدر المنثور(5)، وغيرهما من المصادر .
    وأنتم لو راجعتم اللغة لوجدتم معنى « الأخذ » في مثل هذا المقام، ومعنى « التمسك » في مثل هذا المقام هو « الإتّباع » .
    لكنّ كلمة « الإتّباع » أيضاً من ألفاظ حديث الثقلين، وهذا ما تجدونه في رواية ابن أبي شيبة(6) .
   
____________
    (1) المعجم الكبير للطبراني 3/62 رقم 2678 ـ دار إحياء التراث العربي .
    (2) مصابيح السنة 4/190 رقم 4816 ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ 1407 هـ .
    (3) جامع الأصول 1/278 رقم 66 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1403 هـ .
    (4) منتخب مسند عبد بن حميد : 265 .
    (5) الدر المنثور، الجامع الصغير، إحياء الميت : 12 .
    (6) مصنف ابن أبي شيبة 10/505 رقم 10127 ـ الدار السلفية ـ الهند ـ 1401 هـ .



( 15 )


وفي رواية الخطيب البغدادي(1) لفظ « الاعتصام » بدل لفظ « التمسك » و« الأخذ »، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّي تركت فيكم مالن تضلّوا بعدي إنْ اعتصمتم به كتاب الله وعترتي »، و« الاعتصام » في اللغة العربية في الكتاب والسنّة وفي الاستعمالات الفصيحة هو « التمسك » .
    ولذا نرى في الحديث المتفق عليه ـ أي الموجود في كتب أصحابنا وفي كتب القوم ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) بتفسير قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا )(2) يقول الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) : « نحن حبل الله » . حديث الصادق (عليه السلام)هذا بتفسير الآية المباركة موجود في تفسير الثعلبي، وفي الصواعق المحرقة(3)، وبعض المصادر الأُخرى .
    وإذا راجعتم تفسير الفخر الرازي(4) في تفسير هذه الآية
____________
    (1) مفتاح النجا للعلامة البدخشي عن المتفق والمفترق للخطيب .
    (2) سورة آل عمران : 103 .
    (3) الصواعق المحرقة : 233 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1414 هـ .
    (4) تفسير الرازي 8/173 .



( 16 )


المباركة، وأيضاً تفسير الخازن(1) وبعض التفاسير الأُخرى، لرأيتم أنّهم يذكرون حديث الثقلين في تفسير الآية المباركة، وقد عرفنا أنّ الإعتصام هو « التمسك »، و« التمسك » يرجع إلى « الإتّباع » أيضاً، وذلك موجود أيضاً بسند صحيح في مستدرك الحاكم(2) .
    وإذا وجب « الإتّباع » ثبتت الإمامة بلا نزاع، فيكون علي وأهل البيت (عليهم السلام) خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده .
    لكن حديث الثقلين ورد بلفظ « الخليفتين » أيضاً، كما تجدونه عند أحمد في المسند(3)، وابن أبي عاصم في كتاب السنّة(4)، وفي المعجم الكبير للطبراني، يقول الحافظ الهيثمي بعد
____________
    (1) تفسير الخازن 1/277 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1415 هـ .
    (2) المستدرك على الصحيحين 3 / 109 .
    (3) مسند أحمد 6/232 رقم 21068 و244 رقم 21145 .
    (4) كتاب السنّة لابن أبي عاصم : 336 رقم 754 ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ 1405هـ .



( 17 )


أن يرويه عن المعجم الكبير للطبراني يقول : ورجاله ثقات(1)، وكذا صحّح الحديث جلال الدين السيوطي(2) .
    والألطف من هذا، عندما نراجع فيض القدير في شرح الجامع الصغير(3) يقول المنّاوي بشرح كلمة « عترتي » يقول : وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .
    فلاحظوا، ألفاظ هذا الحديث كيف تنتهي إلى الإمامة والخلافة، وإلى تعيين الإمام والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
    فظهر : أنّ هذا الحديث بجميع ألفاظه يؤدّي معنىً واحداً، وهو معنى الإمامة، أمّا بلفظ « الخليفتين » فهو نص، ولا خلاف في هذا، وأيّ لفظ يكون أصرح في الدلالة على الإمامة والخلافة من هذا اللفظ ؟! « إنّي تارك فيكم خليفتين ـ أو الخليفتين ـ : كتاب الله وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي » .
   
____________
    (1) مجمع الزوائد 9/165 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1402 هـ .
    (2) الجامع الصغير بشرح المناوي 3 / 14 .
    (3) فيض القدير 3/14 شرح حديث 2631 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1391 هـ .



( 18 )


    إذن، رأينا كيف يصدّق الحديث القرآن الكريم، وكيف يصدّق القرآن الكريم الحديث النبوي الشريف .
    ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) .
    فهذه هي الجهة الأُولى فيما يرتبط بألفاظ حديث الثقلين، وأنّه كيف نستكشف الإمامة والخلافة من نفس الألفاظ، بغضّ النظر عن ذلك اللفظ الذي هو نصّ صريح بالخلافة بعد رسول الله .



( 19 )




( 20 )

الجهة الثانية :
رواة حديث الثقلين


    إنّ رواة حديث الثقلين من الصحابة هم أكثر من ثلاثين شخص ، على رأسهم :
    1 ـ أمير المؤمنين (عليه السلام) .
    2 ـ الإمام الحسن السبط (عليه السلام) .
    3 ـ أبو ذر الغفاري .
    4 ـ سلمان الفارسي .
    5 ـ جابر بن عبدالله الأنصاري .
    6 ـ أبو الهيثم ابن التّيهان .
    7 ـ حذيفة بن اليمان .
    8 ـ حذيفة بن أسيد أبو شريحة أو سريحة .
    9 ـ أبو سعيد الخدري .
    10 ـ خزيمة بن ثابت .



( 21 )


    11 ـ زيد بن ثابت .
    12 ـ عبد الرحمن بن عوف .
    13 ـ طلحة .
    14 ـ أبو هريرة .
    15 ـ سعد بن أبي وقّاص .
    16 ـ أبو أيّوب الأنصاري .
    17 ـ عمرو بن العاص .
    وغير هؤلاء من الصحابة .
    18 ـ فاطمة الزهراء بضعة الرسول صلوات الله عليها .
    19 ـ أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين .
    20 ـ أُم هاني أُخت الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .
    ورواة الحديث من مشاهير الأئمّة في مختلف القرون يبلغون المئات، وسأذكر أسامي خمسين رجلاً منهم، وهؤلاء أشهر مشاهيرهم عبر القرون المختلفة :
    1 ـ سعيد بن مسروق الثوري .
    2 ـ سليمان بن مهران الأعمش .
    3 ـ محمّد بن إسحاق، صاحب السيرة .
    4 ـ محمّد بن سعد، صاحب الطبقات .



( 22 )


    5 ـ أبو بكر ابن أبي شيبة، صاحب المصنّف .
    6 ـ ابن راهويه، صاحب المسند .
    7 ـ أحمد بن حنبل، صاحب المسند .
    8 ـ عبد بن حُميد، صاحب المسند .
    9 ـ مسلم بن الحجّاج، صاحب الصحيح .
    10 ـ ابن ماجة القزويني، صاحب السنن الذي هو أحد الصحاح الستّة .
    11 ـ أبو داود السجستاني، صاحب السنن وهو أحد الصحاح .
    12 ـ الترمذي، صاحب الصحيح .
    13 ـ ابن أبي عاصم، صاحب كتاب السنّة .
    14 ـ أبو بكر البزّار، صاحب المسند .
    15 ـ النسائي، صاحب الصحيح .
    16 ـ أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند .
    17 ـ محمّد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير
    18 ـ أبو القاسم الطبراني، صاحب المعاجم .
    19 ـ أبو الحسن الدارقطني البغدادي، الإمام المعروف .
    20 ـ الحاكم النيسابوري، صاحب المستدرك .



( 23 )


    21 ـ أبو نعيم الإصفهاني، صاحب المؤلّفات المعروفة .
    22 ـ أبو بكر البيهقي، صاحب السنن الكبرى .
    23 ـ ابن عبد البر، صاحب الاستيعاب .
    24 ـ الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد .
    25 ـ محي السنّة البغوي، صاحب مصابيح السنّة .
    26 ـ رزين العبدري، صاحب الجمع بين الصحاح الستّة
    27 ـ القاضي عياض، صاحب كتاب الشفاء .
    28 ـ ابن عساكر الدمشقي، صاحب تاريخ دمشق .
    29 ـ ابن الأثير الجزري، صاحب أُسد الغابة .
    30 ـ الفخر الرازي، صاحب التفسير الكبير .
    31 ـ الضياء المقدسي، صاحب كتاب المختارة .
    32 ـ أبو زكريا النووي، صاحب شرح مسلم .
    33 ـ أبو الحجّاج المزّي، صاحب تهذيب الكمال .
    34 ـ شمس الدين الذهبي، صاحب الكتب المشهورة .
    35 ـ ابن كثير الدمشقي، صاحب التاريخ والتفسير .
    36 ـ نور الدين الهيثمي، صاحب مجمع الزوائد .
    37 ـ جلال الدين السيوطي، صاحب المؤلفات المعروفة
    38 ـ شهاب الدين القسطلاني، شارح البخاري .



( 24 )


    39 ـ شمس الدين الصالحي الدمشقي، تلميذ الحافظ السيوطي، صاحب السيرة النبوية .
    40 ـ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، شيخ الإسلام، وصاحب المؤلفات الكثيرة المعتبرة .
    41 ـ شمس الدين ابن طولون الدمشقي .
    42 ـ شهاب الدين ابن حجر المكّي، صاحب الصواعق .
    43 ـ المتقي الهندي، صاحب كنز العمّال .
    44 ـ علي القاري الهروي، صاحب المرقاة في شرح المشكاة .
    45 ـ المنّاوي، شارح الجامع الصغير .
    46 ـ الحلبي، صاحب السيرة .
    47 ـ دحلان، صاحب السيرة .
    48 ـ منصور علي ناصف، صاحب التاج الجامع للأُصول
    49 ـ النبهاني، صاحب المؤلّفات .
    50 ـ المبارك پوري، شارح صحيح الترمذي .
    هؤلاء خمسون نفر، وهذا العدد عُشر رواة حديث الثقلين من أعلام أهل السنّة في القرون المختلفة .



( 25 )




( 26 )

الجهة الثالثة :
دلالات حديث الثقلين


    قد عرفتم بنحو الإجمال دلالة حديث الثقلين على الإمامة في نفس البحث حول ألفاظه فقط، فكان الحديث في بعض ألفاظه نصّاً على إمامة وخلافة علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو في ألفاظه الأُخرى ـ كلفظ « التمسّك » ولفظ « الأخذ » ولفظ « الإتّباع » و « الاعتصام » ونحو ذلك ـ يدلّ على الإمامة والخلافة بالدلالة الإلتزاميّة، من حيث أنّ هذه الألفاظ تدلّ على وجوب « الإتّباع » و « الإنقياد » و« الإطاعة المطلقة »، وهناك ملازمة بين « الإطاعة المطلقة » وبين « الإمامة » و« الخلافة » .
    وإن كنتم في شك فارجعوا إلى شرّاح الحديث، بإمكانكم أن ترجعوا إلى فيض القدير في شرح جامع الصغير، وإلى المرقاة في شرح المشكاة، وإلى نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض، وإلى شرح المواهب اللدنيّة، والسراج المنير في شرح الجامع



( 27 )


الصغير، وحتى إذا ترجعون إلى الصواعق المحرقة، إلى كتاب جواهر العقدين، وإلى أمثال هذه الكتب، لكي تروا كيف يشرحون حديث الثقلين وينصّون على أنّ هذا الحديث حثٌّ وأمرٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالإهتداء بهدي أهل البيت، بالتعلّم من أهل البيت، بالإقتداء بأهل البيت :
    يقول المنّاوي : في هذا الحديث تصريح بأنّهما ـ أي القرآن والعترة ـ كتوأمين خلّفهما وأوصى أُمّته بحسن معاملتهما، وإيثار حقّهما على أنفسهم، والإستمساك بهما في الدين(1) .
    ويقول القاري في شرح الحديث : معنى التمسك بالعترة محبّتهم والإهتداء بهداهم وسيرتهم(2) .
    ويقول الزرقاني المالكي وهو أيضاً محقق في الحديث يقول : وأكّد تلك الوصية وقوّاها بقوله : فانظروا بمَ تخلفوني فيهما بعد وفاتي، هل تتبعونهما فتسرّوني أو لا فتسيئوني(3) .
   
____________
    (1) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3/15 .
    (2) المرقاة في شرح المشكاة 5 / 600 .
    (3) شرح المواهب اللدنية 7 / 5 .



( 28 )


    ويقول ابن حجر المكّي : حثّ (صلى الله عليه وسلم) على الإقتداء والتمسك بهم والتعلّم منهم(1).
    وحينئذ، يكون من دلالات حديث الثقلين : أعلميّة أهل البيت من غيرهم، والأعلميّة المطلقة، وهي تستلزم أفضليّتهم، والأفضليّة مستلزمة للإمامة، كما سنقرأ إن شاء الله تعالى ونحقّق هذا الموضوع .
    إذن، كلّ الصحابة كانوا مأمورين بالرجوع إلى أهل البيت، والإقتداء بهم، والتعلّم منهم، وإطاعتهم والإنقياد لهم .
    ومن هنا، فقد جاء في بعض ألفاظ حديث الثقلين ـ كما هو عند الطبراني(2)، وفي مجمع الزوائد(3)، وعند ابن الأثير في أُسد الغابة(4)، وأيضاً في الصواعق المحرقة(5) ـ قال رسول الله بعد :
____________
    (1) الصواعق المحرقة : 231 ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ 1414 هـ .
    (2) المعجم الكبير 5 / 186 ـ 187 .
    (3) مجمع الزوائد، عن الطبراني .
    (4) أُسد الغابة 1/490 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1409 هـ .
    (5) الصواعق المحرقة : 90 .



( 29 )


« إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما ... » قال : « فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم »، ففي نفس حديث الثقلين توجد هذه الفقرة في رواية القوم .
    أمّا الشرّاح فيوضّحون هذه الناحية أيضاً، مثلاً يقول القاري في المرقاة : الأظهر هو أنّ أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطّلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكونوا عِدلاً لكتاب الله سبحانه، كما قال تعالى : ( يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )(1) .
    وإذا راجعتم الصواعق لوجدتم هذه العبارة بالنص يقول : وفي قوله (صلى الله عليه وسلم) : « فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » في قوله هذا دليل على أنّ من تأهّل منهم للمراتب العليّة والوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره .
   
____________
    (1) سورة آل عمران : 164، سورة الجمعة : 2 .


( 30 )


    فتكون هذه الفقرة الدالة على وجوب التعلّم منهم دالة على إمامتهم وتقدّمهم على غيرهم .
    وهذه أيضاً من دلالات حديث الثقلين .
    وفي قِران أهل البيت بالقرآن دلالة على عصمة أهل البيت، وعلى وجود الإمام من أهل البيت في كلّ زمان، يصلح للإمامة، ولأن يكون قدوة للناس، ولأن يتعلّم منه الناس جميع العلوم الإسلاميّة وجميع الأُمور المحتاج إليها، لابد وأنْ يكون موجوداً في كلّ زمان مادام القرآن موجوداً، وسنبحث عن هاتين الدلالتين في المباحث الآتية، لأنّ مسألة العصمة سنخصّص لها ليلة، ومسألة إمامة بقيّة الأئمّة أيضاً سنخصّص لها ليلة كذلك .



( 31 )




( 32 )

تتمّة
تشتمل على مطالب


المطلب الأول : اقتران حديث الثقلين بأحاديث أُخرى
    لقد اقترن حديث الثقلين في كثير من ألفاظه وموارده
    بأحاديث أُخرى، تلك الأحاديث هي بدورها من الأدلّه المعتبرة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) .
    ففي بعض الألفاظ عن ابن جرير الطبري، وابن أبي عاصم، وأمالي المحاملي الذي هو محدّث كبير من المحدّثين عند القوم وقد صحّح المحاملي هذا الحديث، ويرويه عنهم صاحب كنز العمّال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو آخذ بيد علي (عليه السلام) في يوم الغدير : « أيها الناس ألستم تشهدون أنّ الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم، وأنّ الله ورسوله مولاكم ؟ » قالوا : بلى، قال : « فمن كان الله ورسوله مولاه فإنّ هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي كتاب الله وأهل بيتي »(1) .
    واقتران حديث الثقلين بحديث الغدير المتواتر الدال على
____________
    (1) كنز العمال 13/140 رقم 36441 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1405 هـ .


( 33 )


إمامة أمير المؤمنين ومجيؤهما في سياق واحد، يدلّ على دلالة حديث الثقلين أيضاً على نفس مدلول حديث الغدير، والسياق كما قلنا قرينة يؤخذ بها ما لم يكن في مقابلها نصّ قاطع، وليس هنا في المقابل نصّ قاطع يمنعنا من الأخذ بهذا السياق .
    ومن مصادر اقتران الحديثين : المعجم الكبير(1) للطبراني، ومسند ابن راهويه(2)، والمستدرك(3)، ونوادر الأُصول للحكيم الترمذي(4)، والإصابة(5)، وأُسد الغابة(6)، والسيرة الحلبيّة(7).
____________
    (1) المعجم الكبير 5/195 رقم 5070 .
    (2) مسند ابن راهويه : مخطوط .
    (3) مستدرك الحاكم 3 / 109، 174 .
    (4) نوادر الاصول، كما في غير واحد من المصادر عنه .
    (5) الإصابة 7/78 رقم 4767 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .
    (6) أُسد الغابة 3/605 .
    (7) السيرة الحلبيّة 3/274 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .



( 34 )


    ولقد اقترن حديث الثقلين بحديث الغدير وحديث المنزلة أيضاً، فأصبح ثلاثة أحاديث في سياق واحد، في رواية ابن حجر في كتاب الفتاوي الفقهية(1) وكلّ منها يدلّ على إمامة أمير المؤمنين بالإستقلال .

    تالمطلب الثاني : تكرار الوصية بالكتاب والعترة
    في تعدّة مواطن
    قد ثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كرّر هذه الوصية، أي الوصية بالكتاب والعترة، في موارد عديدة :
    المورد الأول : عند انصرافه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الطائف، وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة، وعنه ابن حجر المكي في الصواعق المحرقة(2) .
    المورد الثاني : في حجة الوداع، وفي عرفة بالذات، وقد أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة كما في كنز العمال(3)، والترمذي
____________
    (1) الفتاوي الفقهية 2 / 122 .
    (2) الصواعق المحرقة : 64 .
    (3) كنز العمال 1 / 48 ط1 .



( 35 )


في صحيحه(1)، والطبراني في المعجم الكبير(2)، وابن الأثير في جامع الأصول(3)، وغير هؤلاء .
    المورد الثالث : في يوم غدير خم، وفي الخطبة، وقد أخرج هذا الحديث أحمد في المسند(4)، الدارمي في السنن(5)، البيهقي في السنن الكبرى(6)، وابن كثير في تاريخه(7)، وغيرهم .
    المورد الرابع : في مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي توفي فيه، قاله وقد
____________
    (1) صحيح الترمذي 5 / 621 .
    (2) المعجم الكبير 3 / 63 رقم 2679 .
    (3) جامع الأصول 1 / 277 .
    (4) مسند أحمد 3 / 17 .
    (5) سنن الدارمي 2 / 310 .
    (6) سنن البيهقي 2 / 148 .
    (7) البداية والنهاية 5 / 209 .



( 36 )


امتلأت الغرفة أو الحجرة بالناس، أخرجه ابن أبي شيبة(1)، والبزّار(2)، وابن حجر المكي(3)، وغيرهم .
    وربّما يكون هناك موارد أُخرى لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّي تارك فيكم الثقلين ... » .

    تالمطلب الثالث : مسألة الدعوة إلى الوحدة
    تالإسلامية على ضوء حديث الثقلين
    كان جدّنا السيّد الميلاني رحمة الله عليه يحدّثنا عن مبادرة بعض أعلام النجف الأشرف(4) إلى التفاهم والتقارب مع بعض علماء السنّة في ذلك الزمان، كان يقول رحمة الله عليه : كنّا نقترح عليه وعلى غيره : إنّ السبيل الصحيح السليم للتقارب بين المذاهب الإسلامية، هو الأخذ بحديث الثقلين، لأنّ المفروض أنّه حديث
____________
    (1) رواه عنه العصامي في سمط النجوم العوالي 2 / 502 رقم 136 .
    (2) كشف الأستار عن زوائد البزّار 3 / 221 رقم 2612 .
    (3) الصواعق المحرقة : 89 .
    (4) هو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء .



( 37 )


صحيح عند الطرفين إنْ لم يكن متواتراً وهو متواتر قطعاً، حديث مقبول عند الطرفين، ودلالته واضحة .
    فحينئذ إذا كان هناك شيء عن رسول الله نفسه وهو صحيح سنداً ودلالته تامّة، ويصلح لأن يكون جامعاً بيننا، لماذا نتركه ونتوجّه إلى نظريّات واقتراحات ومشاريع أُخرى، قد لا تفيدنا ولا نصل عن طريقها إلى الهدف .
    كان رحمة الله عليه يقول : كنّا نصرّ على هذا المعنى، وكان بعض أعلام النجف الأشرف الذي كان يقود فكرة التقريب له اقتراح آخر .
    حتّى أنّه عاد واعترف بأنّ الطريقة الصحيحة ليست إلاّ هذه الطريقة، ولا علاج لهذه المشكلة إلاّ الرجوع إلى هذا الحديث وأمثاله .
    وتلخّص : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر عن دنوّ وفاته وقرب رحيله ، وأخبر الأُمّة بأنّه تارك بينهم أعزّ الأشياء عنده وأثمن الأشياء وأغلاها عنده، إنّه تارك بين الأُمّة القرآن والعترة، حتّى لا يضلّوا من بعده، وكلمة « لن » تدلّ على التأبيد، وهذه موجودة في ألفاظ الحديث : « ما إن تمسّكتم بهما »، أو « ما إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا » .



( 38 )


    ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد عليهم أنّه سيسألهم عند الحوض عن معاملتهم مع الثقلين، وأنّهم كيف خلفوه فيهما .
    ولعلّه أراد أن يشير بهذا الموعد والملتقى إلى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)هو الساقي على هذا الحوض، وهو الذي يذود المنافقين عنه .
    وأيضاً : لعلّه كان يريد الإشارة إلى حديث الحوض الشهير الذي قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في الصحاح : « سيرد عَلَيّ أصحابي وأنّهم يذادون عن الحوض وأقول : يا ربّ هؤلاء أصحابي، فيقول : إنّك لا تدري ما أحدثوا من بعدك » .
    وسنذكر هذه الأحاديث في موضعها إنْ شاء الله تعالى .



( 39 )

الجهة الرابعة :
المناقشات والمعارضات في حديث الثقلين


    وإذا راجعنا كتب القوم، رأينا أنّ محاولات القوم في ردّ حديث
    الثقلين وإبطاله تتلخّص بالطرق التالية :
    تالطريق الأوّل :
    ما مشى عليه أبو الفرج ابن الجوزي، حيث أدرج حديث
    الثقلين في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية(1)، فقد ذكر فيه هذا الحديث بسند واحد، وجعل يناقش في سنده ويضعّفه، وهذا الكتاب خاص بالأحاديث الضعيفة بنظره، كما أنّ له
____________
    (1) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية 1/268 رقم 432 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1403 هـ .


( 40 )


كتاباً آخر عنوانه كتاب الموضوعات جعله للأحاديث الموضوعة بنظره، فأدرج هذا الحديث في كتاب العلل المتناهية ليقول بأنّه حديث ضعيف، ونحن إلى الآن لم نجد أحداً ضعّف هذا الحديث قبل أبي الفرج ابن الجوزي .
    وتضعيفه مردود حتّى من قبل علمائهم، وسنقرأ بعض الأسماء من كبار العلماء المحققين المتأخرين الذين خطّأوه في عمله هذا .
    مضافاً إلى أنّ هذا الحديث موجود في صحيح مسلم وإنْ كان مبتوراً، وفي صحيح الترمذي، وفي صحيح ابن خزيمة الملقّب عندهم بإمام الأئمّة، وفي صحيح أبي عوانة، وفي الجمع بين الصحيحين، وفي تجريد الصحاح، وقد صحّح الحاكم هذا الحديث ، وكذا محمّد بن إسحاق، والضياء المقدسي، والبغوي، والمحاملي، وابن النجار، والنووي، والمزي، والذهبي، وابن كثير ، والهيثمي، والسيوطي، والقسطلاني، وابن حجر المكي، والمنّاوي، والزرقاني، وولي الله الدهلوي، وغيرهم .
    مضافاً إلى أنّ أبا الفرج ابن الجوزي معروف عندهم بالتسرّع في الحكم بالوضع أو الضعف، ومعروف عندهم بالتعصب، وفي خصوص هذا الحديث خطّأه غير واحد من المحققين كما أشرنا،



( 41 )


منهم :
    1 ـ سبطه، في كتاب تذكرة الخواص .
    2 ـ الحافظ السخاوي، في كتاب إرتقاء الغرف .
    3 ـ الحافظ السمهودي، في كتاب جواهر العقدين .
    4 ـ ابن حجر المكي، في الصواعق .
    5 ـ المنّاوي، في فيض القدير .
    وكلّهم قالوا : قد أخطأ ابن الجوزي، وحذّروا من الإغترار بفعله، حتّى أنّ بعضهم يقول : وإيّاك أنْ تغترّ بما صنع .
    فالطريق الأوّل تضعيف الحديث، وهذا جوابه باختصار .

    تالطريق الثاني :
    الحكم بنكارة المتن، متن الحديث منكر، نسبه البخاري
    إلى أحمد بن حنبل، ففي التاريخ الصغير للبخاري(1)يقول : قال أحمد في حديث عبد الملك عن عطية عن أبي سعيد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : « تركت فيكم الثقلين » قال : أحاديث الكوفيين هذه مناكير .
    ونحن نقول : أمّا نسبة هذا الكلام إلى أحمد، فنسبة كاذبة، لأنّ أحمد يروي هذا الحديث في مسنده، وفي كتاب فضائل الصحابة،
____________
    (1) التاريخ الصغير 1 / 302 .


( 42 )


بأسانيد كثيرة عن عدة من الصحابة، وأين قال أحمد هذا ؟ ومتى قال ؟
    وأمّا دعوى : أنّ هذا الحديث منكر، فنقول : صحيح، إنّه منكر عند البخاري، لأنّه يدلّ على إمامة أمير المؤمنين وأهل البيت ، عن طريق الأفضليّة، عن طريق الأعلميّة، بالقِران مع القرآن، بدلالته على العصمة، وغير ذلك من جهات الدلالة الموجودة في هذا الحديث .

    تالطريق الثالث :
    تحريف الحديث، وهذا ما صنعه مسلم في صحيحه، وفي
    تاريخ بغداد للخطيب البغدادي(1) يقول : أخبرنا المطيّن، حدّثنا نصر بن عبد الرحمن، حدّثنا زيد بن الحسن، عن معروف، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : « يا أيّها الناس إنّي فرط لكم وأنتم واردون عَلَيّ الحوض، وإنّي سائلكم حين تردون عَلَيّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما : الثقل الأكبر كتاب سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تبدّلوا » انتهى الحديث .
   
____________
    (1) تاريخ بغداد 8/442 ـ دار الكتب العربي ـ بيروت .


( 43 )


وهذا الحديث بنفس السند، أي عن طريق نصر بن عبد الرحمن عن زيد بن الحسن عن معروف عن أبي الطفيل عن حذيفة ، فبنفس السند وبنفس اللفظ موجود في المصادر، أقرأ لكم نصّ الحديث عن واحد منها، عن نوادر الأُصول للحكيم الترمذي(1) ففيه : « إنّي فرطكم على الحوض وإنّي سائلكم حين تردون عَلَيّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما : الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّي قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض » .
    فهذا كتاب نوادر الأُصول، وهذا كتاب تاريخ بغداد، وكلاهما موجودان بين أيدي الناس، وهل المتصرف بالحديث هو الخطيب نفسه أو النسّاخ أو الناشرون ؟ الله أعلم .
    وأكتفي من التحريفات بهذا المقدار إذ طال بنا المقام .

    تالطريق الرابع :
    المعارضة بأحاديث يروونها في كتبهم، يعارضون بها
    حديث الثقلين، والمعارضة كما تعلمون بحث على القاعدة
____________
    (1) نوادر الأصول : 68 .


( 44 )


وأسلوب مقبول، المعارضة معناها أنّ هناك حديثاً صحيحاً في سنده وتامّاً في دلالته، يعارض هذا الحديث الصحيح التام دلالةً، ولذا نحن الطلبة نقول : المعارضة فرع الحجية، فلابدّ وأنْ يكون الخبران كلاهما حجة، فإذا كانا تامّين سنداً ودلالةً فيتعارضان فيكون أحدهما صدقاً والآخر كذباً، فإنْ تمكنّا من ترجيح أحدهما على الآخر فهو، وإلاّ يتعارضان ويتساقطان، فالبحث عن طريق المعارضة بحث على القاعدة .
    لكنْ بأيّ شيء يعارض حديث الثقلين وهو حديث الوصية بالقرآن وأهل البيت ؟
    يعارضون حديث الثقلين بأشياء، أهمّها :
    حديث الإقتداء بالشيخين، وأيّ حديث هذا ؟ إنّهم يروونه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه قال : « إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » هذا الحديث موجود في بعض كتبهم، فإذا كان حديث الثقلين أي الوصيّة بالكتاب والعترة، دالاًّ على وجوب الإقتداء بالقرآن والعترة ، فهذا الحديث يدلّ على وجوب الإقتداء بالشيخين، إذن يقع التعارض بين الحديثين .
    الحديث الآخر المهم الذي يحاول بعض كتّاب عصرنا أنْ يعارض به حديث الثقلين، أي الوصية بالكتاب والعترة، هو حديث



( 45 )


الثقلين والوصية بالكتاب والسنّة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي »، فحديث الوصيّة بالكتاب والعترة يدلّ على وجوب الإقتداء بالكتاب والعترة الأخذ والتمسّك بهما، وهذا الحديث يقول بوجوب الأخذ والتمسّك بالكتاب والسنّة، إذن يقع التعارض بين الحديثين .
    وهذا هو الطريق الرابع لردّ حديث الوصية بالقرآن والعترة .
    أمّا الحديث الأوّل فسنبحث عنه إنْ شاء الله في إحدى الليالي الآتية، حيث سنتعرض لأدلّة القوم على إمامة الشيخين، وقد خصّصنا ليلةً للبحث عن تلك الأدلّة .
    وأمّا حديث الثقلين والوصية بالكتاب والسنّة، فقد كتبت فيه رسالة مستقلّة مفردة، وهي رسالة مطبوعة، فمن شاء فليرجع إليها .
    فهذا هو الطريق الرابع .
    وقد كان الطريق الأول : التضعيف، والطريق الثاني : دعوى نكارة المتن، والطريق الثالث : تحريف الحديث، والطريق الرابع : المعارضة .



( 46 )


    وهل من فائدة في هذه الطرق ؟ وأيّ فائدة ؟ بل المتعيّن هو :

    تالطريق الخامس :
    وهو طريق شيخ الإسلام !! ابن تيميّة، إنّه يقول : هذا
    الحديث كذب .
    وما أسهل هذا الطريق وأيسره ؟ ولماذا يتعبون أنفسهم فيحرّفون الحديث، أو يجيؤون بأحاديث فيعارضون بها حديث الثقلين، وما الفائدة من تضعيف الحديث من ابن الجوزي فينبري للرد عليه أعلام طائفته ويخطّئونه في هذا التضعيف ؟ فأحسن طريق أنْ لا يصدّق بحديث الثقلين، ويدّعي أنْ ليس هناك سند معتبر لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا »، ولماذا يصرّ الشيعة على هذا الحديث ويبنون عليه إمامة أمير المؤمنين ؟ وهذا هو دأب شيخ إسلامهم في قبال أحاديث إمامة أمير المؤمنين، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) .
    ونعم الحكم الله بين ابن تيميّة وأمثاله وبين أهل البيت، نعم الحكم الله وهو خير الحاكمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .