|
الفصل الرابع: أقسام الصحابة |
|
الصحابة من الطراز الرابع المنافقون: كان المنافقون مبثوثين بين المؤمنين ولهم أعداد هائلة هي على مقربة من نصف الصحابة والمعروف منهم بالاسم في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) لا يتجاوز نسبة 1% ولك أن تتعرف أشخاصهم بالوصف - إذا حدث كذب - إذا وعد أخلف - إذا أتمن خان - إذا عاهد غدر - إذا شاجر فجر - وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرِّف بعض أشخاصهم بالاسم وبعضهم بسيماهم وبعضهم بلحن القول وبعضهم ببغض علي بن أبي طالب(عليه السلام) كما أخرج مسلم في أبواب الإيمان عنه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد الأمي (صلى الله عليه وآله) الي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)(1) ومما يدل على كثرة المنافقين ما يلي: 1- استنفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأعراب من قبائل جهينة ومزينة وغفار أشجع واسلم ودئل فلم ينفروا وذلك في عام ستٍ للهجرة في غزوة الحديبية وبعد أن قفل رسول الله راجعاً أنزل الله تعالى سورة الفتح وأنزل فيها: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم... وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً)(2). لا مناص من دلالة الآيات الكريمة على نفاق ستة قبائل من الأعراب وإن كانوا صحابة ينطقون بالشهادتين ويؤدون الصلوات الخمس إلا ما شاء الله. 2- قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)(3) قال مجاهد: نزلت في بني أسد ابن خزيمة أوردها البخاري في صحيحه في أول كتاب الإيمان تحت باب «إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل». دلت الآية الكريمة على أن بني أسد ينافقون ويفاخرون باستسلامهم خوف القتل كما يقول البخاري ويفترون على رسول الله الكذب بأنهم مؤمنون ولما يمارس الإيمان أي قلب من قلوبهم والله العالم هل تذوقوه بعد ام لا. 3- قال تعالى: (الأعراب أشدُّ كفراً ونفاقاً)(4) هذه الآية الكريمة عامة في الأعراب يخصِّصها قول الله تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون)(5) وفي مقابل ذلك قوله تعالى: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)(6). فالآية الأولى دلت على الشمول والثانية شهدت على البعض بالنفاق والثالثة شهدت للبعض الآخر بالإيمان مما يدل على أن النفاق استكن في قلوب بعض الأعراب. 4- قال تعالى: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)(7). قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (مردوا على النفاق) أي مرنوا واستمروا عليه ومنه يقال شيطان مريد ومارد، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً، وإن كان يراه صباحاً ومساءً، وشاهد هذا ما رواه الإمام احمد في مسنده... عن مطعم بن جبير.... قال: قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة فقال: (لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب) - ثم راجعنا مسند احمد فوجدناه هكذا «في حجر» بدلاً من جحر - وأصغي الي رسول الله (صلى الله عليه وآله) برأسه فقال: (إن في اصحابي منافقون)(8)… و… عن أبي الدرداء ان رجلاً يقال له حرملة أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: (الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه والنفاق ههنا وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله إلا قليلاً فقال رسول الله: (اللهم اجعل له لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وارزقه حبي وحب من يحبني وصيّر أمره إلى خير) فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأساً فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: «من أتانا استغفرنا له ومن أصر فالله أولى به ولا تخـــرقن عـــلى أحـــد ستراً» قــــال وكذا رواه أبـــو أحمد الحاكم)(9). أمعن النظر - يرحمك الله - في الآية الكريمة وما بعدها من النصوص النبوية تجد أن المنافقين كثرة كثيرة وأن المدينة تعج بهم عجاً وأنه لا يُعْرَف منهم إلا القلة القليلة وأنهم تمرنوا على النفاق حتى استولى على قلوبهم وجرى فيها مجرى الدم من العروق وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يريد ان يهتك على أحد ستراً إلاّ إذا خان أو غدر وأنه لو كشف الستر عنهم لاَنْفَض من حوله مئات بل ألوف الناس وأن الذين مردوا على النفاق هم غير عبد الله بن أبيّ بن سلول لأن النبي يعلمه والآية الكريمة تقول: (لا تعلمهم) هذا كله يدل على أن اعدادهم في المدينة لا تقل عن نسبة النصف والله اعلم. 1- في عام ثمانية للهجرة غزا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة المكرمة ففتحها بلا قتال ودخل مشركوا قريش في دين الله استسلاماً للواقع المفروض فعاشوا منافقين اكثر من سنتين ولما توفي رسول الله اعلنوا الردة كما فعل غيرهم من العرب فقام سهيل بن عمرو خطيباً (... ثم قال والله وأني اعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرنكم هذا «يريد أبا سفيان» من أنفسكم فإنه يعلم من هذا الأمر ما اعلم ولكنه قد ختم على قلبه حسد بني هاشم... وقد جمعكم الله على خيركم «يريد أبا بكر» وأن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه)(10). هذا كله يدل على أن أكثر أهل مكة - تباعاً لزعيمهم أبي سفيان - منافقون. 2- قال الله تعالى إخباراً عن سيد المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن معه من مردة النفاق: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل)(11). في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق قال ابن اسحق فبينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن جعيد الغفاري وكان اجيراً لعمر بن الخطاب وسنان بن يزيد.... ازدحما على الماء فاقتتلا فقال: سنان يا معشر الأنصار وقال جهجاه يا معشر المهاجرين.... قال: «اي عبد الله بن أبيّ بن سلول» قد ثاورونا في بلادنا والله ما مثلنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم اقبل على من عنده وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها فسمعها زيد بن أرقم... فذهب بها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو غليِّم وهو عنده عمر بن الخطاب... فقال عمر... يا رسول الله مُر عباد بن بشر بضرب عنقه فقال رسول الله: (فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمداً يقتل أصحابه؟ لا ولكن ناد يا عمر في الرحيل) ونزلت سورة المنافقين)(12). واخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول (كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجريّ يا للمهاجرين فسمّعها الله رسوله (صلى الله عليه وآله) قال: «ما هذا» فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال النبي (صلى الله عليه وآله): «دعوها فإنها منتنة» قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي (صلى الله عليه وآله) اكثر ثم كثر المهاجرون بعد فقال عبد الله بن أبيّ: أوقد فعلوا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال عمر بن الخطاب... دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق فقال النبي (صلى الله عليه وآله): «دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»(13). نستخلص من هذه الحادثة - التي أثبتها القرآن الكريم وذكرتها السنة المطهرة - أن سيد المنافقين وأصحابه هموا بما لم ينالوا وإن دلت الحادثة على شيء فإنما تدل على أن أصحاب ابن سلول كانوا في جيش رسول الله وفي المدينة كثرة كثيرة غير أن الوحي افتضح سيدهم على الطريق ومن ناحية أخرى أنه مهما كثر المنافقون من أصحابه وجأر بوق الإرجاف سقط من فوره تحت الأقدام لأن عشيرته الأقربون منهم السابقون الأولون (رضي الله عنهم)، فلا يفيده منافقوا القبائل من الأعراب. وعليه لو لم يكن المنافقون يناهزون المؤمنين عدداً لما هم ابن سلول بإخراج الرسول (صلى الله عليه وآله).
الصحابة من الطراز الثالث الشكّاكون: هناك طائفة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) منافقون غير أنهم لم يقطعوا بكذبه أو صدقه (صلى الله عليه وآله) وهم يشكّون ومصداق ذلك قوله تعالى: (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)(14) إلا انهم أقل خطراً على المؤمنين من أهل الطراز الرابع وإليك أخي المسلم مثالاً على ذلك: ثعلبة: قال الله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصَّدَّقنَّ ولنكوننَّ من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه)(15). نزلت هذه الآية الكريمة في شأن ثعلبة بن حاطب الأنصاري بعد أن امتنع عن إخراج الزكاة وكان بدرياً، والعامة يسمونه حمامة المسجد، وروى قصته جمع من المحدثين ذكرناهم في الدليل الثامن تحت عنوان الأنصار فراجع. وملخص الحادثة أن ثعلبة سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدعو له بالرزق فدعا له واتخذ غنماً نمت وتكاثرت فتشاغل بها فترك بعض الصلوات جماعة ثم تركها إلا يوم الجمعة ثم ترك الجمعة وارتحل عن المدينة ولما جاءه السعاة من قبل رسول الله امتنع عن دفع الزكاة فأنزل الله في شأنه الآية الكريمة. وفي آخر الرواية التي يوردها ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير وابن ابي حاتم تجد ما يلي: «قال وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: (ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يَحثو على رأسه التراب فقال له رسول الله: «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني»... فقبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يقبل منه شيئاً ثم أتى أبا بكر... وأبى أن يقبلها... فلما ولي عمر... أتاه... ولم يقبلها فلما ولي عثمان... أتاه.... فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان»(16). ومن الغريب المبهت أن اخوتنا أهل السنة حكموا لأهل موقعة بدر في الجنة وأن النار لا تمس جلودهم حتى وإن غيرَّوا وبدَّلوا وفعلوا ما شاءوا، وصححوا أحاديث في هذا الشأن كما في صحيحي البخاري ومسلم واللفظ للأول قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأن جناية حاطب بن أبي بلتعة: «أليس من أهل بدر؟ قال: لعلّ الله إطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم»(17) ومعنى فتوى رسول الله هذه أن أهل بدر لا تثريب عليهم وإن خانوا الله ورسوله فسيَّان إن صدقوا وإن كذبوا، هذا هو مؤدى الحديث سواءً اعترف به أخوتنا أم لا وحاشا رسول الله من ذلك. فيا ليت شعري فعلى أي قاعدة ارتكز هذا الحديث؟ وعلى أي أساس قام عليه هذا الحكم؟ وهذا ثعلبة، ألم يكن من أهل بدر؟ فَلِمَ لم يتجاوز الله ورسوله عنه عندما امتنع من دفع الزكاة؟ بل أخبر عنه في القرآن الحكيم أن قلبه تورّث نفاقاً قال تعالى: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)(18). فهل القرآن الحكيم - نسى أم سهى؟ - غفل أم تغافل؟ - أن هذا الرجل من أهل بدر والمفروض أنهم يصنعوا ما شاؤا «حسب الزعم» والله جابر عثرات المسلمين!!.
الصحابة من الطراز الثاني ضعفاء الإيمان: قال العلامة صاحب الميزان: «إن من مراتب الإيمان ما هو اعتقاد وإذعان غير آب عن الزوال كإيمان الذين في قلوبهم مرض فقد عدهم الله من المؤمنين وذكرهم مع المنافقين»(19). بدليل قول الله: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً)(20). وفي تفسير الجلالين قوله (في قلوبهم مرض) أي ضعف اعتقاد وقال ابن كثير: (والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه) وكذلك عدهم الله من المؤمنين قال تعالى: (وفيكم سمَّاعون لهم والله عليم بالظالمين)(21). هؤلاء هم ضعفاء الإيمان يسمعون ما يقول المنافقون - سماع قبول - كما في الجلالين وقال ابن كثير: أي مطيعون لهم ومستجيبون لحديثهم وكلامهم يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. ومع أنّ الله ثبَّط المنافقين عن الخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك لئلا يضعوا بين المؤمنين خبالاً عن طريق ضعفاء الإيمان السماعون للمنافقين، فعلى رغم ذلك نجد أن بعض المؤمنين وفي تلك الغزوة كادوا أن يزيغوا عن دين محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم)(22). قال ابن كثير: «أي عن الحق ويشك في دين الرسول ويرتاب للذي نالهم من المشقة في سفرهم وغزوهم». قلت: اعتذار ابن كثير عنهم بالمشقة والشدة في السفر غير مرضي ولا يلوي على شيء لأن الإيمان إذا استولى على القلب لا تنتزعه مشقات السفر، والصحيح أن كلاً من المشقة والشدة كاشفُ عن عيب القلب وأمارة على ضعف الإيمان وإلا فما علاقة المشقة الجسدية بالإيمان الذي يستكن في القلوب، ولو صح ذلك لكانت المشقة والراحة من اكبر العوامل المساعدة على الكفر والإيمان ولألغيت أدوار القناعات الاعتقادية ولا قائل به. وبكلمة أن الله تعالى تداركهم بلطفه فحال بين قلوبهم وبين الزيغ فتاب عليهم قال تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة... ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم)(23). وذكر الواحدي: (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج عسكر على ثنية الوداع وحزب عبد الله بن أبي عسْكَرَهُ على ذي حدة أسفل من ثنية الوداع ولم يكن بأقل العسكرين فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبيّ بمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً))(24). فعد النظر في حديث الواحدي وانظر إلى قوله: (لم يكن بأقل العسكرين) مما يدل أن نصف الصحابة الكرام فأكثر في قلوبهم رَيْبٌ.
الصحابة من الطراز الأول المؤمنون: ونقصد هنا الصحابة الذين احتوت قلوبهم شرف التصديق برسول الله والإذعان بالإيمان، إلا انه لما كان إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص وإيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص وإيمان المؤمن بهم يزيد وينقص كما هو رأي الكثير من الأشاعرة، وعليه فأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤمنون منهم على مراتب حيث نعتهم الله بنعوت كثيرة من خلال آيات كثيرة متفرقة من القرآن الحكيم. ومما نلحظه في كلام الله العلي العظيم أنه كما يذكر لهم صفات حميدة تستحق الوعد كذلك يثبت عليهم في مقابله صفات مذمومة تستحق الوعيد في أكثرها وفي اكثر الأحيان، وإليك أخي المسلم التقسيم التالي نودع فيه بعض الصفات وما يقابلها بقطع النظر عن كون هذا القسم قسماً من ذاك أو قسيما له وإلا فالنظر من هذه الجهة يحكم على التقسيم بالخطأ، غير اننا نقصد أن نجري على ما جرى عليه القرآن الحكيم من ذكر صفات المؤمنين منثورة وأخرى تقابلها مما يوجب التريث والتثبت في الحكم لهم وعليهم وهناك تظهر زلة القدم وزلل القول. 1- المؤمنون حقا: قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون* الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* أولئك هم المؤمنون حقاً)(25). قال السيد العلامة الطباطبائي: في ميزانه عند تفسير هذه الآيات الكريمة ما ملخصه: «وهاتيك الصفات الخمس هي وجل القلب عند ذكر الله وزيادة الإيمان عند استماع آيات الله والتوكل وإقامة الصلاة والأنفاق مما رزقهم الله ومعلوم أن الصفات الأُوَلْ من أعمال القلب والأخيرتان من أعمال الجوارح فإن الإيمان إنما يشرق على القلب تدريجاً فلا يزال يشتد ويضاعف حتى يتم ويكمل بحقيقته فأول ما يشرق يتأثر القلب بالوجل ثم لا يزال ينبسط الإيمان وينمو حتى يستقر في مرحلة اليقين (زادتهم إيمانا). وإذا زاد الإيمان وكمل عرف مقام ربه فالواجب الحق على الإنسان أن يتوكل عليه فيرضى بما يقدر له ويجري على ما يحكم عليه فيأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه (وعلى ربهم يتوكلون) ثم إذا استقر الإيمان على كماله استوجب ذلك أن ينعطف العبد بالعبودية إلى ربه (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) وقد ظهر مما تقدم أن قوله (زادتهم إيماناً) اشارة إلى الزيادة من حيث الكيفية وهو الاشتداد والكمال دون الكمية وهي الزيادة من حيث المؤمنين كما احتمله بعض المفسرين وهو قوله: (أولئك هم المؤمنون حقا) قضاء منه تعالى بثبوت الإيمان حقاً فيمن اتصف بما عده تعالى من الصفات». ويقابل هؤلاء أصحاب القلوب القاسية حيث أن هناك الكثير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤمنون ولكن لا تجل قلوبهم لذكر الله وإذا نزل شيء من القرآن أو تليت آياته لم تلن قلوبهم ولم يزدادوا إيماناً ومصداق ذلك قول الله تعالى: (أ لم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق...)(26). وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية... إلا أربع سنين»(27). ونقل ابن كثير عن عبد الله بن المبارك بسنده عن ابن عباس قال: «ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على راس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)»(28). 2- المؤمنون الصادقون العهد: قال تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً)(29). ويقابل هؤلاء الناكثون العهد حيث أن هناك الكثير من الصحابة مؤمنون ولكنهم نكثوا عهودهم مع الله ورسوله بعد أن اعطوها في صلح الحديبية كما قال تعالى في سورة الفتح: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يَدُ الله فوق ايديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه )(30) فلم يرعوا عهد الله ورسوله وإنما نكثوه من بعد في غزوة حنين قال تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)(31). 3- المؤمنون الذين لا يخشون إلا الله: قال تعالى: (انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر أقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يَخْشَ إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين )(32). ويقابل هؤلاء الذين يخشون الناس حيث أن هناك الكثير من الصحابة يخشون الناس أكثر مما يخشون الله قال تعالى: (ألم تَرَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب)(33). نزلت هذه الآية الكريمة في عبد الرحمن بن عوف وأصحابه من أمثال سعد بن ابي وقاص وغيره)(34). 4- المؤمنون الذين لا يلهيهم شيء عن ذكر الله: قال الله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصــلاة وإيـــتاء الـــزكاة يخـــافون يـــوماً تتـــقلب فيه القلوب والأبصار)(35). يقابل هؤلاء أهل اللهو والتجارة حيث أن هناك الكثير من الصحابة يحرصون على لهو الحياة اكثر من ذكر الله والصلاة قال تعالى: (وإذا رأوْا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة)(36). 5- المؤمنون السابقون في الخيرات: ومنهم الكثرة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). ويقابل هؤلاء السابقون في المعاصي في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) والمرتدون الذين سابقوا في الردة بعد موته ومنهم مقتصد لا سابق ولا مرتد وهذا التقسيم ليس وقفاً عليهم وإنما هو جارٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة قال تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات)(37). 6- المؤمنون عن الفطرة: هناك الذين آمنوا عن فطرة وإيمان لا عن كفر وشرك وأوثان مثل علي بن أبي طالب حيث اسلم عن فطرة وآمن عن إيمان وتربى في بيت طاهر بلا كفر ولا أوثان ويقابله الكثير. 7- السابقون في الإيمان: مثل علي بن أبي طالب راجع الدليل السادس تحت عنوان (السابقون السابقون). ويقابل هؤلاء «الذين وفدوا على رسول الله في عام عشرة للهجرة في أواخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله) فأسلموا ثم ارتدوا بعد وفاته ثم اسلموا رغم أنوفهم حيث جاءوا مأسورين في حروب الردة مثل الأشعث بن قيس الكندي ولقد أخرج مسلم والبخاري حديثه في الصحيح»(38). 8 - المؤمنون الذين لم يغيِّروا ولم يبدِّلوا: قال تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا)(39). ويقابل هؤلاء المغيِّرون والمبدلون حيث أن الكثير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤمنون ولكنهم يغيِّرون ويبدلون وفيما يلي بعض أقسام التغيير: أ - تارة يكون التغيير في قلوبهم من اليقين أو الظن إلى الشكوك مثلما شك الكثير من الصحابة في وحي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند صلح الحديبية ثم دعاهم إلى الإيمان به وطلب منهم البيعة وتأخر عنه بعضهم، لهذا كان الناس يقولون كما في صحيح البخاري: «أن ابن عمر اسلم قبل عمر»(40). ب - وتارة يكون التغيير في قلوبهم من الإيمان إلى الكفر وهذا ما يعبر الفقهاء والعقيديون عنه بالردة قال تعالى: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً)(41). قال العلامة صاحب الميزان ما ملخصه: «جعل الانقلاب جزاء للشرط الذي هو موت الرسول أو قتله، افاد ذلك أن المراد به الرجوع عن الدين دون التولي عن القتال إذ لا ارتباط للفرار بموت النبي (صلى الله عليه وآله) أو قتله، ويدل على أن المراد به الرجوع عن الدين قوله تعالى: (وطائفة اهمتهم انفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) على أن نظير ما وقع في أحد من فرارهم تحقق في غيره كغزوة حنين وخيبر ولم يخاطبهم بمثل هذا الخطاب فمحصل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب والتوبيخ: أن محمداً (صلى الله عليه وآله) ليس إلا رسول من الله ليس من شأنه إلا تبليغ الرسالة وإنما الأمر لله والدين دينه باقٍ ببقائه فما معنى اتكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل رجعتم على أعقابكم القهقرى»(42). ج - وتارة يكون التغيير والتبديل في الاعتقاد والأحكام العملية على حساب كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت: لم أجد حديثاً اجمع واشمل - للمقصود مما يكفي مؤنة استعراض الجم الكثير من تغيير بعض الصحابة وتبديلهم لسنن الإسلام - من حديث اتباع اليهود والنصارى كما اخرج البخاري ومسلم واللفظ للأول في إحدى الروايتين أن النبي قال لأصحابه: «لتتبعن من قبلكم شبراً بشبر وذراع حتى لو سلكوا حُجْر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن»(43). ولم أجد من خلال بحثي بل ولم أسمع عن رجل من الصحابة تحدى التغيير والتبديل - سواء كان القلبي منهما أو العملي بأقسامه الثلاثة كما مر - كمثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). وخير شاهد على ذلك ما نقله ابن كثير في تفسيره عن أبي القاسم الطبراني بسنده عن ابن عباس: «أن علياً كان يقول في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت والله إنِّي لأخوه ووليُّه وابن عمِّه ووارثه فمن أحقُّ به منِّي»(44).
عودة إلى الفتوى الحزمية عزيزي القارئ انظر رعاك الله إلى فتوى ابن حزم في أول الموضوع والتي منح بموجبها الجنة لـ «124» ألف صحابيٍّ وبكل بساطة وارتياح ثم انظر إلى الآيات كيف قسَّمت أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحكمت للبعض وعلى البعض، ثم ارجع البصر كرتين إلى الفتوى الحزمية تجد وكأنه لم يقرأ القرآن إلا لماماً حيث ضرب صفحاً عن واقع التاريخ وطوى كشحاً عن ذكر آي الذكر الحكيم وأطلق حكماً لا يرتكز إلا على التقليد ومصادرة المطلوب. ثم هب أن ابن حزم هذا تجاهل القرآن الحكيم - فأرضى بذلك بعض العامة واستعطف أمراء الجور باكتيال المديح لأسلافهم من ظلمة آل محمد (صلى الله عليه وآله) على أن ابن حزم قدم إلى ما عمل أما القرآن الحكيم فخالد وبين أيدينا - فأيهما أولى بالاتباع فتواه أم كلام الله ولا شك أن كلام الله هو الحكم الفصل وإذا كان كذلك تعال معي أخي المسلم نتأمل في الآيات التي قرأناها آنفاً ثم نجمل الكلام عنها في النقاط التالية: * ألم نجد أن الله تبارك وتعالى قسم الصحابة إلى أربعة أقسام: منافقون، وشكَّاكون مترددون، وضعفاء إيمان، ومؤمنون؟ ألم نعثر على الوثيقة التي شاهدنا عليها بصمات الواقع التاريخي أن المنافقين والشكّاكين وضعفاء الإيمان أعدادهم تربوا على النصف من كتلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ الم نجد أن القرآن الحكيم وصف بعض الصحابة المؤمنين منهم بوجل القلب وزيادة الإيمان والتوكل على الله والصدق والوفاء بالعهد والخشية من الله ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعن الصلاة ويخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ولم يغيروا ولم يبدلوا والى ما هنالك من الصفات الحميدة؟ * الم نجد أن القرآن الحكيم وصف البعض الآخر من الصحابة المؤمنين بقساوة القلب وعدم الوجل من الله ولم يحركهم ذكر الله ولم يزدهم إيماناً ولم تخشع قلوبهم وعاتبهم بعد ثلاثة عشر عاماً وشكوا في نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحديبية ونكثوا في أحد وخيبر وحنين وأن من ينكث فإنما ينكث على نفسه وأنهم يخشون الناس بأكثر مما يخشون الله ويسخطون من الله عندما فرض عليهم الجهاد وتلهيهم التجارة وحفل الزفاف فيتركون الجمعة ويتركون رسول الله قائماً إلا ما رحم ربي ويغيرون ويبدلون في خلجات قلوبهم وفي أحكام الدين وإذا مات رسول الله أو قتل ينقلبون على أعقابهم وأخيرا وصفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنهم يحذون حذو اليهود والنصارى حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكوهُ شبراً بشبر وذراعاً بذارع؟ * أم نجد ذلك كله في الآيات آنفة الذكر؟ ثم إذا فاتك التأمل فَعُدِ النظر يرحمك الله واحكم بما أنزل الله. على أن الفتوى الحزمية - التي ادخل بموجبها «124» ألف صحابي واستشهد صاحبها بقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاًّ وعد الله الحسنى)(45)- فتوى باطلة بدليل أن الله تعالى وعد بالحسنى في الآية الكريمة بشرط الإنفاق والقتال ومن المعروف المتسالم عليه بين المسلمين أن الألوف ممن عُدَّ من الصحابة لم ينفقوا ولم يقاتلوا قبل الفتح ولا بعده. وعليه فلا وجه لاعتذار ابن حزم بقوله: إن التقييدات خرجت مخرج الغالب... والمراد الإنفاق والقتال بالفعل والقوة. * ثم إذا كان صحيحاً فهل عطاء رسول الله لأبي سفيان في حنين - أربعين أوقية من الذهب ومائة من الإبل وكذلك لابنيه معاوية ويزيد ليؤلف قلوبهم للإسلام - فهل ينقلب من إنفاق عليهم إلى إنفاق منهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالقوة؟! وهل إنفاق رسول الله للعباس بن مرداس وعيينة بن حصن وصفوان بن أمية وغيرهم - يعتبر إنفاق منهم بالقوة لتجهيز الجيوش للقتال في سبيل الله؟(46). * وهذا حسَّان بن ثابت لم يضرب حتى ولو ضربة واحدة في سبيل الله في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعده وكانت الحياة أحب إليه من القتال والشهادة فهل يعتبر - يا ابن حزم - مقاتل جلد في حمي الوطيس يذب عن رسول الله بالقوة؟ وغيره كثير من امثاله. * ثم يا ابن حزم لو أجرينا احكام الشريعة الغراء وفق القاعدة المنطقية (الفعل والقوة) فَلِمَ لا يكون عثمان المنهزم بأحد - ولم يرجع إلا بعد ثلاث ليال سوياً - هو ثابت يذبُّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقوة ويكون الذابون عنه المستميتون حوله هم منهزمون بالقوة؟ فَلِمَ لا يكون المنافقون مؤمنين بالقوة والمؤمنون منافقين بالقوة لجواز ذلك بسبب وجود القابلية وعندها تختلط الاوراق فيُدْخِل ابن حزم من يشاء الجنة ومن يشاء النار ولا حول ولا قوة إلا بالله!!! وعلى افتراض أن الصحابة كلهم قاتلوا وأنفقوا بالفعل فماذا يفيد المنافقين والشكَّاكين وضعفاء الإيمان منهم حيث ان إعداد الأصناف الثلاثة لا تقل عن النصف من الصحابة كما مر في الآيات والأحاديث آنفة الذكر من هذا البحث. واستكمل ابن حزم استشهاده مستظهراً نجاة الصحابة أجمعين بقول الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون)(47). قلت هذا خطأ صراح لا ينسجم ومنطوق الآية الكريمة لأن الحسنى للمحسنين سواء فسَّرناها بالرحمة أو السعادة كما ذكر ابن كثير أو فسَّرناها بالموعدة الحسنى أو الجنة كما فسَّرها العلامة صاحب الميزان حيث لا مناص من ذلك لقول الله للذين احسنوا الحسنى وقوله (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)(48) وغيرهما من الآيات فخرج من عري عن التوصيف إذ من المقطوع به أن الكثير من أشخاصهم عار عن التلبس بهذا الوصف إذ ليس كل واحد منهم هو محسن. على أن الآية الكريمة سيقت لرد شبهة علم الله بها قبل حدوثها علق بأذيالها مشركوا مكة بل نزلت استثناء من المعبودين واليك التوضيح التالي: عن ابي جعفر قال: لما نزلت هذه الآية يعني قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَبَ جهنم)(49) وجد منها أهل مكة وجداً شديداً فدخل عليهم عبد الله بن الزبعري وكفار قريش يخوضون في هذه الآية فقال ابن الزبعرى: أمحمد تكلم بهذه الآية؟ فقالوا نعم. قال ابن الزبعرى لئن اعترف بها لأخصمنه فجمع بينهما. فقال: يا محمد أ رأيت الآية التي قرأت آنفاً فينا وفي آلهتنا خاصة أم للأمم وآلهتهم؟ قال: بل فيكم وفي آلهتكم وفي الأمم وفي آلهتهم إلا من استثنى الله فقال ابن الزبعرى خصمتك والله ألست تثني على عيسى خيراً؟. وقد عرفت أنَّا النصارى يعبدون عيسى وأمه وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار فقال رسول الله: لا فضجت قريش وضحكوا قالت قريش خصمك ابن الزبعرى فقال رسول الله قلتم الباطل أما قلت: إلا من استثنى الله وهو قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون)(50). قال العلامة صاحب الميزان بعد إيراد هذا الحديث «وقد رُوِىَ الحديث أيضاً من طرق أهل السنة ولكن في هذا الطريق أمتن مما ورد من طريقهم واسلم». وممن ذهب إلى أن الآية الكريمة نزلت استثناء - ليخرج مثل عيسى بن مريم وعزيز والملائكة (عليهم السلام) - عطاء ومكرمة والحسن وابن جريج والضحاك وابن عباس وسعيد بن جبير وابو صالح وغيرهم ذكر ذلك كله ابن كثير عند تفسير هذه الآية المبحوثة والله العالم.
|
|
1 - مسلم بشرح النووي ج1 جزء2 ص64. 2 - سورة الفتح آية 11-12. 3 - الحجرات آية 14. 4 - التوبة آية 97. 5 - التوبة آية 101. 6 - التوبة آية99. 7 - التوبة آية 101. 8 - مسند أحمد ج5 رقم ح 16323 ص40. 9 - تفسير ابن الكثير ج2 ص 384. 10 - نور اليقين للخضري ص138 - 139. 11 - المنافقون آية 8. 12 - تفسير ابن كثير ج4 ص370. 13 - البخاري ج3 ت. د. بغا. ح4624 ص1756. 14 - سورة التوبة آية 45. 15 - سورة التوبة آية 75-77. 16 - تفسير ابن كثير ج2 ص374. 17 - البخاري ج3 ت. د. بغا. ح 3762 ص1357 مسلم بشرح النووي ج8 جزء2 ص56. 18 - سورة التوبة آية 77. 19 - تفسير الميزان للطباطبائي ج9 ص333. 20 - سورة الأحزاب آية 12. 21 - سورة التوبة آية 47. 22 - سورة التوبة آية 116، 117. 23 - سورة التوبة آية 117. 24 - أسباب النزول للواحدي ص142. 25 - سورة التوبة آية 2-4. 26 - سورة الحديد آية 16. 27 - مسلم بشرح النووي ج9 جزء2 ص162. 28 - تفسير ابن كثير ج4 ص310. 29 - سورة الأحزاب آية 23. 30 - سورة الفتح آية 10. 31 - سورة التوبة آية 25. 32 - سورة التوبة آية 18. 33 - سورة النساء آية 77. 34 - انظر اسباب النزول للواحدي ص95 أسباب النزول للسيوطي على حاشية الجلالين ص232 تفسير ابن كثير ج1 ص 525 -526 سنن النسائي ج3 جزء 2 أول كتاب الجهاد ص3. 35 - سورة النور آية 37. 36 - سورة الجمعة آية 11. 37 - سورة فاطر آية 32. 38 - انظر الإصابة لابن حجر العسقلاني ج1 ص66. 39 - سورة الأحزاب آية 23. 40 - البخاري ج3 ت. د. بغا. ح 3950 ص1428. 41 - سورة آل عمران آية 144. 42 - تفسير الميزان للطباطبائي ج4 ص37. 43 - البخاري ج2 ت. د. بغا. ح3269 ص1187 مسلم بشرح النووي ج8 جزء2 ص219-220. 44 - تفسير ابن كثير ج1 ص410. 45 - سورة الحديد آية 10. 46 - انظر نور اليقين للخضري ص259 -260. 47 - سورة الأنبياء آية 100. 48 - سورة الرحمن آية 60. 49 - سورة الأنبياء آية 98. 50 - سورة الأنبياء آية 101-102. |