فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثالث: أهل السنة والصحابة

 أخي المسلم قبل الخوض في البحث ذرني أَدَعْ الغلاة المنتسبين إلى الشيعة جانباً باعتبار أنهم كانوا يؤلهون آل محمد (صلى الله عليه وآله) كمثل الخطابية أصحاب أبي الخطاب محمد بن مقلاص الأجدع الذي يتحمل الشيعة أو زاره إلى اليوم لسعة مفهوم كلمة «شيعة» وهم منه براء، وذرني واعذرني أن أدع الغلاة المنتسبين إلى أهل السنة جانباً كمثل الكثير من الصوفية الذين يؤلهون أنفسهم بعد إيمانهم بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود وهم أشر من فرعون موسى لأنه أدعى الربوبية بما يقابل رب موسى وهارون وأولئك ادعوا الألوهية على معنى نفي الغيرية أو حلول جزء الهي لا يتجزأ من الإنسان المحل فيه وتعال معي إلى الفرقتين العظيمتين من المسلمين الشيعة والسنة علنا نستجلي قضايا غامضة على اخوتنا أهل السنة ما فتئ الضباب يلفها مما تولد عنها التحامل على المسلمين الشيعة والابتعاد عن التشيع وفيما يلي أدلّة إخوتنا والجواب عليها.

قول أهل السنة

سبق منا وعد أن نذكر أدلة اخوتنا أهل السنة فنتخذها دليلاً ونناقشها حواراً ونفرد لكل دليل منها عنواناً خاصاً والله الموفق للصواب.

الدليل الأول؛ قول الله ورسوله:

قال إخوتنا أهل السنة: أن النيل من الصحابة يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والشيعة ينالون منهم إذن فالشيعة يؤذونه (صلى الله عليه وآله) وعلى هذا الأساس أفتى المتشدّدون منهم بكفر من ينال من أي صحابي كان.

قول الله ورسوله:

قال تبارك وتعالى: (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إنَّ ذَلِكُم كان عند الله عظيماً)(1) وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)(2).

وأخرج مسلم والبخاري واللفظ له في شأن فاطمة الزهراء عن المسور بن مخرمة سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: (فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها)(3) وفي إحدى روايات البخاري (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)(4).

وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطبنا بماء يدعى خماً وقال: (وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله... وأهل بيتي)(5).

وبعد أن نقلنا دليل اخوتنا أهل السنة فيمن يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقررناه بل واتبعناه بآيتين وحديثين فيهما من الوعيد - لمن آذى الله ورسوله وأهل البيت - ما يكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وخلاصة البحث في الفقرات التالية:

1- أقول: تصفق لكم قلوبنا وتهتف بما قلتم ألسنتنا وندين بما اعتقدتم: انه من يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة أو بالأسباب التي تؤول إلى أذاه فإنه يكفر شريطة أن يكون الحكم فيمن آذاه حكماً عاماً شاملاً لأفراده لا ازدواجية فيه لأن حكم الله فينا واحد لضرورة اتحاد الموجب ولذا يتحتم علينا في مثل هذه المسألة الخطيرة أن يكون (الحكم الله والزعيم محمد (صلى الله عليه وآله)) كما قالت سيدة نساء العالمين.

2-بعد إفتاء اخوتنا أهل السنة بتكفير أو تفسيق من يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) منذ (1350) عاماً للهجرة أو تزيد، وبعد الاستبصار واللحاق بالطائفة الحقة والفرقة المحقة وإذا بي أفاجأ بقاصمة الظهر وهي أن اخوتنا أهل السنة لا يكفِّرون ولا يفسِّقون من يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانما اتخذوا هذا الكلام مغالطة وتغطية لتكفير اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) وحصانة لشذاذ الصحابة من أمثال وحشي قاتل الحمزة وبعد أن قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إسلامه عام الفتح قال له (فهل تستطيع أن تغيِّب وجهك عني)(6) فمات رســول الله (صلى الله عليه وآله) ولــم ير ذلك الوجــه وهــو أول مــن جــلد في الخمر(7) في الإسلام، ومثل الحكم بن أبي العاص عم عثمان ووالد مروان حيث تسوّر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) شق الجدار وهو مع زوجته فلعنه (صلى الله عليه وآله) ونفاه إلى الطائف ولم ير ذلك الوجه إلى أن مات (صلى الله عليه وآله) ومثل أبي الغادية قاتل عمار بن ياسر وغيرهم من ناكثين وقاسطين ومارقين.

3-وأدل دليل على ما قلناه: أن اخوتنا أهل السنة يكفِّرون أو يفسِّقون من ينتقص صحابياً بحجة أن ذلك يؤذي النبي (صلى الله عليه وآله) ببعض أصحابه ولا يكفِّرون ولا يفسِّقون من يؤذيه بذاته وبأهل بيته فبالله عليك أخي المسلم أخبرني على أي شريعة وردنا ومن أي دليل ارتشفنا أنه من يسب معاوية يكفر ومعاوية يسب آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولا يفسق ولا يكفر! فهل كان (صلى الله عليه وآله) يتأذى ممن ينتقد معاوية ولا يتأذى ممن يسب علياً والحسن والحسين وغيرهم من العترة الطاهرة؟!

أقول جازماً: أن هذه الأحكام المعوَّجة لا يقبلها الشرع ولا يقرها المنطق وما هي إلا من باب تلزمني بما لا تلتزم به.

الذي يلوح لي ولا يخفى على أحد اختصه الله بأدنى إلمام في البحث والنظر - إن اخوتنا أهل السنة لا يملكون دليلاً يحكم بالفسق على مسلم شتم صحابياً - لا في العقل والمنطق ولا في قياس جلي أو خفي «الاستحسان» ولا في مصدر من مصادر التشريع العشرة التي أولها كتاب الله وآخرها العرف العام غير أنهم يقلدون فتاوى سائبة وأحكام متمردة على التشريع وحكايات غير مسؤولة وتقليد لعداء موروث مرتبط بأحداث سجلها التاريخ في عصر لم تُبَيَّنْ فيه السبل بوضوح الفواصل والحدود بين ثلاث وسبعين فرقة وإلا فما بال عشرات الألوف بل مئات الألوف من غير الصحابة يسبون علياً بن أبي طالب في عصر بني أمية ما يزيد على ستين عاماً، ألم يكن أولئك هم من غير الصحابة؟ ألم يكن علي من كبار الصحابة؟ ألم يكن من آل محمد (صلى الله عليه وآله)؟ فلِمَ أولئك الألوف المؤلفة يسبون علياً بن أبي طالب - البطل البهلول وابن عم الرسول وسيف الله المسلول وزوج الزهراء البتول إمام العلم وحاكمه وقاضي الشرع وعالمه المتصدق في الصلاة بخاتمه - ولا يَكْفُرُون ولا يَفْسُقُون ويا ويل ويلك أخي المسلم إن سببت الفاسق بنص القرآن كمثل الوليد بن عقبة قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة...)(8) وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الدليل الثاني؛ أخيرية الأمة:

قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)(9).

استدل أخوتنا أهل السنة بأدلة منها هذه الآية الكريمة على أن «عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم واخباره عن طهارتهم فلا يحتاج أحد منهم إلى تعديل» ولذلك قال: المتشددون من اخوتنا أهل السنة أن من ينتقص صحابياً فهو زنديق.

أقول: عندما كنت أبحث في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ومقدمة محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم وجدت كليهما ينقل هذه الآية الكريمة: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)(10) عن كتاب الكفاية للخطيب البغدادي للدلالة على عدالة جميع الصحابة، فذهبت أفكر وأعجب فقلت في نفسي: قاتل الله التقليد الأعمى فما علاقة الآية الكريمة بعدالة جميع الصحابة وأين العلاقة بين الآية وبين الحكم بالزندقة على مسلم انتقص صحابياً؟ وخطر في ذهني العلاقة التي كنا نسمعها من آباءنا والناس من حولنا ونحن في أول شبابنا أنهم كانوا يأتون إلى البقرة إذ تحفَّى ظلفها فيدهنوا بالزيت قرنها وإذا مرضت البقرة الصفراء يضعون المكواة في النار فيكوون الحمراء وذلك من البديع السلبي ومن أغرب ما سمعنا.

وإليك ملخص البحث في الفقرات التالية:

1- الصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرنٍ بحسبه وكل فرد من حيث هو (إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها) كما نص على ذلك ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ولعل بعض الأحاديث النبوية تعطي الأخيرية بشرطها لكثير من افراد الخلق مر الاجيال أكثر منه في أفراد السلف كما روى احمد بن حنبل في المسند عن أبي جمعة الانصاري قال: (تغدينا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعنا ابو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله أيوجد أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك قال: نعم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني)(11) وفي بعض الروايات عن أبي جمعة أيضاً (بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجراً مرتين).

والمقصود هنا استمرارية الأخيرية في هذه الأمة كما هو منطوق الآية الكريمة وليست وقفاً على الصحابة الكرام إلاَّ تحكماً.

2- العموم الذي نلمسه في الآية الكريمة والذي يوفر للأمة العدالة والأخيرية ففي الوقت نفسه لا يعطي هذه الرتبة لكل فرد من أفراد الأمة بعد المعصومين وذلك لأن الأخيرية في مقام التفاضل على الأمم ولأنها مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفاسق هو فاعل للمنكر وتارك للمعروف وذلك يعني أنه ليس كل فرد من أفراد الأمة هو عدل ومن الأخيار.

وعلى ضوء هذا المفهوم أجمعت الأمة على عدم قبول شهادة الفاسق وإن كان من هذه الأمة التي هي (خير أمة أخرجت للناس) ولذلك رد الله خبر الفاسق الوليد بن عقبة وإن كان صحابياً قال: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)(12) ولمَّا كان عبث الفاسق في الدين أكبر وأخطر تصدّى علماء الأمة من أهل الجرح والتعديل يتابعون أحوال الناس لاقتناص معرفة الفاسق والكاذب المستور ليرموا بأكاذيبه في نفايات التاريخ صوناً للسنة الشريفة وليحفظوا الدين للمسلمين، فلله درّهم من رجال. وعليه فلو كان العدل والخيار في كل فرد من الأمة فما الفائدة المرجوَّة من وجود علم الرجال والجرح والتعديل؟.

3- من أوائل من عمل بعلم الرجال وتابع أحوالهم وراقب مجالسهم وجرح وعدَّل هو عمر بن الخطاب، فهو لم يقل للصحابة هنيئاً لكم إن الله زكّاكم وعدَّلكم بقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وانما جرح المجروحين منهم من أمثال أبي هريرة فهو أول راوية مجروح في تاريخ الإسلام والمسلمين.

وكان من مذهب عمر بن الخطاب أنه يستاء من الرجل يحدث بكل ما سمع عن كل من سمع وبالتالي يحجب الثقة عنه حيث قال كما في صحيح مسلم: «بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع»(13) ولما رأى أن أبا هريرة رَكِبَ في الحديث كل صعب وذلول أساءه ذلك أكثر ثم عظمت الرزية أكثر فأكثر عندما رأى أنه يحدث عن كعب الأحبار ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في آن واحد فيخلط بينهما تارة أو يختلط الأمر على السامع تارة فينسب حديث كعب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحديث رسول الله إلى كعب وعندها دعاه فزجره وتوعده بالنفي إلى بلاده، كما أخرج ابن عساكر عن السائب بن يزيد انه (سمع عمر يقول لأبي هريرة لتتركن الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو لألحقنَّك بأرض دوس(14) وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث أو لألحقنَّك بأرض القردة(15).

وذكر بن أبي الجديد عن أبي جعفر الاسكافي: أن عمر ضرب أبا هريرة بالدرة وقال: (قد أكثرت من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول الله (صلى الله عليه وآله)).

ونقل عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم اليتـــمي قـــال (كانـــوا لا يأخـــذون عن أبـــي هريرة إلا ما كان من ذكــر جنة أو نار)(16).

قلت: يجب عليهم أن لا يأخذوا عنه حتى ما جاء من ذكر جنة أو نار باعتباره مدخول ومروياته مدخولة ألم يخرج عنه مسلم والبخاري واللفظ للأول قوله المدعى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (فـأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله تقول قط قط قط)(17).

4- فلو كانت هذه الآية الكريمة تعدِّل وتعصم جميع أفراد الأمة أو على الأقل تعدِّل الصحابة فيكونوا عدولاً بتعديل الله لهم «كما هو المدعى» ولا يجوز نقدهم ولا يخضعون لقانون علم الجرح والتعديل، فلو كان كذلك فما بال عمر بن الخطاب يحجب الثقة عن أبي هريرة ويحرجه بمر الانتقاد والانتقاص بل ويضربه ويهدده بالنفي وإبعاده عن المدينة المنورة، أَمَا كان عمر يقرأ هذه الآية الكريمة؟ وكيف يقدم على جرح من عدَّله الله «حسب الزعم»؟ وكيف وثقتم بمن جرحه عمر بن الخطاب؟ فهل أنتم أعلم بحال هذا الرجل أم من عاصره وتعايش معه سنين طوالاً؟ وكيف أقدمتم على الحكم بالكفر أو الفسق أو الزندقة على مسلم يجري قانون الجرح والتعديل على الصحابة إبراء للذمة وصوناً للدين وتباعاً لعمر بن الخطاب!!

ولقد أخذ بمذهب عمر - الذي هو في الحقيقة مذهب كل صحابي جليل - كل من الآمدي والامام عضد الدين ونسب هذا القول إلى ابن القطان الشافعي البغدادي (ت 359 ه‍).

فيا ليت شعري بماذا يحكم أخوتنا أهل السنة على هؤلاء، أ بما حكموا على اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله)؟ أم يا نار كوني برداً وسلاماً على عضد الدين والآمدي وابن القطاه كما كنتِ على إبراهيم (عليه السلام) برداً وسلاماً. والله مع الصابرين!

5- ما يغنينا عن مؤونة البحث الطـــويل هــو أن الآية الكريمة (كنتم خــير أمـــة أخـــرجــت للناس تأمـــرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)(18) مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمتى فقدت الأمة هاتين الصفتين فقدت عدالتها وأخيريتها وفقدت كل شيء فكيف بمن يأمر بالمنكر وينهي عن المعروف ولا أجد مثالاً على ذلك هنا أنسب من قضية هي أم الرزايا معاوية يسنُّها وعمر بن عبد العزيز يبطلها فراجع الحديث التاسع تجد أن معاوية يأمر بسب آل محمد (صلى الله عليه وآله) على المنابر وذلك منكر ولكن عمر بن عبد العزيز يزيله ويضع مكانه (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)(19) وذلك معروف كما سيأتي إن شاء الله.

الدليل الثالث؛ وسطيه الأمة وشهادتها:

قال تعالى: (كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)(20).

استدلّ اخوتنا أهل السنة بهذه الآية الكريمة على عدالة الصحابة بأجمعهم وانطلاقاً من هذا المنظار وعملاً بشمول التطبيق أصبح الصحابة قاعدة مستثناة دون السلمين إلى يوم القيامة لانخرام شرط علم الرجال من جرح وتعديل لأن الله عدَّل جميعهم «حسب الزعم».

ولما كان الكثير من الصحابة تمرّد على تعديله له بتلبسه ثوب الفواحش والبغي والموبقات مما يمزق ثوب التقوى والعدالة - هرع اخوتنا أهل السنة مستجيرين بدعاوى الاجتهاد فمنحوا هذه الرتبة لكل صحابي حتى وإن بلغت أعدادهم «124» ألف صحابي مجتهد حسب إحصائيات أبي زرعة الرازي، ثم تسارعوا إلى إقفال باب الاجتهاد مؤخراً إقفالاً محكماً فلا يجوز للمسلم أن يجتهد مهما بلغ علمه وإنما واجبه التقليد لأحد المذاهب الأربعة، وكل من يتحرّر من تقليد أحدها فهو لا مذهبي «واللامذهبة قنطرة اللادينية» كما صرّح به بعضهم، والويل والثبور لمن يجتهد من الأمة وبخاصة إن اعترف بأن صحابياً زل أو غلط أو أجرم وهكذا دواليك.

أقول أخطأ الرماة الهدف باعتبار أن هذه الآية الكريمة كسابقتها عامة في أمة محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة كما أخرج البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: (يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم أي رب فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمته فنشهد أنه قد بلغ وهو قوله جل ذكره: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) والوسط العدل)(21).

أفاد الحديث أن العدل والشهادة هما للأمة إلى يوم القيامة وليس قصراً على الصحابة والشواهد على ذلك كثيرة وإليك البحث في الموضوع ضمن الفقرات التالية:

1- إن العدالة والشهادة المذكورتين في الآية الكريمة لا يعدم الكثير من أفراد الأمة تحصيلها فهي عامة في الأمة بإجماعها ولذا فإن الاستشهاد بها والاحتكام إليها نوع مغالطة. وعليه لا يجوز قصرها على الصحابة بلا مخصص يخصّ أشقياءهم دون أشقياء الأمة فمن العبث والمغالطة بمكان أن نستشهد بها لتعديلهم جميعاً لأن الاستشهاد على عدالتهم هو عين الاستشهاد لجميع أفراد الأمة وعندها يكون الناس كلهم عدولاً وإن كانوا فاسقين وهذا مما لا يرضاه الدين والأمة.

2- حيازة العدالة شرط لقبول الشهادة والشهادة غاية جعل الله الوسطية في هذه الأمة لأجلها كما قال تعالى: (جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء) فالذين فقدوا العدالة حجب الله عنهم الثقة بهم وردت شهاداتهم قال تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون)(22).

فالآية الكريمة عامة في الصحابة وغيرهم من أفراد الأمة إلى يوم القيامة فالمورد لا يخصِّص الوارد كما هي القاعدة الأصولية وإن شئت فقل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فائدة: كون الشريعة الإسلامية تقبل شهادة الصادق وترد شهادة الكاذب، ذلك لا من حيث أن الصادق لا يكذب والكاذب لا يصدق لأنه في حقيقة الأمر والواقع لا يستحيل أن تكون شهادة الصادق كاذبة عدا المعصومين وشهادة الكاذب صادقة وهذا يحتاج إلى تفسير ومزيد من الإيضاح لذلك أقول:

إن الله سبحانه وتعالى لم يَرُد الشهادة الصادقة بما هي صادقة من العاقل الصادق - بما هو عاقل وصادق - لأنّ الوقائع الكونية والحوادث الواقعية تنقدح في صفحة الذهن قسراً فيسجِّلها ويحتفظ بها ويتحملها ثم يؤديها في الوقت المناسب وما ذاك إلا لأن في الذهن قابلية الالتقاط مثل المرآة وانطباع الصُّوَر بجامع كل منهما يصوِّر لا من حيث المحو والإثبات - وإنما رد الله بعض شهادات العقلاء ومن فيهم قابلية التعقل بسبب تلبسهم بحالة تحجب عنهم الثقة بهم مثل الكفر والفسق والصبا، فالكافر والفاسق لا تقبل شهادتهما في الحدود والمعاملات والروايات عن سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) وغيرها باستثناء العقود والمعاهدات وبعض الأحكام الأخرى مع غير المسلمين في العلاقات الانسانية، فلو أسلم الكافر وتاب الفاسق وبلغ الصبي قال النووي: «تقبل رواية المسلم البالغ ما تحمله قبلهما»(23).

6 - تكلّمنا آنفاً عن الشهادة والرواية وتحملهما ومتى يقبل منهما أداؤهما في هذه الحياة ونتكلم في الفقرات التالية عن شهادة الأمة في اليوم الآخر والتي سيقت الآية الكريمة لشأنها (جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس).

والمقصود هنا هل يشهد على الأمم السابقة كل فرد من أفراد الأمة المحمدية؟ أو العدول منها فحسب؟ أو هم الذين ذكرهم الله بقوله (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم)(24) وهل هي مطلقة تعم جميع المؤمنين من جميع الأمم؟ أو هم الذين ذكرهم الله بقوله (ويوم نبعث من كل أمة شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون)(25) وإذا كان الله يبعث من كل أمة شهيداً فمن يبعث للشهادة من هذه الأمة؟ فهل يبعث الذين ذكرهم بقوله: (ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين م-ن قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس)(26) على أن إبراهيم ليس أباً لكل المسلمين، أو هم الذين ذكرهم الله بقوله: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)(27)؟ تساؤلات مطروحة للإجابة عليها يراجع في عويصها المتبصّرين من محققي المفسرين.

7 - قال اخوتنا أهل السنة في مروياتهم: أن أمة محمد (صلى الله عليه وآله) تشهد بأجمعها على الأمم يوم القيامة بعد أن يسأل الله رسوله عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم.

أقول: هذه زلة لا تقال وعثرة ليس بعدها جبر بل أكبر زلةٍ في بابها، إذ كيف نوفق بين القتلة والمجرمين من هذه الأمة والذين عاثوا فساداً في كل مكان ومن كل جيل وعاشوا على دماء الأطهار والأبرياء وارتكبوا الموبقات وماتوا لغير توبة؟ فكيف نوفق بينهم وبين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعدِّلهم ويزكيهم في المحشر العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون؟ وبين ولوجهم في جهنم وبين قَبُولِهِم شهداء على الامم؟ وبين أن الله ورسوله والمؤمنين لم يزكوهم في هذه الحياة الدنيا ولم تقبل شهادتهم؟ وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول كما أخرج أبو داود في سننه: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية»(28).

ولقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى قائلاً: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو طعناً في ولاء أو نسب»(29).

فكيف نوفّق بين هذا كله وبين قول الله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً)(30).

فهل الذين أعد الله لهم العذاب من الآن ومغضوب عليهم وملعونون أترى يزكيهم رسول الله في المحشر ثم يؤدون شهادة العادلين؟ ثم يقول الله لهم أنتم فاسقون فادخلوا جهنم داخرين؟ فالحمد لله الذي نزهنا عن مثل هذه الأحكام البالية وحاشا لله وإنا لله وإنا إليه راجعون.

8 - نقتطف من كلام العلامة صاحب الميزان ما يناسب الموضوع قال: «وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة يوم القيامة ولكن تحمُّلها في الدنيا... والحاصل أن هذه الشهادة... هي تحمل حقائق أعمال الناس في الدنيا.

ومن المعلوم أن هذه الكرامة ليس تنالها جميع الأمة.. وأخبار أخرى نقلها السيوطي في الدر المنثور وغيره من تزكية رسول الله لأمته وتعديله إياهم لعله يراد به تعديله لبعضهم دون جميعم وإلا فهو مدفوع بالضرورة الثابتة من الكتاب والسنة، وكيف نصحح أو نصوِّب هذه الفجائع وكيف يزكَّى ويعدَّل فراعنة هذه الامة وطواغيتها فهل ذلك إلا طعناً في الدين الحنيف؟ على أن الحديث مشتمل على إمضاء الشهادة النظرية دون شهادة التحمل.. وفي تفسير العياشي عن الصادق.. إن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة.. كلا!)(31).

9 - هكذا اخوتنا أهل السنة يمنحون رتبة العدالة لكل صحابي وإن سرق وإن قتل. على أن بعض السلف يرفض حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن جاء عن طريق حماد بن سلمة وما ذاك إلا لأنهم جاؤوا إلى حمَّاد يوماً يلتمسون الحديث فامتخظ حماد فتفرقوا. وقد عقد الخطيب البغدادي باباً لذلك (أي للجرح بما لا يجرح) وروى فيه عن محمد بن جعفر المدائني قال:

(قيل لشعبة لم تركت حديث فلان قال رأيته يركض على برذون فتركت حديثه.

وروى مسلم بن ابراهيم أنه سئل عن حــديث صالــح المـــري فقال: وما تصـــنع بصالـــح ذكروه يوماً عند حماد بن سمله فاستخط حماد)(32).

عزيزي القارئ اختزن في ذهنك هذَا الغلو في التجريح وتعال معي واستمع لما يرويه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عبد رب الكعبة قال:

(دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون فأتيتهم فجلست إليه فقال كنا مع رسول الله في سفر... إذ نادى منادي رسول الله الصلاة جامعة فاجتمعنا... فقال... تجيئ الفتنة... فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر... ومن بايع أمام... فليطعه... فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر... فقلت أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله... قال سمعته أذناي ووعاه قلبي فقلت له هذا ابن عمك معاوية بأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا... قال فسكت ساعة ثم قال أطعه في طاعة الله وأعص في معصية الله)(33).

تأمل أخي المسلم فالمقصود هنا المقارنة. حماد يستنثر الاذى من أنفه ومعاوية يستنشق أموال المسلمين ودماءهم فبالله عليك في أي دين وجدت وعلى أي دليل اعتمدت على أن ترفض حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن جاءك عن طريق حماد بن سلمة فقط لأنه امتخط وتأخذ بما ورد من دينك عن طريق معاوية وعمر بن العاص وغيرهما حتى وإن استنشق معاوية وعمرو أموال المسلمين ودماءهم وأرواحهم لصرفها على الجيش والحرب ضد أمير المؤمنين علي بن ابي طالب والسابقين الاولين من المهاجرين والأنصار. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الدليل الرابع؛ رضى الله وبيعة الشجرة:

قال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)(34).

استدل اخوتنا أهل السنة بهذه الآية الكريمة على عدالة الصحابة ورضى الله عنهم. والواقع أن هذا الاستدلال خداج من حيث الشمول فالآية الكريمة لم تشمل جميعهم وإنما هي خاصة بأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة بأرض الحديبية على الموت الأحمر أو على أن لا يفروا، وقع ذلك في عام 6 للهجرة وكان عددهم كما في الصحيحين «1500» وفي الصحيحين أيضاً أن عددهم «1400» وفي البخاري أيضاً «1300»(35) ونقل ابن كثير في تفسيره عن العوفي أنهم «1525» ونقل صاحب تفسير الميزان في بعض الروايات انهم «1800» وذكر ابن هشام في سيرته رواية ابن إسحاق في باب أمر الحديبية أنهم «700» غير أن ابن كثير في تفسيره عد ذلك من أوهام ابن إسحاق.

وبإجماع المسلمين أن رِضَى الله ومنّه وكرمه في هذه الآية مقصور على أهل بيعة الرضوان دون غيرهم على أن الشيعة يدينون بأن سُبُل العدالة ورضى الله مفتحة ابوابها أمام عشرات الألوف من الصحابة، ابتداء من أصغرهم سناً مثل الحسن والحسين أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانتهاءً بمتمم بن نويرة، وَرِضَى الله المطلق واللامحدود ليس وقفاً على أهل بيعة الرضوان، فالقاعدة «أن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه» وإنما هو سارٍ في هذه الأمة المرحومة لمن شاء منها أن يستقيم.

فائدة:

لا ننسى أن الرضى غير العدالة، وهما صفتان طارئتان على الانسان وقابلتان للزوال، وقد تجتمعان عند شخص وتفترقان عند آخرين، فليس كل عادل وهو مرضي والعكس بالعكس، وعلى ضوء هاتين الصفتين يقيَّم الانسان من الخارج، والمراد هنا التقييم الإسلامي فقد يمنح الله عز وجل رضاه وتعديله وتزكيته لولي من أولياءه مثل علي بن أبي طالب، فتكون هذه الشخصية مرضياً عنها وعادلة عند الله وعندنا.

وقد يكون المسلم مرضياً عنه عند الله وهو غير عادل عندنا مثل مؤمن مستقيم امتهن من المباحات «الحرف الدنيئة كالحجامة وكنس الزبالة والدباغة وغيرها ممّا لا يليق بمقامه دون غيره ومرجع ذلك العرف فلا تقبل شهادته ولا روايته»(36) في سند الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند جمهور المحدثين وهو معنى قولهم: أن يكون الراوي «سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة»(37) وهو معنى قول الفقهاء: «أنها مقيدة بالصلاح في الدين والاتصاف بالمروءة»(38).

وقد يكون المسلم فاسقاً عند الله عادلاً عندنا كمثل الوليد بن عقبة بن أبي معيط فان الله سماه فاسقاً في كتابه الكريم حيث قال: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ولقد أكدت هذه الآية قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعقبة أبي الوليد عندما كان أسيراً وحكم عليه رسول الله بالقتل قال: (يا محمد من للصبية قال: «النار»)(39) ولكن هذا الفاسق هو عادل عند اخوتنا أهل السنة ومقبول الشهادة والرواية (وروى عن عثمان وروى عنه حارثة بن مضرب والشعبي وأبو موسى الهمذاني وغيرهم)(40).

ومما ينبغي التنبه له أن كل ما ذكرنا من التقسيمات في الرضى والعدالة فإنه يلزم اخوتنا أهل السنة حقيقةً حتى وإن لم يلتزموه. على انه حتى أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة الذين نالوا رضى الله هذا لا يعني أنه تعالى يرضى بكل ما يقع منهم مستقبلاً، وبخاصة أن الانسان لا ينفك عن الخطأ والزلل إلا من عصم ربي، ولهذا اشترط الله عليهم الوفاء بعدم النكث قال تعالى في شأنهم: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه)(41).

فاشترط الله الرضى وإتيان الأجر بالوفاء وعدم النكث، باعتبار أن هذه البيعة لم تأتِ عبثاً ولا اعتباطاً وإنما جاءت تالية لسخط ونكث وشك وهلكة فاستمع لما رواه البخاري عن نافع قال:

(إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه ورسول الله يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال فأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة قال فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر اسلم قبل عمر)(42).

عزيزي القارئ ضع في ذهنك حديث إسلام عمر في صلح الحديبية واحتفظ به ثم تعال معي نبحث السبب الذي زعزع عقيدة أهل البيعة وأورث في قلوبهم الشك في نبوة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستمع ما يلي:

رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة من قبائل جهينة ومزينة وغفار وأشجع وأسلم ودئل فلم ينفروا، ولما أبطؤوا خرج (صلى الله عليه وآله) بمن معه وساق الهدي ثم سار الجيش إلى أرض الحديبية التي كانت تبعد عن مكة مرحلة واحدة وعن المدينة المنورة تسع مراحل، ففوجئ الصحابة بأمر ما كان بالحسبان وهو أن قريشاً صدوهم عن المسجد الحرام وجمعوا الجموع من الأحابيش وغيرهم فوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قريش عثمان بن عفان مفاوضاً ومعه عشرة رجال فاحتبستهم قريش وشاع عند المسلمين أن عثمان قتل وبعثت قريش خمسين رجلاً ليلاً للاستطلاع فأسرهم المسلمون ثم بعثت جمعاً آخر (وابتدؤوا يناوشون المسلمين حتى أسر منهم «12» رجلاً وقتل من المسلمين واحداً)(43) فيكون المجموع «70» أسيراً(44).

كل ذلك يجري ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يفاوض بدلاً من الحرب ويرضى بالرجوع إلى المدينة بلا عمرة لا طائفاً ولا محلقاً ولا آمناً.

على أن الصحابة يحفظون عليه أنه أخبرهم بالطواف آمنين محلقين ومقصرين ولا يخشون أحداً وعندها زلت أقدامهم وتزلزلت عقيدتهم وشكُّوا في نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) إلا ما عصم ربي فتمردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال ابن كثير: (وقع في نفس بعض الصحابة... من ذلك شيء حتى سأل عمر بن الخطاب قال فيما قال: أ فلم تكن تخبرنا أن سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أ فأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا…)(45).

واستلئم الكثير من الصحابة للحرب تمرداً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذ بيد علي وجلسا تحت الشجرة وتبعهما من عصمه الله ونزل الشاكُّون من المسلمين آخذين السلاح فحملوا على جيش الصد الذي وضعته قريش لصد المسلمين فحملت عليهم قريش فتراجع المسلمون وتبعتهم قريش وعند ذلك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً أن يرد قريشاً فقام علي في وجوههم فصاح بهم صيحة انصتوا لها ثم قالوا: يا علي هل بدا لابن عمك فيما اعطانا كذا وكذا فقال: لا فهل بدا لكم أنتم قالوا: لا فانصرفوا ثم تم الصلح على اثرها وندم الصحابة بعد الهزيمة واعتذروا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوبخهم وذكرهم بالمواطن التي هربوا فيها وأسلموه في أحلك الظروف وحَمْيَ الوطيس مثل موقعة أحد وغيرها فاظهروا التوبة والاعتراف بالذنب فقال (صلى الله عليه وآله) إلا أن تعودوا إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة(46) على الإسلام لأنهم شكُّوا وعلى أن لا يفروا لأنهم فرُّوا. وفي البخاري أنه (صلى الله عليه وآله) بايع سلمة بن الاكوع مرتين(47).

وفي تفسير ابن كثير ثلاث مرات(48).

ومن آثار هذه البيعة انما أخافت قريشاً فأرسلوا سهيل بن عمرو يفاوض للصلح وإخلاء سبيل الأسرى فقال له (صلى الله عليه وآله): (حتى ترسلوا من عندكم وعندئذ أرسلوا عثمان والعشرة الذين معه)(49).

ولعل من مصاديق ما قلناه ومن شواهد ما قدمناه ما أخرجه البخاري عن المِسْوَرْ بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه:

(فقال عمر... فقلت: أليس نبي الله حقاً؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى قلت: فلِمَ نُعطي الدنية (أي الذلة والأمر الخسيس) في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول... قلت: أ وليس كنت تحدثنا أننا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى أ فأخبرتك أنَّا نأتيه العام... فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله (مستنكراً) حقاً قال: بلى... قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله.... فاستمسك بغرزه فوالله أنه على الحق قلت: أ وليس كان يحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به قال: بلى أ فأخبرك أنك تأتيه العام... قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً... قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال: والله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة... فخرج فلم يكلم أحداً منهم كلمة... نحر بدنه ودعا خالقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً)(50). ولكن الكثير منهم خالف أمر النبي (صلى الله عليه وآله) في الحلق فقصّر ولم يحلق فقال (صلى الله عليه وآله) كما في البخاري ومسلم:

(اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله وللمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله وللمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول وللمقصرين قال وللمقصرين)(51) وزاد ابن اسحق في روايته عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (... فقالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لم يشكّوا)(52).

وأخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم واللفظ للأول عن عمر بن الخطاب قال: (كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد علي قال فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث مرات فلم يرد عليك قال: فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيَّ شيء قال: فإذا بمنادي ينادي يا عمر أين عمر قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيَّ شيء قال فقال النبي (صلى الله عليه وآله) نزلت عليَّ البارحة سورة هي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)(53).

هذه السورة المباركة نزلت في شأن أحداث الحديبية بعد أن غفلوا راجعين إلى المدينة المنورة.

تنبيه:

ثم تعال عزيزي أنبأك اليقينَ: إن أهل بيعة الرضوان - والتي جاءت بعد شك وسخط وهلكة - بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة على الموت أو على أن لا يفروا فنالوا بذلك رضى الله تعالى بشرط عدم النكث من جديد كما قال تعالى: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه)(54) ولكنهم نكثوا البيع مع الله بعد أن اشترى منهم أنفسهم واموالهم بأن لهم الجنة فباعوا رضى بيعة الرضوان بلا ثمن وكانوا فيه من الزاهدين وباعوا الجنة بالفرار وتركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) طعمة لذؤبان العرب ومشركيها في يوم حنين عام«8» للهجرة لولا أن أدرك الله رسوله (صلى الله عليه وآله) بنوعين من الجنود:

1- نوع جلي يقاتل بالسيف دون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتألف من علي أمير المؤمنين وأهل بيعة العقبة من الأنصار بعد أن انهزم المسلمون هزيمة نكراء.

قال تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ولّيتم مدبرين)(55).

2- ونوع خفي قال تعالى: (ما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم)(56) وهم الملائكة قال تعالى في شأن حنين: (ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وانزل جنوداً لم تروها)(57).

فذلكة القول:

إن الكثير من الصحابة تشكك في وحي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلح الحديبية ولكن اخوتنا اهل السنة وبخاصة المحدثون منهم قد أسقطوا الكثير من الأحاديث عن تلك الاحداث العظيمة - التي تلبَّس بها الصحابة فمارسوها وتكلموا فيها - باعتبارها لا تناسب اعقتادهم وضعَّفوا الكثير منها وأماطوها عن صحاحهم إلا اقل القليل بالنسبة لفيضها لأنها شاهد عدل عليهم، واثبتوا بعضها في صحاحهم غير أنهم لا يذكرون مناسباتها واسبابها. وحتى إن ذكروها فإنهم يقتطعون من أول متونها أو يسقطون من وسطها أو يبترون آخرها حسب الحاجة إلا في النزر اليسير مما لا يخفى مثله على بصير، والشواهد على ذلك كثيرة، ولذا متى حاججتهم بجملة منها فإذا كانت صحيحة وفق قانون الجرح والتعديل عندهم قالوا هي غير صريحة وإن كانت صريحة قالوا هي غير صحيحة ومثال على ذلك: (أن أحد طلبة العلوم الشرعية في جامعة دمشق الفيحاء من أبناء منطقتنا أخبرني أنه كان يحضر دروس الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي فسمعه يوماً يتكلم في شأن أحاديث المهدي (عليه السلام) قائلاً: «صحيحها غير صريح وصريحها غير صحيح» قلت: طبعاً وكيف لا يكون كذلك وتكميم الافواه وأضفى عليها مسحة من التكتم والتعتيم والتعمية، ومصداق ذلك في الأحاديث التسعة آنفة الذكر في فقرات الموضوع محل البحث فانظر فيها رعاك الله تجد على ظاهرها فعلاً بصمات التحفُّظ والتعتيم والتعمية وإليك التفصيل التالي:

الحديث الأول: في عدتهم:

وفيها أقوال:

أ - ورد أنهم «700» صحابي.

ب - وورد أنهم «1300» صحابي.

ج - وورد أنهم «1400» صحابي.

د - وورد أنهم «1500» صحابي.

ه‍ - وورد أنهم «1525» صحابي.

و - وورد أنهم «1800» صحابي.

وفي الحديث الثاني:

ز - عمر لا يعلم بأن الناس يبايعون رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة على الإسلام وعدم الفرار مما يدل أنه كان بعيداً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ح - عمر يستلئم للقتال والحال أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفاوض قريشاً عن طريق الرسل.

ط - عمر آخر من يَسْلِمُ حتى أن ولده عبد الله اسلم قبله مما يدل أن الناس كانوا في سخط ونكث وشك وهلكة، فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) للبيعة على الإسلام من جديد فتابوا وبايعوا تحت الشجرة فرضي الله عنهم بدلاً من سخطه السابق عليهم فلذلك قال تعالى: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين والزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها)(58) وكلمة التقوى هي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) مما يدل على أن البيعة على الإسلام تحت الشجرة هي من أهم المقاصد.

وفي الحديث الثالث:

ي - إن الصحابة اسروا جماعة من كتيبة الاستطلاع لجيش الصد بلا قتال مما يأذن بإيقاد نار الحرب في أصعب الظروف وبلا إذن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحال انه يفاوض للصلح عن طريق الرسل وبالفعل شرع جيش الصد يناوش المسلمين انتقاماً لأسراهم فاستشهد من الصحابة رجل اسمه (ابن زنيم) وفي بعض الروايات (دهيم)(59).

وفي الحديث الرابع:

ك - تجد أن ابن كثير بدلاً من أن يقول: وقع في نفس بعض الصحابة الشك في وحي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: وقع في نفس بعض الصحابة شيء فأراد أن يتكتم ويوهم ولكن الحديث الذي أورده يحدو به إلى التصريح وإن كان نفس الحديث تعلوه مسحة من التورية.

ل - عمر تلح عليه شكوكه برسول الله أن يحتج عليه بقوله (أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به) والحال أننا جئنا ولم نكن آمنين ولا طائفين والأعظم منه أنك ترضى بالصلح والصد عن المسجد الحرام وكل ما طلبته قريش.

م - رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضطر للدفاع عن رؤياه أو أخباره عن وحي الرؤيا بقوله لعمر: (أ فأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟).

وفي الحديث الخامس:

ن - الشكّاكون يحملون على جيش المشركين في صلح الحديبية بلا إذن رسول الله بالحرب.

س - الشكّاكون ينهزمون فتتبعهم قريش.

ع - علي بن أبي طالب يصيح بالمشركين فينصتوا له ويتهموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالغدر فقالوا: (يا علي هل بدا لابن عمك فيما أعطانا) يقصدون التفاوض على الصلح فقال لهم: (لا فهل بدا لكم أنتم قالوا: لا فانصرفوا ثم تم الصلح).

ف - ندم الصحابة فاعلنوا التوبة والاعتراف بالذنب فأبى عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا البيعة على الإسلام وعدم النكث والهروب والاستسلام فبايعوه تحت الشجرة.

وفي الحديث السادس:

ص - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأمر سلمة بن الأكوع بالبيعة مرتين أو ثلاث مرات ومن آثار البيعة أنها أخافت قريشاً فجنحوا للسلم والصلح كما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأرسلوا سهيل بن عمرو يفاوض للصلح وتبادلوا الرهائن.

وفي الحديث السابع:

ق - عمر يستفهم مستنكراً فيقول لرسول الله (صلى الله عليه وآله): (الست نبي الله حقاً)؟!.

ر - عمر يثني الاستنكار على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول (ألسنا على الحق وعدونا على الباطل)؟!.

ش - عمر يثلث الاستنكار الحاد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا (أي الذلة والأمر الخسيس) ويا عجباً كيف أدرك عمر أن الصلح خسة وكيف ترفع عنها ووقع صاحب الرسالة فيها؟!.

ت - عمر يربع القول ويبدي لنا شكوكه بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) فيقول: (أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به)؟!.

ث - عمر يقول لأبي بكر (يا أبا بكر أليس هذا نبي الله)؟!.

خ - عمر يقول (فعملت لذلك أعمالاً) ولكن الحديث لا يطلعنا على تلك الأعمال التي حيكت ضد رسول الله نتيجة لانفعال خلّفته الشكوك بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله).

وفي الحديث الثامن:

ذ - تجدد الشك بوحي رسول الله مرة ثانية في قلوب الكثيرين من الصحابة بعد البيعة، واكتتاب ورقة المعاهدة، وتمام الصلح، هذا من جهة، وتمرد الجميع على أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهة أخرى، حيث أمرهم بالحلق ونحر الهدي فرفضوا وبعد أن نحر (صلى الله عليه وآله) وحلق قاموا فنحروا وحَلَقَ بعضهم فكادوا أن يقتلوا بعضهم من الغيظ على صنيع رسول الله وبعضهم عصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عصياناً آخر حيث قصَّر ولم يحلق فقال (صلى الله عليه وآله) اللهم اغفر للمحلقين أعادها ثلاثاً، ولما سئل عن السبب نص على أن المحلقين لم (يَشُكُّوا) وبهذا نكثوا بيعة الرضوان قبل أن يغادروا أرض الحديبية أما قوله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم)(60) فمنصرف إلى علي بن أبي طالب وكل من عصمه الله من الشك في تلك الواقعة وإلا فكيف السكينة وزيادة الإيمان يجامعا الشكوك والعصيان فتأمل.

وفي الحديث التاسع:

ض - عمر يسأل رسول الله ليلاً بعد الاقفال من الحديبية ثلاث مرات ولكنه (صلى الله عليه وآله) لم يرد عليه جواباً.

ظ - عمر يقول لنفسه ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله ثلاث مرات فلم يرد عليك وبعدها ركب راحلته هارباً من رفقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخائفاً أن ينزل بحقه قرآن يفتضحه.

غ - عمر يناديه المنادي فيرجع وهو خائف أن ينزل فيه قرآن يفضح ما كان يبطن.

ونختم بالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ونعوذ بالله من سوء العاقبة.

الدليل الخامس؛ السابقون الأولون:

قال تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)(61).

أستدل أخوتنا أهل السنة بهذه الآية الكريمة على عدالة الصحابة ورضى الله عنهم أجمعين واتفقوا ان المراد من «والسابقون الأولون» في هذه الآية الكريمة هم الذين هاجروا إلى المدينة المنورة فيشمل مهاجري الحبشة حيث نالوا شرف الهجرتين، واختلفوا في نهاية السبق الأولي فعن الشعبي هم من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية، وعن أبي موسى الأشعري وابن المسيب والحسن وقتادة هم الذين صلوا إلى القبلــتيــن مـــع رســـول الله (صلى الله عليه وآله)(62) وفي تفسير الجــلالين هــم جــميع الصحــابة(63).

وهذا الأخير أشمل ليضفي على الطلقاء وأبناءهم ويدخل فيه وحشي قاتل الحمزة ويعم الأعراب من أجلاف قبائل جهينة ومزينة وغفار وأسلم وأشجع ودئل الذين تخلفوا عن غزوة الحديبية وبدخولهم هذه المنقبة ينزاح عنهم قانون الجرح في علم الرجال.

أقول: قاتل الله التقليد المميت كونه يضعف الرؤية، صاحبه يبصر ولا يتبصر وإلاّ فمن أين لنا وكيف تطمئن ضمائرنا وقلوبنا بأن المهاجرين من مكة إلى المدينة هم السابقون الأولون؟ كلاَّ إنما هو التخرص والتأويل المستكره.

وعلى أية حال فإن الآية الكريمة كما تشمل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كذلك تشمل اللاحقين منهم والتابعين وتابعيهم ونحن معهم ومن يخلفنا إلى يوم القيامة ولكن بشرط الإحسان منا ومنهم كما هو مفهوم الآية الكريمة إذ لا يقال يشترط الإحسان منَّا ولا يشترط العدل والصدق والإحسان من السابقين الأولين.

والصحيح الذي لا ريب فيه ان هناك ثلاث هجرات للمهاجرين وثلاث مراحل للأنصار واليك التفصيل التالي:

الهجرة الأولى إلى الحبشة:

ذكر ابن الأثير وغيره واللفظ له قال: «لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يصيب أصحابه من البلاء... وأنه لا يقدر على ان يمنعهم قال: لو خرجتم على أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم أحد عنده... فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة... فكانت أول هجرة في الإسلام... تمام عشرة رجال وقيل أحد عشر رجلاً وأربع نسوة وكان مسيرهم في رجب سنة خمسٍ من النبوة... فأقاموا شعبان وشهر رمضان وقدموا في شوال سنة خمسٍ من النبوة «بسبب خبر كاذب أوهم» أن قريش أسلمت.. فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفياً.. وأقام المسلمون بمكة يؤذَوْنَ فلما رأوا ذلك رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ثانياً فخرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إلى الحبشة فكمل بها تمام اثنين وثمانين رجلاً»(64).

الهجرة الثانية إلى شعب أبي طالب:

تم ذلك «لما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد وأن المسلمين قووا بإسلام جمزة وعمر وعاد اليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وأمنهم عنده»(65).

الهجرة الثالثة إلى المدينة المنورة:

تم ذلك بعد ثلاثة عشر عاماً من نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتأمل عزيزي القارئ تجد أنه (صلى الله عليه وآله) هاجر هجرتين الأولى إلى شعب أبي طالب والثانية إلى المدينة المنورة، وباعتبار أن الهجرة ذات قداسة في قلوب المؤمنين فلا نبحثها من حيث قيمتها وفضلها وإنما نبحث عن أفضلها عند التعدد ونستعين بالتساؤلين التاليين: أخي المسلم بالله عليك أي الهجرتين أعظم؟ أ هجرة من هاجر إلى الحبشة إبقاءً على نفسه وحفاظاً على دينه من فتنة المشركين أم من هاجر مع وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إبقاءً على نفس محمد وحفاظاً على دين محمد (صلى الله عليه وآله) لِيَحيا فيخلد الدين ولو كلفه ذلك إزهاق نفسه باعتبار أنه في حينها كان الدين مرهوناً برسول الله، يموت بموته ويحيا بحياته؟ فاحكم بالذي تراه أنت.

ثم بالله عليك: أي الهجرتين أسبق؟ هل الهجرة مع وإلى رسول الله بشعب أبي طالب عام خمس أو ستة للنبوة أم الهجرة إلى المدينة المنورة عام عشرة أو ثلاثة عشر للنبوة وما بعدها.

ومِمّا يجدر بالذكر ولا يخفى أن هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى شعب أبي طالب متزامنة مع هجرة الأصحاب إلى الحبشة.

ومن الطريف بالموضوع أن بعض كبار الصحابة لم ينل شرف ايٍّ من الهجرتين مثل أبي بكر وعمر حيث لم يهاجرا إلى الحبشة ولا إلى شعب أبي طالب اتفاقاً هذا كله ورسول الله وأبو طالب والحمزة وعلي وغيرهم من أهل الحصار يشدون الحجر على بطونهم من ألم الجوع حتى أن أحدهم بال ليلاً فوقع بوله على شيء له قرقعه فلمسه وإذا به قطعة من جلد بعير قديم فأخذه وأحرقه بالنار ثم التَهَمَهُ من شدة الجوع.

والصحيح أن أبا بكر وعمر لم يكونا مسلمين عام الهجرة للشعب في سنة ستٍ للنبوة وإلاّ فَلِمَ لم يهاجرا إلى الشعب أو الحبشة؟ ثم لِمَ لم تمسهما قريش بسوء وهما الأضعفان آنذاك؟ فتأمل!!!

وهكذا يتجلى الحق بأن المقصود بقول الله في الآية الكريمة (والسابقون الأولون من المهاجرين) هم أهل الهجرة مع وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الشعب وحصارهم فيه ثلاث أو أربع سنوات لأن هذه الهجرة هي الأعظم بالنسبة لهجرة الحبشة وهي الأقدم بالنسبة لهجرة المدينة المنورة.

هذا إذا كان المقصود بالسابقين السبق إلى الهجرة مع رسول الله وأمّا إذا كان المقصود بالسبق السبق إلى الإيمان فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أول من آمن حيث «بُعِثَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء»(66).

وروى الطبري وذكر ابن الأثير عن علي قال: «أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصدِّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صلّيت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين»(67).

وأمّا الأنصار فكانوا في الإسلام كذلك على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى للأنصار:

ذكر ابن الأثير وغيره واللفظ له «خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)... فعرض نفسه على القبائل... فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج فدعاهم إلى الله... وقد كانت في بلادهم يهود.. فكانوا إذا كان بينهم شر تقول اليهود إن نبياً يبعث نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وثمود فقال النفر بعضهم لبعض: هذا والله النبي الـــذي توعـــدكم به اليهود فأجـــابوه... وكانوا سبعة نفـــر من الخـــزرج»(68).

وفي رواية ابن جرير وابن هشام كانوا ستة نفر وهؤلاء النفر أخذ عن رسول الله الإيمان والإسلام وولُّوا إلى قومهم منذرين.

المرحلة الثانية:

وفي العام الثاني وافى الموسم من الأنصار أثنا عشر رجلاً منهم خمسة رجال من أهل المرحلة الأولى فالتقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله بيعة النساء وهؤلاء النفر أخذوا عن رسول الله الإيمان والإسلام وبيعة النساء فقط وهي المذكورة في قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم)(69) ثم انصرفوا إلى قومهم وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرأهم القرآن ويعلمهم الإسلام.

المرحلة الثالثة الدم والهدم:

لَمّا فشا الإسلام في الأنصار اتفق جماعة منهم على المسير إلى النبي (صلى الله عليه وآله).... فساروا إلى مكة في الموسم في ذي الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به (صلى الله عليه وآله) وواعدوه... فلما كان الليل خرجوا... مستخفين يتسللون... وهم سبعون رجلاً معهم امرأتان... وجاءهم رسول الله ومعه عمه العباس... وهو كافر أحب ان يستوثق لابن أخيه... فقال: يا معشر الخزرج... إن كنتم ترون أنكم مسلمون فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعه.

فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت. فتكلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام ثم قال تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. ثم أخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزُرَنا «يعني ان العرب تكني عن المرأة وعن النفس بالإزر وتجعل الثوب عبارة عن لابسه» فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب.

فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالاً وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن اظهرك الله عز وجل ان ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: (بل الدم الدم الهدم الهدم أنتم منِّي وأنا منكم أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم) «ومعنى الهدم الحرمة أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم».

وقال لهم العباس بن عبادة بن فضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون عَلامَ تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود.. قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله، قال الجنة قالوا ابسط يدك فبايعوه.. ثم قال: ارفضُّوا إلى رحالكم «أي تفرقوا».

فقال له العباس بن عبادة «بن نضلة»: والذي بعثك بالحق نبياً لئن شئت لنميلن غداً على أهل منى بأسيافنا فقال: لم تؤمر بذلك فرجعوا(70).

أقول: لعلّ المقصود من السابقين الأولين من الأنصار هم هؤلاء السبعون الذين جاءوا إلى مكة فبايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلاً عند العقبة على حرب الأحمر والأسود والدم والهدم بعد الإسلام والإيمان ولعل ذلك هو السر الذي دَعَا رسول الله أن ينتدبهم في غزوة حنين عندما انهزم السابقون الأولون من المهاجرين «حسب المدعى».

عجيبة إن عمر بن الخطاب إمّا أنه كان لا يقرأ القرآن ولا يعرف أحكامه ولم يسمع بها وإمّا أنه يعرف كل ذلك أو بعضه غير أنه أراد أن يتنكّر لفضل الأنصار في الآية الكريمة، فقد أخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردوية عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان) فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين فقال له زيد بن ثابت: «والذين» فقال عمر: «الذين» فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم فقال عمر: إئتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبي: «والذين» فقال عمر فنعم إذن نتابع أبياً)(71) ومقتضى اعتقاد وقراءة عمر يقتضي ما يلي:

1- لا فضل للأنصار أصالة وانما بالتبعية للمهاجرين إن أحسن الأنصار.

2- رضى الله عن المهاجرين لا بشرط ورضاه عن الأنصار بشرط الإحسان.

3- لا علاقة للأمة بهذه الآية الكريمة إنما هي خاصة في المهاجرين السابقين وشاملة للأنصار بشرط لا.

والظاهر من الحديث أن عمر أرعوى عن هذا الاعتقاد واقلع عن تلك القراءة الشاذة - التي تجهض حقوق الأنصار والأمة إلى يوم القيامة - خوفاً من غضب الأنصار كما أخرج ابو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التميمي قالا:

(مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) فوقف عمر فلما انصرف الرجل قال: من أقرأك هذا قال: اقرأنيها أبيْ بن كعب قال: فانطلق إليه فانطلقنا إليه فقال: يا أبا المنذر أَخْبَرَنِي هذا أنك أقرأته هذه الآية قال: صدق تلقيتها من في رسول الله قال فقال في الثالثة وهو غضبان:!!.

نعم والله لقـــد أنـــزلها الله على جبرائيل (عليه السلام) ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنــه فخـــرج عمر رافعاً يديـــه الله اكبر الله اكبر)(72).

الدليل السادس؛ السابقون السابقون:

قال تعالى: (السابقون السابقون أولئك المقربون)(73) استدل اخوتنا أهل السنة بهذه الآية الكريمة على عدالة الصحابة ورضى الله عنهم ولعل الخطيب البغدادي من أوائل المستشهدين بها في كتابه الكفاية ونقل عنه ابن حجر العسقلاني في الإصابة ونقل محب الدين الخطيب عن الأول الاحتجاج بها واضعاً إياها في حقل آيات اخرى كمقدمة صارخة لكتاب العواصم من القواصم.

أقول: لا أعلم وجه الاستدلال على عدالة الصحابة من هذه الآية الكريمة باعتبارها تخص السابقين منهم فيخرج عامتهم ويدخل في شمولها للسابقين سبَّاق الأمم على أنه سابق هذه الأمة بل سيد سباق الأمم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كما أخرج الديلمي عن عائشة والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب.

واخرج ابو نعيم وابن عساكر عن أبي ليلى ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (الصدِّيقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس قال: يا قوم اتبعوا المرسلين وحزقيل مؤمن آل فرعون قال: أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أفضلهم).

وأخرج ابن النجار عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) مثله)(74).

ونقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم (ره) عن ابن أبي نجيح عن ابن عباس في شأن هذه الآية الكريمة (والسابقون السابقون) قال: (يوشع بن نون سبق إلى موسى ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) )(75).

ومن أعجب الغرائب وأغرب العجائب أن علماء اخوتنا أهل السنة إذا استدلوا على عدالة الصحابة وضعوا هذه الآية الكريمة في حقل الأدلة بَيْدَ أنها لا تنطبق إلاّ على خصوص السابقين، ولا تعلم هل هذا جهلاً أم تجاهلاً. على أن عشرات الألوف من الصحابة لم يدّعوا هذه المنقبة بل ولا خطر لهم ببال أنهم (السابقون السابقون أولئك المقربون).

فهل احتج معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة بن أبي معيط ووحشي قاتل الحمزة وأبو الغادية قاتل عمار بن ياسر وغيرهم من أمثالهم، فهل زعم هؤلاء بأنهم من أهل السابقة والفضيلة؟ أم تقولون أدركنا ما فاتهم؟ أو تيقظنا وكانوا من المغفلين؟ وهل موسى جار الله التركستاني وإحسان آلهي ظهير وغيرهما درسوا في الجامعات التي خرّجتهم أن تفسير آية السابقين السابقين يعني جميع الصحابة؟ أو أن أسباب نزولها كان كذلك؟ وهل الأزهر الشريف الذي خرَّج محب الدين الخطيب لقَّنه ذلك؟ والعتب الجميل على مثل هؤلاء من دعاة العلم في قرن العلم والمعرفة ثم يخضعون أفكارهم لقضايا كلاسيكية مظلمة قذفتنا بها أمواج الأحداث آنذاك فلا تصلح ان تكون قوتاً مدّخراً.

فلو استدلّوا على عدالة الصحابة بما استدلّ به المازري وابن العماد لأصابوا الحق ورفعوا الحرج وأراحوا الأجيال واحترموا قانون الجرح والتعديل، ولو استدلوا على عدالة الكثير من الصحابة بما استدل به الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف المساعد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف لكانوا منطقيين مع أنفسهم.

ونحن نقدر جهود الأستاذ عبد الوهاب وأن باءت بالفشل كونه لم يوفق للحقيقة، ولكنها نوع محاولة تفتح باب التدرج امام العلماء، فلو فعل ذلك الخطيب وظهير والتركستاني لأنصفوا أنفسهم بعض الشيء فالذي يريد ان يخلّد كتابه وقوله وفتواه يلتزم بالكتاب والصحيح من السنة ليخلد التَّأسي به ما خَلدا، واليك عزيز القارئ نص الأستاذ عبد الوهاب حيث قال: تطلق العدالة باطلاقات:

1- بالمعنى المقابل للجور والظلم فيقال للسلطان «أنه عادل» وتفسَّر بالإنصاف في المعاملات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.

2 - بالمعنى المقابل للفسق والعصيان وتفسر بما تفسَّر به التقوى.

3 - بمعنى العصمة وَتُفَسَّرُ بالملكة الحاملة على اجتناب الفجور والعصيان وهي التي اتصف بها الأنبياء والملائكة.

4 - بمعنى الحفظ من الذنب والخطأ بلطف من الله دون حصول ملكة وهي ما وصفوا بها الأولياء وأثبتها بعض العلماء، وأجاب عَمّ نسب إليهم أنه لم يصح، وبعض علماء السنة يريد بالحفظ في شأن أهل البيت العصمة كما يريدها الشيعة في أئمتهم.

5- بمعنى الحفظ عن الخطأ في الاجتهاد فقط كما ذكره بعض العلماء في شأن المهدي المنتظر.

6- بمعنى التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها فلا يقع من الصحابة ذنب أو يقع ولا يؤثر في قبول مروياتهم)(76).

وبهذا تجاوز أستاذ كلية أصول الدين قنطرة التعمية والتعتيم ونهج في البحث طريق التفصيل وتجميع مفاهيم الإطلاقات المرادة من لفظ العدالة للمحدثين، والذي أفهمه من كلام الأستاذ انه اعترف بوقوع الذنب من الصحابة وانهم يفسقون ويجرمون وأغفل الكلام عن اجتهادهم وفرّق بين الفسق والكذب حسب المتبادر لذهني، أي ان الفاسق قد يصدق وقد يحرّم على نفسه الكذب لا من ناحية تدينيه وانما تجنباً عن خوارم المروءة التي تفرضها عادات صارمة عند الناس ومختلفة باختلافهم، وهذه الظاهرة شيمة الكثير من أفراد البشرية وبخاصة العرب حيث كانوا يرون الكذب عاراً وقتل النفس ظلماً فخاراً.

وعليه قد يجتمع الصدق والظلم والكفر في كثير من أشخاص البشر، والى هنا وبكل صدق فإنني أقدِّر للإستاذ جهوده كونها نوع محاولة تفتح امام المسلمين باب التصويب تجاه الحقيقة وان لم تُدرَك من أول مرة فهو بهذا عمل بعمل أهل الحقائق الحرّة حتى لم يَبقَ بينه وبينها إلاّ شبراً أو ذراع فسبق عليه الكتاب فعمل بالتقليد فلم يصل إلى الحقيقة وان كان يرى من نفسه الوصول، واليك البيان في التقرير التالي:

أقول: اعترف الأستاذ بالإطلاقة السادسة بأن الصحابة يقع منهم الذنب ولكنه عصمهم من تعمّد الكذب وكأن الكذب قسيماً للذنب وليس قسماً منه حيث إذا جاز عليهم الذنب فلا يجوز عليهم الكذب، وهي غفلة لابدّ منها وهكذا شأن المقلدين، وإلاّ فمَنْ جاز عليه الذنب جاز عليه الكذب ومن جاز عليه الكذب انطبق عليه قانون الجرح والتعديل، والى تعميم هذا القانون ذهب من شيوخ اخوتنا أهل السنة المازري وابن العماد فتأمل.

الدليل السابع؛ الله حسب المؤمنين:

قال تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)(77).

استدل الخطيب البغدادي بهذه الآية الكريمة على عدالة الصحابة في كتابه الكفاية عاقداً فصلاً خاصاً في هذا الشأن ونقل عنه ابن حجر في مقدمة الاصابه ونعته بقوله «فعلاً نفيساً» ونقل محب الدين الخطيب عن الأول الاستشهاد بالآية الكريمة في مقدمة غريبة من نوعها على كتاب العواصم من القواصم.

أقول: أليس من ضياع الوقت الثمين - وموت الحق المبين وتبريرٍ لأعمال القاسطين والتلاعب بأحكام الدين والتستر على المنافقين والناكثين والمارقين؟ - أن يعمد اخوتنا أهل السنة إلى آية من كتاب الله الحكيم نزلت بالبيداء قبل غزوة بدر(78) - خاصة برسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن معه آنذاك على قلة عددهم وعِدَدِهُمْ حرّضهم الله على القتال وأخبرهم بأنه كافيهم وناصرهم على عدوهم «وأن كثرت أعدادهم وترادفت إمدادهم» كما يقول ابن كثير - فَيَعْمِلونَ حكم تلك الآية الكريمة ليشمل جميع الصحابة فيحمِّلوها ما لا تتحمَّل ويخضعوها لهدف لم يرضه الله ورسوله والمؤمنون؟‍!

عجباً من اخوتنا أهل السنة ما الذي يبتغون من وراء ذلك؟ فإن كان القصد من تعميمها الرد على الشيعة وتبرير مواقف الصحابة بلا استثناء فالخطأ واضح؟ إذ لا يساعد عليه سياق الآية ولا أسبابها، على ان معناها هكذا «حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين» بعطف الجملة التالية على كاف النصب من الأولى(79).

وعليه فلا مطلب وراء التعميم ولا منقبة لمخلوق باعتبار ان المستفاد من الضوابط الكلية والعمومات الشرعية والأوليات العقلية بما هي هي والواقع الخارجي باعتبار الافتقار: أن الله حسب كل الكائنات في شتى مناحي الكون والحياة وحتى لو فسّرنا الآية الكريمة بما في تفسير الجلالين ورجحه العلامة في الميزان أن المعنى: «حسبك الله وحسبك المؤمنين» فهذا الحَسْبُ خاصٌ بأول معركة كبدر الكبرى ولا يجوز ان نسحبه لما بعدها بدليل ان الفارِّين منهم - في أحد وخيبر والطائف وهوازن - لا يجوز ان يكونوا حَسْبَ النبي (صلى الله عليه وآله) لأنهم ناكثون والحَسْبُ والنكث لا يجتمعان.

وأما إذا لم يكن لإخوتنا أهل السنة قصد خارج معنى الآية الكريمة فَلِمَ الاستشهاد بها في مكانٍ لا يفيد فيه إلا الشواهد العامة وإلاّ فالآية خاصة ونحن نقول ببراءة وشرف عشرات الألوف من أصحاب رسول الله الكرام (صلى الله عليه وآله) ورضي عنهم وأرضاهم.

والمعروف الذي لا يغفل عنه ذهن من له أدنى إلمام بالعلم والتاريخ من الباحثين: إن اخوتنا أهل السنة يركبون الصعب والذلول ويتلمسون الشارد والوارد والغث والسمين لتبرير أعمال الذين ابتلوا بالفسق والعصيان من بعض الصحابة، وكل من رام استعلام الحقائق عنهم يُكَفِّرهُ البعض فضلاً عن التفسيق على رغم أن أغلاطهم على قدم وساق قد ملأت العديد من كتب المسلمين وجاءت مصرحاً بها في الكتاب الكريم والسنة المطهرة.

ولا يبعد عنك عزيز القارئ أن تعروك هِزّة عندما تجد تَمَرّد الكثير من الصحابة في الكتاب والسنة على الكتاب والسنة ابتداءً بصحيح البخاري وانتهاءً بابن السكن وابن حبان وابتداءً بتاريخ ابن جرير الطبري وانتهاء بفريد وجدي وأحمد أمين.

فإذا كان حقاً من يتكلم عن الصحابة ينزلق في مهاوي الفسق أو الكفر فَلِمَ لا يَكْفُر المحدثون من بخاريهم إلى ابن حبانهم؟ ولِم لا يكفر المؤرخون من ابن كثيرهم إلى وجديِّهم وأمينهم لأن هاتين الثلتين من الناس هم النقلة والمصححون لكثير مما وصم به الكثير منهم.

وبما ان ما في الأرض اجرأ من بريء وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) منح لصاحب الحق مقالاً فمقولتنا في هذا البحث التساؤل بما يلي:

1- بأي دين سماوي يَحِلّ للبخاري وسائر المحدثين التحدث عن مطاعن الكثير من الصحابة ثم يَحرم علينا التحدث بما تحدث به؟

2- وبأي قانون من قوانين البشر يحل لابن جرير وابن كثير وابن الأثير وسائر المؤرخين أن يكتبوا طامات الكثير من الصحابة ويحرم علينا كتابة ولو طامة واحدة؟

3- وبأي دستور عقلي يبيح للصحابة والتابعين ان ينقلوا وصمات الكثير من الموصومين لأتباع التابعين واتباعهم ويحظر علينا ان ننقل ولا وصمة واحدة عن موصوم واحد؟

4- وبأي منطق بشري وجدتم أن من يكتب الحديث والتاريخ وينقل في كتابه الألوف من مثالب الكثير من الصحابة فهو مغفور له ومرضي عنه ولكن من يقرأ ما حدَّثوا وأرَّخوا بدقة ويفهم محتواهما فهو مغضوب عليه وحسبه النار والعار!!

5- أخي المسلم بالله عليك هل سمعت من أساطير الأولين أو وجدت في تاريخ بشري منصرم وَمُعْوَج أو قرأت عن انفلات القانون أو غيابه في مجتمع بشري في اعمق العصور الحجرية: إن من يُكَلِّم العالم البشري بأسره عن مخازي قومٍ فهو مأجور وعليه صلوات من ربه ورحمة، وأما من يتكلم أو يتحدث بعد السماع فهو موزور وله الويل كل الويل ولا ينتظره إلا التكفير والتفسيق!!

ثم هب انكم قلتم شططا: أن كل ما ورد في كتب الحديث والتاريخ هو غير صحيح فما تصنعون بكتاب الله بعد قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فَيَقْتُلون وَيُقْتَلُون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)(80).

أي ان الله عقد صفقة بيعٍ تجارية، المثمن فيها الجنة والثمن أرواح المؤمنين وأموالهم وَبَشَّر الموفين بالفوز العظيم، والى جانب ذلك هدد الذين ينكثون البيع لأنه لا يجوز لهم رد المبيع إلا بالغبن في الثمن أو العيب في المثمن أو الخيار في المجلس أو الشرط بين المتبايعَيْنِ وبيع الله هنا ما فيه لا غبن ولا عيب ولا خيار.

فلذلك هدد من يفر من الزحف قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يؤمئذ دبره الا متحرفاً لقتال او متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)(81).

ولكن الله تعالى قص علينا أن الصحابة خانوا العهد ونكثوا البيع وولوا الأدبار قال تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)(82).

ففي هذه الغزوة نكث الأصحاب بأجمعهم بيع الله إلاّ علياً وبضعة رجال من الهاشميين ومن الأنصار أهل البيعة الثالثة في العقبة حيث بايعوا على الدم والهدم فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد نداء العباس يا للأنصار يا أهل بيعة العقبة.

ولم يقف أمر الصحابة على نكث البيع وتولي الدبر والفرار من الزحف وجدالهم عند رسول الله في الحق بعد ما تبين واعتراضهم عليه في التخليف والتأمير والغزوة والسرية والحرب والسلم، وإنما تعدوا حدود ذلك إلى الانقلاب على الأعقاب في مواقف منها موقفهم في غزوة أحد فأنزل الله تعالى قوله: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(83).

الدليل الثامن؛ المهاجرون والأنصار:

قال تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاءُو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)(84).

استدلّ اخوتنا أهل السنة على عدالة الصحابة ورضى الله عنهم أجمعين بتلك الآيات المحكمات، وفسّر ابن كثير قوله تعالى: (أولئك هم الصادقون) أي هؤلاء الذين صدّقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات قريش وقوله تعالى: (تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم) أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم وقوله تعالى: (فأولئك هم المفلحون) أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح وقوله تعالى - في حكاية الذين جاؤا من بعدهم - (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا) فسرها بقوله تعالى في سورة التوبة: (والذين اتبعوهم بإحسان).

ويا ليتك كنت مع ابن كثير وهو يفسّر بآخر الآيات محل البحث لِتَرَ أثر البهجة على وجهه وهو ينقل عن مالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي قوله: (والأنصار ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآيات الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا)(85).

وهكذا فالصحابة عدول والرافضة لا نصيب لهم بمال الفيء كما عند مالك (ولا شفعة لهم لأنه لا شفعة إلاّ لمسلم)(86) كما عند عبد الله بن إدريس أحد أئمة الكوفة.

أخي المسلم لاحظ الآيات محل البحث تجد أن الله قسم المؤمنين ثلاثة أقسام ففي الآية الأولى وصف المهاجرين بالصّدق وفي الثانية وصف الأنصار بالفلاح وفي الثالثة وصف الذين جاءوا من بعدهم بالاستغفار للذين سبقوهم داعين الله أن يرفع الغل من قلوبهم أو يجعل قلوبهم على طهارتها لا تشاب بالغل والحسد، وهذا لا يعني أن الصحابة بأجمعهم مهاجرون وأنصار ولا يعني أن الذين جاءوا من بعدهم كلهم مستغفرون وداعون أو كلهم صحابة إذ ليس كل الجائين مستغفرين وليس كل المستغفرين صحابة بناءً على أن الجائين من بعدهم هم الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة.

المهاجرون:

على أن المهاجرين والأنصار ومن بعدهم الذين هم محل المدح، فالآيات الكريمة لا تشملهم إلا على سبيل الغالب وبتعبير أدق لا تشمل إلا المحسنين منهم، وإلا فمن المهاجرين من أسلم وآمن حسب الظاهر وهاجر ائتمنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الوحي ثم ارتد عن الإسلام ولحق بعبادة الأصنام مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح كما ذكرت التواريخ والسير والمعاجم، قال ابن الأثير في كامله: (وكان قد أسلم وكتب الوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان إذا أملى عليه «عزيز حكيم» يكتب «عليم حكيم» وأشباه ذلك ثم ارتد وقال لقريش: إني اكتب أحرف محمد في قرآنه حيث شئت، ودينكم خير من دينه، فلما كان يوم الفتح فرّ إلى عثمان بن عفان وكان آخاه من الرضاعة فغيبه عثمان حتى اطمأن الناس ثم احضره عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلب له الأمان فصمت رسول الله طويلاً، ثم أمنه فأسلم وعاد فلما انصرف قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: لقد صــمتُّ ليقــتـــله أحدكـــم فقال أحدهم: هلاّ أومـــأت الينا فقال: (ما كان لنبي أن يقتل بالإشـــارة إن الأنبـــياء لا يــكون لهم خـــائنة الأعين)(87).

وفي الإصابة عن ابن عباس قال (كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله) فأزله الشيطان فلحق بالكفار... وقال البغوي: له عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث واحد وحرّفه) وذكره ابن سعد (اي في الطبقات) في تسمية من سكن مصر من الصحابة وهو الذي افتتح أفريقيا زمن عثمان وولي مصر بعد ذلك)(88).

الأنصار:

ومن الأنصار من أسلم وآمن ونصر وشهد معركة بدر الكبرى ثم اعقبه الله نفاقاً مثل حمامة المسجد «كما يسمونه» ثعلبة بن حاطب الأنصاري، روى قصته قتادة وسعيد بن جبير كما في الاستيعاب للقرطبي المالكي ورواها البارودي وابن السكن وابن شاهين كما في الإصابة لابن حجر العسقلاني ورواها الطبراني وابن مردويه والبيهقي كما في أسباب النزول للسيوطي ورواها الواحدي النيسابوري في أسباب النزول ورواها ابن عباس والحسن البصري وابن جرير وابن ابي حاتم كما في تفسير ابن كثير.

وبلحاظ التطابق بين رواية الواحدي وبين الرواية التي ينقلها ابن كثير عن ابن جرير وابن أبي حاتم - في اللحاظ والألفاظ وطول القصة - آثرنا أن نقتطف عنهما بإختصار محل الحاجة وإليك اختصارها:

(عن أبي إمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ادع الله أن يرزقني مالاً... قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه... قال: والذي بعثك بالحق لأن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حقٍ حقه فقال (صلى الله عليه وآله): (اللهم ارزق ثعلبة مالاً) قال: فاتخذ غنماً فنمت.. جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة.. ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمو... حتى ترك الجمعة.. فقال رسول الله: ما فعل ثعلبة فقالوا: تخذ غنماً فضاقت عليه المدينة... فقال: (ويح ثعلبة... وأنزل الله جل ثناؤه (خذ من أموالهم صدقة).

ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله رجلين وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين وقال لهما مرَّا ثعلبة... فخرجا حتى أتيا ثعلبة... فقال: ما هذه إلا جزية... فانطلقا... فلما رآهما (صلى الله عليه وآله) قال: «يا ويح ثعلبة»... فأنزل الله عز وجل (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصَّدَّقنّ ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون* فاعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون))(89).

ولقد حاول ابن حجر في الإصابة أن يجعل ثعلبة هذا غيره بناءً على زعم هو نفسه لم يؤمن به لذا قال: والله أعلم.

قلت كفى ابن حجر مؤنة التلجلج ما أورده من حكاية القول: أن رسول الله روى عن ربه في شأن أهل بدر قائلاً (لعل الله... اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)‍‍‍ راجع الحديث الثامن تحت عنوان حاطب إن شئت.

الذين جاؤا من بعدهم:

ومن الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار أناس من الصحابة لم يستغفروا للذين سبقوهم بالإيمان فأصبحت قلوبهم مرتعاً للغل والحسد للذين آمنوا مثل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأمثالهم من الفئات الباغية والقاتلة للصادقين من المهاجرين والمفلحين من الأنصار في صفين وغيرها واللاعنين لآل محمد (صلى الله عليه وآله) على المنابر في الخطب والأعياد والمناسبات، انظر الحديث التاسع تحت عنوان علي بن أبي طالب إن شئت.

ولعلك لا تعدم كبير فائدة إن أحسنت الاستماع للنداآت التالية:

«نداء» يا عبد الله بن إدريس الكوفي أين أنت وأين اتباعك، أين الذين قالوا: الرافضة ليس لهم في مال الفيئ ولا شفعة لهم فبالله عليك اخبرني لمن مال الفيء وحق الشفعة؟

«نداء» يا مالك بن أنس افتني بشرع الله ليطمئن قلبي، فهذا ابن هند وابن النابغة ومن لفّ لفَّهم لم يستغفروا للذين سبقوهم بالإيمان فهل حرَّمتم عليهم مال الفيئ ولا شفعة لهم؟

«نداء» يا ابن كثير اجبني على السؤال التالي: ها هم مئات الألوف من المصريين والشاميين اتباع ابن هند وابن النابغة، ولم يكونوا صحابة ولم يستغفروا للذين سبقوهم بالإيمان واكبر غنمية اغتنموها واعظم فتح فتحوه، أنهم فتحوا مكة المكرمة بحجر المنجنيق حتى هدمت، وفتحوا المدينة المنورة فأباحوا اعراض الصحابيات وبنات الصحابة، وقتلوا المهاجرين والأنصار.

فيا ابن كثير هل حرَّمتم عليهم حق الشفعة، وفيئ الحرمين الشريفين ام صحَّحتم خلافة معاوية وآله و