فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الأول: الشيعة والصحابة

قول أهل السنة

أطلق الكثير من أخوتنا أهل السنة كلمة الكفر على المسلمين الشيعة فتفوه بها الشارد والوارد ولاكها الجهَلة بأنياب حداد وعركتها ألسن البعض حقاباً من الزمن، جرى ذلك على لسان مالك بن أنس(1) في إحدى الروايتين (ت179 ه‍) ومحمد بن يوسف الفرياني(2) (ت212 ه‍) وأحمد بن حنبل(3) (ت241 ه‍) في إحدى الروايتين، وأبي زرعة الرازي(4) شيخ مسلم (ت264 ه‍) والطحاوي(5) (ت321 ه‍) وعبد العزيز الحنبلي(6) (ت363 ه‍) والقاضي حسين الشافعي(7) (ت462 ه‍) في احد الوجهين، والخطيب البغدادي(8) (ت463 ه‍) والسرخسي(9) (ت483 ه‍) والحميدي(10) (ت488 ه‍) والقاضي عياض(11) (ت544 ه‍) والقرطبي(12) (ت567 ه‍) .

وتقي الدين السبكي(13) (ت771 ه‍) وأحمد بن يونس(14) (ت1025 ه‍) وأبي بكر بن هاني(15) وأبي يعلى الحنبلي(16) وعبد الله بن ادريس الكوفي(17) وعبد الرحمن بن أبزى الصحابي(18) ومن المتحاملين المعاصرين الشيخ نوح الحنفي(19) ومحب الدين الخطيب(20) وابن الجبهان(21) وموسى جار الله التركستاني(22) (ت1369 ه‍) وإحسان إلهي ظهير(23) وفي القديم مذهب ابي حنيفة في انكار خلافة الأول والثاني(24) ومعظم الحنفية(25) وغيرهم.

وأهم الأدلة التي يحتج بها هؤلاء المكفِّرون اربعة:

1 - إن سب الصحابة فيه إيذاء للنبي وانتقاص(26) له والاستهانة بهم استهانة به والاستخفاف بهم استخفاف به (صلى الله عليه وآله) .

2 - الطعن فيهم يؤدي إلى ابطال الشريعة(27).

3 - في سبهم إنكار لما قام عليه الإجماع قبل ظهور المخالف(28).

4 - لما روى البخاري ومسلم واللفظ للأول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (الأنصار لا يحبهم إلاّ مؤمن ولا يبغضهم إلاّ منافق...)(29).

وكذلك استأنسوا بحزمة كبيرة من الآيات الكريمة التي لا علاقة لها بهذا الموضوع ولا تفي بالغرض المطلوب لا من حيث التكفير ولا من حيث عدالة الصحابة لأنها لا تشمل جميعهم إلا ما كان منها شاملاً للخيرين منهم ومن الأمة إلى يوم القيامة واليك بعضها قال تعالى:

(كنتم خير أمة أخرجت للناس...)(30) وقال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس)(31) وقال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة...)(32) وقال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم...)(33) وقال: (السابقون السابقون أولئك المقربون)(34) وقال: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)(35) وقال: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا أولئك هم الصادقون والذين تبوّءَو الدار والإيمان... فأولئك هم المفلحون)(36).

وكذلك يقدِّم المكفِّرون المتشدِّدون عشرات الأحاديث التي تقدس الصحابة وتهدد من يجرح أحداً منهم، والغريب أنهم يقدمونها في كتاباتهم للجماهير محذوفةً أسنادها ومسكوتاً عن درجات الحكم عليها من صحة وضعف ووضعٍ واختلاق وهي طريقة لا يُحْسَد على مثلها.

وعرَّفوا الصحابي واختلفوا في حده فآثر المتأخرون مذهب المحدثين على الاصوليين لأنه أكثر شمولاً ليدخل تحت اسم الصحبة عشرات الألوف من الذين رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولو مرة واحدة في حجة الوداع أو غيرها، لذلك عرفه البخاري في صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم قائلاً: (ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من اصحابه)(37) ويَرِدُ عليه ايرادات لأنه لا مانع ولا جامع(38) وقال: جمهور المحدثين (هو من لقى النبي يقظة مؤمناً به بعد مبعثه حال حياته ومات على الإيمان)(39).

وعليه فكل من أسلم ورأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولو طرفة عين فهو صحابي ومن أسلم ثم هاجر ثم كتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وحي القرآن الكريم ثم ارتد عن الإسلام ثم هاجر هجرة الكفر إلى ديار المشركين في مكة المكرمة ثم اسلم مع الطلقاء خوفاً من السيف الذي يهشم رأسه لأنه مهدور الدم مثل عبد الله بن أبي سرح فهو صحابي، ومن أسلم ثم ارتد بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مع عشرات الالوف من المرتدين بحروب الردة مع غيره مثل قرة بن ميسرة والأشعث بن قيس فهو صحابي كما جزم به شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، واستشكل ذلك العراقي باعتبار (نص الشافعي وابي حنيفة على أن الردة محبطة للعمل فقال: الظاهر انها محبطة للصحبة السابقة) وسار عليه الأحناف.

ويدخل في الصحبة الصبيان بشرط التمييز كما نص عليه يحيى بن معين وابو زرعة وأبو حاتم وأبو داود وغيرهم ونقل السيوطي عن العراقي صحبة الجن المؤمنين (لأن الجن من جملة المكلفين الذين شملتهم الرسالة)(40) وعلى هذا سار ابن حجر العسقلاني ومن اسماء الصحابة من بين الجن (زورعة سمهج، وعمر، ومالك، شاصر ماصر، منشي لا شي، حس مس)(41) وبعض اسماءهم في حياة الحيوان للدميري باب الجيم فصل الجن.

فأصبح كمُّ الصحابة على هذا التعريف يتنامى ليبلغ (124000) ألفٍ كما صرح به الشيخ أبو زرعة الرازي(42).

وكلهم عدول ومقبولو الشهادة كما صرحوا بذلك ودافعوا عنه، وكلهم في الجنة كما نص على ذلك ابن حزم(43).

وكلهم أنقى من ليلة القدر(44) التي هي خير من الف شهر كما صرح بذلك الآلوسي، وكل من ينال منهم فإنه كافر كما نص عليه المكفرون ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

نداء

أيها الأخوة المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.

كبرت كلمة لا مسؤولة تخرج سوداء مظلمة يجب أن تموت غير مرغوب فيها ولا مأسوف عليها أورقت خلط الاوراق وأثمرت عقاب الأبرياء وكفرت المؤمنين، فتولد عنها نصب الحواجز بين المسلمين، فهي تحمل في طياتها بذور التشتت والتمزق!!!

وها هي سنن التاريخ البشري تشهد فكم من أُممٍ بادت وعقائد اندثرت وحضارات ذابت ومواريث خيرِّة وصالحة للإستمرار اهملت فتلاشت وكم من خلاف واختلاف حل ورحل ودساتير وقوانين غيُرّت وبُدّلَتْ، وها نحن المسلمين لم نحافظ على ميراث او ثروة او تراث أكثر ممَّا حافظنا على الخلاف والاختلاف وبالتالي التشتت والتمزق في الوقت الذي أصبحت وحدة المسلمين ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، وها هي الأمم تتداعى علينا كعرب ومسلمين كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها كما اخبرنا وحذرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستمعوا إلى نداء الله فالله ينادينا (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(45) وفي نداء آخر يبيِّن الآثار السلبية للتفرق والنزاع (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(46).

ولو قدِّر لنا ان نسأل اخوتنا أهل السنة الأفاضل أحياءً وأمواتاً لِمَ اطلقتم كلمة الكفر على اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) والتي يلهج بها ملايين الناس من المسلمين في العالم فالجواب عندهم سهل وموفور لديهم، وسرعان ما ينطلقون به (الشيعة ينكرون خلافة الشيخين ويسبون الصحابة وإلى ما هنالك من إدعاءات تفتق الرتق وتبعد التقارب وتعفي وحدة المسلمين ولو اعترفنا بقول أهل السنة: (ان الشيعة على ضلال) وبالمقابل لو تصورنا ردود أفعال من الشيعة تقضي (بأن اهل السنة على ضلال) واعترفنا بهذا وذاك إذاً أين الإسلام والإيمان، واين المسلمون والمؤمنون، ومن أي سوق نشتري إسلاماً وإيماناً، ومن أي أمة نستورد مؤمنين ومسلمين والسلام عليكم.

 

قول الله ورسوله

قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا)(47) نستفيد من هذه الآية الكريمة أنه يحرم على المؤمنين أن يقولوا لمن ألقى إليهم تحية الإسلام او أظهر الانقياد بكلمة الشهادة التي هي امارة على الإسلام - لست مؤمناً فإن شكوا أنه يتقي فليتبينوا فإن ظهر صدقه فهو أخو الإسلام قال تعالى: (إنما المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله)(48) وكذلك نسترشد من هذه الآية الكريمة أن المؤمنين بقلوبهم وألسنتهم أخوة في الدين ويجب عليهم ان يصلحوا بين أي طائفتين منهم عند الشقاق ولا يجوز تكفير أي منهما إلا إذا كان الإمام الشرعي في احديهما فتكفر الثانية حتى الإفاءة وذلك حكم عام في الشقاق سواءً كان لمصلحةٍ دنيوية او اعتقادٍ في الدين لأن كليهما مكمن للتشتت والتمزق.

فالتكفير داء في الدنيا والآخرة والإصلاح دواء قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (أيما امرئٍ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه)(49) فالحكم المستفاد هنا أنه يحرم التكفير بلا موجب ومن استحل ذلك من أخيه المسلم فإن الكفر يعود إليه.

وبعد ذلك يأتي من لا علم له من اخوتنا أهل السنة - أوله علم ولكنه يغالط - فينتقد بمر الانتقاد ويحلو له القول مشيراً إلى من يوحد الله ويسجد له هذا شيعي والشيعة كفرة حتى وان كانت عين المغالط تبصره يصلي ويصوم وان كان يعلم ان هذا المسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.

هذا كله يجري بحجة ان الشيعة يسبون الصحابة وينكرون خلافة الشيخين والغريب في الأمر أن المغالط يصدر احكاماً جزافاً يخرج بها على إجماع الجمهور من أهل السنة حيث اجمعوا على ان خلافة الشيخين بل مطلب الخلافة مطلقاً ليس من أركان الإيمان الستة: (1) الإيمان بالله، (2) وملائكته، (3) وكتبه، (4) ورسله، (5) واليوم الآخر، (6) والقدر خيره وشره. ولا من اركان الإسلام الخمسة: (1) الشهادتان، (2) والصلاة، (3) والزكاة، (4) وصوم رمضان، (5) وحج البيت من استطاع اليه سبيلاً.

وهذا الحكم غيره في علي ابن ابي طالب إذ ذاك حبه وخلافته من الإيمان كما صرح بذلك مسلم حيث وضعه في ابواب الإيمان عنه قال: (والـــذي فلق الحبـــة وبــرأ النسمة أنه لعهــد النـــبي الأمي (صلى الله عليه وآله) إلي ان لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)(50).

وعلى افتراض ان أحداً من المسلمين تورط في سب بعض الصحابة فليس هو من الكفر والفسق في شيء وإلاّ فإن توهمنا ذلك فقد حكمنا على الكثير من الصحابة الكرام بالكفر لا سمح الله لأنهم تعرضوا للسب فيما بينهم ومنهم وعليهم واليك عزيزي القارئ في مايلي قائمة من النصوص نستلهمها من بخاري المحدثين ومسلم المسلمين وابن جرير المؤرخين وغيرهم ثم نعتمدها دليلاً ونناقشها حواراً ونقسمها طائفتين الأولى نجسد بها لحق ونقتنص الحقيقة من على مسرح الأحداث في عصر النبوة وعصر الخلفاء تحت عنوان المسلم لا يكفّر بلا موجب والثانية إيراد دليل القوم واتخاذه دليلاً بعنوان السنة والصحابة وسنفردها في بحث مستقل فإليك أول القسمين وأولى الطائفتين.

 

1 - الصواعق المحرقة ص210 تفسير ابن كثير ج4 ص204.

2 - الصواعق المحرقة ص258.

3 - الصواعق المحرقة ص255 ونقله الكبيسي عن الصارم المسلول لابن تيمية ص571.

4 - الصواعق المحرقة ص211 وانظر مقدمة محب الدين الخطيب على العواصم من القواصم ص34 والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ص18 ج1.

5 - صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن العقيدة الطحاوية ص528

6 - صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن طبقات الحنابلة ج ص119.

7 - الصواعق المحرقة ص260.

8 - حيث نقل عن أبي زرعة وسكت عليه ونقله ابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة ج1 ص18.

9 - صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن أصول السرخسي ج2 ص134.

10 - صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن أصول السنة للحميدي ج2 ص546.

11 - الصواعق المحرقة ص257.

12 - صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن جامع لأحكام القرآن ج16 ص297.

13 - الصواعق المحرقة ص253 وما بعدها.

14 - الصواعق المحرقة ص258.

15 - الصواعق المحرقة ص258.

16 - الصواعق المحرقة ص258.

17 - الصواعق المحرقة ص258.

18 - الصواعق المحرقة ص258.

19 - الفصول المهمة لعبد الحسين شرف الدين في الرد على الفتاوى الحامدية والتي نقحت بإمضاء الشيخ نوح الحنفي ص143.

20 - مقدمة العواصم من القواصم لمحب الدين الخطيب ص34.

21 - قاطع البرهان في الرد على ابن الجبهان لأحمد بن عزيز الفالي ص3 وما بعدها.

22 - انظر الشيعة بين الحقائق والأوهام في الرد على وشيعة موسى جار الله للسيد محسن الأمين ص448 وغيرها.

23 - انظر كتاباته عن الشيعة.

24 - الصواعق المحرقة ص257.

25 - صحابة رسول الله في الكتاب والسنة لعيادة أيوب الكبيسي نقلاً عن الأجوبة للآلوسي ص50.

26 - الصواعق المحرقة ص255 - 261.

27 - مقدمة العواصم لمحب الدين الخطيب ص34 الإصابة في تمييز الصحابة للعسقلاني ص18 ج1.

28 - الإصابة للعسقلاني ج1 ص17 الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي ص211 ومقدمة العواصم للخطيب ص34.

29 - البخاري ج2 باب حب الأنصار ت. د. بغا. ج3572 ص1290 مسلم بشرح النووي ج1 جزء2 ص63.

30 - آل عمران آية 110.

31 - البقرة آية 143.

32 - الفتح آية 18.

33 - التوبة آية 100.

34 - سورة الواقعة آية 10.

35 - سورة الأنفال آية 64.

36 - سورة الحشر آية 8.

37 - صحيح البخاري ج2 باب فضائل الصحابة ت. د. بغا. ما قبل ح3449 ص1246.

38 - تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي للسيوطي ج2 ص209.

39 - انظر المصدر السابق وكتاب صحابة رسول الله الكبيسي نقلاً عن محاضرات في علوم الحديث ج1 ص131.

40 - انظر تدريب الراوي للسيوطي ج2 ص209 -210.

41 - صحابة رسول الله الكبيسي نقلاً عن إرشاد الساري ج5 ص306.

42 - الباحث الحثيث لابن كثير ص185 وغيره.

43 - الإصابة لابن حجر العسقلاني ج1 ص19.

44 - صحابة رسول الله للكبيسي نقلاً عن الأجوبة العراقية للآلوسي ص10.

45 - سورة آل عمران آية 103.

46 - سورة الأنفال آية 46.

47 - سورة النساء آية 94.

48 - سورة الحجرات آية 10.

49 - صحيح مسلم بشرح النووي ج1 جزء2 ص94.

50 - صحيح مسلم بشرح النووي ج1 جزء2 ص64.