فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

- الجمع بين الصلاتين

وهاب: حسناً وسؤالي الأخير هو عن دليل الجمع بين الصلاتين التي تؤدّونها؟

علي: لقد اتّفقت المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنبلية على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر واختلفوا في جواز ذلك في غير السفر كالمرض والخوف.

وأما دليل الشيعة في جواز الجمع في السفر والحضر فهو:

1 - قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً)(18) فالآية تذكر لإقامة الصلاة ثلاث أوقات فقط:

(لدلوك الشمس) وهو الظهر ودلوك الشمس يعني زوالها عن دائرة نصف النهار.

(إلى غسق الليل) وهو انتهاء الوقت لصلاة المغرب والعشاء، والغسق هو تراكم الظلمة.

(والفجر) هو وقت صلاة الصبح.

2 - قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيّئات ذلك ذكرى للذاكرين)(19)، والآية أيضاً تذكر ثلاثة أوقات للصلاة وهي:

(طرفي النهار) الطرف الأول هو أول النهار وهو صلاة الصبح، والطرف الثاني هو من الزوال إلى الغروب وهو وقت صلاة الظهر والعصر.

(وزلفاً من الليل) وهذا هو الوقت الثالث وهو وقت مشترك بين صلاتي المغرب والعشاء.

3 - وهناك أحاديث كثيرة واردة في بيان ذلك وجوازه:

عن ابن عباس قال: صلى رسول الله الظهر والعصر في المدينة في غير خوف ولا سفر فقيل له: لِمَ فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرِج أحداً من أمته(20).

وعنه أيضاً: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء(21)، وغيرها من الأحاديث المروية من طرق السنُّة، وأما من مصادرنا فالأمر واضح ولدينا العديد من روايات أهل البيت في جواز الجمع بين الصلاتين.

وهاب: أشكرك يا أخي فقد نوّرتني كثيراً. فأرجو أن ترشدني إلى بعض المصادر التي تظهر الحقيقة لي.

علي: نعم وبكلّ سرور، هناك من أجاب واعترض على محمد بن عبد الوهاب من علماء السنّة والشيعة.

من السنّة أذكر لك ما يلي:

1 - أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتاب (فصل الخطاب في الردّ على محمد بن عبد الوهاب).

2 - عبد الله بن عيسى الصنعاني (السيف الهندي في إبانة طريقة الشيخ النجدي) وكتابه الآخر (السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر).

3 - يوسف النبهاني في (شواهد الحقّ في التوسل بسيد الخلق).

4 - أحمد بن زيني دحلان مفتي مكّة في (الفتوحات الإسلامية).

5 - محمد بن سليمان الكردي الشافعي.

6 - عطاء المكي في (الصارم الهندي في عنق النجدي).

وغيرهم كثير.

ومن الشيعة، فانظر الكتاب الجامع (كشف الارتياب)، لمحسن الأمين، (وهذه هي الوهابية) لمحمد جواد مغنية، و (هذه هي الشيعة) باقر شريف القرشي وغيرها.

 

- التقية

وهاب: حسناً يا علي... يعتقد المسلمون أنّ عقيدة التقيّة التي تلتزمون بها عبارة أخرى عن النفاق أو الكذب الذي تستترون خلفه، ويعتقد البعض أن الشيعة استخدموا هذا السلاح عندما تعرّضوا إلى استبداد بني أمية وغيرهم.. ولكن في الحقيقة تُعدّ التقيّة نفاقاً في الدين والإيمان.

علي: ماذا تقول، إنّ التقية مفهوم قرآني وديني شرّعها الله تعالى.

وهاب: ماذا؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا لا يعرف ذلك غيركم؟

علي: قبل أن أُجيبك عن أسئلتك هذه، أودّ أن أعرِّف لك معنى التقية.

التقية: مشتقّة من الوقاية، والمراد منها التحفّظ من ضرر الآخرين بموافقته في القول أو الفعل.

والغرض منها: هي صيانة النفس والعرض والمال في الظروف القاهرة التي لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحقّ صريحاً، فهي سلاح الضعيف في مقابل القوي الغاشم، أي سلاح مَن يبتلي بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله.

ومن هذا يتّضح لك يا وهاب أنّ التقية كالدرع، وهي أمر فطري يمكن أن يمارسه أي إنسان، ولكن بعنوان آخر.

وأمّا أين نجد النصوص القرآنية الواردة في التقية كما سألتني فهي هذه:

قال تعالى (مَن كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ مَن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(22) وهي قد نزلت بإجماع المفسِّرين حول قضية عمّار بن ياسر عندما تعرّض للتعذيب القاسي من قريش وضغطوا عليه ليمدح الآلهة ويذمّ النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال عمّار ذلك ظاهراً إلاّ أنّ قلبه مطمئن بالإيمان ليدفع عنه الأذى، وقد اعترف الشافعي ومالك بجواز التقية(23).

وقال تعالى: (لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتّقوا منهم تقاةً)(24).

وهذا الاستثناء (إلاّ) معناه يجوز للمؤمن أن يتّخذ الكافر وليّاً في الحالات والظروف الاستثنائية القاهرة من باب التقيّة، كما صرّح بذلك الطبري والزمخشري والرازي والآلوسي والمراغي في تفاسيرهم حول هذه الآية.

وهاب: لم ألتفت طوال حياتي إلى معاني هذه الآيات أبداً، لقد نوّرتني يا علي، ولكن..

علي: ماذا؟ قل.

وهاب: لكن ألا تعتقد أنّ هذه الآيات وغيرها تخصّ التقية مع الكفّار فقط وأنتم الشيعة تمارسونها مع الكفّار وغيرهم؟

علي: لقد قلت لك يا وهاب إنّ الهدف من تشريع التقيّة في القرآن هو حفظ النفس والمال والعرض، وأينما تعرّض المسلم لهذا الخوف أمكنه ممارسة التقية، ولا خصوصية للكافر، فقد يكون بعض المسلمين أشدّ ظلماً من الكافرين كما حصل أيّام الدولة الأموية والعباسية.

وهاب: هل يمكنني أن أترك الصلاة بعنوان التقية أو أقتل مسلماً للتقية أيضاً؟

علي: لا، أبداً.. فهناك موارد لا تقية فيها لأي أحد ومهما كان الموقف كهدم الدين وخفاء الحقيقة وضياعها عن الأجيال وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين، وقال فقهاؤنا: لا تقية في الدماء.

والخلاصة أنّ التقية لا تجري في كلّ موقف يؤدّي إلى الفساد.

وهاب: لقد علّمتني أموراً لطالما خفيت علينا يا علي. بوركت من رجلٍ أنت يا علي.

علي: لا شكر على واجب، والآن هل بقيت لديك أسئلة أخرى؟

 

- العصمة

وهاب: نعم بالطبع لأنّك كلّما توغّلت معي في الحديث قفزتْ إلى ذهني إثارات أحببت سماعها منك.

علي: طيّب.. وما هي؟

وهاب: أنتم الشيعة تعتقدون بضرورة عصمة النبي والإمام، من أين جئتم بهذه الضرورة؟

علي: من العقل والقرآن.

أما الدليل العقلي فهو: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام حافظ للشرع المقدّس وهدف بعثته لهداية الناس وإيصالهم إلى الكمال، ولا يمكنه تحقيق هذا الغرض الإلهي إلاّ إذا تصوّرنا أنّه حافظ للشرع، ولا يمكن تصوّره حافظاً ما لم يكن معصوماً، وإلاّ إذا تصوّرنا العكس فمعناه أنّه قد يخطئ أو يسهو أو ينسى في الأمور الشرعية، وهذا يعني عدم تحقّق الهداية بشكل كامل وعدم شمولية الدين للحياة، وبذلك يصبح الغرض الإلهي الذي من أجله بعث النبي ضائعاً وغير متحقّق.

وإذا لم يتحقّق هذا الغرض نقول هل هناك عجز في الله تعالى؟ بحيث لم يقدر أن يعصم النبي؟ والجواب: كلاّ، بل هو قادر وعالم، فإذا كان كذلك وجب عليه تعالى أن يعصم النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام).

وهاب: هل العصمة تسلب اختيار النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام)؟

علي: لا أبداً، بل هي ضمن اختياره، لأنّ الجبر بكلّ ألوانه باطل عندنا.

وهاب: بيِّن لي ذلك؟

علي: العصمة عبارة عن: تعادل جميع القوى في الإنسان وسيطرة العقل على جميع هذه القوى المتعادلة، فهناك بُعد نظر ودقّة عقلية في كلّ آمال النبي (صلى الله عليه وآله) ورغباته وطموحاته وعواطفه، وتحت ظلّ هذا النضوج العقلي تتكامل الملكات الخيّرة من الصدق والوفاء والصبر والأمانة... وهذه هي العصمة، ثمّ يُضاف إلى هذا الوحي المقدّس الذي يدعم جانب النبوّة والإمامة.

وهاب: ومن أين يحصل النبي (صلى الله عليه وآله) على هذا النضوج العقلي والتقدّم الروحي؟

علي: إنّه مجموع مواقفه ومجاهداته لنفسه وهواه، وردعه لخاطرات الشرّ، وصفاء نفسه، وإرادته، وحبّه الدائم للخير. وما كان لله ينمو.

وهاب: هل في القرآن ما يدلّ على العصمة؟

علي: نعم، قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى)(25) يخبرنا ربّنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) ما نطق طوال حياته إلاّ عن الوحي وهو يعني العصمة والحقّ.

وقال تعالى: (إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(26) (ليذهب عنكم) باستمرار لأنّه فعل مضارع. (الرجس): كلّ القذارات المادية والمعنوية. (أهل البيت): النبي وأهل بيته. (ويطهّركم) من جميع القذارات المادّية والمعنويّة، وهي يعني العصمة.

وغيرها من الآيات القرآنية يا أخي.

وهاب: أخي أريدك أن تصارحني في هذا السؤال.

علي: وهل تجدني غير ذلك؟

 

- تحريف القرآن

وهاب: آسف لم أقصد، ولكن أريد الحقيقة. هل لدى الشيعة قرآن آخر غير القرآن المتداول عند المسلمين؟

علي: كلاّ يا أخي إنها إشاعة وتهمة ألصقها البعض علينا للتشويه، وإنّي أتعجّب من الذين يصدّقون ذلك! ألا يشاهدون مساجد الشيعة وبيوتهم، إنّهم يقرؤون هذا القرآن المتداول ولا يوجد غيره.

وهاب: يقولون إنّ لديكم قرآن اسمه مصحف علي أو مصحف فاطمة؟

علي: أنت تعرف أنّ كلمة (مصحف) تعني ما مجموع بين الجلدين وهي كلمة تطلق على غير القرآن أيضاً، ولكن لكثرة استعمالها في القرآن صارت تنصرف إليه.

وأما مصحف علي أو فاطمة فهو يعني كتاب علي أو فاطمة وهو ليس بقرآن مقابل هذا القرآن وإنّما مصحف فاطمة عبارة عن كتاب حاو على الملاحم والفتن وقد ورثت بعض ذلك عن والدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي مسألة طبيعية، وأمّا مصحف علي فهو نفس هذا القرآن ولكن كتب في هوامشه تفسيراً وتأويلاً لكلّ آية.

هذا كلّ ما في الأمر، مع أنّنا اليوم لا نملك هذين الكتابين وإنّما نعتقد وجودهما عند الإمام المهدي (عليه السلام).

وهاب: حسناً وهل تعتقدون أنّ هذا القرآن محرّف أم لا؟

علي: كلاّ، هو غير محرّف لقوله تعالى: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون)(27).

وهاب: يقولون: إنّ لديكم روايات عن الأئمة مصرّحة بتحريف القرآن.

علي: نعم أنا لا أنكر ذلك ولكنّها روايات تتحدّث عن تحريف معنى القرآن لا تحريف لفظ القرآن ونصّه، فمثلاً نحن نعتقد أن معنى كلمة (أولي الأمر)(28) تعني علياً وأولاده، بينما يقول البعض: إنّها تعني أهل الحلّ والعقد فهذا لون من ألوان تحريف المعنى، فنحن نعترف بسلامة القرآن من الزيادة والنقيصة ولكن نعتقد بتحريف معانيه، ولكنّي أقول لك يا وهاب إنّ بعض المسلمين كان يعتقد بتحريف القرآن من غير الشيعة.

وهاب: مثل مَنْ؟

علي: في طليعتهم عمر بن الخطاب وعائشة!!

وهاب: وما هو دليلك يا علي؟

علي: قال عمر بن الخطاب: إنّ الله عز وجل بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالحقّ وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم(29).

وقالت عائشة: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلمّا مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها(30).

والآن أين هي آية الرجم؟ إنّها غير موجودة في القرآن؟ فهذا يعني نقصانه - والعياذ بالله -.

وكيف لم يطّلع على هذه الآية سوى عمر وعائشة فأين كُتّاب الوحي؟ ألا تعتقد أن هذه المرويات في غاية الخطورة يا وهاب؟

وهاب - ساكتاً مندهشاً لما سمع -: دعنا من هذا الحديث يا علي.

 

- عدالة الصحابة

علي: ولكن لماذا لا تقرّ بالحقيقة؟

وهاب: أنا لم أردها ولكنّي صُدمتُ، والآن قل لي: لماذا تعيبون بعض الصحابة وتنتقدونهم؟

علي: أولاً: نحن لسنا ضد الصحابة بل نحن وهم مسلمون داخرون لله تعالى، وثانياً نحن الشيعة نحبّ ونوالي في الله ونبغض في الله، فكلّ من خدم الإسلام ودافع عنه وكان مع الرسول (صلى الله عليه وآله) في ساعة العسرة واستقام في إيمانه فنحن نحبّه ونقدّم له فائق الاحترام.

وكلّ من حاد عن الطريق القويم وارتكب الأعمال البعيدة عن روح الإسلام فلا ينبغي حبّه بل نقف منه موقفاً سلبياً تنزيهاً للإسلام من هؤلاء. ولكنّي أسألك يا وهاب: هل تقولون بعصمة الصحابة؟

وهاب: كلاّ، وإنّما نقطع ونجزم بعدالتهم دون عصمتهم.

علي: وهل قمتم باستقراء تامّ لحياتهم واحداً واحداً فثبت لكم من خلال الاستقرار أنّهم عدول كلّهم؟

وهاب: الحقيقة لا يوجد استقراء تام في هذا الصدد وإنّما هناك بعض الأعمال الطيّبة التي قاموا بها ودافعوا عن الإسلام في بداياته وورد ذكر بعضهم في الحديث النبوي وبالتالي فنحن نعدّمهم من العدول.

علي: إذن فصدور الخطأ والذنب ممكن في حقّهم؟

وهاب: نعم بالتأكيد.

علي: وإذا صدر الذنب عنهم لم يكونوا عدولاً إذن.

وهاب: ولكن متى وأين صدر الذنب منهم؟

علي: المهم أجبني على سؤالي؟

وهاب: نعم لم يكونوا عدولاً.

علي: ويصحّ نقدهم.. وإذا تمّ نقد الصحابي على العمل السلبي الصادر عنه لا يُعدّ هذا النقد خروجاً عن الإسلام ولا كفراً، أليس كذلك؟

وهاب: صحيح.

علي: إذن نحن الشيعة ننقد الصحابة الذين ارتكبوا الأعمال السلبية وقاموا بأدوار خطيرة على الإسلام وسمعته، ثمّ إنّنا لا ننقد كلّ الصحابة بل بعضهم كما هو الحال في القرآن الكريم.

وهاب: أوّلاً أين نقَد القرآن بعض الصحابة؟

وثانياً: أيّ أعمال هذه التي تحاول إلصاقها ببعض الصحابة؟

علي: قال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم... وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً)(31). انظر يا وهاب إلى كلمة (منهم) أي ليس كلّ الذين كانوا مع محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤمنين وأشدّاء على الكفّار.

وبتعبير آخر ليس كلّ الصحابة يستحقّون المغفرة والأجر!!

وهاب: عجيب لم ألتفت إلى هذا التبعيض طول حياتي مع أنّي قرأت سورة الفتح عشرات المرّات.

علي: وقال تعالى: (وما محمد إلاّ رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(32).

وقد أخبرت هذه الآية عن الانقلاب والفتن التي ستلي رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) على موقع الخلافة وغيره، وهذا التعبير (انقلبتم على أعقابكم) يعني أنّ بعض الرجال كانوا في المواقع المتقدّمة ولكنّهم سينقلبون ولاشكّ أنّهم من بين الصحابة وليسوا أصحاب مسيلمة أو الأعراب أو المنافقين؛ لأنّ الآية تتحدّث عن المؤمنين.

وقد أيّد النبي (صلى الله عليه وآله) بحديثه هذا الانقلاب الذي سيليه حيث قال: (أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً. ليَرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمٌ يُحال بيني وبينهم... فأقول: إنّهم من أمتي فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي(33).

وهاب: ولكنّك لم تذكر لي بعض أعمالهم السلبية التي يمكن نقدهم من خلالها، وبنفس الوقت أذكر لي من مصادرنا السنّية مع احترامي إلى تراثكم ومصادركم.

علي: حسناً إليك هذا: أما خالد بن الوليد فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد(34).

هذا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأما بعد رحيل النبي فقد قتل خالد مالك بن نويرة ظلماً، وزنى بامرأته، وطلب عمر بن الخطاب من أبي بكر أن يقتصّ منه على القتل والزنا إلاّ أنّ أبا بكر امتنع وتحفّظ(35).

وهذا الامتناع يُسجّل سلباً على أبي بكر، لأنّه لم يجرِ الحدود.

وأما عائشة فقد كانت تلعن عثمان بن عفّان وتكفّره(36)، وعليك أن تسأل نفسك ما حال عثمان إذا كفّرته عائشة. وأمّا عمر فقد حرّم أموراً كانت مباحة على عهد النبي مثل المتعة التي قال عنها: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما(37).

وقد اتّهم عمر المغيرة بن شعبة بالفسق وقال له: أنت رجل فاسق(38).

وأمّا عائشة فقد خرجت علناً ضدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وكذا معاوية وعمرو بن العاص وطلحة والزبير...

وأما سعد بن أبي وقّاص فقد امتنع عن بيعة الإمام علي (عليه السلام) وقد قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله(39) في حرب الجمل وكلاهما كانا في جيش عائشة، وعمر الذي كان يطالب بقتل خالد نراه لم يقتله عندما صار خليفة المسلمين، وعثمان الذي طرد أبا ذرّ وضرب عمّار وابن مسعود!!

وهاب: كفاك يا علي.. أين كان كلّ هذا؟ أهو موجود عندنا؟

علي: نعم وما ذكرته لك غيضٌ من فيض وهو نزرٌ يسير.

وهاب: ولكن يقول أهل السنّة إنّهم اجتهدوا فأخطأوا.

علي: حسناً والآن أجبني عن هذا السؤال لنعرف معنى هذه الكلمة: إنّ عمراً كان يطالب أبا بكر بقتل خالد والأخير يمتنع. ولمّا صار عمر خليفة لم يقتله لماذا؟

فإذا كان يستحقّ القتل فلماذا تركاه؟

وإذا لم يكن يستحقّ القتل فلماذا رماه عمر بهذه التهمة؟

فأين الخطأ وأين الاجتهاد في مثل هذه المناقضات؟

وهاب: لا أدري ما أقول.

علي: وهكذا بقيّة أعمالهم، فهل ترى أنّها قابلة للاجتهاد؟

 

- المتعة

وهاب: لقد ذكرت في طيّات حديثك المتعة، كيف تبيحونها وقد حرمّها النبي (صلى الله عليه وآله)؟

علي: أنا قلت لك إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحرّمها وإنما الذي حرّمها عمر، وقول عمر ليس حجّة على المسلمين؛ لأنّه ليس بنبيّ ولا إماماً منصوباً من قبل الخالق، وإنّما رجل يخطئ ويُصيب، بل لا يحقّ له أن يحرِّم ما أحلّه النبي (صلى الله عليه وآله) ولا أن يحلّ ما حرّمه النبي (صلى الله عليه وآله).

وهاب: ولكنّا نروي أن النبي حرّمها.

علي: كلاّ إنّ القرآن نزل في شرعية المتعة في قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ...)(40) واتّفق الجمهور على أنّ المراد به نكاح المتعة أي المنقطع، وروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب(41).

نعم رويتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرّمها في حرب خيبر فقط، كما في البخاري، وهذا يعني أنّه عاد الحكم فيما بعد خيبر إلى الإباحة، لذلك رويتم ما يؤيّد ذلك من أنّه أباحها عام حجّة الوداع(42).

ولكن لو دقّقت في كلام عمر نفسه لوجدت أنّها كانت مباحة لأنّه قال: (كانتا على عهد رسول الله...) إذن هي مباحة زمن النبي (صلى الله عليه وآله).

ثمّ إنّ لدينا الروايات المتواترة وإجماع الشيعة القائم على روايات أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) أنّها مباحة إلى يوم القيامة.

وحتّى من وجهة نظر اجتماعية تكون المتعة مفيدة جدّاً لئلا ينتشر الزنا والفحشاء.

ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام): (لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي)(43).

 

- الخلافة

وهاب: وأخيراً وبعد أن نوّرتني وكشفت عن عيني حُجب الجهل والظلام، أودّ منك أن تذكر لي دليلاً على ما تذهبون إليه من أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) خليفة رسول الله ووصيّه وهو بعده بلا فصل.

علي: إمّا أن نعتقد أن النبي (صلى الله عليه وآله) مات دون أو يوصي لأحد، أو نعتقد أن النبي (صلى الله عليه وآله) وصى قبل موته.

أما الفرض الأول فإنّه مخالف للعقل والوجدان وسيرة الأنبياء، لأنّ العقلاء تسالموا أمر الوصية، ولذلك نجد الوصية منذ أقدم العصور، بل إنّا نجد الوصية حتى في الشعوب اللادينية، وقد زخرت كتب السيرة والتاريخ بوصايا الأنبياء إلى الأوصياء الذين يلونهم، لأنّها تعني ربط الماضي بالحاضر وتنظيم الواقع البشري.

وكيف نتصوّر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يوصِ لأحد من أنّ الوصية من سنن المرسلين: (ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب...)(44).

ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) ليس بدعاً من الرسل بل هو سيّدهم وأفضلهم، إلى هنا أصل معك يا وهاب إلى ضرورة القول بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى وفقاً لسيرة العقلاء والأنبياء والقرآن الذي أمر بالوصية.

فنحن أمام اتجاهين:

1 - إمّا أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحرص على مستقبل أمته ودينه.

2 - وإمّا أن يكون غيره أحرص منه، مثل الخليفة الأول والثاني فكل واحد منهما أوصى لغيره.

والاتجاه الثاني باطل بالوجدان ولقوله تعالى: (عزيز عليه ما عنتم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم)(45).

إذن فهو أحرص من أبي بكر وعمر، فوجب أن يكون قد أوصى لأنّه صاحب المشروع العظيم - أعني الدين الإسلامي العالمي - فكيف يتركه سدىً. هذا كلّه دليل وجداني وعقلي يا وهاب.

وأما الأدلة من السنّة فهي كثيرة منها:

قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي: هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم(46).

وقوله (صلى الله عليه وآله): هذا علي بن أبي طالب وصيّ رسول ربّ العالمين وإمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين(47).

وعن أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان: سَلْ النبيّ مَنْ وصيّه؟

فقال له سلمان: يا رسول الله مَنْ وصيّك؟ فقال: يا سلمان مَنْ وصي موسى؟ قال: يوشع بن نون، قال (صلى الله عليه وآله): وصيّي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب(48).

وغيرها من الأحاديث.

وهاب: بوركت يا علي وأشكرك على هذا الإرشاد والتنوير.

علي: وأشكرك يا وهاب على هذه الروح العالية التي تحبّ معرفة الحقّ.

 

الهوامش

18 - سورة الإسراء: الآية 78.

19 - سورة هود: الآية 114.

20 - صحيح مسلم باب الجمع بين الصلاتين.

21 - صحيح البخاري باب تأخير الظهر إلى العصر في كتاب مواقيت الصلاة.

22 - سورة النحل: الآية 106.

23 - انظر التفاسير التالية للإطلاع: الكشّاف للزمخشري: ج 2 ص 430 والجامع لأحكام القرآن: ج 4 ص 57 وتفسير الخازن: ج ؟؟ ص 277.

24 - سورة آل عمران: الآية 28.

25 - سورة النجم: الآية 3 - 4.

26 - سورة الأحزاب: الآية 33.

27 - سورة الحجر: الآية 9.

28 - سورة النساء: الآية 59.

29 - تاريخ الطبري: ج 2 ص 235 حديث السقيفة وتاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 160.

30 - حياة الحيوان للدميري: ج 1 ص 275.

31 - سورة الفتح: الآية 29.

32 - سورة آل عمران: الآية 144.

33 - صحيح البخاري: ج 9 ص 58 وصحيح مسلم: ج 7 ص 96 ومسند أحمد: ج 5 ص 333 وأمثال هذا الحديث في البخاري: ج 8 ص 151.

34 - تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 61 فتح مكّة وتاريخ الطبري: ج 2 ص 164.

35 - انظر مفصّل القصّة في تاريخ الطبري: ج 2 ص 273.

36 - تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 175 وص 180.

37 - أحكام القرآن للجصّاص: ج 2 ص 184.

38 - تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 155.

39 - تاريخ ابن الوردي: ج 1 ص 149 دار الكتب العلمية بيروت.

40 - سورة النساء: الآية 23.

41 - النووي بشرح مسلم: ج 9 ص 179.

42 - صحيح مسلم كتاب النكاح: ج 4 ص 134.

43 - تفسير الطبري: ج 5 ص 13.

44 - سورة البقرة: الآية 132.

45 - سورة التوبة: الآية 128.

46 - تفسير الخازن: ج 3 ص 372 دار المعرفة بيروت، وكفاية الطالب باب: 15.

47 - تاريخ بغداد: ج 11 ص 112 طبعة السعادة بمصر.

48 - الرياض النضرة للطبري: ج 2 ص 279 وفضائل الصحابة لأحمد: ج 2 ص 615 ح 1052.

| أعلى |