فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كان صباحٌ يسترق الأبصار، وتستمتع القلوب بهدوئه، فأخذت بالتأمّل في روعته وجمال الطبيعة التي نمرّ بها عبر باصات فخمة جميلة قد هذّبتها يد الصانع وتظهر عليها التكنولوجيا الحديثة بشكل ملفت، وكان بجنبي رجل وسيم يرتدي ملابس أنيقة مع نظّارات طبّية، فبادرني قائلاً: ما رأيك أن نتغلّب على الزمن؟

قلت له: وكيف ذلك؟

قال: بالحوار الفكريّ الهادف.

قلت: أجمل ما أحبّ في حياتي ولكن لابدّ أن أعرف اسمك وتعرف اسمي.

قال: آه.. نعم.. نعم، أنا وهّاب.

قلت: وأنا عليّ.

قال: من أي المذاهب أنت يا علي؟

قلت: أنا شيعي.

قال: وأنا سنّي على المذهب الوهّابي. إنّه في طليعة المذاهب.

قلت: مَنْ تقصد؟

قال: المذهب الوهّابي.

قلت: هل تمزح معي؟

قال: لا، بل أقولها بعيداً عن المزاح.

فقلت له: إذن اسمح لي يا أستاذ أن أقول لك إنّك مخطئ.

قال: أحقّاً ما أسمع، ألَديكَ مثل هذه الجرأة؟

قلت: نعم جرأة في قول الحقّ.

قال: أولاً سأحدّثك عن مفردات مذهبنا. لابدّ أنّك لم تقرأ ولم تسمع عنّا.

قلت: تفضّل.

قال وهّاب: إنّ المنحى العقائدي لدينا هو المسلك المعروف عند الشيخ ابن تيمية. فمثلاً إنّنا لا نؤوّل الآيات القرآنية، بل نحملها على ظاهرها، فنثبت ما أثبته الله تعالى لذاته من يَدَين وعينين وجهة الفوق والاستواء، كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)(1)، وقوله تعالى: (وهو بالأفق الأعلى)(2) وقوله: (الرحمن على العرش استوى)(3).

علي: إنّ أخذ الآيات والروايات على دلالتها الحرفية من دون تأويل أمر يرفضه العقل السليم قبل كلّ شيء وترفضه سيرة العرب الذين كانوا يستخدمون الألفاظ في معانيها المجازية أكثر مما يستعملونها في الحقيقة. فقد ثبت في المباحث العقائدية أنّ الله تعالى ليس بجسم وإلاّ للزمَ احتياج بعض الأجزاء إلى بعضها الآخر، وللزم كونه حادثاً؛ لأنّ الأجسام كلّها حادثة... إلخ.

وكلّ ذلك باطل. فالمراد من (يد الله) المعنى المجازي، أي قدرة الله، و(الاستواء) يعني الاستيلاء والسيطرة، و (الرؤية) تحمل على الرؤية القلبية رؤية البصيرة، وهكذا بقيّة المجازات.

 

- التوسل بالله والصالحين

وهاب: دعنا نتحاور حول التوحيد، فهو جوهر الدين، إنّ التوحيد عندنا على قسمين:

أ - توحيد الربوبية: أي إنّ الربّ هو الله تعالى وحده، فنوحّده في ربوبيّته.

ب - توحيد العبادة: بأن تكون العبادة كلّها لله تعالى.

علي: هذا الكلام يقوله كلّ المسلمين، ولا ميزة لكم فيه.

وهاب: نعم، ولكنّكم تعبدون الله تعالى عبر الوسائط، وهذا نوع شرك، فلم يتحقّق منكم التوحيد الخالص.

علي: ماذا تقصد بالوسائط؟

وهاب: كالأموات من الأولياء والصالحين، فإنّكم تتوسّلون بهم وهذا شرك في العبادة، بل كفر صريح.

علي: أرجو أن توضّح لي معنى الشرك والكفر عندكم، وبعدها سأجيبك عن موضوع الوسائط.

وهاب: الشرك عندنا على قسمين: أكبر وأصغر، الأكبر هو الشرك في العبادة، مثل الشفاعة والتوسّل بالأولياء. والأصغر، مثل: الحلف بغير الله والرياء.

والكفر عندنا على قسمين أيضاً: كفر مطلق، بأن يكفر الإنسان بجميع ما أتى به الرسول (صلى الله عليه [وآله])، وكفر مقيَّد، بأن يكفر ببعض ما أتى به النبي (صلى الله عليه [وآله]).

علي: والمسلمون في نظركم؛ كفّار أم مشركون؟

وهاب: إنّهم على الشرك ما زالوا، لأنّهم لا يعبدون الله تعالى إلاّ عبر الوسائط والوسائل ويحلفون بغير الله تعالى.

علي: ليس هناك كفر مطلق وكفر مقيَّد كما تدّعي، فالكفر يقابل الإيمان، والكفر: عبارة عن عدم الإيمان ممّن شأنه أن يكون مؤمناً. والإيمان اصطلاحاً: التصديق والاعتقاد بكلّ ما جاء به النبيّ ولو إجمالاً. وعلى هذا، فالكفر معناه تكذيب ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا يوجد من المسلمين اليوم من يكذِّب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أمّا الشرك فهو أخصّ من الكفر، وهو أنواع:

أ - شرك في الذات الإلهية: بأن يعتقد الإنسان بوجود إلهين أو أكثر.

ب - شرك في الصفات الإلهية: بأن يعتقد الإنسان بأنّ هناك من له نفس صفات الله.

ج - شرك في العبادة الإلهية: بأن يعبد مع الله إلهاً آخر أو يعبد غيره.

د - شرك بالاستعانة: يعتمد الإنسان على غير الله تعالى بنحو مستقلّ ويعتقد أنّه يؤثّر من دون الله تعالى.

فهذه الأقسام كلّها باطلة وهي من الشرك المحرم. وأمّا الاستعانة بالله عبر الأسباب (كالأموات من الأولياء والصالحين أو الأوصياء) فهو ليس شركاً، ومن موارده في قصّة يوسف (عليه السلام) قوله تعالى: (وقال للذين ظنَّ أنّه ناجٍ منهما اذكرني عند ربّك)(4) وذلك عندما استعان برفيقه الذي كان معه في السجن كما حكى الله تعالى ذلك.

فهل يكون النبي يوسف (عليه السلام) مشركاً لأنّه استعان بغير الله؟

يا أخي! إنّ الله تعالى خلق الكون عبر الأسباب والعلل، وجعل كلّ شيءٍ ضمن هذا القانون العام، حتّى نصْر الأنبياء كان ضمن هذه المعادلة، وليس كلّ من استعان بسبب من الأسباب يوصم بالشرك.

وأمّا توسّلنا بالأولياء فلأنّ لهم مقاماً شامخاً كريماً عند الله، ولهم الشفاعة أيضاً.

وهاب: دعنا نتوقّف عند الشفاعة بما أنّك قد ذكرتها. كيف تستطيع أن توجّه موضوع الشفاعة، مع أنّها عقيدة باطلة؟ كيف يكتب الله تعالى على الإنسان أنّه من أهل النار ثمّ يقوم الشفيع بإخراجه منها، فهذا خلاف علم الله تعالى؟

علي: ولماذا تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ ألَمْ يقرع سمعك قول الله تعالى: (يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاّ مَن أذِنَ له الرحمن ورضي له قولاً)(5) وقوله تعالى: (مَن ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه)(6) وقوله تعالى: (ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)(7)، والحديث المتّفق عند المسلمين (لكلّ نبيّ دعوة قد دعا بها فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعتي لأمّتي يوم القيامة)(8).

فالشفاعة إذنٌ ورخصةٌ من الله تعالى يعطيها لمن رضى له قولاً ولمن أذِنَ له، فبعد هذا الإذن الإلهي أصبحت الشفاعة من خصائص النبيّ أو الإمام ومن شؤونه، فنسأله في ذلك. فالشفيع ليس له أي تأثير لولا إذن الله له، والشفيع لا يطلب من الله إبطال قانون العدل الإلهي ولا أنّ شفاعته تخالف علم الله تعالى، بل يعمل الشفيع على أن:

أ - يتمسّك بصفات في المولى سبحانه عزّ وجلّ توجب العفو.

ب - أو يعرض صفات في العبد تستدعي العفو.

ج - أو يعرض صفاته من قبيل قربه من الله تعالى وكرامته عليه.

وهكذا تتمّ الشفاعة. فنحن نسأل النبي الشفاعة بعد التسليم أنّها منحة من الله تعالى. ثم إنّ محمد بن عبد الوهاب قد ذكر في الهدية السنية في الرسالة الثانية: (ونثبت الشفاعة لنبيّنا محمد يوم القيامة، ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد).

وهاب: ولكن كيف يغيّر النبي قضاء الله تعالى في المذنبين؟

علي: الشفاعة مثل التوبة، فإنّ التوبة تُغيِّر موضوع المذنب ليشمله العفو الإلهي، وكذلك الشفاعة، وهكذا الاستغفار.

وهاب: ولكن العفو والتجاوز من الله نفسه لا من غيره.

علي: الشفاعة أيضاً من الله تعالى. ألمْ تسمع الآيات؟

 

- الحلف بهم وزيارة قبورهم والنذر لهم

وهاب: نعم صحيح، ولكنّك لم تجب عن موضوع الحلف بغير الله تعالى.

علي: لقد وقع القَسم أو الحلف بغير الله تعالى في مواقع كثيرة من القرآن الكريم، أذكر لك منها:

- أولاً: ما وقع من الله تعالى مثل (والعصر)، (والعاديات)، (والنازعات)، (والمرسلات)، بل أعظمه قوله تعالى: (لعمرك) أي إنّ الله سبحانه وتعالى يقسم بحياة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

- ثانياً: ما وقع من النبي (صلى الله عليه وآله) فعلاً وتقريراً(9)، روي في البخاري: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أي الصدقة أعظم؟ فقال: أما وأبيك لتنبأَنَّه أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء.

ولمّا سمع النبي (صلى الله عليه وآله) قول عمّه أبي طالب وهو يقول:

كذبتم وبيت الله نبذي محمّداً***ولمّا نطاعن دونه ونناضل

لم يقل أيّ شيء. وهذا تقرير منه (صلى الله عليه وآله) بجواز الحلف ببيت الله تعالى.

- ثالثاً: من الصحابة: مثل قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في أحد كتبه إلى معاوية: (لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان). وأخرج في الموطأ قول أبي بكر: (وأبيك ما ليلك بليل) وكلّ هذه الموارد حجّة.

ثمّ عليك أن تعرف أنّ القَسَم لا يعني العبادة للمقسم به، بل لأنّه مقدّس ومعظّم، فإنّنا نقسم به كما قسم الله تعالى بمخلوقاته، كقوله تعالى: (والتين والزيتون)، وقوله (والطارق)؛ فإذا كان الله يقسم بالتين والزيتون مع أنها من المأكولات الطبيعية أفلا يحق لنا بعد ذلك أن نقسم بأشرف المخلوقات وهو النبي؟ علماً أنّ الفقهاء قالوا إنّ القسَم بغير الله تعالى غير ملزم أي لا يجب الالتزام به شرعاً بل تجوز مخالفته.

وهاب: هذا كلام جميل، ولكن بقيت مفردة لم نتناولها في موضوع الأولياء.

علي: وما هي؟

وهاب: ألا تعتقد أنّ الاستغاثة بالأولياء في الدنيا مع أنّهم أموات أمر يرفضه العقل ولا يستسيغه؟ مضافاً إلى أنّ ذلك دعاء لغير الله، وهو محرم؛ لقوله تعالى: (والذين تدعون من دون الله لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * إنّ الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم)(10) وواضح مدى شجب القرآن لهذه الظاهرة. فلماذا تخاطبون المعدومين إذن؟

علي: أولاً: الموت ليس عدماً كما تراه، بل هو نقلة من هذا العالم المادّي الطبيعي إلى عالم آخر، وهو عبارة عن انفصال الروح عن الجسد، لا موت الروح (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءً...)(11).

- ثانياً: لقد جَسَّد النبي (صلى الله عليه وآله) هذه العقيدة بقوله وفعله حيث قال: (زوروا القبور فإنّها تذكِّركم بالآخرة). أخرجه النسائي في السنن وابن ماجه في السنن والغزالي في إحياء العلوم.

وبفعله (صلى الله عليه وآله) عندما زار قبور شهداء أُحد وزار قبر أمّه وبكى عندها، كما في سيرة ابن هشام، فإذا كان الموت عدماً فلماذا يأمر النبي بزيارة القبور؟ ولماذا يمارس ذلك بنفسه؟

وثالثاً: إنّ الله تعالى هو الذي أجاز لنا ذلك في قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)(12).

والوسيلة هنا نوعان:

التوّسل إلى الله بالعمل الصالح، ولا إشكال فيه.

التوسّل إلى الله بالذوات - بالأشخاص -.

والثاني ينقسم إلى نوعين:

قبل الموت: كما في قـــولــه تـعـالـى: (ولـو أنّهم إذ ظـلـمـوا أنـفـسـهـم جـاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً)(13) وهذا أيضاً واضح.

بعد الموت، وهو جائز؛ لما عرفت أنّ الموت ليس عدماً وأنّ المسلمين كافّة يمارسون هذه العقيدة. وكما قالوا: إنّ أكبر دليل على إمكان الشيء وقوعه، وقد عرفنا بالتجربة والوجدان أنّ الولي الميّت يؤثِّر ويجلب النفع ويدفع الضرّ بإذن الله تعالى. فإذا كان كذلك دعانا العقل إلى التوسل به.

وروي أنّه لمّا حجَّ المنصور العباسي وزار قبر النبي (صلى الله عليه وآله) سأل الإمام مالك وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله؟ فقال مالك: لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله، بل استقبله... بل حتى الملحدين فإنّهم يزورون قبور عظمائهم للتزوّد من قواهم المعنوية حسب زعمهم.

وقد عرفت سابقاً أنّ عقيدتنا في تأثير الأولياء كونها تأتي بعد الإذن والرخصة من الله تعالى، كما تؤثِّر الملائكة تماماً، فما المانع فيه؟ فكلّ إشكال تورده هنا يرد على تصرّفات الملائكة أيضاً.

وأما الآية التي ذكرتها: (والذين تدعون من دون الله لا يستطيعون نصركم...) فقد نزلت وهي تشجب عمل المشركين الذين يعتقدون أنّ أصنامهم الحجرية أو أنّ زعماءهم الوثنيين يؤثّرون تأثيراً استقلالياً.

وهاب: نعم، قد أتّفق معك في ذلك، ولكن هل تعتقد أنّ الولي الميّت بحاجة إلى النذور؟ ألا تعتقد أنّ النحر والقرابين للأولياء مشابه للقرابين التي كان يُقدِّمها المشركون لأصنامهم؟ أليسَ ذلك شركاً صريحاً منكم، مع أنّ الله تعالى يقول: (فصلِّ لربِّك وانحر)(14)، فالنحر لله وحده.

علي: حقيقة النذر أنّه لله تعالى وحده لا شريك له، ونحن عندما ننحر أو ننذر للأولياء (عليهم السلام) فإنّما النذر في الحقيقة لله تعالى، ولكن نهدي ثوابه لهم (صلوات الله عليهم) لا أكثر.

وأمّا ما استدلّ به البعض (فصلِّ لربِّك وانحر) على أنّ الآية تتكلّم عن كون النحر لله تعالى، فغلط؛ إذ قد ورد في لغة العرب عن كلمة (النحر) معنى الاستقبال. تقول العرب: منازلنا تتناحر أي تتقابل، وجاءت هذه الكلمة في الآية بمعنى رفع اليدين إلى النحر كما روي عن الأئمّة (عليهم السلام).

وأما اختيار بعض الأمكنة للنذر فطلباً لشرف المكان لكي يتضاعف ثواب العبادة، كما يُختار بعض الأزمنة الشريفة لأجل ذلك.

هذا وإن كان معنى (النحر) المراد منه في الآية نحر الحيوان، فهذا أيضاً لا بأس به، فقد عرفت أنّنا ننحر لله تعالى ولكن نرفع ثواب هذا النحر للولي ونجعله باسمه تقرّباً إلى الله تعالى.

وهاب: ولكن قبل أن تتعدّد الفروع أعود معك إلى أصل زيارة القبور فإنّها قبيحة عقلاً؛ لأنّها تشبه عكوف المشركين على أصنامهم؛ ولذلك نهى (صلى الله عليه وآله) حتى عن زيارته ومنع من شدّ الرحال إليه.

علي: قلت لك سابقاً إنّ الميّت ليس معدوماً بل هو كائن حيّ بثوب آخر. ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قد زار قبر أمّه وقبر عمّه حمزة وزارت فاطمة الزهراء (عليها السلام) قبر النبي (صلى الله عليه وآله) كلّ يوم، وزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) قبر النبي وقبر فاطمة (عليها السلام).

ويذكر السمهودي في وفاء الوفاء أنّ عمر لمّا قدم من فتوح الشام كان أوّل ما بدأ بالمسجد والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقدوم بلال من الشام إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، بل هذا ما دأب عليه المسلمون، بل العقل يدعو إلى تعظيم من عظّمهُ الله تعالى، والزيارة نوع تعظيم.

وأمّا قولك إنّها عكوف كالمشركين، فأقول لك: إذا كان العكوف هو الذي جعل الزيارة شركاً، فالمسلمون كلّهم مشركون، لأنّهم يعكفون حول بيت الله تعالى.

فإذا قلت: إنّ الفرق بالقصد والنيّة، فإنّ المسلمين يقصدون الله وهم عاكفون حول البيت الحرام.

قلنا: أيضاً زيارتنا للقبور فيها قصد ونيّة لله تعالى، وهي بذلك تفترق عن المشركين.

وقد أخرج البيهقي والغزالي أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: (من زارني وجبت له شفاعتي)، وقال: (من حجّ ولم يزرني فقد جفاني) وقال: (زوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت).

وهاب: أخبرني يا علي لماذا تبنون على القبور مع أنّ هذا العمل فيه مخالفة شرعية صريحة لقوله (صلى الله عليه وآله): (أن لا أدع قراً مشرفاً إلا سوّيته).

علي:

- أولاً: سند الحديث ضعيف بل راويه (أبو الهياج) الذي قال في حقّه أحمد بن حنبل: إنّه أخطأ في خمسمائة حديث. وفي سنده سفيان الثوري المدلس، وفي سنده أبو وائل وهو مبغض لعلي (عليه السلام)...إلخ.

- ثانياً: أمّا متن الحديث فإنّ لفظة (التسوية) تعني الاعتدال بين الارتفاع العظيم وبين الهدم الماحي للأثر، والدليل أنّ الشريعة الإسلامية جاءت باستحباب رفع القبر شبراً أو أربع أصابع عن الأرض. فالشريعة أقرّت البناء المرتفع عن الأرض بهذا المقدار، فالحديث الذي استدللت به لا ربط له بعدم جواز البناء أبداً.

- ثالثاً: نقول: لسنا (الشيعة) المنفردين بالبناء على القبور، فهذا قبر النبي إبراهيم (عليه السلام) في الأردن له قباب وأضرحة، وقبر موسى (عليه السلام) في الأردن بين القدس وعمّان له بناية كبيرة، وقبر أبي حنيفة ببغداد، وقبر أبي هريرة في مصر، وقبر عبد القادر في بغداد، فضلاً عن قبور الملوك والعظماء، ولم يعترض على هذه الأبنية من المسلمين أحد، فالأصل الجواز.

- رابعاً: بناء قبور الأنبياء والأولياء والعظماء دليل اهتمام الأمّة بأولئك العظام وإرشاد الناس إليهم وربطهم بهم من خلال هذه الأضرحة، فالاهتمام بالقبور يمثِّل حالة حضارية ومدنية وتخليداً لذكرى الصالحين وتدويناً لتاريخ الأمة.

وهاب: ولكنّكم لا تكتفون بالبناء بل تسرفون الأموال على تزيين هذه القبور بمختلف الزينة، وهذا محرم قطعاً لأنه إسراف واضح مع عدم حاجة الولي إليه ولا ينتفع به.

علي: إذا كان اعتراضك على الزينة الذهبية والإضاءة الكهربائية وبقيّة الأشياء التي تزيّن قبور الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) فماذا تقول عن حلل الكعبة التي تعادل قيمتها الملايين؟ فإذا كان اعتراضك على زينة الأضرحة أنّ الميّت لا يستفيد منها فكذا الحال في حلل الكعبة التي تبدّل كلّ عام وهكذا في الهدايا الثمينة التي كانت تهدى إلى بيت الله الحرام من أيام الجاهلية وإلى اليوم، فقد وجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعين ألف أوقية من الذهب، فقيل له: لو استعنت بها على حروبك، فلم يفعل وأبقاها على حالها، وكذا الخليفة الأول، فهذه الزينة نوع من إبراز التعظيم ورفع شعيرة من الشعائر.

وكلّ إشكال تورده على زينة قبور الأولياء فهو بنفسه يرد على زينة بيت الله الحرام مع عدم حاجة الله إليها، ثمّ إنّنا لم ندّع أنّ الميّت يستفيد منها كما تزعم وإنّما هي مجموع هدايا وهبات أو تسهيل الأمر للزائرين بالنسبة للإضاءة وما شابه.

وهاب: لقد بدأ الضباب ينقشع عنّي رويداً رويداً، ولكن يا علي لديَّ سؤال عن الأسماء المركّبة عندكم مثل (عبد الحسين) (عبد علي) (عبد الزهراء) فهذه تثبت العبادة لغير الله.

علي: أمّا عن الأسماء المركبة فإنّ لفظة (عبد) لا تعني العبودية وإنّما لها معنىً آخر غيره من قبيل قولك (زيد عبد فلان) (وفلانة أمة فلان) فهذا القول المستعمل عند العرب لا يعني أنّ زيد يعبد سيّده فلان وإنّما يعني أنّه تابع داخل في ملكه لا غير، فعندما نسمّي بـ (عبد الحسين) لا نقصد أنّه عبد يعبد الحسين، وإنما من باب الاحترام للسادة الميامين كما كان زيد عبداً للنبي (صلى الله عليه وآله) ثمّ حرّره.

 

- السجود على التربة

وهاب: فإذا لم تكونوا تعبدون الحسين فلماذا تعبدون تربته إذن وتسجدون عليها؟

علي: السجود على التربة لا يعني عبادتها كما تصوّرت، ولكي يتّضح الأمر لك أقول:

أ - لا يمكن تصوّر أن يسجد الإنسان على معبوده، فإذا كان الأمر غير معقول، إذن نحن نسجد على التربة طاعةً لله تعالى.

ب - وهذا السجود مباح من قِبل الشريعة الإسلامية، فقد روت كلّ الطوائف الإسلامية هذا الحديث: (جُعِلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً)(15) فالتراب الخالص يجوز السجود عليه لأنّه من الأرض.

فنحن نسجد على مطلق التراب الطاهر ولشدّة الاحتياط وسهولة النقل صُنعت هذه الأشكال من التربة.

ج - أمّا خصوص التربة الحسينية: فقد ورد في السنّة أن الأراضي بعضها مفضّل على بعض كقول النبي (صلى الله عليه وآله): (الصلاة في مسجدي بألف صلاة في غيره) وهذا حديث متّفق عليه، وهذا الفضل جاء من شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) كرامةً من الله له، إذن كلّ شخص مقدّس يقدِّس المنطقة التي يحلّ فيها، فالحسين سيّد شباب أهل الجنّة وسيد الشهداء والمضحّي بدمه وعياله وأصحابه من أجل الله تعالى فهو من المقدّسين الذين قدّسوا الأرض.

فالسجود على التربة الحسينية لأنّها من الأراضي المقدّسة كما استفاضت النصوص عندنا.

وهاب: ولكن يا علي، الأمر الذي لا يمكنك دفعه تقبيل أضرحة الأولياء الصالحين والصلاة إليها فهذا مرفوض من الناحية الشرعية، فهو حرام من ناحية وشرك من ناحية أخرى.

علي: التقبيل حالة إنسانية لها عدّة معانٍ؛ منها: تقبيل الأب لابنه، والصديق لصديقه، ومنها: تقبيل القرآن الكريم والحجر الأسود والأضرحة والعتبات المقدسة.

فالأول عبارة عن إبراز الحبّ للابن والصديق، والثاني إبراز التعظيم. فإذا كان مطلق التقبيل شركاً فإنّه مرفوض؛ إذ يلزم كون الأب مشركاً حال كونه مقبِّلاً لابنه، وإذا كان القسم الثاني شركاً فإنّنا نقول:

كل المسلمين مشركون لأنّهم يقبِّلون الحجر الأسود وجلد القرآن، بل قال ابن باز في التحقيق والإيضاح: (ثمّ اقصد الحجر الأسود واستقبله ثمّ يستلمه بيمينه ويقبِّله إن تيسّر ذلك) ص 41، فهذا مفتي الوهابية يجوَّز تقبيل الحجر، ولاشكّ أنّ المقصود هو التعظيم والتبرّك، وهكذا تقبيل الأضرحة عبارة عن التعظيم لهم لا عبادتهم. ونحن لا نصلّي للقبور والأضرحة بل نصلّي لله تعالى، ويمكن أن تحضر في أضرحة الأولياء لترى إلى مَن نصلّي نحن.

 

- حقيقة البدعة

وهاب: والآن لا أدري ماذا أقول، فقد أوضحتَ لي مجموعة من الحقائق المهمّة حول ما يسمّيه بعض الناس بالبدع.

علي: دعني أقاطعك لأوضِّح لك أيضاً معنى البدعة.

البدعة عند البعض هي إحداث أشياء لم تكن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة، مثلاً التذكير الذي يفعل في المآذن قبل الأذان وقراءة القصائد في مولد النبي والأئمة (صلوات الله عليهم) والمسبحة التكايا، ومن هذا القبيل قراءة التعازي عند الشيعة وبناء القبور وبقيّة التفاصيل التي تحدّثنا تحدّثنا عنها معاً وكلّها اعتبرها البعض من البدع.

ولكن حقيقة البدعة أنّها إدخال ما ليس في الدين في الدين. كإباحة محرّم أو تحريم مباح أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبه.. الخ. فمثلاً: تقبيل يد العالم بقصد الاحترام والتعظيم تقرّباً إلى الله تعالى جائز وإن لم يكن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة ولا ورد فيه نصّ، فإنّه بعد أن صار نوعاً من التعظيم عادةً وفهم من أدلّة الشرع رجحان تعظيم المؤمن يكون جائزاً أو راجحاً، وهكذا المواليد والذِكر فإنّها من باب تعظيم من عظّمه الله تعالى ومدح من مدحه المولى.

وكما أنّ بعض العلماء أباحوا مدح الملوك فكذلك الأمر في المواليد والتعازي، فضلاً عن أنّ بعض هذه الأمور كانت على عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، مثل المدح والإطراء بالحقّ أو البكاء والتعازي كما حصل في استشهاد حمزة ومولد الحسين (عليهما السلام) وموت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغيره.

أمّا الصحابة فإنّهم أُناس عاديّون لا يملكون العصمة حتّى نحتجّ بفعلهم كما نحتجّ بأفعال النبي، فمنهم الصالح والطالح فليس كلّ ما لم يفعله الصحابة يكون محرماً ولا كلّ الذي فعلوه يكون واجباً أو مباحاً. فبعض الأمور لم تكن على عهد الرسول ولا في عهد الصحابة ولكنّها جائزة ومباحة مثل لبس البنطلون والطربوش وكثير من المأكولات الجديدة المباحة التي لم تكن في عهدهم، فلا يقال عنها بدعة.

والحاصل أنّ ما ثبت استحبابه على وجه العموم (مثل احترام المؤمن) إذا التُزم بكيفية منه لا من باب الخصوصية لا يكون بدعة.

وهاب: ولكن هناك حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.

علي: أولاً: إنّ سند هذا الحديث في غاية الضعف؛ لأنّ راويه عبد الرحيم بن زيد وحمزة بن أبي حمزة الجزري والحارث بن عضين.

فأمّا عبد الرحيم فهو مقدوح لدى عامّة أرباب الحديث لضعفه ولشهرته بالكذب وعدم الأمانة، ويمكنك أن تراجع (تهذيب التهذيب) الجزء السادس.

وأمّا حمزة فهو مطعون معروف بالضعف ونكران الحديث والدسّ في الروايات، ويمكنك أن تراجع المصدر نفسه، الجزء الثالث.

وأمّا الحارث فهو مجهول ولا تجوز الرواية عن المجهول ولا الاعتماد عليه، ويمكنك أن تراجع (لسان الميزان) للعسقلاني الجزء الثاني.

وقد صرّح كثير من علماء السنّة بكذب هذا الحديث؛ منهم:

ابن حزم الأندلسي، يمكنك أن تنظر إلى كلماته في كتاب (البحر المحيط).

وأبو بكر البزاز، تجد كلامه في كتاب (جامع بيان العلم) للقرطبي.

وابن الجوزي في كتاب (العلل المتناهية).

وأحمد بن حنبل في كتاب (التقرير والتحبير) للحلبي.

وبذلك لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث لما سمعن، وبالتالي لم يعد كلّ الصحابة عدولاً، لأنهم ليسوا نجوماً!!

وهاب: سأعود معك إلى موضوع الصحابة لاحقاً ولكن بقي عندي سؤال حول الشهادة الثالثة التي تذكرونها في الأذان والإقامة فإنّها لم تكن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) فهي بدعة بلاشكّ.

علي:

- أولاً: إنّ علياً (عليه السلام) هو نفس النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بدليل آية المباهلة: (وأنفسنا وأنفسكم) والمراد هو علي والنبي (صلوات الله عليهما وآلهما) فلا مانع من ذكر اسمه مع اسم النبي (صلى الله عليه وآله) مع ما روي عن النبي قوله لعلي: (نه مني وأنا منه) رواه الفريقان.

- وثانياً: إن علياً (عليه السلام) هو سيد المؤمنين بعد رسول الله كما قال (صلى الله عليه وآله): (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي)(16).

فذكره في الأذان والإقامة بعنوان كونه ولياً لله تعالى لا حرج فيه أبداً.

- وثالثاً: لدينا روايات من طرقنا نتعبّد بها أمرتنا بذكر الشهادة لعلي (عليه السلام) كلّما ذُكرت الشهادة للنبي (صلى الله عليه وآله) مثل قوله (صلى الله عليه وآله): إذا قال أحدكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فليقل علي أمير المؤمنين، وعنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: يا علي سألت ربّي أن تُذكر حيث أذكر فأجابني. وجاء عن إمامنا الصادق (عليه السلام): قال: التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين.

فمن هذه الأدلّة وغيرها نذكر الشهادة لعلي بالولاية كما ذكرها القرآن له في قوله تعالى: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(17) نزلت هذه الآية عندما تصدَّق أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بخاتمه وهو في الصلاة فجاءت كلمة (وليّكم) لتوضح أنّ لعلي (عليه السلام) ولاية على الناس.

 

 

الهوامش

1 - سورة الفتح: الآية 10.

2 - سورة النجم: الآية 7.

3 - سورة طه: الآية 5.

4 - سورة يوسف: الآية 42.

5 - سورة طه: الآية 109.

6 - سورة البقرة: الآية 255.

7 - سورة الأنبياء: الآية 28.

8 - البخاري: ج 11 ص 96 ومسلم: ج 1 ص 190.

9 - معنى تقرير النبي: أنّه (عليه السلام) يشاهد أو يسمع شيئاً معيّنا ولا يعترض عليه ولا يمنع منه ممّا يعني أنّه (صلى الله عليه وآله) أجازه وأباحه.

10 - سورة الأعراف: الآية 194.

11 - سورة آل عمران: الآية 169.

12 - سورة المائدة: الآية 35.

13 - سورة النساء: الآية 64.

14 - سورة الكوثر: الآية 2.

15 - رواه البخاري في الصحيح في كتاب التيمّم: ج 1 والسنن الكبرى: ج2.

16 - فضائل الصحابة للنسائي والسنن الكبرى: ج 5 ص ومصابيح السنة: ج 1.

17 - سورة المائدة: الآية 55.

| أعلى |