فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الخامس: الصحابة كما جاؤا في أحاديث الشطط

الحديث الأول: عويم والوزراء

عن عويم بن ساعدة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (إن الله اختارني واختار لي أصحاباً فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل) أورده ابن حجر في مقدمة صواعقه عن المحاملي والطبراني والحاكم وقد وقع له أن نقل اسم الراوي (عويمر) وهو غلط فالصحيح (عويم) كما في ترجمته في الإصابة.

وتعقب الطبراني في الأوسط هذا الحديث وحديثاً قبله بقوله: تفرد بهما محمد بن طلحة التيمي(1) وصححه الحاكم في المستدرك والذهبي في التلخيص(2) وقال الهيتمي بعد إيراده برواية الطبراني «وفيه من لم أعرفه»(3).

أقول: لست من رجال علم الرجال ولكن من الإمكان بمكان أن أنتقد سند هذا الحديث من ثلاث جهات:

1- الإفراد: حيث تفرد به محمد بن طلحة التيمي كما مضى على ذلك الحافظ الطبراني في الأوسط.

2- في سنده مجهول خفيت معرفته على عظيم هذا الفن مثل الهيتمي صاحب مجمع الزوائد.

3- ليس هو على شرط البخاري حيث اشترط المعاصرة واللقاء زائداً على التوثيق، وليس على شرط مسلم حيث اشترط المعاصرة فقط زائداً على التوثيق، وبكلمة أنه ممكن في حقيقة الأمر والواقع أن تحصل هذه الشروط وقد لا تحصل غير أن ذلك خفي على المحدثين فلذلك صححه الحاكم لا على شرط الشيخين أو أحدهما - وفي الاحتمال يسقط الاستدلال.

هذا كله في سند هذا الحديث أما متنه فإنك تشم نتنه بأدنى تأمل، حيث تصدر عنه رائحة رعونة الاختلاق يشمها اللبيب من أهل هذا الشأن، وما الباعث على وضعه إلاّ قصد تكميم الأفواه عن رزايا حدثت في عصر الصحابة كادت أن تزلزل عقائد الناس مما تولد عنها خلط أوراق الحق بالباطل فأصبحوا في شك من أمرهم وذلك من أكبر العوامل التي ساعدت الناس على الشك بآل محمد (عليهم السلام) والتعريض بأتباعهم والتحرش بهم مما يسوِّق للولاة في عصر وضع الحديث أن يستبيحوا من أبناء الفرقة الحقة دماءهم وأموالهم وبالمقابل إعلاء شأن بني أمية وتقديسهم.

وكيف لا يفترون على رسول الله باختلاق مثل هذا الحديث وهذا معاوية لا يرتضي أن يكون من المؤلفة قلوبهم وطليقاً وابن طليق ومن مسلمة الفتح، في حين أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً أنصار لرسول الله وأصهار ولهم قدم سَبْقٍ في الاسلام.

ولاشك أن هذا الأمر يتطلب من معاوية بث الوضاعين وصرف المال من بيت المال لينتج وبفعالية عالية - مئات بل ألوف الأحاديث الكاذبة من أمثال هذا الحديث - تارة بشكله وأخرى بمضمونه - الذي يضعه بمصاف السابقين، ومن ثمة أصبح يلقب خال المؤمنين وأنه صهر رسول الله وناصره.

وبكلمة إذا كان الخلفاء الأربعة أصهاراً وأنصاراً فلِمَ لا يكون أبو سفيان - زعيم الردة بمكة بعد وفاة رسول الله - جد المؤمنين وهند - آكلة كبد الحمزة - جدة المؤمنين ومعاوية - رئيس الفئة الباغية - خال المؤمنين وزياد بن أبيه - الذي تخلق في رحم الشيطان وادعاه أبو سفيان واستلحقه معاوية - خال المؤمنين الأكبر ويزيد بن معاوية - الذي لم يتذوق طعم الإيمان هادم الكعبة وبائح العرض وشارب الخمر ومعاشر القرود - ابن خال المؤمنين؟ وهكذا لا يقبل الله - حسب الحديث المختلق - صرفاً ولا عدلاً ممن يتفوه بكلمة في بني أمية وغيرهم إلا بخير!! وكل ذلك بفضل هذا الحديث وما شاكله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

حوار مع متن الحديث:

أخي المسلم تأمل في الاسئلة التالية ثم أجبني، لأنني عطش أقبل الرشاد ولم أُكِن للحق عداوة:

* فهل رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتخذ وزراء؟

* وإذا كان كذلك فكم هم ومن هم؟

* وهل استوزرهم للحرب فقط أم لكل ما من شأنه الاستوزار آنذاك؟

* إذا كان الاستوزار متعدداً فالوزراء متعددون وإذا تعددوا فهل مهمة الوزير مطلقة أم هناك اختصاصات احدهم للحرب وآخر للاقتصاد وغيره للعدل ورابع للتربية والتعليم...؟

* وهل الله تعالى عينهم لرسوله عن طريق الوحي أم اجتهاد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم لا هذا ولا ذاك؟ انما نحن الذين رشحناهم وعيناهم عن طريق التصوير والتمثيل.

اعتقد أن أكثر هذه الأسئلة لا جواب عليها لدى اخوتنا أهل السنة لذا لا نطيل في نقاشها فالوقت أثمن منها وانما نوظف في ما يأتي عيِّنات منها تفتح للقارئ آفاقاً قد لا تخطر له ببال:

1- لا يجوز أن نعتقد أن الله عينهم لدى رسوله فيلزم منه سوء الاختيار قال تعالى: (إن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه)(4) وإلا فكيف يستوزر الفارين من الزحف والناكثين للبيعة في أغلب المواقف ويترك الثابتين الذابين عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال تعالى: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم من قضى نحبه فمنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)(5) فَلِمَ لا يكون الوزراء هم علي ومن ثبت معه في معركة حنين مثل العباس والفضل ومن الانصار أهل بيعة العقبة؟

2- لا يجوز للمسلم أن يعتقد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عينهم فيلزم منه كذلك سوء الاختيار والعبثية والاعتباط وحتى لو قلنا أنه (صلى الله عليه وآله) خُدِعَ بهم أول مرة فاستوزرهم ألم ينكشف له الامر في المرة الثانية فيعدل عن الخطأ وكم من مرة خدع فتنبه ولم يعد وهو القائل: كما في مسلم والبخاري وغيرهما (لا يلذغ المؤمن من جحر واحد مرتين)(6).

3- وعلى افتراض أننا اعتقدنا بوجود وزراء فهل عبأهم رسول الله قبل موته بأيام جنوداً تحت لواء أسامة بن زيد وفي امرته أم خارجين؟

فإن قلنا بالأول فنحن في عداد الحمقى وإلا فكيف يكون الوزراء وخاصة وزير الحرب جنوداً بقيادة مولى دميم الوجه وحديث السن والذي يعلمه المسلمون قاطبة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حشد في جيش أسامة مشيخة قريش بلا استثناء وعليه فلم لا يكون أسامة الأمير هو الوزير؟

وإذا قلنا بالثاني فمن هم الوزراء؟ ولِمَ لا يكون علي هو الوزير باعتبار أن رسول الله لم يستثن من التجنيد تحت امرة اسامة من أهل المدينة إلا فحلاً واحداً من فحول العرب والمسلمين هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

4- لا عبرة ولا اعتبار بالأحاديث الآتية التي تستوزر أبا بكر وعمر باعتبارها موضوعة اِخْتَطَّها الوضاعون بأنامل ملوثة وأيدي لا تعرف الصدق والأمانة كما قيل: «وما آفة الأخبار إلا رواتها».

نقل الهيتمي في المجمع: عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(إن الله عز وجل أيدني بأربعة وزراء نقباء قلنا يا رسول الله من هؤلائي الأربع قال: اثنين من أهل السماء واثنين من أهل الأرض فقلت من الاثنين من أهل السماء قال: جبريل وميكائيل قلنا: من الاثنين من أهل الأرض قال: أبو بكر وعمر) قال الهيتمي: رواه الطبراني وفيه محمد بن محبب الثقفي وهو كذاب ورواه البزار بمعناه وفيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول وهو كذاب(7).

ونقل شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة عن اللآلئ المصنوعة للسيوطــــي: إن النــــبي قال لأبـــي بكر وعمر: «... انتما وزيــراي فــي الدنيا والآخرة..» رواه ابن حبان عن انس مرفوعاً وهو موضوع(8).

ونقل أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (أبو بكر وزيري والقائم في أمتي من بعدي) رواه ابن عدي وابن حبان عن جابر مرفوعاً وفي إسناده كادح بن رحمة والحسن بن أبي جعفر وهما متروكان والحديث موضوع وقد اخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن النجار وآخرون)(9).

ونقل أن جبريل يقول للنبي (صلى الله عليه وآله): عن أبي بكر «.. انه وزيرك في حياتك وخليفتك بعد موتك) ورواه ابن حيان عن أبي هريرة مرفوعاً وفي إسناده إسماعيل بن محمد بن يوسف كذاب(10).

5- الصحيح أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رشح علياً للوزارة من صباه فلذلك عنى به عناية خاصة، فالأكاديمية المسجد الحرام، والمأوى بيت النبوة، والعقيدة توحيد الله، فلا رِجْسَ ولا أوثان، والمعلم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يبلغ الحلم أوْسن البلوغ إلا وقد زُقَّ علوم الدين والحياة، ولم يدخل تحت أمرة أحد إلا تحت راية رسول الله، لأنه الأمير والوزير والخليفة بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

وبما أن الوزير في اللغة هو الموازر لأنه يحمل عنه وزره أي ثقله ويقال استوزر فلاناً فهو يوازر الامير، وكلما تعددت جهات الثقل تعدد الاستوزار، ومن هنا تعددت الوزارات في عصرنا الحالي إلى آحاد العشرات.

واثقل من اثقل على رسول الله وانقض ظهره آنذاك المشركون عندما يصدونه عن تبليغ رسالة الله، والمسلمون عندما ينهزمون من المعارك ويولون الدبر فيتركونه (صلى الله عليه وآله) في حمي الوطيس نهباً نهباً وطعمة لذؤبان العرب، فلذلك لم يَحْتَجْ رسول الله إلا إلى نوعين من الاستوزار وزيراً للحرب وآخر لتبليغ دين الله إلى الناس.

وبكلمة: أن أبا بكر وعمر لم يكونا في مستوى الوزارة ومصاف الوزراء لأنهما من المنهزمين الناكثين الفارين من الزحف في معركة أحد ومعركة حنين في الطائف، والمهزمون هم لا وزراء ولا موازرين.

وهما كذلك غير مبلغين بدليل: أنه لمّا نزلت عشر آيات من سورة براءة بعثها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ابي بكر ليبلغها المشركين من أهل مكة ثم اتبعه بعلي للتبليغ وأمر برد أبي بكر فقال: (يا رسول الله نزل فيَّ شيء قال: لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك)(11).

وعليه يكون وزير الحرب والتبليغ هو علي بن أبي طالب، وشاهد ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي)(12) ومن منازل هارون الوزارة قال تعالى: (وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً)(13) وقال: (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي)(14) ولله الحمد والمنة.

الحديث الثاني: الانتقاص والمواكلة

عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (أن الله اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً وسيأتي قوم يسبونهم وينتقصونهم فلا تجالسوهم ولا تشاربوهم ولا تواكلوهم ولا تناكحوهم)(15). رواه العقيلي في الضعفاء.

أقول: يجب على اخوتنا أهل السنة عامة والعلماء منهم بخصوصهم، ومن يتقلد مشيخة الازهر الشريف وفروعه في أرجاء الأرض بأخصهم، أن ينزهوا الشريعة الغراء عن الأساطير والأضاليل ومماحكات الأحكام اللفظية والتي هي أقرب منها إلى كونها حقيقية وأن يَربؤوا بأنفسهم عن سفاسف الأحكام والعمل بمثل هذا الحديث المكذوب على رسول الله والذي يرويه العقيلي في الضعفاء وإلا فكيف نكفِّر الملايين من المسلمين الشيعة على وجه الأرض اعتماداً على حديث مختلق وعملاً بمضمونه، والعتب الجميل على ابن حجر الهيتمي حيث نقل هذا الحديث الموضوع في صواعقه محذوف السند ومقطوع الدرجة وما ذاك إلا ليجعله صاعقة في صواعقه يوهم بها عوام العامة ويكفِّر ملايين المسلمين والمعاذ بالله.

على أن الحديث الصحيح إذا كان أحادياً - وهو ما لم يبلغ حد التواتر - فإنه يوجب العمل ولا يوجب العلم أي الاعتقاد فضلاً عن الحديث المختلق(16).

العجب العجاب:

ومن العجب العجاب أن اخوتنا أهل السنة يصححون أحاديث صريحة الدفاع في سبيل نجاة بعض المنافقين فقد اخرج البخاري في صحيحه عن عتبان بن مالك قال:

(... فثاب في البيت رجال... فاجتمعوا فقال قائل منهم: ابن مالك بن الدخيشن.. فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لاتقل ذلك ألا تراه قد قال لا اله إلاّ الله يريد بذلك وجه الله «.. قال: فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين قال رسول الله:» فإن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)(17).

ورواه مسلم عن عتبان ايضاً قال (... فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) ومن شاء الله من أصحابه فدخل وهو يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم ثم اسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخثم قالوا ودوا أنه دعا عليه فهلك وودوا أنه أصابه شر فقضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاته وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأنني رسول الله قالوا: أنه يقول ذلك وما هو في قلبه قال: لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وانني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه قال أنس: فأعجــبني هـــذا الحـــديث وقـــلت لابـــني: اكـــتبه فكتبه)(18).

انظر رعاك الله إلى هذين الحديثين اللذين رواهما الشيخان من حديث عتبان تجد أن أصحاب رسول الله يعلمون يقيناً أن الصحابي مالك بن الدخيشن - بالتصغير أو الدخشن الشك من الراوي كما عند البخاري أو الدخشم كما هي عبارة مسلم - كان منافقاً وأنه لا يحب الله ورسوله وأن الصحابة الكرام كانوا يقرؤون النفاق على وجهه ويلمسون وداده ونصيحته إلى المنافقين، وأنه كان من أكابر مجرميها وأعاظم من يسند إليه النفاق، وأنهم يودون أن رسول الله يدعو عليه فيهلك وأنهم يضرعون إلى الله أن يصيبه بعاصفة شر تريح المسلمين منه، وإذا ما قرأت آخر حديثي الشيخين يختلط عليك أمرك حيث تجد أن الرواة يزعمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دافع عن هذا المنافق بل ضمن الفوز بالجنة والنجاة من النار لمن نطق بالشهادتين حتى وإن لم يعمل ولم يعلم في الإسلام وعن الإسلام شيء بل حتى وإن كان الناطق بهما منافقاً كما يلحظ من رواية مسلم.

ثم انظر ثانية إلى الحديث الموضوع الذي رواه العقيلي في الضعفاء والذي يحكم الجهلة من عوام الناس بموجبه على الشيعة بالكفر، حيث لا يواكلون ولا يناكحون، ثم احكم عزيزي القارئ بما يمليه عليك شرع الله وضميرك الواعي، وقبل أن نسمع عنك نص الحكم نريد أن نذكرك عن طريق التساؤل التالي:

هل يرضى عنا ربنا ورسولنا وأيماننا وإسلامنا وضمائرنا أن ندافع عن المنافقين من أمثال مالك بن الدخشن أو الدخشم ونقبل منهم النطق بالشهادتين وأن أشربت قلوبهم النفاق؟ بل وتحرم جلودهم على النار كما هو صريح عبارة مسلم؟ وبالمقابل نكفِّر الملايين من المسلمين في العالم الإسلامي - اعتماداً على مثل الحديث المشؤوم الذي يرويه العقيلي في الضعفاء؟ - حتى وإن آمنوا بالله واليوم الآخر وأدوا الواجبات وعملوا الصالحات؟!!

وهل يجوز لإخواننا أبناء العامة أن يكفِّروا مسلماً سب صحابياً ثم يُحرِّمون على النار أن تأكل لحم ذلك الصحابي حتى وإن كان منافقاً؟ فقط لأنه نطق بالشهادتين لا اكثر؟!!

اعتذار ابن حجر والقرطبي والنووي:

ولقد اعتذر كل من ابن حجر في الإصابة والقرطبي في الاستيعاب عن ابن دخشم حيث قالا: (قال ابو عمر: لا يصح عنه النفاق فقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه.

وكذلك اعتذر النووي في شرحه على مسلم عن ابن دخشم بايراده قول ابي عمر ثم قال: (وقد نص النبي (صلى الله عليه وآله) على إيمانه باطناً وبراءته من النفاق بقوله (صلى الله عليه وآله).

في رواية البخاري رحمه الله: ألا تراه قال لا إله الا الله يبتغي بها وجه الله... وفي هذه الزيادة رد على غلاة المرجئة القائلين بانه يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد فإنهم تعلقوا بمثل هذا الحديث وهذه الزيادة تدمغهم).

أقول: أحسن النووي في رده على غلاة المرجئة من حيث يحاول تفنيد اعتقادهم الفاسد، وذلك هو وجه الحسن الذي نقصده، غير أنه وقع في مأزق خطير حيث أن الرواية تحرم النار على من تشهَّد معتقداً حتى، وإن لم يعلم ولم يعمل بل حتى وإن كان من طواغيت الأمة وفراعنتها وهذا مما يصطدم بآحاد العشرات من الآيات الكريمة وإلا فعليه تكفينا الشهادة مع الاعتقاد لوحدهما، فنكون دحضنا المرجئة ودُحِضْنا معهم ولكن النووي رحمه الله لم يتنبه له وإنما يكفيه أن تنبه للدفاع عن ذلك المنافق وهو باطل فتأمل.

والصحيح لو كان حديث الشطط الثاني صحيحاً لكان هكذا (إن الله اختارني واختار لي أهل بيت واختار لي منهم علياً صهراً وسيأتي قوم يسبونهم وينتقصونهم فلا تجالسوهم ولا تشاربوهم ولا تواكلوهم ولا تناكحوهم) ولكن الكثير من الصحابة وعشرات الألوف من التابعين لم يكتفوا بمواكلة معاوية ومشاربته وإنما تابعوه على شتم وسباب آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الحديث الثالث: الحفظ والتخلي

عن عياض الأنصاري عن النبي (صلى الله عليه وآله) (احفظوني في أصحابي وأصهاري وأنصاري فمن حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ومن لم يحفظن فيهم تخلى الله منه ومن تخلى الله منه أوشك أن يأخذه) نقله صاحب الصواعق(19) عن البغوي والطبراني وأبي نعيم في المعرفة وابن عساكر وأورده الهيتمي في المجمع عن الطبراني وقال فيه ضعفاء جداً وقد وثقوا(20).

قلت إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوجه خطاباً هاماً وشاملاً يدعو فيه للحفاظ على أصحابه - الذين بلغت أعدادهم «124» ألف حسب إحصائيات الشيخ ابي زُرْعَة الرازي - فمن هم المُخَاطَبُون يا ترى في عصرٍ لم يكن فيه أهل سنة ولا شيعة ولا تابعون؟

هناك أربعة احتمالات حسب المتبادر فإما أن يكون الخطاب موجه للمشركين وإما للمنافقين وإما للمعدومين وإما للصحابة أجمعين والتابعين واتباعهم على مر الأجيال وفي ما يلي تفصيل ذلك:

مَن المخاطَبُون؟

حسب المتبادر لا يمكن أن يوجِّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطابه للمشركين باعتباره لا يرجو منهم ولا يأمل أن يحفظوه في أصحابه بل كان الله تعالى يحذر منهم بقوله: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)(21) وبقوله: (خذوا حذركم فانفروا ثباتٍ أو انفروا جميعاً)(22) وبقوله: (خذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً)(23).

* ولا يجوز لنا بل يحرم علينا أن نوجه خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمنافقين حيث أنه (صلى الله عليه وآله) غير آمل فيهم أن يحفظوه في المؤمنين من أصحابه بل هم أصحابه وأعدادهم تربو على النصف من المؤمنين منهم، والقرآن الحكيم لا يرجو نصحهم بل حذر منهم قال تعالى: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم)(24).

* وليس من المعقول أن يوجِّه الله ورسوله خطاباً طلبياً للمعدوم أي للجيل اللاحق ابتداءً دون السابق مثال ذلك قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) فلا يمكن هنا أن يوجِّه الله هذا الخطاب الطلبي للتابعين ابتداءً دون الصحابة فيفرض عليهم الصلاة والزكاة والجهاد والصدق والأمانة ويكون الصحابة في حلٍّ من ذلك كله قطعاً لا.

* وإنما المعقول والمشروع والواقع أن الخطاب موجَّه للموجود ابتداءً فيستمر ليشمل المعدوم عند الوجود بشرط التكليف باعتبار أن القضية هنا حقيقية فالحكم فيها يوجه لحقيقة الشيء الأعم من الحقيقة الموجودة الآن والتي ستوجد بعد.

فَلَمَّا يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) احفظوني في أصحابي - حسب الزعم - فهذا الحكم كما هو موجَّه للصحابة أنفسهم لأنهم الموجودون والمخاطبون كذلك يشمل الانسان المسلم الذي يوجد في المستقبل على مر الأجيال.

وعليه يكون معنى الحديث الشطط «يا أصحابي احفظوني في أصحابي» وهو عين الاحتمال الرابع، وهنا مكمن نقاط الضعف ومن هنا تصدر المنزلقات ومن هنا تزل الأقدام، وإلا فكيف نفسِّر يا أصحابي احفظوني في أصحابي حيث لا يمكن أن يكون المعنى يا زيد احفظني في زيد ويا عمرو احفظني في عمرو ويا خالد أحفظني في خالد (رض) وكذلك لا يجوز أن نفسر حديث الشطط بيا زيد احفظني في عمر ويا عمر احفظني في ابي الغادية ويا أبا الغادية احفظني في وحشي ويا وحشي احفظني في عمرو فيدور الأمر والدور باطل.

والصحيح أن هذا الحديث لا ينطبق إلا على آل محمد (صلى الله عليه وآله) فلو كان صحيحاً لكان هكذا (احفظوني في أهل بيتي فمن حفظني فيهم حفظه الله ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه ومن تخلى الله عنه أوشك ان يأخذه) كشأن سابقه.

وبعد أن حكم جهبذ من جهابذة علم الجرح والتعديل على حديث الشطط بالتضعيف وأنه من روايات الضعفاء جداً وأوقفنا على مدى شططه فللتوضيح اكثر راجع حديث الشطط الأول إن شئت، وعليك مراجعة شطط الحديث الثالث عشر الآتي تحت عنوان عودة إلى موضوع أو عوداً على بدء والله ولي الوفيق.

الحديث الرابع: اللقب القاتل

عن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (سيأتي من بعدي قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن ادركتهم فأقتلهم فإنهم مشركون قلت: ما العلامة فيهم قال: يقرطونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف) نقله صاحب الصواعق(25) عن الذهبي والدار قطني وبألفاظ متفاوته تتنازع معنىً واحداً وذكر زيادة أزادها الدار قطني من طريق آخر: (ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك وآية ذلك أنهم يسبون ابا بكر وعمر).

وأورده الهيتمي في المجمع عن الطبراني من رواية أم سلمة وبألفاظ مختلفة وقال: فيه الفضل بن غانم وهو ضعيف.

وأورده عن عبد الله والبزار من رواية علي بن ابي طالب وقال: وفيه كثير بن اسماعيل السوّا وهو ضعيف.

وأورده عن ابي يعلى والبزار والطبراني من رواية ابن عباس وقال: ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف.

وأورده عن الطبراني من رواية زينب عن فاطمة (عليهما السلام) وقال: إلا أن زينب لم تسمع من فاطمة فيما أعلم والله اعلم.

تأمل أخي المسلم في إسناد هذا الحديث تجد في سند الرواية الأولى الفَضْل بن غائم ضعيف، وفي الثانية كثير بن إسماعيل ضعيف، وفي الثالثة رجال فيهم خلاف، وفي الرابعة زينب لم تسمع من فاطمة.

ثم تعال إلى ألفاظ الشطط تجد كلمات تفصح عن اختلاقها مثل - نبز - رافضة - مشركون - يقرطونك - يطعنون على السلف - ينتحلون حبنا - يسبون فلانا وفلاناً - فاقتلهم وفي رواية مقبلة فاقتلوهم - ما لهذه المقدمات السّبع من غاية إلا التوصل إلى نتيجة مقتضبة ظالمة فاسدة هي «اقتلهم - اقتلوهم» حيث لا افسد منها إلا منتجها.

هذه الكلمات لم نعهدها في الإسلام العظيم الذي يحترم من نطق بالشهادتين - بل يحترم البشرية اجمع حسب دستور الحق والعدل والإنصاف - إذ بهما تعصم الدماء والأموال والأعراض ويحل السلامُ والطعام والنكاح والميراث.

واشهد جازماً أن هذه الكلمات من حديث الشطط لم تكن من كلمات رسولٍ (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(26).

وإنما هي من وحي الشيطان حيث نفث في ذهن معاوية ويزيد والوليد وغيرهم فأذاعوها بين الناس على يديْ بائعي ضمائرهم، فبهذا الحديث وأمثاله استباحوا دماء واموال أتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولا نطيل الوقوف عند هذه الرواية بعد الاطلاع على زيفها وحكم أهل الشأن عليها ولمزيد الاطلاع راجع حديث الشطط الثاني عشر وإنا لله وإنا اليه راجعون.

الحديث الخامس: موصىّ وموصىّ به

عن عبد الله بن مغفل عن النبي (صلى الله عليه وآله): (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) رواه الترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(27).

قلت: لو صحت نسبة الحديث فلابد وأن يكون الخطاب النبوي موجه إلى فريق من الصحابة مسلمون حاضرون بدليل تاء المضارعة (لا تتخذوهم) التي هي للحاضر المخاطَب وبدليل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى خالد بن الوليد عن سب عبد الرحمن بن عوف:

أخرج مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري قال:

«كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال (صلى الله عليه وآله): لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو انفق مثل أحدٍ ذهباً ما ادرك مُدّ أحدهم أو نصيفه»(28).

وهو كما ترى أخي المسلم أن النهي في روايتي الترمذي ومسلم موجَّه إلى الصحابة بخصوصهم ولسنا مضطرين هنا لسحب الحكم على الأجيال عبر التاريخ حسب القاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» إذ يكفينا الحكم العام في النهي عن الشتم والسباب من كل أحد وعلى كل أحد إلا بحق وإلا من ظُلِم. قال تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم وكان الله سميعاً عليماً)(29).

ويا ليت شعري من الموصى والموصى به في حديث الترمذي فإن قلنا الموصى هم المهاجرون والموصى بهم الأنصار فالقول شطط إذ لا مصلحة للمهاجرين لإن يتخذوا الأنصار غرضاً من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) والعكس كذلك.

وإن قلنا الموصى هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والموصى به هم اللاحقون منهم فالحكم هراء لغياب الداعي الشرعي والدافع العرفي آنذاك لأن يتخذ السابقون اللاحقين غرضاً والعكس كذلك.

وإن قلنا الموصى هم الصحابة أجمعين والموصى به هم آل محمد (صلى الله عليه وآله) فالقول صحيح وشاهد ذلك من ثلاث جهات:

الجهة الأولى:

إن أهل البيت (عليهم السلام) يصدق عليهم اسم الصحبة زائداً على كونهم آله (صلى الله عليه وآله) فإذا عناهم (صلى الله عليه وآله) يستقيم له القول (الله الله في أصحابي).

الجهة الثانية:

إن الذي يحز في النفس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (الله الله في أهل بيتي) ولكن الرواة والمحدثين كانوا في عصر لا يكاد يذكر فيه آل محمد (صلى الله عليه وآله) بخير وبخاصة علي بن أبي طالب - فاستبدلوا لفظ «أهل بيتي» بلفظ أصحابي باعتبار إطلاق اسم الصحبة على علي وفاطمة والحسن والحسين وهو نوع من التورية الجميلة، هذا إن كانوا من الصادقين وإلا فهو نوع من اغتيالات حقوق آل محمد (صلى الله عليه وآله).

الجهة الثالثة:

إن مصالح ودوافع تستكن في قلوب الكثير من الصحابة لأن يتخذوا آل محمد (صلى الله عليه وآله) غرضاً من بعده وبالفعل لقد تحقق ذلك كله فمنعوا رسول الله من الوصية وتركوه «على بعض الروايات» بلا دفن من ضحى يوم الأثنين إلى آخر ليلة الخميس، ولم يستشيروا علياً في الخلافة، وكادوا أن يحرقوا على فاطمة بيتها، واسقطوا ولدها المحسن، ومنعوها من الميراث، واغتصبوها أرض فدك، ومنعوا آل محمد من الخمس واجلسوا علياً في بيته نحواً من الخمس والعشرين سنة.

وطلب منه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه على سنن الشيخين وإلاّ يُحْرَم الخلافة، وقتلوا عثمان واتهموه فيه.

وخرج عليه الناكثون من أمثال الزبير وطلحة وعايشة فحاربوه في وقعة الجمل.

وخرج عليه القاسطون أمثال معاوية وعمرو بن العاص فحاربوه في موقعة صفين.

وخرج عليه المارقون أمثال الخوارج.

وخانه عمرو بن العاص يوم التحكيم، ولعنوه على المنابر، وقتلوا ولده الحسن سماً، واوصى معاوية بقتل الحسين إن لم يبايع يزيد فَقُتِلَ.

ومنعوا كل من والاهم من العطاء، وأراد ابن الزبير حرق الهاشميين بالنار ولم يصلِّ على محمد (صلى الله عليه وآله) أربعين صباحاً.

وهكذا اتخذوهم غرضاً ويواطئوا عليهم خلفاً عن سلفٍ طرداً وقتلاً وتشريداً وعطشاً وحرماناً مئات السنين، وإذا بالترمذي - وامثاله - يخرج لنا حديثاً غريباً ويوصينا بالصحابة (الله الله في اصحابي) فيا لله ولرسوله ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.

الحديث السادس: الصفوة والأشرار

عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شراركم).

رواه الخطيب البغدادي كما في الصواعق ورواه الترمذي في صحيحه «السنن» وقال: هذا حديث منكر لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه والنضر مجهول وسيف مجهول(30).

وقال النسائي في كتابه الضعفاء والمتروكين «سيف بن عمر الضبيّ ضعيف»(31).

ونقل المحقق محمود ابراهيم زايد عن الميزان في حاشيته على ضعفاء النسائي «عن يحيى قال: ضعيف وعنه قال: فليس خير منه وقال ابو داود: ليس بشيء وقال ابو حاتم: متروك وقال ابن حيان: اتهم بالزندقة وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر مات زمن الرشيد»(32).

نريد في هذه المرة أن نترك تفسير حديث الشطط هنا للواقع التاريخي فهو يشهد أن الصحابة أدركوا الذين يسبونهم حيث أن سبعين ألف خطيب يرتقون سبعين ألف درجة منبر لا يرتقي أحدهم إحداها إلاَّ وقبل النزول يسب علياً والحسن والحسين وعبد الله بن العباس، فيكون المعنى في قول الحديث هنا «الذين يسبون» هم أهل هذه المنابر ومن يحذو حذوهم وقوله: «أصحابي» المقصود هنا أهل بيته (صلى الله عليه وآله) لأنهم أصحابه زائداً على كونهم آله وقوله: «قولوا» فالخطاب موجه للصحابة وقوله: (لعنة الله على شراركم) فالمقصود معاوية وعمرو بن العاص إذ هم شر البرية باعتبارهم المبتكرين والمؤسسين لمذهب الشتم والسباب للأطهار من آل محمد (صلى الله عليه وآله).

وعليه فالواقع يشهد أن الحديث مقلوب ولو صح لكان هكذا (إذا رأيتم الذين يسبون أهل بيتي فقولوا لعنة الله على شراركم) كشأن ما سبق ومن هنا نخلص إلى القول: إن الصحابة محمّلون أمانة وَصَّى بها رسول الله هي لعن الأشرار الذين يسبون آل محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

راجع حديث الشطط السابع عشر تحت عنوان «كارثة سب الله ورسوله» وتحت عنوان «كارثة السب لآل محمد (صلى الله عليه وآله)».

الحديث السابع: الكثرة وقلة الصحابة

عن جابر قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (الناس يكثرون وأصحابي يقلون فلا تسبوا أصحابي فمن سبّهم فعليه لعنة الله).

نقله ابن حجر في مقدمة الصواعق عن الخطيب البغدادي من حديث جابر وعن الدار قطني في الأفراد من حديث أبي هريرة(33).

ونقله الهيتمي في المجمع عن ابي يعلى الموصلي وقال: فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك(34).

وقال البخاري في كتابه الضعفاء الصغير: «محمد بن الفضل بن عطية المروزي سكتوا عليه»(35).

ونقل المحقق محمود إبراهيم زايد في حاشيته على ضعفاء البخاري عن الميزان والكبير «قال أحمد: حديثه حديث أهل الكذب وقــــال يحيى: لا يكتب حـــديثه وقال غير واحـــد: متـــروك ويقال: حـــج بضعاً وثلاثين حجة وقال الفلاس: كذاب ورماه ابن أبي شيبة بالكذب»(36).

وقال النسائي: «محمد بن الفضل بن عطية بخاري متروك الحديث»(37).

أقول: إن اخوتنا أهل السنة يعنون كهذا الحديث المكذوب - المسلمين الشيعة بحجة أنهم يسبون الصحابة وهو توجيه غير صحيح إذ لا يمكن أن يقال الصحابة: يقلون في عصر لا يوجد منهم واحد ينطبق عليه مصداق القلة وإنما تحقق مصداق كثرة الناس وقلة الصحابة وسبهم في عصر عبد الملك بن مروان على يد الحجاج بن يوسف وشاهد ذلك كالآتي:

قال السيوطي: «لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا الحجاج وتوليته على المسلمين وعلى الصحابة (رضي الله عنهم) يهينهم ويذلهم قتلاً وشتماً وحبساً، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى... وختم عنق أنس بن مالك وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلهم...»(38).

وقال ابن الأثير: «وختم ايدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافاً بهم كما يفعل بأهل الذمة منهم جابر بن عبد الله وانس بن مالك، وسهل بن سعد..»(39).

حسبك إن كنت حياً ولا حول ولا قوة إلا بالله.

راجع حديث الشطط السابع عشر تحت عنوان «الكعبة تُهدم من جديد».

الحديث الثامن: الحفظ والحوض

عن ابن عمر ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (من حفظني في أصحابي ورد عليَّ الحوض ومن لم يحفظنِ في أصحابي لم يرد عليَّ الحوض ولم يَرَنِ).

نقله ابن حجر في مقدمة الصواعق عن الدار قطني(40).

وأخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن حبيب كاتب مالك بزيادة «إلا من بعيد» في آخر الحديث(41) واورده الهيتمي في الزوائد وقال فيه: حبيب كاتب مالك وهو كذاب(42) وقال النسائي في الضعفاء: حبيب كاتب مالك متروك الحديث(43) ونقل المحقق محمود ابراهيم في حاشيته على ضعفاء النسائي «قال احمد: ليس بثقة، وقال ابن معين... ليس بشيء وقال ابو داود: كان من اكذب الناس وقال ابو حاتم: روى (رض) أحاديث موضوعة وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة وقال ابن حيان... ويروي عن الثقات الموضوعات...»(44).

قلت: الصحيح لو كان هذا الحديث صحيحاً لكان هكذا (من حفظني في أهل بيتي ورد علي الحوض ومن لم يحفظنِ في أهل بيتي لم يرد علي الحوض ولم يَرَنِ «إلا من بعيد») وما أوصلنا إلى هذا الحكم واضطرَّنا إلى هذه النتيجة إلا الدليل من ثلاث جهات:

الجهة الأولى:

يجب على كل مسلم أن يحفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته فإن فعل وكان مؤمناً عاملاً فإنه يرد الحوض عليه يوم القيامة إن شاء الله.

الجهة الثانية:

حِفْظَهُ (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته حفظ للدين فمن حفظهم حفظ الدين ومن استهان بهم استهان بالدين فهم حجج الله على خلقه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبحفظهم وحبهم يُعرف الإيمان وببغضهم يُعرف الكفر والنفاق.

الجهة الثالثة:

لا ملازمة بين حفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في اكثر أصحابه الذين هم لم يحفظوا أنفسهم وبين ورود الحوض يوم القيامة باعتبار إن أول من يُطرد أو يذاد عنه اكثر من غيره من الأمة هم الصحابة أنفسهم على العكس من حديث الشطط هنا بدليل أحاديث الحوض المتواترة وكما اخرج البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للأول:

«.. ليردن عليَّ اقوام اعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها «فأقول انهم مني فيقال انك لا تدري ما احدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي».

وإذا ما اردنا ان نقطِّع احاديث الحوض عند الشيخين نجد في باب الحوض عند البخاري قِطَعاً من الروايات التي تصرح بأن قسماً كبيراً من الصحابة أحدثوا في الدين ما ليس منه بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

ففي الحديث الأول «وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول: يا رب أصحابي فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك» وفي السابع «ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك» وفي التاسع «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول انك لا علم لك بما أحدثوا بعدك» وفي العاشر «يرد عليّ الحوض رجال من اصحابي فيحلؤون عنه...» مثل سابقه.

وعند مسلم في رواية «انظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ أناس دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال أما شعرت ما عملوا بعدك؟» وفي ثانية «لا يأتين احدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال فأقول فيم هذا فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً» وفي ثالثة «ولأنازعنّ أقواماً ثم لأغلبن عليهم فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(45).

وعليه فالصحابة غيروا وبدلوا وأحدثوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إجماعاً بين المسلمين وبذلك اعترف الفضل ابن رزبهان في كتابة إبطال الباطل حيث قال: «فإن أريد به من بدَّل بعض التبديل ولم يبلغ الارتداد فليس في الأصحاب إلا من بدَّل بعض التبديل»(46).

التصريح بالردة:

هذا ولم تتوقف أحاديث الحوض عند الإخبار بالتغيير والتبديل والإحداث في الدين ما ليس منه وإنما جاء في بعضها التصريح بالردة كما ورد في البخاري: (إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى) أورد ذلك في باب الحوض من صحيحه أربع مرات في ثلاثة أحاديث.

ردة بلا عودة:

والعظيم في الأمر هنا ان أحاديث الحوض في مسلم والبخاري تشعر بأنهم ارتدوا بلا عودة ولا توبة فلم يزالوا مرتدين إلى يوم القيامة، حيث اخرجا بسنديهما واللفظ للبخاري عن أسماء بنت ابي بكر قالت: قال النبي (صلى الله عليه وآله): (إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ ناس دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم...)(47).

الهَمَلُ اقل القليل:

والأعظم خطراً مما سبق ما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:

(بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم قال: هلم قلت: أين؟ قال: إلى النار والله قلت: ما شانهم: قال: إنهم أرتدو بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)(48).

وعلى هذا الحديث لا يكاد ينجو من الصحابة إلا أقل القليل الذي قدره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهمل النعم والذي يقدر ببضعة رجال حيث لا يهمل منها اكثر من ذلك.

ولقد اعتذر اخوتنا أهل السنة عن أحاديث الحوض قال الفضل في كتابه أبطال الباطل:

«قد وقع التصريح في هذا الحديث على ما ذكرنا أن المراد منهم أرباب الارتداد الذين ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقاتلهم أبو بكر الصديق».

ورد عليه المظفر في كتابه دلائل الصدق بقوله: «نعم وقع التصريح فيه بارتدادهم ولكن صريحه أنهم لم يزالوا مرتدين وهم غير من زعموا ردتهم وقاتلهم ابو بكر لقلة أيام ردتهم وعودتهم إلى الإسلام كما عرفت، على ان الكثير ممن زعموا ردتهم إنما منعوا الزكاة عن ابي بكر، وغاية ما يقال فيه الحرمة لا الارتداد ولذا اجرى عليهم عمر أحكام الإسلام فرد سبيهم وأموالهم مضافاً إلى أن هذه الرواية وغيرها مصرحة بأنهم من الصحابة. ومن زعموا ردتهم إن ما توا على الارتداد كما هو ظاهر هذه الأخبار لم يكونوا من الصحابة لأن من مات مرتداً ليس بصحابي عندهم، وإن تابوا وماتوا مسلمين لم يكونوا ممن يؤخذ بهم ذات الشمال ويحال بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله)....»(49).

قلت: إتماماً للبحث يجدر بنا ان نناقش حديث الهمل من ثلاث جهات:

الجهة الأولى:

يفهم من حديث الهمل توالي زُمر الصحابة وتكرارها في الورود إلى آخر زمرة منهم، وأنه لا يترشح من الزمر للنجاة ولا فرداً واحداً ترشحاً، وإنما الناجون يأتون زمرة واحدة فباعتبار كثرة الزمر يكونون كهمل النعم.

الجهة الثانية:

الطريف بالموضوع هنا أن الذي يذود الصحابة عن الحوض هو رجل ومن بني البشر حقيقة ومن أمة محمد (صلى الله عليه وآله) بالذات فليس هو من أمم سالفة ولا من عالم الملائكة وغيرها من العوالم اللابشرية.

وعسى أن لا يعتلج في ذهني ولا يتسور قلبي شك أنه علي بن أبي طالب جيء به ليشهد على أناسي الصدر الأول بأعتباره عاصرهم وعايشهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيشهد - عند الحوض الكوثر إمام رسول الله - للمؤمن بالإيمان وعلى المنافق بالنفاق والمرتد بالردة فتذاد الناس عن حوض رسول الله الا المتقين.

ولا منافاة بين سؤال النبي (صلى الله عليه وآله) للرجل حسب ما ورد في حديث الهمل قوله: «ما شانهم إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى» وبين أن الله تعالى علَّم رسوله علوم الأولين والآخرين قبل موته وأن أعمال الأمة تعرض عليه يوم الإثنين والخميس فما السؤال والجواب إلا لإظهار الحجّة عليهم كما يسأل الله عيسى بن مريم (عليه السلام) قائلاً: (ءَأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك)(50).

فالله يعلم أن عيسى لم يقل ذلك.

والعتب الجميل على البخاري حيث لم يذكر اسم الرجل الذي يذود الصحابة عن حوض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه فمن الذي يتحمل جناية الكتمان هو أم أشياخه من رجال السند أم أبو هريرة باعتباره راوي حديث الهمل.

والأكثر غرابة أن مسلم يروي في باب استحباب اطالة الغرة والتحجيل عن أبي هريرة نفسه: أن الذي يجيب على سؤال رسول الله هو المَلِك(51) (فيقول وهل تدري ما أحدثوا بعدك).

وعليه فتارة يبوح أبو هريرة بشخص من يطرد الصحابة عن حوض رسول الله ويكتم اسمه، وتارة يتكتم على الشخص والاسم فيصرح بأنه ملك، وإلاّ فلا ضرورة في الأمر تحدو برسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يتكتم على اسم رجل في واقعة تعود لما بعد البرزخ مكانها المحشر وزمانها القيامة إذ لا علقة فيها تعيق عاجلة الناس في حياتهم وسياساتهم ومصالحهم.

والأكثر منه أن اخوتنا أهل السنة يفسِّرون الرجل الذي يذود الصحابة بالملك وهو تفسير اعتباطي حيث لا داعي لتشكيل الملاك بصورة رجل في تلك الدار على خلاف دار الدنيا حيث يتصور الملك بصورة رجل ليُسَرُّ على الناس وهناك في الآخرة تبلى السرائر وترى الملائكة باعتبارهم أجسام.

وإنما وصفنا تفسيرهم للرجل بالملك بأنه «تفسير اعتباطي» باعتبار أنه يمكن الجمع في مثل هذا لو سلمنا جدلاً فيقال: إن الرجل هو الذي يذود الصحابة عن الحوض الكوثر بأعتبار انه يشهد على ردتهم فيثبت حرمانهم فيكون بمنزلة السلطة التشريعية وان الملك هو الموكل بهم ومن اختصاصه ان يسحبهم إلى النار فيكون بمنزلة السلطة التنفيذية والله العالم.

الجهة الثالثة:

إن أحاديث الحوض - على كثرتها وبلوغها حد التواتر - لا ترتكز في الأذهان إلا على مفهوم واحد تدل عليه أربع كلمات مترادفة أو متداخلة وهي أن الصحابة - غيرَّوا - بدَّلوا - أحدثوا - ارتدُّوا وكلها تتنازع مفهوماً واحداً وتطوف حوله ألا وهو الانقلاب وهذا أمر تنبأ به القرآن الحكيم حيث جاء فيه أنهم ينقلبون بعد موته (صلى الله عليه وآله) إن موتاً وإن قتلا قال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...)(52).

وعليه فلا يجوز بل يحرم صرف المراد من أحاديث الحوض عن الأعم الأشمل إلى خصوص الذين قاتلهم أبو بكر ولا أدل عليه من الواقع الموضوعي والتاريخي، حيث أن الصحابة بدأوا بالتغيير والتبديل والأحداث في الدين ما ليس منه بدءاً متزامناً بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاشرأب النفاق وثارت ثائرته فلم يمض على وفاته إلا زمن غير بعيد يقدر بالاربعين عاماً وإذا بالحاصل من الإسلام اسمه ومن القرآن رسمه، فَقَل الديَّانون، وإذا بالبقية الباقية من الصحابة يفتشون عن الإسلام بالامصار فلا يجدوه، ويشهد لذلك ما رواه البخاري عن غيلان عن أنس بن مالك قال: «ما اعرف شيئاً مما كان على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)! قيل الصلاة قال أليس ضيَّعتم ما ضيَّعتم فيها؟».

وقال: سمعت الزهري يقول: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: لا اعرف شيئاً ممّا أدركت إلاّ هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيّعت)(53).

وأخرج بسنده عن أم الدرداء تقول: (دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب فقلت ما الذي أغضبك فقال والله ما أعرف من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) شيئاً إلاّ أنهم يصلون جميعاً)(54).

ولعله اصبح معلوماً لديك - أخي المسلم - أن يد التغيير والتبديل طالت الإسلام فعمت أحكامه فتعمى الكثير من حقائقها على مئات الألوف من الأجيال اللاحقة فضيعت السنن وأحكمت البدع فاختلف الخلف تباعاً لاختلاف السلف فزادوا على فرق اليهود بفرقتين وزادوا فرق النصارى بفرقة واحدة.

وقد اخرج البخاري ومسلم واللفظ للأول بسنديهما عن ابي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن)(55).

فيا ليت شعري هذا أبو الدرداء يغضب للإسلام وأنس بن مالك يبكي عليه وكلاهما يشهد انه لم يبق منه إلا الصلاة، وزاد انس أنهم ضيعوا ما ضيعوا فيها، ويا ليت شعري ثانية ما الذي ضاع في صلاتهم يا أنس؟ أليس الصلاة التي كنت تشاهدها موجودة مضيعة هي نفس الصلاة التي نؤديها نحن الآن؟ بلى واللهّ وعليه فصلاة المسلمين اليوم هي نفس الصلاة المضيعة التي حكم عليها أنس بن مالك بالضياع وفي المسألة كلام قد يطول ذكره لا يلتئم مع الاختصار هنا والله ولي التوفيق.

الحديث التاسع: سلسلة سوداء ومتون مظلمة

عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لعن الله من سب أصحابي) اخرجه الطبراني في الأوسط بأسناد متعددة وألفاظ متقاربة من رواية ابن عمر وقال لم يرو هذا الحديث عن مالك بن مغول إلا عبد الله بن سيف تفرد به عبد الحميد بن عصام(56).

ومن رواية عائشة وقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا أبو عاصم تفرد به علي بن سهل(57).

ومن رواية أبي سعيد الخدري وقال: لم يرو هذا الحديث عن فضيل إلا محمد(58).

وأورده الهيتمي في الزوائد من رواية ابن عمر وقال: وفي اسناد الطبراني عبد الله بن سيف الخوارزمي وهو ضعيف وأورده من رواية عائشة وقال ورجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل وهو ثقة وابن سهل هذا هو الذي تفرد بالرواية.

وأورده من رواية أبي سعيد الخدري وقال: قلت له حديث في الصحيح غير هذا - رواه الطبراني في الأوسط وفيه ضعفاء وقد وثقوا.

وأورده عن أبي يعلى الموصلي من رواية جابر بن عبد الله وعن البزار من رواية ابن عمر وعن الطبراني من رواية ابن عباس.

فتعقب رواية الموصلي بقوله: وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك وتعقب رواية البزار بقوله: وفي إسناد البزار سيف بن عمر وهو متروك وتعقب رواية الطبراني بقوله رواه الطبراني وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف(59).

راجع الكلام عن ابن عطية وسيف بن عمر في حديث الشطط السادس والسابع تجد العجب واما الثالث فقد قال النسائي: عبد الله بن خراش... ليس بثقة(60).

ونقل المحقق محمود ابراهيم زايد عن الميزان والكبير في حاشيته على كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي: قال البخاري منكر الحديث وضعَّفه الدار قطني وغيره وقال ابو زرعة: ليس بشيء وقال ابو حاتم: ذاهب الحديث(61).

تأمل عزيزي القارئ في هذه الطائفة من الأحاديث ابتداءاً من حديث الشطط السادس ومروراً بما يليه إلى أن تصل إلى الحديث الذي بين أيدينا ثم قف عند هذه المجموعة وقفة آملة وفاحصة سابراً أغوارها ثم اعرضها على كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصحيحة وشرِّحها بمشرط الإسلام على أرض صلبة هي قواعد وضوابط عامة إسلامية علك توفق بالعبور إلى جانب الحقيقة ثم ارجع البصر كرتين تجد في سند الشطط السادس سيف بن عمر موصوماً بالمواصفات التالية:

مجهول - ضعيف - ضعيف - فليس خير منه - ليس بشيء - متروك - اتهم بالزندقة - عامة حديثه منكر.

وتجد في سند الشطط السابع محمد بن الفضل بن عطية موصوماً بالمواصفات التالية:

متروك - متروك - متروك - سكتوا عليه - حديثه حديث اهل الكذب - لا يُكتب حديثه - كذاب - رمي بالكذب.

وتجد في سند الشطط الثامن حبيب كاتب مالك موصوماً بالمواصفات التالية:

كذاب - متروك الحديث - ليس بثقة - ليس بشيء - من اكذب الناس - روى احاديث موضوعة - احاديثه كلها موضوعة - يروي عن الثقات الموضوعات.

وتجد في اسناد الشطط محل البحث تفرداً فتارة ينفرد به عبد الحميد بن عصام وتارة علي بن سهيل وتارة محمدبن مصعب القرقساني هذا من جهة الأفراد وأما من جهة الجرح والتعديل تجد في إسناده:

ضعيف - فضعفاء قد وثقوا - فمتروكين قد مضى عليهما الكلام - فآخر موصوماً بالمواصفات التالية:

ضعيف - ضعيف - ليس بثقة - منكر الحديث - ليس بشيء - ذاهب الحديث.

وبعد ذلك أسألك - عزيزي القارئ - جاداً وأطلب منك إجابة توازي حرية الضمير وتزان بميزان شرع الله، هل يجوز تكفير الملايين من المسلمين الشيعة بالتهمة والظنة؟ وعلى افتراض أن بعض المسلمين انتقد بعض من يسمى صحابي فهل يجوز أن نكفّر البعض معتمدين أحاديث متونها تخالف القرآن الحكيم والسنة المطهرة وأسنادها رجال صادؤون؟

فيالله وللمسلمين فمن أين جاء رجال هذه السلسلة المهترئة وبأحضان من تربّوا ومن أي مدرسة تخرّجوا ولأي بلاط بايعوا وبأي صورٍ «بوق» ينفخون ويجأرون؟.

والعتب الجميل على ابن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي شهاب الدين أبي العباس المتوفّى «973هـ» صاحب الصواعق المحرقة ومحل العتب أنه نقل في صواعقه أكثر من ثلاثين حديثاً من أحاديث سب الصحابة محذوفة أسنادها ولم يقفِّ على إثرها ببيان درجة واحد منها من ضعفٍ وجهالة وعضالٍ وانقطاع وغير ذلك.

ويا للعجب ما الذي منعه من بيان درجة الحديث هنا أنسياناً كان أم إيهاماً لعوام الناس وَلَيْتَهُ بيَّن ذلك إبراءً لذمته ونصحاً للمسلمين.

وها هم عوام المسلمين بل الكثير من العلماء الكلاسيكيين في مشارق الأرض ومغاربها يكتفون بوجود هذه الأحاديث الموضوعة في مثل الصواعق المحرقة دونما قيد أو شرط أو نظرٍ في صحة متنٍ أو سند، فهم ينعقون مع عامتهم ويلهجون بها ويكفّرون أتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) بموجبها وكل ذلك بفضل انتشار أحاديث الصواعق محذوفة الإسناد من صدرها ودرجة الاختلاق من عجزها.

والأكثر عجباً أن الكثير من ذوي العلم المتضلعين في هذا الفن يعلمون أن أحاديث مقدمة الصواعق لا يصلح للاحتجاج فضلاً عن الاعتبار على نبتة حنظل، أو حبة من شعير اختصم عليها جاهلان فضلاً عن تكفير المسلمين، غير أنهم يتكتّمون عليها كما تكتم عليها صاحب الصواعق وقد قال الله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(62).

الحديث العاشر: طوبى لثلاثة أجيال

عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني ومن رأى من رأى من رآني ثلاثاً) أخرجه الطبراني في الأوسط عن محمد بن أحمد(ره) المقرئ البصري عن دينار(ره) مولى أنس(ره) عن أنس بن مالك(63).

ونقله صاحب الصواعق عن الحاكم والطبراني وعبد الحميد عن أبي سعيد وابن عساكر عن واثلة(64).

وأورده الهيتمي في الزوائد عن الطبراني من حديث عبد الله بن بسر وعنه من حديث وائل بن حُجُر وعنه من حديث أنس بن مالك وعنه من حديث سهل بن سعد غير أن رواية سهل جاءت بصيغة «اللهم اغفر للصحابة ولمن رأى ولمن رأى».

ولقد قفّى الهيتمي على إثر حديث عبد الله بن بسر بقوله: وفيه بغية وقد صرح بالسماع فزالت الدلسة.

وقفّى على إثر حديث وائل بن حُجُر بقوله: وفيه من لم أعرفهم.

وقفّى على إثر حديث أنس بن مالك بقوله: وفيه من لم أعرفه.

وقفّى على إثر حديث سهل بن سعد بقوله: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الجبار بن أبي حازم إن كان هو أبو يحيى المدني هو فليح بن سليمان قال ابن حبان: أظنه فليح بن سليمان ذكر ذلك في ترجمة عبد الجبار بن أبي حازم قال: وقد ذكره عبد الجبار في الثقات(65).

وأخرجه الحاكم في المستدرك - وفي سنده جميع بن أيوب ويقال له ابن توب - وقال: هذا الحديث قد روي بأسانيد قريبة عن أنس بن مالك(ره) مما علونا في أسانيد منها أو أقرب هذه الروايات إلى الصحة ما ذكرناه.

وتعقّبه الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك بعد إيراده الحديث بقوله: «قلت جميع واهٍ»(66).

وقال البخاري في كتابه الضعفاء والصغير: جميع بن أيوب الشامي ويقال ابن توب(ره) منكر الحديث(67).

ونقل المحقق محمود إبراهيم زايد في حاشيته على صغير البخاري عن الميزان والكبير: قال الدارقطني وغيره منكر الحديث(ره) فقال ابن عدي: رواياته تدل على أنه ضعيف(68).

وقال النسائي في كتابه الضعفاء والمتروكين: جميع بن توب الشامي متروك الحديث(69).

الحديث الحادي عشر: الرؤية والنجاة

عن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى ابن إبراهيم الأنصاري(70).

ورواه الطبراني في الأوسط عن عبد الرحمن بن عقبة الجهني عن أبيه بلفظ «لا يدخل النار مسلم رآني ولا رآى من رآني ولا رآى من رآى من رآني»(71).

ولكون هذه الرواية من الزوائد أورودها الهيتمي في المجمع وقال: وفيه من لم اعرفهم(72).

تأمل أخي المسلم فباعتبار أن الحكم هنا لا يقوم إلا على الأدلة الشرعية - وبموجب أن الأحكام منوطة بالصحيح منها وهي الخبر الصادق ومنه الحديث النبوي الصحيح وليست منوطة بالحديث الضعيف ولا تناط بكثرته - يجب على كل مسلم أن لا يتجاهل دراسة الواقع العملي لهذا الحديث « لا تمس النار مسلماً رآني» وما قبله «طوبى لمن رآني..» فارجع إلى حديث الشطط العاشر تجد رجال إسناده موصومين بما يلي:

في سند الرواية عن الصحابي بسر (بغية كان من المدلسين).

وفي سند الرواية عن الصحابي وائل بن حجر مجاهيل لا يعرفهم الهيتمي.

وفي سند الرواية عن الصحابي أنس بن مالك مجاهيل لا يعرفون.

وفي سند الرواية عن الصحابي سهل بن سعد مجهول (لا يعرف هل هو أبو يحيى المدني الذي هو فليح بن سليمان كما ظنه ابن حبَّان المحدث الجليل فيكون ثقة؟ أم هو غيره فيكون كذاباً او وضاعاً او ضعيفاً؟ لا ادري بأيٍّ منها وصموه علماء هذا الشأن.

وفي سند رواية الحاكم رجل اسمه جميع بن توب الشامي وصفوه بما يلي: واهٍ - منكر الحديث - منكر الحديث - إنه ضعيف - متروك الحديث.

ثم امرر على حديث الترمدي الذي بين ايدينا من رواية جابر تجد حديثاً حسناً غريباً لا يعرف عند أهل العلم من هذه الملة إلا عن رجل اسمه موسى بن ابراهيم.

وتبصر في رواية الطبراني تجد فيها مجهولاً لا يعرف كما نص عليه الهيتمي.

الحديث الحسن:

وباعتبار أن الأحاديث الحسنة وما يشبهها وما يقاربها وما يصلح للاحتجاج بها عند اخوتنا أهل السنة دون الاعتبار فقط وعليها مدار أكثر الأحكام الشرعية - لأن الأغلب على الأحاديث لم تبلغ رتبة الصحيح ولذا يكون عليها مدار أغلب العمل والافتاء فلو رُدَّتْ لتعطل أجزاء الكثير من أنواع الطاعات تعبدية كانت أو توصلية وكذلك الكثير من عمل دور الإفتاء والمحاكم.

وهنا منشأ للخلاف فهل يأخذ المسلم دينه من الحديث الحسن؟ وهو الذي في سنده مجاهيل ومستورون أو قاصرون ومقصرون في الحفظ والضبط والإتقان أو مغفلون وان كانوا ثقات وعليه أكثر المحدثين وعمل به عامة الفقهاء، أم لا يجوز للمسلم أن يعمل بموجبها لأنها لا تصلح إلا للاعتبار فلا عمل ولا احتجاج لأننا نعلم يقيناً أن الحديث الحسن لم يكن حسناً إلا لعلل في رجاله قَصَرْنَهُ دون الصحيح، ونعلم كذلك أن جملة منه واسعة النطاق موجودة بلا ريب في حملته هي في حقيقة الامر والواقع مكذوبه وموضوعة وعليه الكثير من المحدثين.

ومثال ذلك ما «روى عن ابن أبي حاتم أنه قال: سألت أبي عن حديث فقال: إسناده حسن قلت يحتج به قال لا»(73).

وبعد هذا الذي ذكرنا نود أن نطلعك على تعريف الحديث الحسن لتعرف منه القيمة الروائية لرجال إسناده.

قال الخطابي: «هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله»(74) ولكن بعضهم رد على هذا التعريف.

قال: ابن جماعة يرد على هذا الحد ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف(75).

وقال الترمذي: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن(76).

وقال: بعض المتأخرين الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن ويصلح العمل به.

وتعقب ابن الصلاح هذه التعريفات الثلاث بقوله: «كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل... وقد أمعنت النظر فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان إحداهما الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ في ما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث أي لا يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله أو بماله من شاهد... فخرج بذلك عن أن يكون شاذاً ومنكر وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزَّل.

والقسم الثاني أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم بالحفظ والإتقان وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدْ ما ينفرد به منكراً ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً ومنكراً وسلامته من أن يكون معللاً وعلى هذا القسم يتنزّل كلام الخطابي... وكأن الترمذي ذكر أحد نوعَيْ الحسن وذكر الخطابي النوع الآخر مقتصراً كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل معرضاً عمّا رآه لا يُشْكِلُ أو غفل عن البعض وذهل»(77).

قلت: استبهم ابن الصلاح على الخطابي والترمذي تَعْريفَيْهِما للحديث الحسن وذهب يقسمها إلى قسمين وهو كذلك ثم نزَّل تعريف الترمذي منزل إحديهما ونزَّل تعريف الخطابي منزل الثاني توفيقاً بين التعريفين وبالتالي وصم كليهما بالذهول والغفلة والحال ليس كذلك وبخاصة الترمذي باعتبار أن كتابه الجامع الصحيح المعروف بسنن الترمذي هو أصل في معرفة الحديث الحسن وقد ذكره كثيراً وعرَّفه في كتاب العلل وهو من الذين وضعوا المصطلح لهذا النوع من الحديث ان لم يكن مبتكره فكيف يكون غافلاً ومذهولاً بعد قوله في التعريف: «هو كل حديث يروى لا يكون في اسناده من يتهم بالكذب».

هذا يشمل قسمي الحديث الحسن الذي قسمه ابن الصلاح لأن المشهور بالصدق والأمانة غير أنه سيء الحفظ والإتقان لا يتهم بالكذب وكذلك المستور لا يتهم بالكذب حيث لا مسلط على باطنه حتى يكشف ستره عن سوء سريرته وباعتبار أن كلا منهما يحمل صفة الضعف فإذا اعتُضِدَ بتابع أو شاهد ارتفع الحديث عن كونه ضعيفاً إلى درجة الحسن ولذلك قال الترمذي في آخر التعريف «ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن» وعليه فالترمذي فصل بين الحديث الصحيح من الحسن لا كما استبهم عليه ابن الصلاح قوله.

وأي قفزة وأي طفرة؟

هذا كله من حيث تعريف الحديث الحسن أما من حيث قبوله والعمل به فغير مجمع عليه كما مر قريباً. وها هم الشافعية الكثير منهم لا يقبل العمل بالحديث الحسن فضلاً عمَّا هو دونه كما فهمناه من حوار اجراه ابن الصلاح في المقدمة. وعليه فما بالك بالحديث الذي بين أيدينا «لا تمس النار مسلماً رآني» فهو غير صالح للاحتجاج ولا للاعتبار وما معناه والحديث الذي قبله «طوبى لمن رآني» إلا كمثل معنى القفزة عند الشيوعيين أو الطفرة عند نظام المعتزلة والكثير من المتكلمين المسلمين.

فالقفزة في الفكر الماركسي هي أن التغيير في الكيف لا يتدرج تبعاً لتغيير الكم وإنما تغيير الكم يهيئ ويعد العدة لولادة كيف جديدة فإذا وصل الكم عند حد معين تم تغيير الكيف فجأة وبقفزة.

مثال: تراكم الحجارة التي تصبح سداً والماء عند الغليان يصبح بخاراً.

وأما الطفرة هي «أن يكون الجسم الواحد في مكان ثم يصير إلى المكان الثالث ولم يمر بالثاني على جهة الطفرة» وهذا القول زعمه النظام كما يقول أبو الحسن الأشعري: وذكر أن إبراهيم «النظَّام اعتل في ذلك بأشياء ومنها الدوامة يتحرك أعلاها أكثر من حـــركة أسفلها ويقـــطع الْجَزْ أكـــثر مما يقطـــع أسفلها وقطبها، قال: وإنما ذلك لأن أعــــلاها يماس أشياء لم يـــكن حاذى ما قبلها»(78).

فكذلك حديث «لا تمس النار مسلماً رآني ولا من رأى من رآني ولا من رأى من رأى من رآني» فإنه يدفع بالإنسان من الإيمان أو الإسلام المجرد إلى مجرد رؤية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجأة على جهة القفزة أو الطفرة دونما أن يهيئ للعمل بل لا يمر به ولا يحاذيه فهو أشد من القفزة وأسرع من الطفرة.

وهكذا طوبى لثلاثة أجيال من الناس هم الصحابة والتابعون واتباعهم حيث لا تمس النار جلودهم بل يحرم عليها مس ولو فرد واحد! وعليه فطوبى لمسرف بن عقبة قائد جيش يزيد هادم الكعبة المشرفة ومبيح أعراض الصحابيات وبنات الصحابة لأنه رأى يزيد بائح أعراض بنات المهاجرين والأنصار حتى للنصارى المعبئين في قيادة جيش مسرف بن عقبة، وطوبى ليزيد لأنه رأى أباه معاوية سيد الفئة الباغية، وطوبى لسيد الباغين لأنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله)!!.

مثال آخر: لا تمس النار الوليد بن عبد الملك ممزِّق القرآن الحكيم لأنه رأى جده مروان الوزغ كما نص عليه رسول الله، ولا تمس النار جلد الوزغ لأنه رأى أباه الحكم الوزغ الطريد الذي طرده رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الطائف لكونه يتجسّس عليه، ولم يرتضِ أن يرى وجهه حتى مات (صلى الله عليه وآله) ولا تمس النار جلد الحكم الوزغ الطريد لأنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله)!!!.

وهكذا انتقل دين الاسلام عن كونه علماً وعملاً إلى مجرد رؤية بشكل قافز أو طافر، فالفضل يعود للقفزة أو الطفرة اكراماً للظالمين وتبريراً لمخازيهم!!

ولو قيل أن العمل بأحاديث الرؤية يوجب العمل بشرطها وشروطها ومن شروطها العمل الصالح واتقاء محارم الله، قلنا: هذا ما نريد. وعليه فَلِمَ الحكم لفراعنة الامة وطواغيتها آنذاك بطوبى الجنة وتحريم أجسادهم على النار؟؟! ولم تكفِّرون أو تفسِّقون كل مسلم انتقص من أحدهم حتى وإن كان مجرماً؟. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لو صدقنا حديث من رأى:

لو صدقنا بحديثي «طوبى لمن رأى» و «لا تمس النار من رأى» فماذا نعمل؟ وأين المفر أمام ثلاثمائة وخمسين آية في القرآن الحكيم يذكر الله تعالى فيها العمل.

ولقد قسم العلامة الطباطبائي هذه الآيات الكريمة في ميزانه إلى طوائف:

منها ما يشترط الله فيها العمل الصالح بعد الإيمان، ومنها ما يصف فيها أجر العمل الصالح، ومنها ما ينص فيها على أمن العاملين، ومنها ما ينص فيها على المغفرة لمن صلح عمله، ومنها ما يَعِد فيها العاملين بالحياة الطيبة، ومنها ما يَعِد فيها العاملين بالجنة.

ومنها ما يذكر فيها غفران ما سبق من الذنوب بالعمل الصالح، ومنها ما يذكر فيها تبديل السيئات حسنات بالعمل الصالح، ومنها ما يصف فيها رجاء الفلاح بالعمل الصالح، ومنها ما يذكر فيها مضاعفة الجزاء بالعمل الصالح، ومنها ما يذكر فيها أنباءهم بما عملوا، ومنها ما يعدهم بالبشرى وهم في الحياة الدنيا.

ومنها ما يحتم فيها الاحاقة بأصحاب العمل السيء، ومنها ما يجعل فيها العمل هباء، ومنها ما يذكر فيها البراءة من عمل الغير إذا كان سيئاً، ومنها يطلب فيها الدعاء بالتوفيق للعمل الصالح، ومنها ما يذكر فيها أنه يبصر ويخبر ويعلم بأعمالنا ولا يغفل عنها، ومنها ما يذكر فيها طلب رد المجرمين إلى الحياة لأنهم لا يجدون شفيعاً لهم ولا نصيراً من سوء أعمالهم، ومنها ما يذكر فيها الجزاء على ذرة العمل، ومنها ما يذكر الله فيها حبط الاعمال وهكذا إلى آخر ما نصه الله تعالى من آيات العمل.

فهل يجوز لنا أن نحكم بنجاة ثلاثة أجيال معتلين بحديث الرؤية المكذوب متناً وسنداً ضاربين صفحاً عن مئات الآيات التي تطلب العمل ولا تقيم وزناً لمجرد الرؤية بل ولا تذكرها وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أين المفر من آية الإنذار:

وإذا كانت أحاديث الرؤية من الحقيقة في شيء فما هي القيمة التي تبقى لآية الإنذار وحديث الصحيحين واللفظ للبخاري بسنده عن أبي هريرة قال:

(قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أنزل الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً)(79) ومعنى اشتروا أنفسكم أي أنقذوها من النار بالإيمان والعمل الصالح لا مجرد رؤية رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وعلى أية حال فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنذر عشيرته الأقربين، وهم بنو هاشم وبنو المطلب كما في تفسير الجلالين، ثم كان بعد هذا والله أعلم دعاءه الناس جهرة على الصفا وانذاره لبطون قريش عموماً وخصوصاً كما نصه ابن كثير في تفسيره بالحرف.

قلت: بل وانذر أول ما أنذر رهطه المخلصين ثم خصوص الاقربين من هاشم والمطلب ثم عموم قريش كما أنزل الله في كتابه (وانذر عشيرتك الاقربين ورهطك منهم المخلصين) ولقد جاءت هذه الزيادة في قرآن أبيْ بن كعب وقرأها آل محمد (صلى الله عليه وآله) كذلك وأوردها مسلم في صحيحه ونقلها العلامة الطباطبائي في بحثه الروائي من تفسيره الميزان عن علل الشرائع بصيغة أن رهطه المخلصين تفسير للاقربين، وبناء عليه جعل العلاَّمة رحمه الله أنه من الممكن أن تكون هذه الزيادة من قبيل التفسير، قلت: ولعلها مجاراة من العلامة للوضع وللرواية وإلا فالصحيح ليس كذلك بدليل ما أخرج في صحيحه عن ابن عباس قال:

(لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه..) ولقد اعترف النووي في شرحه على مسلم بعد أن ضبط كلمة المخلصين بفتح اللام قائلاً: فظاهر هذه العبارة أن قوله: «ورهطك المخلصين كان قرآناً أنزل» إلا أنه قال بعد ذلك: ثم نسخت تلاوته وقال: «ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري» وهو كذلك.

أقول ثانية: إذا آمنا وعملنا بأحاديث الرؤية المكذوبة «طوبى لمن رأى» و «لا تمس النار من رأى...» فماذا نعمل بآية الإنذار التي تطلب الإيمان والعمل الصالح وحديث الدار وما هو على شاكلتيهما من آيات وأحاديث اللهم إلا أن يقال: هناك مخرجانِ!!

«المخرج الأول» أن يقال: أحاديث الرؤية ناسخة لآية الإنذار وأحاديث الدار والإنذار وهذا لا يقول به لبيب.

«المخرج الثاني» أن يقال: أحاديث الرؤيا شاملة لثلاثة قرون من البشر باستثناء آل محمد (صلى الله عليه وآله) وأقرباءه من هاشم والمطَّلب وبالأخص العباس وصفية وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) فهؤلاء لا تنفعهم الرؤية إلا مع العمل الصالح دون غيرهم لأنهم المنذرون فالآية تخصهم وهذا لا يقول به لبيب أيضاً ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تنبيه:

الحديث الحسن لغيره عند العامة في فضل علي وفاطمة أو الأئمة (عليهم السلام) ولا يوجد عندهم ذلك الغير من تابع وشاهد، فإنه يجوز العمل به فيما لا يترتب عليه محذور وله شاهد عند اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) يرفعه إلى درجة الحسن لو أن العامة استرجعوا ما غاب من رشدهم، وإنما مثلنا بفضل أهل البيت لأن كل حديث ورد عن اخوتنا أهل السنة في فضلهم ولم يبلغ رتبة الصحيح أو الحسن إلا بالمتابعات والاعتبارات والشواهد فإنه يُتَابَعُ وَيُشْهَدُ له عند اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) بخلاف ما لو ورد الحديث في فضل الكثير من غيرهم واحتاج للشواهد والمتابعة فلا يُتَابَعُ عليه ولا يُشْهَدُ له عند اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) فتأمل والله العالم.

الحديث الثاني عشر: الرفض والإسلام

عن أم سلمة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: (... ممن يزعم أنه يحبك أقوام يرفضون الإسلام (رض) لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن ادركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون فقلت يا رسول الله ما العلامة فيهم قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة ويطعنون على السلف الأول) أخرجه الطبراني في الأوسط وقال لم يرو هذا الحديث عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة إلاّ سوار بن مصعب(80).

ونقله صاحب الصواعق وبألفاظ مختلفة عن الذهبي من رواية ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعن الدار قطني من رواية علي وذكر أن لهذا الحديث طرقاً كثيرة ولم يذكر منها إلا طريق فاطمة الزهراء وأم سلمة(81).

وأورده الهيتمي في الزوائد خمس مرات بألفاظ مختلفة وطرق متعددة:

ففي المرة الأولى: عن الطبراني في الأوسط من رواية أم سلمة بعين لفظه وقال: «وفيه الفضل بن غانم وهو ضعيف».

وفي المرة الثانية: عن الطبراني ثانية من رواية فاطمة الزهراء بلفظ «... وان من شيعته يلفظون الإسلام ويرفضونه لهم نبز يشهدون الرافضة من لقيهم فليقتلهم فإنهم مشركون» وقال: «ورجاله ثقات إلا ان زينب بنت علي لم تسمع من فاطمة فيما أعلم والله أعلم».

وفي المرة الرابعة: عن الطبراني ثالثة من رواية ابن عباس بلفظ «.. يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت لهم نيز يسمون الرافضة قاتلوهم فإنهم مشركون» وقال: «وإسناده حسن».

وفي المرة الخامسة: عن عبد الله والبزار من رواية علي بن أبي طالب بلفظ «يظهر في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام» وقال: «وفيه كثير بن اسماعيل السوا وهو ضعيف».