مكتبة الموقع

المكتبة الفكرية

الصفحة الرئيسية

 

 

لمحات في تاريخ التشيع

المؤلف: السيد حسن الأمين

 

² تصدير 

² كيف نفهم التشيع؟

² حقيقه الاسلام

² الرجعيه العربيه

² تدابير النبى

² رفض الانحراف عن مبادى‏ء الاسلام

² كتابه تاريخ الاسلام

² الاسس الصحيحه لكتابه تاريخ الاسلام

²  التاريخ الشيعى

² مراحل تاريخ التشيع

² الطريق الوعر الشاق

² صفحه الكفاح

² وقوع ما حذرت منه فاطمه

² شعارات التشيع

² قيام دول الجور والظلم

² الشعب يعرف طريقه

² التشيع يتحرك

² الحسين فى الميدان

² اسم الشيعه

² فى العهد الاموى

² عصر الصادق

² الشيعه فى الحكم

² التجارب اللاحقه

² الفاطميون

² الشيعه هم هم على اختلاف آرائهم

² الحمدانيون

² بنو عمار

² البويهيون

²  دول اخرى

²  نصير الدين الطوسى

² جمال الدين الافغانى الاسد آبادى

² فى الديلم

² فى اندونيسيا

² فى الصين وكامبوجا وسيام

² فى الفلپين

² فى افريقيا الشرقيه

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

تصدير:

ما زال تاريخ التشيع يقرا خطا على انه تاريخ ظاهره طارئهفى‏الاسلام، افرزتها احداث معينه فى زمن متاخر عن وفاه‏الرسول(ص) بغض النظر عن الاختلاف الكثير فى تحديد بدايه لهذه‏الظاهره: فبين من جعل تلك البدايه مقرونه بماساه كربلاء وحاله‏الندم الشديده التى اعقبتها لدى الكثير من المومنين الذين شعروابتفريط كبير حين اسلموا سبط رسول اللّه الحسين(ع) واهل بيته‏للقتل ولم ينصروه وبين من تقدم بهذه البدايه الى ايام امير المومنين‏على(ع) والانقسام الذى حصل فى الامه، فكان للطوائف المتمرده‏على حكومته اتباع وكان له اتباع، ومن البديهى ان يسمى اتباعه‏ب (شيعه على) وقد اطلق عليهم التاريخ هذه التسميه فى تلك الحقبه‏ربما فى مناسبات عده، تمييزا لهم عن غيرهم من الشيع، كشيعه‏اصحاب الجمل، وشيعه آل ابى سفيان، وشيعه المحكمه المارقين،اذ لا تعنى كلمه الشيعه فى بعدها اللغوى اكثر من (الاتباع).. وبين‏فريق ثالث تقدم بهذه البدايه مراحل اخرى ليقرنها بحادثه السقيفه‏والبيعه لابى بكر، الامر الذى افرز جماعه تحزبوا لعلى(ع) ورفضوااطروحه السقيفه فكانوا النواه الاولى ل (شيعه على)..

وبين فريق رابع ارتفع بهذه البدايه الى عهد الرسول الاكرم(ص) من‏خلال احاديث كانت صريحه فى تسميه فريق من المومنين سوف‏تميزهم الاحداث الراهنه والمستقبليه، باسم (شيعه على) كما فى‏الحديث المروى فى اغلب كتب التفسير تحت قوله تعالى: (ان‏الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البريه)قال(ص) لعلى(ع):(هم انت وشيعتك..) والحديث الاخر الذى اخرجه ابن الاثير فى(النهايه) عن على(ع) ان النبى(ص) قال له: (ستقدم على اللّه انت‏وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين)...

مستفيدين بلا شك من التطابق الحاصل فى التسميه بين ما ورد فى‏الحديث وما افرزه التاريخ. والاختيار الاخير هو الذى تمسك به الكثير من مفكرى

الشيعه‏ومحققيهم، وهو وان كان اقرب من غيره الى الصواب فى تحديدالبدايه، غير انه هو الاخر تفسير خاط‏ى‏ء..ذلك ان الحديث الشريف المذكور آنفا لم يكن تشريعا فى

تاسيس‏فرقه جديده فى قلب الكيان الاسلامى.. فلم يكن رسول اللّه(ع) قدجاء بدعوتين، احدهما عامه والاخرى خاصه، بل جاء بدعوه‏واحده واهداف واحده ومنهاج واحد، وانما كان فى حديثه‏المذكور يشير الى مستقبل حاصل لامحاله سيظهر فيه انقسام اوانقسامات تاخذ اطرافها بجمله من الاهداف الاجماليه للشريعه اوتحتكم لمصلحه ضاغطه، عامه او خاصه، مما سيتمخض عن نشوءفرقه فى الاسلام لها اهدافها ومبادوها ومصالحها، ولها جمهورها..

عندئذ لابد من التعريف بالمسار الذى سيبقى ممتثلا تمام الامتثال‏لدعوه الاسلام ومبادئه واهدافه ومنهاجه، كما هى قبل الانقسام،ليمثل مع العهد النبوى المبارك مسارا واحدا ممتدا متصل الفصول،لم يتغير شى‏ء من معالمه .. وهذا هو المراد بالحديث الذى تحدث‏عن جمهور ملتزم سوف لا يحدث انتماء جديدا لشى‏ء من‏الانقسامات الحاصله، ذلك هو الذى احاطهالتشريع بالمبادى‏ءالفارقه، من قبيل قوله(ص): (من كنت مولاه فعلى مولاه) وليس هذاحديث كسائر الاحاديث، بل له عليها تفوق كبير يظهر منذ البدء فى‏ظروف تبليغه، فهو النص الذى اعلنه النبى(ص) فى اوسع تجمع‏للمسلمين فى حياته الشريفه وعند مفترق الطرق قبل ان ينصرف‏كل الى بلده، حملهم هذا الابلاغ ليعودوا به حيا فى اذهانهم‏وضمائرهم، آخر ماحفظوه عنه وامروا بتبليغه فى بلدانهم.. انه‏الترسيم التام لاول اسس ومعالم المسار الطبيعى للاسلام بعدالرسول(ص).

ومن قبيل قوله(ص): (على مع القرآن والقرآن مع على، لايفترقان حتى يردا على الحوض).

فالذى لا يفارق القرآن هو العلم الذى سيميز المسار الطبيعى لرساله‏الاسلام كما دعا اليها رسول الاسلام. ومن هنا فمن الخطا، علميا، وتاريخيا، ان نبحث فى تحديد ولاده‏لهذا المسار منفصله عن ميلاد الاسلام نفسه، بل الصحيح، علميا و تاريخيا، هو البحث عن ولادات الانقسامات الطارئه على كيان‏الامه والتى كان اولها ما تمخضت عنه السقيفه، سقيفه بنى ساعده،بعيد وفاه الرسول الاعظم(ص)..

واذا كان على هو معلم الامتداد الطبيعى لمحمد(ص) فان لعلى(ع)امتداد ياتى من بعده ، سبق النبى(ص) الى الاعلان عنه والتعريف به،للغرض نفسه، غرض التعريف بدعوه الاسلام ومسارها الذى‏سيحفظ جميع اهدافها ويمضى على بينات منهاجها.. (انى تارك‏فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وان اللطيف الخبير قداخبرنى انهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض) وفى نص آخر:(انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى...) الحديث. (انى‏تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّهوعترتى).

ولم يكتف النبى(ص) وهو يحدد معالم المسار هنا بعده بان يعرف‏بالقطب والمحور، بل توسع فى ذلك من خلال الارشاد الى معالم‏اخرى تدل عليه، فعرف للامه رجالا باعيانهم سيلزمون ذلك المهيع‏ويحفون به ولا يبتعدون عنه قيد انمله: فذلك ابو ذر الغفارى: (ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق‏لهجه من ابى ذر)! وذاك عمار (اذا اختلف الناس فابن سميه مع‏الحق)! هذان العلمان اللذان لم يفارقا عليا طرفه عين..

ومن هنا كان حذيفه بن اليمان، بعدما اوغلت الفرقه فى الناس،يقول: (آمركم ان تلزموا عمارا). قالوا: ان عمارا لا يفارق عليا!! فقال:(ان الحسد اهلك الجسد! انما ينفركم من عمار قربه من على، فواللّهلعلى افضل من عمار ابعد مابين التراب والسحاب، وان عمارا لمن‏الاحباب). هولاء هم على وشيعته، وليس كما يحاول التاريخ السلطانى‏تسطيره، حتى ترسخ فى الاذهان وكانه الصوره الصادقه لتاريخ‏الاسلام، وماهى فى الحقيقه الا اوهام متعمده، جرى فيها التاريخ‏على مجاراه الحاله السياسيه النافذه التى لا تنظر الى مخالفيها الاكفرق وطوائف ينبغى ان يكون للدوله ازاءها الموقف الحاسم‏المحدد. ومن هنا، من افرازات الحاله السياسيه الطارئه واسقاطات التاريخ،ترسخ نوع خصومه للدور (الشيعى) فى الاسلام، ونوع اقصاء لاهله‏عن قلب الدائره الاسلاميه، الى الاطراف والمنافى! حتى صارالدارسون ينظرون الى الدول الشيعيه فى الاسلام نظرتهم الى الدول‏الدخيله والغازيه.. انظر نظره مقارنه بين ما يحكيه عامه مورخينا عن اشد الادوارالامويه انحرافا، واشد الادوار العباسيه تفككا وتفسخا، وعن الدوله‏الايوبيه المشحونه بالتناقضات، من جهه، وبين ما يحكيه عن الدوله‏البويهيه والحمدانيه والفاطميه والادريسيه من جهه اخرى..

لم يعرف التاريخ لفارس بنى حمدان ما عرفه لموسس الدوله‏الايوبيه.. رغم ما يشهد به التاريخ نفسه من نزاهه فى مسيره الاول‏وهو يقارع الصليبين، ومن علامات استفهام وشكوك كثيره تدورحول مسيره صلاح الدين ابان حروبه.

وعلى مستوى المعانى الحضاريه الاخرى يحاول التاريخ بخس‏الدول الشيعيه حقها، فيما يغض الطرف عن عمليات الهدم‏الحضارى الشنيعه التى ارتكبها خصومهم عن عمد! كما هو ظاهرجدا فى ميدان العلوم ودور الكتب العظيمه التى اسستها الدول‏الشيعيه فى العراق ومصر ولبنان وحلب وايران، والتى ابيدت‏باكملها على ايدى خصومهم من السلاجقه والصليبين والايوبيين،وما نجا من هولاء عطف عليه التتار، فلم ينج من بين ايديهم من آثارالمسلمين ومن كبار علمائهم الاما استطاع نصير الدين الطوسى‏انقاذه، ليعيد منه بناء قلاع العلم ويوسس مدارسه الاكثر تطورا..لكن الذى حصل ان يقع هذا المنقذ للعلم والحضاره تحت وقع‏مطارق النقاد، يتهمونه بالخيانه والتواطو، فيما يغضون الطرف عن‏رجال كانوا يمارسون دور الخيانه بكل جساره ووقاحه، من امثال‏الملك السعيد الايوبى والملك المغيث اللذين كانا الى جانب‏المغول فى غزوهم بلاد الشام، يقاتلون المسلمين، والاول منهمااسره المسلمون بعد هزيمه المغول فقتلوه، والثانى قبض عليه‏الظاهر بيبرس وكشف مكاتباته للمغول ثم قتله.. ومن قبيل ما صنعه‏الامراء الايوبيون بعد صلاح الدين من السخاء مع الصليبيين، فكل‏امير يمنحهم بلدا من بلدانه مقابل انتصارهم له على اخيه او ابن‏عمه، حتى عادوا لياخذوا كل القدس وضواحيها ثمنا لنصره هذاالامير على ابن عمه!

لقد غض نقاد التاريخ الطرف عن هذا وامثاله، كما غضوا الطرف عن‏مفاخر اسلاميه كبرى انجزها التاريخ الشيعى، ليتصيدوا فى الماء العكر احداثا ووقائع يدخلون عليها الكثير من التضخيم اوالتزوير وربما القلب احيانا لمجرد ارضاء ذواتهم المنطويه على‏خصومه تاريخيه مع صانعى تلك المفاخر.. وهذه هى مشكله التاريخ حين يكتب تحت هيمنه الاهواءوالتشيعات، اذ سيفقد روحه ومعناه وينتقل الى لون من الوان الجدل‏الطائفى البحت. وفى هذا الكتاب الموسوم ب(لمحات فى تاريخ التشيع) نقف على‏سلسله متصله من مفاخر الاسلام والمسلمين فى شتى ميادين‏العمل الحضارى المتقدم، انجزتها الدول (الشيعيه) الكبيره‏والصغيره وما انجزه اعلام (الشيعه) على صعيد نشر الاسلام وبث‏الوعى الاسلامى بين الامم، فانطوى من هذا وذاك على ارقام‏تاريخيه ثابته وجليله، جديره باعاده النظر فى بناء مدوناتنا التاريخيه‏ذائعه الصيت، وليس فى الاتجاهات المعاصره فى نقد التاريخ‏وحسب، سواء كانت اتجاهات اسلاميه او استشراقيه، وقد قدم‏الباحث لهذا الاستعراض المكثف بلمحه عن احداث تاريخيه‏فاصله فى حياه المسلمين تظهر بوضوح رجحانا اكيدا للمنهج الذى‏اعتمده الباحث فى تقويمه ونقده. مركز الغدير

 

كيف نفهم التشيع؟

 

حقيقه الاسلام:

لكى نفهم التشيع وعوامل وجوده يجب ان نفهم الاسلام فهماصحيحا، ونفهم الغايه التى جاء من اجلها الاسلام والهدف الذى‏رمى اليه. فاذا كان الاسلام عبادات محضه، فلا ريب انه لم يكن هناك من مبررلوجود التشيع، لان الناس لم ينقطعوا عن اداء عباداتهم فى كل‏الظروف التى مر بها الاسلام. ولكن الاسلام ليس عبادات وحدها، فالى جانب العبادات كانت‏للاسلام اهداف عالميه وغايات انسانيه هى فى الواقع جوهره و حقيقته والغايه التى جاء من اجلها. ومهما كان من امر العبادات‏فانها لا تتعدى صله الفرد بربه، ولا مساس لها بصميم حياه الشعوب‏وسعادتها المعاشيه وشقائها الاجتماعى. ولا تاثير لها على رفع الظلم‏ونشر العدل والمساواه والحريه. جاء الاسلام فاصبحت الكفاءه الشخصيه هى الموهل للتقدم،واصبحت العداله الاجتماعيه هى المفروضه، واصبح الفقرهو المحارب، فقد انقلبت المقاييس فاصبح (بلال الحبشى)الافريقى الاسود هو المتصدر، و (سلمان الفارسى) هو القريب،والعبد السابق (زيد بن حارثه) هو القائد وانقرض التحكم الفردى‏والاستبداد الشخصى فلا ظلم للفرد، ولا للمجموع ولا طغيان‏للمتسلطين، ولا ادلال بالانساب، ولا استسلام للنزوات، ولااسترسال فى العصبيات، ولا مصادره للحريات. والمال مال الامه‏ينفق فى مصالحها ويبذل لراحتها بلا تمييز ولا تعسف ولا افتئات.

استطاع الاسلام ان يوجد فى الجزيره العربيه هذا الحكم، وان يسموبالبشريه الى درجه من العدل الاجتماعى والحريه الشخصيه والمساواه العامه مما لم تحلم به فى ماضيها، وكان اقل انحراف عن‏الخط يستدعى من المخلصين التصدى له، والوقوف فى وجهه،والثوره عليه.

 

الرجعيه العربيه:

وكان فى يقين النبى ان الرجعيه العربيه التى حاربت الاسلام حربهاالشعواء لم تمت فى نفوس اصحابها، وان الذين فرض

عليهم‏الاسلام انتصاره لا يزالون متحفزين. وكان فى علم اللّه ان العناصرالتى تالبت على ابطال الدعوه وهزيمتها لا تزال

تتالب سرا وتتنظم‏ليوم تثبت فيه من جديد. لذلك نلاحظ ان كلمه عربيه كان لها قبل الاسلام مودى

عام،اصبح لها بعد تركيز الاسلام مودى معين، وكثر تردادها فى

القرآن‏وفى الحديث، واصبحت تشير الى طبقه معينه ممن ابدوا اسلامهم:تلك هى كلمه (المنافقون)، ثم راينا ان القرآن

الكريم ادخل تطوراجديدا على مفهوم العقيده، فاذا هناك شى‏ء اسمه الاسلام وشى‏ءاسمه الايمان، واذن فان لدينا مسلمين لا يمكن ان يقفوا فى صف‏واحد مع المسلمين المومنين. وشاء اللّه ان يوكد فى كتابه الكريم هذا المعنى وان يركز

على‏الاشاره اليه وينبه الاذهان الى استيعابه فخاطب نبيه مشيرا الى‏المنافقين: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) وهذا يدلنا على تغلغل النفاق‏واستحكام امره بحيث يخفى رجاله وتخفى نواياهم حتى على‏النبى(ص).

 

تدابير النبى:

امام ذلك كان لابد للنبى(ص) من تدبير مضاد يقطع الطريق

على‏الرجعيه المتحفزه، فاخذ يمهد للرجال الذين حملوا عب‏ءالنضال‏الاول صابرين على التعذيب والشقاء، واخذ يشير اليهم‏ويدل عليهم، فسمعناه يقول: (عمار جلده مابين عينى)، (ما اقلت‏الغبراء ولا اظلت الخضراء على ذى لهجه اصدق من ابى ذر)، (سلمان منا اهل البيت). الى كثير من امثال هذه الاقوال التى‏كانت فى الحقيقه غرسا لبذره التشيع الاولى. ثم رايناه يبلغ بالامرغايته حين وقف فى ايابه من حجه الوداع فى جموع المسلمين‏بغدير خم وقد اخذ بيد على قائلا بعد تمهيد: (من كنت مولاه فعلى‏مولاه).

 

رفض الانحراف عن مبادى‏ء الاسلام:

 من استعراضنا للرجال الذين التفوا حول على(ع) وكانوا هم من قبل‏النواه الاولى للاسلام فى التفافهم حول محمد وعلى فى حياه‏النبى(ص)، ثم حول على وحده بعد وفاه النبى. من استعراضنا لهولاءالرجال نرى انهم برزوا من صفوف الشعب‏المضطهد المظلوم المحروم، وتشربوا الاسلام تشربا كاملا ادى بهم‏الى تحمل اقسى التعذيب، ومعاناه افظع البلاء. وحين تمت السيطره على الخلافه بالاسلوب المعلوم رفض هولاء اقرار الامر الواقع وصمدوا اليوم فى وجه طلائع الانحراف،صمودهم بالامس فى وجه الجاهليه الوثنيه، واعلنوا مقاومتهم ‏لقريش التى تمهد للانحراف عن جوهر الاسلام بتامرها على على.. اعلنوا مقاومتهم لها بنفس القوه التى قاوموها بها قبل استسلامهاللاسلام حين كانت تتامر على محمد(ص).

وهكذا فانه يمكننا القول: ان رفض الانحراف عن جوهر الاسلام ثم‏الثوره على دول الظلم والجور هو المعيار الاساس للتشيع ومن هنايرتبط ظهور التشيع بظهور وبدء هذا الانحراف.

 

كتابه تاريخ الاسلام

 

الاسس الصحيحه لكتابه تاريخ الاسلام:

الاسس التى ارتكز عليها مورخو الاسلام من قبل ومن بعد ليست‏فى معظمها هى الاسس الصحيحه التى كان يجب ان ترتكز عليهاكتابه تاريخ تلك الدعوه العظيمه وتاريخ ابطالها، فالذين كتبواالتاريخ كانوا مقيدين بقيود حددت مناهجهم وحدت من انطلاقهم،فضاع تاريخ الحركات الشعبيه العديده التى كانت تعبيرا عن تذمرالشعب ونقمته على حكامه، وجهلنا تفاصيل الانتفاضات‏الجماهيريه التى قادها المسلمون المخلصون. ان مورخا (كالطبرى) مثلا - يعتبر مورخ الاسلام الاول - نراه مشدودابحبال لا يستطيع معها الانفتاح الكامل على الحقائق الصريحه، فهوحين يورخ حركه ابى ذر مثلا لا يتورع حين يعدد ماخذ الشعب‏على حكامه، تلك الماخذ التى تبرر ثورته، لا يتورع حين يصل الى‏الصميم من ان يقول: (واما الاخرون فانهم رووا فى‏سبب ذلك اشياء كثيره وامورا شنيعه كرهت ذكرها). واذا كان الطبرى كره ذكرها فما ذنب الشعب ليضيع تاريخه؟

وماذنبنا لنجهل ذلك التاريخ؟! فى حين ان ماكره الطبرى ذكره هو اللب‏فى عوامل النقمه وهو الجوهر فى اسباب تحركات الشعب‏المحروم المهضوم. والدكتور هيكل نشر كتابه (حياه محمد) اول ما نشره فصولا فى‏جريده (السياسه) الاسبوعيه، ولما وصل الى دعوه النبى لعشيرته الاقربين نشر تفاصيلها كما وردت فى كتب التاريخ، فاعترض عليه‏معترض بان ذلك عين ما تقوله الشيعه، فرد هيكل بان هذا ما يقوله‏التاريخ. ولما نشرت الطبعه الثانيه من الكتاب وردت التفاصيل مشوهه، وبترمنها ما افسدها. وتساءلنا عن السبب فعلمنا انه عرض على وزاره‏الاوقاف المصريه شراء الف نسخه من الكتاب فاشترطت هذاالتشويه، فنزل هيكل على شرطها لقاء خمسمائه جنيه مصرى ثمن الالف نسخه، ولم يعد القول ماقاله التاريخ!

 

التاريخ الشيعى:

واننا لنقول ان التاريخ الشيعى هو التاريخ الموازى لاحداث تاريخ‏الاسلام، ولكن رفضا لما هو حقيق بالرفض منها، وثوره عليه،ومحاوله لاقامه الاسلام الصحيح.

ان التاريخ الشيعى يرفض ان يكون طريق الوصول الى الخلافه هوالعراك بين قريش وبين فئه من الانصار، عراك يبدا فى سقيفه بنى‏ساعده بالملاسنه، ثم يتطور الى الشتائم، ثم يزيد تطورا الى‏الاشتباك بالايدى. فيتغلب من لم يكن زعيمهم مريضا على الذين‏كان زعيمهم مريضا مسجى، فيتقرر منذ تلك الساعه المبدا الخطير:مبدا ان (الخلافه لمن غلب).

ان التاريخ الشيعى يرفض اقرار هذا المبدا، وان التاريخ الشيعى‏يرفض احياء الطبقيه التى اماتها الاسلام، وتصنيف الناس ورفع درجاتهم بحسب انتمائهم الى قبائل معينه او عناصر معينه اوشعوب معينه.

ويرفض ان يجرى تقسيم الفى‏ء والصدقات على هذا الاساس،فيفضل المهاجرون من قريش على غيرهم من المهاجرين، ويفضل المهاجرون كافه على الانصار كافه، ويفضل المسلمون من العرب‏على المسلمين من غير العرب، ويفضل الصريح على المولى. ان التاريخ الشيعى يرفض هذا الاجراء ويتمسك بمنطوق القاعده‏الاسلاميه التى نصت على انه: (انما الصدقات للفقراء والمساكين)وهى قاعده مطلقه لا تميز ولا تفضل ولا تفرق.

والتاريخ الشيعى يرفض التضييق على حريه الراى، ويابى خنق هذه‏الحريه واضطهاد رجالها، ويرفض ان يعامل الناس مثل ما عومل به‏مثلا صحابى مثل صبيغ بن عسل حين غم عليه فهم بعض الايات‏المتشابهه فراح يسال عن ذلك فاستدعاه الخليفه وراح يضرب‏راسه بعراجين النخل حتى دمى راسه ثم نفاه. وان التاريخ الشيعى يرفض كذلك ان يتخذ قائد المسلمين من‏مهمته فرصه للهجوم على من لم يرتدوا ليقتل عميدهم. كما يرفض التاريخ الشيعى ان يصفح عن ذلك القائد نفسه حين‏حلف فى احدى معاركه فى العراق: لئن اظفره اللّه على عدوه ليجدن‏فى قتلهم حتى يجرى نهرهم بدمائهم...الخ. ان التاريخ الشيعى يرفض ان يصفح عن هذا القائد واشباهه لان فيماارتكبوه انحرافا بالاسلام وتضييعا له، ولا تشفع لهم عنده انهم‏انتصروا وفتحوا، لان غايه الاسلام ليست الفتح لمجرد الفتح، والفتح‏الذى ترافقه هذه الاهوال، فتح ياباه الاسلام الصحيح.

ان حقيقه تاريخ الاسلام كرساله انسانيه هو هذا الصراع بين‏الخطين: خط الانحراف ودوله الجور والظلم، وخط المبادى‏ءالاسلاميه الصحيحه.

 

مراحل تاريخ التشيع

 اعتبرت الرجعيه ما اعلنه النبى(ص) يوم غدير خم شيئا خطيرا، فلم‏يكن من السهل عليها وصول على(ع) الى الحكم بعصبته المتماسكه‏ورجاله المتشبعين بمبادى‏ء الحريه والعدالهوالمساواه، والعازمين‏على عدم التفريط بذره مما قرره الاسلام للشعوب من حق الحياه‏الكريمه، والمتصلبين فى دفع الانتهازيين والاستغلاليين‏والمنحرفين عن التغلغل الى ازمه القيادات الاسلاميه.

لقد صبرت الرجعيه وقرت فى عهد النبى(ص) ولم يبق لمناهجهامكان فى المسيره الاسلاميه المتوثبه، هذه الرجعيه التى رات آخرآمالها ينهار يوم فتح مكه حين ابصرت ان الرجل الاسود (بلالا)الحبشى هو الذى عهد اليه النبى(ص) بان يصعد على ظهر الكعبه معلناكلمه الاسلام، صارخا بالشهادتين.

لقد كان ممكنا ان يصعد اى رجل غير (بلال) فيقف هذا الموقف،ولكن النبى(ص) اختار (بلالا) بالذات ليرى قريشا الحد الفاصل بين‏الماضى والحاضر: العبيد السود حين يخلصون لدعوه الهدى هم‏اليوم الساده، والقرشيون الذين قاتلوا الدعوه هم الذين ينفذون‏اوامر الساده الجدد فى وجوب تلبيه نداء الحق.

ولم تكتم الرجعيه حنقها حتى وهى فى هزيمتها الفاصله، فقال قائلها: الم يجد محمد غير هذا الغراب الاسود ينعب بهذاالنداء فى آفاقنا؟.

لقد صبرت الرجعيه متسائله بينها وبين نفسها: اتسنح الفرصه من‏جديد؟ وكان عليها ان تفكر طويلا، وان تخطط للبعيد، ولما رات‏النبى(ص) يعلن ما اعلنه يوم الغدير عزمت على ان تدعم ايه جماعه‏تتصدى لابطال هذا الاعلان. ولما مرض النبى وازداد مرضه حاول‏ان يوكد ما بدا اعلانه يوم الغدير وان يسجل هذا الاعلان بوثيقه‏خطيه قائلا انه سيكتب لهم ما لن يضلوا بعده ابدا، لكنه لم تساعده‏الظروف. فكان كل ما استطاع النبى(ص) ان يفعله فى تلك الساعه هوان يطردهم من مجلسه على ما يوكد البخار