|
لمحات في تاريخ التشيع المؤلف: السيد حسن الأمين
بسم اللّه الرحمن الرحيم
ما زال تاريخ التشيع يقرا خطا على انه تاريخ ظاهره طارئهفىالاسلام، افرزتها احداث معينه فى زمن متاخر عن وفاهالرسول(ص) بغض النظر عن الاختلاف الكثير فى تحديد بدايه لهذهالظاهره: فبين من جعل تلك البدايه مقرونه بماساه كربلاء وحالهالندم الشديده التى اعقبتها لدى الكثير من المومنين الذين شعروابتفريط كبير حين اسلموا سبط رسول اللّه الحسين(ع) واهل بيتهللقتل ولم ينصروه وبين من تقدم بهذه البدايه الى ايام امير المومنينعلى(ع) والانقسام الذى حصل فى الامه، فكان للطوائف المتمردهعلى حكومته اتباع وكان له اتباع، ومن البديهى ان يسمى اتباعهب (شيعه على) وقد اطلق عليهم التاريخ هذه التسميه فى تلك الحقبهربما فى مناسبات عده، تمييزا لهم عن غيرهم من الشيع، كشيعهاصحاب الجمل، وشيعه آل ابى سفيان، وشيعه المحكمه المارقين،اذ لا تعنى كلمه الشيعه فى بعدها اللغوى اكثر من (الاتباع).. وبينفريق ثالث تقدم بهذه البدايه مراحل اخرى ليقرنها بحادثه السقيفهوالبيعه لابى بكر، الامر الذى افرز جماعه تحزبوا لعلى(ع) ورفضوااطروحه السقيفه فكانوا النواه الاولى ل (شيعه على).. وبين فريق رابع ارتفع بهذه البدايه الى عهد الرسول الاكرم(ص) منخلال احاديث كانت صريحه فى تسميه فريق من المومنين سوفتميزهم الاحداث الراهنه والمستقبليه، باسم (شيعه على) كما فىالحديث المروى فى اغلب كتب التفسير تحت قوله تعالى: (انالذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البريه)قال(ص) لعلى(ع):(هم انت وشيعتك..) والحديث الاخر الذى اخرجه ابن الاثير فى(النهايه) عن على(ع) ان النبى(ص) قال له: (ستقدم على اللّه انتوشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين)... مستفيدين بلا شك من التطابق الحاصل فى التسميه بين ما ورد فىالحديث وما افرزه التاريخ. والاختيار الاخير هو الذى تمسك به الكثير من مفكرى الشيعهومحققيهم، وهو وان كان اقرب من غيره الى الصواب فى تحديدالبدايه، غير انه هو الاخر تفسير خاطىء..ذلك ان الحديث الشريف المذكور آنفا لم يكن تشريعا فى تاسيسفرقه جديده فى قلب الكيان الاسلامى.. فلم يكن رسول اللّه(ع) قدجاء بدعوتين، احدهما عامه والاخرى خاصه، بل جاء بدعوهواحده واهداف واحده ومنهاج واحد، وانما كان فى حديثهالمذكور يشير الى مستقبل حاصل لامحاله سيظهر فيه انقسام اوانقسامات تاخذ اطرافها بجمله من الاهداف الاجماليه للشريعه اوتحتكم لمصلحه ضاغطه، عامه او خاصه، مما سيتمخض عن نشوءفرقه فى الاسلام لها اهدافها ومبادوها ومصالحها، ولها جمهورها.. عندئذ لابد من التعريف بالمسار الذى سيبقى ممتثلا تمام الامتثاللدعوه الاسلام ومبادئه واهدافه ومنهاجه، كما هى قبل الانقسام،ليمثل مع العهد النبوى المبارك مسارا واحدا ممتدا متصل الفصول،لم يتغير شىء من معالمه .. وهذا هو المراد بالحديث الذى تحدثعن جمهور ملتزم سوف لا يحدث انتماء جديدا لشىء منالانقسامات الحاصله، ذلك هو الذى احاطهالتشريع بالمبادىءالفارقه، من قبيل قوله(ص): (من كنت مولاه فعلى مولاه) وليس هذاحديث كسائر الاحاديث، بل له عليها تفوق كبير يظهر منذ البدء فىظروف تبليغه، فهو النص الذى اعلنه النبى(ص) فى اوسع تجمعللمسلمين فى حياته الشريفه وعند مفترق الطرق قبل ان ينصرفكل الى بلده، حملهم هذا الابلاغ ليعودوا به حيا فى اذهانهموضمائرهم، آخر ماحفظوه عنه وامروا بتبليغه فى بلدانهم.. انهالترسيم التام لاول اسس ومعالم المسار الطبيعى للاسلام بعدالرسول(ص). ومن قبيل قوله(ص): (على مع القرآن والقرآن مع على، لايفترقان حتى يردا على الحوض). فالذى لا يفارق القرآن هو العلم الذى سيميز المسار الطبيعى لرسالهالاسلام كما دعا اليها رسول الاسلام. ومن هنا فمن الخطا، علميا، وتاريخيا، ان نبحث فى تحديد ولادهلهذا المسار منفصله عن ميلاد الاسلام نفسه، بل الصحيح، علميا و تاريخيا، هو البحث عن ولادات الانقسامات الطارئه على كيانالامه والتى كان اولها ما تمخضت عنه السقيفه، سقيفه بنى ساعده،بعيد وفاه الرسول الاعظم(ص).. واذا كان على هو معلم الامتداد الطبيعى لمحمد(ص) فان لعلى(ع)امتداد ياتى من بعده ، سبق النبى(ص) الى الاعلان عنه والتعريف به،للغرض نفسه، غرض التعريف بدعوه الاسلام ومسارها الذىسيحفظ جميع اهدافها ويمضى على بينات منهاجها.. (انى تاركفيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وان اللطيف الخبير قداخبرنى انهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض) وفى نص آخر:(انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى...) الحديث. (انىتارك فيكم خليفتين: كتاب اللّهوعترتى). ولم يكتف النبى(ص) وهو يحدد معالم المسار هنا بعده بان يعرفبالقطب والمحور، بل توسع فى ذلك من خلال الارشاد الى معالماخرى تدل عليه، فعرف للامه رجالا باعيانهم سيلزمون ذلك المهيعويحفون به ولا يبتعدون عنه قيد انمله: فذلك ابو ذر الغفارى: (ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدقلهجه من ابى ذر)! وذاك عمار (اذا اختلف الناس فابن سميه معالحق)! هذان العلمان اللذان لم يفارقا عليا طرفه عين.. ومن هنا كان حذيفه بن اليمان، بعدما اوغلت الفرقه فى الناس،يقول: (آمركم ان تلزموا عمارا). قالوا: ان عمارا لا يفارق عليا!! فقال:(ان الحسد اهلك الجسد! انما ينفركم من عمار قربه من على، فواللّهلعلى افضل من عمار ابعد مابين التراب والسحاب، وان عمارا لمنالاحباب). هولاء هم على وشيعته، وليس كما يحاول التاريخ السلطانىتسطيره، حتى ترسخ فى الاذهان وكانه الصوره الصادقه لتاريخالاسلام، وماهى فى الحقيقه الا اوهام متعمده، جرى فيها التاريخعلى مجاراه الحاله السياسيه النافذه التى لا تنظر الى مخالفيها الاكفرق وطوائف ينبغى ان يكون للدوله ازاءها الموقف الحاسمالمحدد. ومن هنا، من افرازات الحاله السياسيه الطارئه واسقاطات التاريخ،ترسخ نوع خصومه للدور (الشيعى) فى الاسلام، ونوع اقصاء لاهلهعن قلب الدائره الاسلاميه، الى الاطراف والمنافى! حتى صارالدارسون ينظرون الى الدول الشيعيه فى الاسلام نظرتهم الى الدولالدخيله والغازيه.. انظر نظره مقارنه بين ما يحكيه عامه مورخينا عن اشد الادوارالامويه انحرافا، واشد الادوار العباسيه تفككا وتفسخا، وعن الدولهالايوبيه المشحونه بالتناقضات، من جهه، وبين ما يحكيه عن الدولهالبويهيه والحمدانيه والفاطميه والادريسيه من جهه اخرى.. لم يعرف التاريخ لفارس بنى حمدان ما عرفه لموسس الدولهالايوبيه.. رغم ما يشهد به التاريخ نفسه من نزاهه فى مسيره الاولوهو يقارع الصليبين، ومن علامات استفهام وشكوك كثيره تدورحول مسيره صلاح الدين ابان حروبه. وعلى مستوى المعانى الحضاريه الاخرى يحاول التاريخ بخسالدول الشيعيه حقها، فيما يغض الطرف عن عمليات الهدمالحضارى الشنيعه التى ارتكبها خصومهم عن عمد! كما هو ظاهرجدا فى ميدان العلوم ودور الكتب العظيمه التى اسستها الدولالشيعيه فى العراق ومصر ولبنان وحلب وايران، والتى ابيدتباكملها على ايدى خصومهم من السلاجقه والصليبين والايوبيين،وما نجا من هولاء عطف عليه التتار، فلم ينج من بين ايديهم من آثارالمسلمين ومن كبار علمائهم الاما استطاع نصير الدين الطوسىانقاذه، ليعيد منه بناء قلاع العلم ويوسس مدارسه الاكثر تطورا..لكن الذى حصل ان يقع هذا المنقذ للعلم والحضاره تحت وقعمطارق النقاد، يتهمونه بالخيانه والتواطو، فيما يغضون الطرف عنرجال كانوا يمارسون دور الخيانه بكل جساره ووقاحه، من امثالالملك السعيد الايوبى والملك المغيث اللذين كانا الى جانبالمغول فى غزوهم بلاد الشام، يقاتلون المسلمين، والاول منهمااسره المسلمون بعد هزيمه المغول فقتلوه، والثانى قبض عليهالظاهر بيبرس وكشف مكاتباته للمغول ثم قتله.. ومن قبيل ما صنعهالامراء الايوبيون بعد صلاح الدين من السخاء مع الصليبيين، فكلامير يمنحهم بلدا من بلدانه مقابل انتصارهم له على اخيه او ابنعمه، حتى عادوا لياخذوا كل القدس وضواحيها ثمنا لنصره هذاالامير على ابن عمه! لقد غض نقاد التاريخ الطرف عن هذا وامثاله، كما غضوا الطرف عنمفاخر اسلاميه كبرى انجزها التاريخ الشيعى، ليتصيدوا فى الماء العكر احداثا ووقائع يدخلون عليها الكثير من التضخيم اوالتزوير وربما القلب احيانا لمجرد ارضاء ذواتهم المنطويه علىخصومه تاريخيه مع صانعى تلك المفاخر.. وهذه هى مشكله التاريخ حين يكتب تحت هيمنه الاهواءوالتشيعات، اذ سيفقد روحه ومعناه وينتقل الى لون من الوان الجدلالطائفى البحت. وفى هذا الكتاب الموسوم ب(لمحات فى تاريخ التشيع) نقف علىسلسله متصله من مفاخر الاسلام والمسلمين فى شتى ميادينالعمل الحضارى المتقدم، انجزتها الدول (الشيعيه) الكبيرهوالصغيره وما انجزه اعلام (الشيعه) على صعيد نشر الاسلام وبثالوعى الاسلامى بين الامم، فانطوى من هذا وذاك على ارقامتاريخيه ثابته وجليله، جديره باعاده النظر فى بناء مدوناتنا التاريخيهذائعه الصيت، وليس فى الاتجاهات المعاصره فى نقد التاريخوحسب، سواء كانت اتجاهات اسلاميه او استشراقيه، وقد قدمالباحث لهذا الاستعراض المكثف بلمحه عن احداث تاريخيهفاصله فى حياه المسلمين تظهر بوضوح رجحانا اكيدا للمنهج الذىاعتمده الباحث فى تقويمه ونقده. مركز الغدير
لكى نفهم التشيع وعوامل وجوده يجب ان نفهم الاسلام فهماصحيحا، ونفهم الغايه التى جاء من اجلها الاسلام والهدف الذىرمى اليه. فاذا كان الاسلام عبادات محضه، فلا ريب انه لم يكن هناك من مبررلوجود التشيع، لان الناس لم ينقطعوا عن اداء عباداتهم فى كلالظروف التى مر بها الاسلام. ولكن الاسلام ليس عبادات وحدها، فالى جانب العبادات كانتللاسلام اهداف عالميه وغايات انسانيه هى فى الواقع جوهره و حقيقته والغايه التى جاء من اجلها. ومهما كان من امر العباداتفانها لا تتعدى صله الفرد بربه، ولا مساس لها بصميم حياه الشعوبوسعادتها المعاشيه وشقائها الاجتماعى. ولا تاثير لها على رفع الظلمونشر العدل والمساواه والحريه. جاء الاسلام فاصبحت الكفاءه الشخصيه هى الموهل للتقدم،واصبحت العداله الاجتماعيه هى المفروضه، واصبح الفقرهو المحارب، فقد انقلبت المقاييس فاصبح (بلال الحبشى)الافريقى الاسود هو المتصدر، و (سلمان الفارسى) هو القريب،والعبد السابق (زيد بن حارثه) هو القائد وانقرض التحكم الفردىوالاستبداد الشخصى فلا ظلم للفرد، ولا للمجموع ولا طغيانللمتسلطين، ولا ادلال بالانساب، ولا استسلام للنزوات، ولااسترسال فى العصبيات، ولا مصادره للحريات. والمال مال الامهينفق فى مصالحها ويبذل لراحتها بلا تمييز ولا تعسف ولا افتئات. استطاع الاسلام ان يوجد فى الجزيره العربيه هذا الحكم، وان يسموبالبشريه الى درجه من العدل الاجتماعى والحريه الشخصيه والمساواه العامه مما لم تحلم به فى ماضيها، وكان اقل انحراف عنالخط يستدعى من المخلصين التصدى له، والوقوف فى وجهه،والثوره عليه.
وكان فى يقين النبى ان الرجعيه العربيه التى حاربت الاسلام حربهاالشعواء لم تمت فى نفوس اصحابها، وان الذين فرض عليهمالاسلام انتصاره لا يزالون متحفزين. وكان فى علم اللّه ان العناصرالتى تالبت على ابطال الدعوه وهزيمتها لا تزال تتالب سرا وتتنظمليوم تثبت فيه من جديد. لذلك نلاحظ ان كلمه عربيه كان لها قبل الاسلام مودى عام،اصبح لها بعد تركيز الاسلام مودى معين، وكثر تردادها فى القرآنوفى الحديث، واصبحت تشير الى طبقه معينه ممن ابدوا اسلامهم:تلك هى كلمه (المنافقون)، ثم راينا ان القرآن الكريم ادخل تطوراجديدا على مفهوم العقيده، فاذا هناك شىء اسمه الاسلام وشىءاسمه الايمان، واذن فان لدينا مسلمين لا يمكن ان يقفوا فى صفواحد مع المسلمين المومنين. وشاء اللّه ان يوكد فى كتابه الكريم هذا المعنى وان يركز علىالاشاره اليه وينبه الاذهان الى استيعابه فخاطب نبيه مشيرا الىالمنافقين: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) وهذا يدلنا على تغلغل النفاقواستحكام امره بحيث يخفى رجاله وتخفى نواياهم حتى علىالنبى(ص).
امام ذلك كان لابد للنبى(ص) من تدبير مضاد يقطع الطريق علىالرجعيه المتحفزه، فاخذ يمهد للرجال الذين حملوا عبءالنضالالاول صابرين على التعذيب والشقاء، واخذ يشير اليهمويدل عليهم، فسمعناه يقول: (عمار جلده مابين عينى)، (ما اقلتالغبراء ولا اظلت الخضراء على ذى لهجه اصدق من ابى ذر)، (سلمان منا اهل البيت). الى كثير من امثال هذه الاقوال التىكانت فى الحقيقه غرسا لبذره التشيع الاولى. ثم رايناه يبلغ بالامرغايته حين وقف فى ايابه من حجه الوداع فى جموع المسلمينبغدير خم وقد اخذ بيد على قائلا بعد تمهيد: (من كنت مولاه فعلىمولاه).
رفض الانحراف عن مبادىء الاسلام: من استعراضنا للرجال الذين التفوا حول على(ع) وكانوا هم من قبلالنواه الاولى للاسلام فى التفافهم حول محمد وعلى فى حياهالنبى(ص)، ثم حول على وحده بعد وفاه النبى. من استعراضنا لهولاءالرجال نرى انهم برزوا من صفوف الشعبالمضطهد المظلوم المحروم، وتشربوا الاسلام تشربا كاملا ادى بهمالى تحمل اقسى التعذيب، ومعاناه افظع البلاء. وحين تمت السيطره على الخلافه بالاسلوب المعلوم رفض هولاء اقرار الامر الواقع وصمدوا اليوم فى وجه طلائع الانحراف،صمودهم بالامس فى وجه الجاهليه الوثنيه، واعلنوا مقاومتهم لقريش التى تمهد للانحراف عن جوهر الاسلام بتامرها على على.. اعلنوا مقاومتهم لها بنفس القوه التى قاوموها بها قبل استسلامهاللاسلام حين كانت تتامر على محمد(ص). وهكذا فانه يمكننا القول: ان رفض الانحراف عن جوهر الاسلام ثمالثوره على دول الظلم والجور هو المعيار الاساس للتشيع ومن هنايرتبط ظهور التشيع بظهور وبدء هذا الانحراف.
الاسس الصحيحه لكتابه تاريخ الاسلام: الاسس التى ارتكز عليها مورخو الاسلام من قبل ومن بعد ليستفى معظمها هى الاسس الصحيحه التى كان يجب ان ترتكز عليهاكتابه تاريخ تلك الدعوه العظيمه وتاريخ ابطالها، فالذين كتبواالتاريخ كانوا مقيدين بقيود حددت مناهجهم وحدت من انطلاقهم،فضاع تاريخ الحركات الشعبيه العديده التى كانت تعبيرا عن تذمرالشعب ونقمته على حكامه، وجهلنا تفاصيل الانتفاضاتالجماهيريه التى قادها المسلمون المخلصون. ان مورخا (كالطبرى) مثلا - يعتبر مورخ الاسلام الاول - نراه مشدودابحبال لا يستطيع معها الانفتاح الكامل على الحقائق الصريحه، فهوحين يورخ حركه ابى ذر مثلا لا يتورع حين يعدد ماخذ الشعبعلى حكامه، تلك الماخذ التى تبرر ثورته، لا يتورع حين يصل الىالصميم من ان يقول: (واما الاخرون فانهم رووا فىسبب ذلك اشياء كثيره وامورا شنيعه كرهت ذكرها). واذا كان الطبرى كره ذكرها فما ذنب الشعب ليضيع تاريخه؟ وماذنبنا لنجهل ذلك التاريخ؟! فى حين ان ماكره الطبرى ذكره هو اللبفى عوامل النقمه وهو الجوهر فى اسباب تحركات الشعبالمحروم المهضوم. والدكتور هيكل نشر كتابه (حياه محمد) اول ما نشره فصولا فىجريده (السياسه) الاسبوعيه، ولما وصل الى دعوه النبى لعشيرته الاقربين نشر تفاصيلها كما وردت فى كتب التاريخ، فاعترض عليهمعترض بان ذلك عين ما تقوله الشيعه، فرد هيكل بان هذا ما يقولهالتاريخ. ولما نشرت الطبعه الثانيه من الكتاب وردت التفاصيل مشوهه، وبترمنها ما افسدها. وتساءلنا عن السبب فعلمنا انه عرض على وزارهالاوقاف المصريه شراء الف نسخه من الكتاب فاشترطت هذاالتشويه، فنزل هيكل على شرطها لقاء خمسمائه جنيه مصرى ثمن الالف نسخه، ولم يعد القول ماقاله التاريخ!
واننا لنقول ان التاريخ الشيعى هو التاريخ الموازى لاحداث تاريخالاسلام، ولكن رفضا لما هو حقيق بالرفض منها، وثوره عليه،ومحاوله لاقامه الاسلام الصحيح. ان التاريخ الشيعى يرفض ان يكون طريق الوصول الى الخلافه هوالعراك بين قريش وبين فئه من الانصار، عراك يبدا فى سقيفه بنىساعده بالملاسنه، ثم يتطور الى الشتائم، ثم يزيد تطورا الىالاشتباك بالايدى. فيتغلب من لم يكن زعيمهم مريضا على الذينكان زعيمهم مريضا مسجى، فيتقرر منذ تلك الساعه المبدا الخطير:مبدا ان (الخلافه لمن غلب). ان التاريخ الشيعى يرفض اقرار هذا المبدا، وان التاريخ الشيعىيرفض احياء الطبقيه التى اماتها الاسلام، وتصنيف الناس ورفع درجاتهم بحسب انتمائهم الى قبائل معينه او عناصر معينه اوشعوب معينه. ويرفض ان يجرى تقسيم الفىء والصدقات على هذا الاساس،فيفضل المهاجرون من قريش على غيرهم من المهاجرين، ويفضل المهاجرون كافه على الانصار كافه، ويفضل المسلمون من العربعلى المسلمين من غير العرب، ويفضل الصريح على المولى. ان التاريخ الشيعى يرفض هذا الاجراء ويتمسك بمنطوق القاعدهالاسلاميه التى نصت على انه: (انما الصدقات للفقراء والمساكين)وهى قاعده مطلقه لا تميز ولا تفضل ولا تفرق. والتاريخ الشيعى يرفض التضييق على حريه الراى، ويابى خنق هذهالحريه واضطهاد رجالها، ويرفض ان يعامل الناس مثل ما عومل بهمثلا صحابى مثل صبيغ بن عسل حين غم عليه فهم بعض الاياتالمتشابهه فراح يسال عن ذلك فاستدعاه الخليفه وراح يضربراسه بعراجين النخل حتى دمى راسه ثم نفاه. وان التاريخ الشيعى يرفض كذلك ان يتخذ قائد المسلمين منمهمته فرصه للهجوم على من لم يرتدوا ليقتل عميدهم. كما يرفض التاريخ الشيعى ان يصفح عن ذلك القائد نفسه حينحلف فى احدى معاركه فى العراق: لئن اظفره اللّه على عدوه ليجدنفى قتلهم حتى يجرى نهرهم بدمائهم...الخ. ان التاريخ الشيعى يرفض ان يصفح عن هذا القائد واشباهه لان فيماارتكبوه انحرافا بالاسلام وتضييعا له، ولا تشفع لهم عنده انهمانتصروا وفتحوا، لان غايه الاسلام ليست الفتح لمجرد الفتح، والفتحالذى ترافقه هذه الاهوال، فتح ياباه الاسلام الصحيح. ان حقيقه تاريخ الاسلام كرساله انسانيه هو هذا الصراع بينالخطين: خط الانحراف ودوله الجور والظلم، وخط المبادىءالاسلاميه الصحيحه.
اعتبرت الرجعيه ما اعلنه النبى(ص) يوم غدير خم شيئا خطيرا، فلميكن من السهل عليها وصول على(ع) الى الحكم بعصبته المتماسكهورجاله المتشبعين بمبادىء الحريه والعدالهوالمساواه، والعازمينعلى عدم التفريط بذره مما قرره الاسلام للشعوب من حق الحياهالكريمه، والمتصلبين فى دفع الانتهازيين والاستغلاليينوالمنحرفين عن التغلغل الى ازمه القيادات الاسلاميه. لقد صبرت الرجعيه وقرت فى عهد النبى(ص) ولم يبق لمناهجهامكان فى المسيره الاسلاميه المتوثبه، هذه الرجعيه التى رات آخرآمالها ينهار يوم فتح مكه حين ابصرت ان الرجل الاسود (بلالا)الحبشى هو الذى عهد اليه النبى(ص) بان يصعد على ظهر الكعبه معلناكلمه الاسلام، صارخا بالشهادتين. لقد كان ممكنا ان يصعد اى رجل غير (بلال) فيقف هذا الموقف،ولكن النبى(ص) اختار (بلالا) بالذات ليرى قريشا الحد الفاصل بينالماضى والحاضر: العبيد السود حين يخلصون لدعوه الهدى هماليوم الساده، والقرشيون الذين قاتلوا الدعوه هم الذين ينفذوناوامر الساده الجدد فى وجوب تلبيه نداء الحق. ولم تكتم الرجعيه حنقها حتى وهى فى هزيمتها الفاصله، فقال قائلها: الم يجد محمد غير هذا الغراب الاسود ينعب بهذاالنداء فى آفاقنا؟. لقد صبرت الرجعيه متسائله بينها وبين نفسها: اتسنح الفرصه منجديد؟ وكان عليها ان تفكر طويلا، وان تخطط للبعيد، ولما راتالنبى(ص) يعلن ما اعلنه يوم الغدير عزمت على ان تدعم ايه جماعهتتصدى لابطال هذا الاعلان. ولما مرض النبى وازداد مرضه حاولان يوكد ما بدا اعلانه يوم الغدير وان يسجل هذا الاعلان بوثيقهخطيه قائلا انه سيكتب لهم ما لن يضلوا بعده ابدا، لكنه لم تساعدهالظروف. فكان كل ما استطاع النبى(ص) ان يفعله فى تلك الساعه هوان يطردهم من مجلسه على ما يوكد البخار |