فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

 

 

الاستدلال بآية رابعة على الرجعة الدّالة على إرجاع الله لحججه -المظلومين لنصرهم

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم،(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [المؤمن/52].

المراد من اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد هو يوم القيامة، والأشهاد جمع شهيد، بمعنى شاهد، كأصحاب ومفرده صاحب، والمراد من الأشهاد هم الذين يشهدون على النّاس يوم القيامة عند الحساب من ملائكة ورسل وأئمة وغيرهم من سائر حجج الله على خلقه وفي هذه الآية الكريمة أخبرنا الله سبحانه مؤكداً لنا أنه تعالى لا بدّ وأن ينصر رسله والذين آمنوا في الدارين دنياً وآخرة، كما أكد لنا بوجوه من التأكيد نصره المطلق لهم وغير المقيّد بمكان أو زمان في آيات أُخر مثل قوله تعالى:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ(171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ(172)وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ) [الصافات/172-174].

وقوله تعالى:(ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس/104].

وقوله تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم/48].

وأمثال هذه الآيات البينات كثيرة جداً.

وَنصرُ الله عز وجل لعباده المرسلين والمؤمنين الصادقين في الآخرة قد لا يجادل فيه أحد من المؤمنين. ولا يجدون ما يدعوهم إلى المجادلة في هذه النهاية لوضوح الأدلة الكاملة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل على نصره لهم في الآخرة، ولكنّ الجدال قد يكون من كثير من الناس من مؤمنين وغير مؤمنين في نصر الله لهم في الحياة الدنيا حيث يشاهدون ويعلمون أنّ من الرسل مَن يُقتَل شهيداً مظلوماً، ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكَذَباً مطروداً وإنّ من المؤمنين من يسام سوء العذاب ويستشهد ويقتل مظلوماً، ومنهم من يلقى في الأخدود لِيحرق إن لم يرجع عن دينه وعقيدته ومنهم من يعيش في كرب وشدّة واضطهاد فيُتساءل حينئذ: أين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ أين غلبة جند الله لجند الشيطان؟

ويدخل الشيطان إلى النفوس الضعيفة في إيمانها أو عدم إيمانها من هذا المدخل ويفعل بها الأفاعيل ليزلزل عقيدتها أو ليزيدها كفراً وذلك لأن الكثير من الناس يقيسون الأمور والقضايا بظواهرها ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق عديدة في تقديراتهم ومقاييسهم فقد يقيسون بفترة من الزمن أو حيز محدود من المكان أو يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم قريبة الرؤية لأعينهم، وتلك مقاييس بشرية صغيرة، وأما المقياس الصحيح والشامل فيعرض القضايا في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان ولا يضع الحدود في عصر دون عصر ولا مكان دون مكان، وذلك لأن صورة النصر ومعانيه عديدة ومنوعة وهنا للإيضاح نذكر بعضاً من تلك الصور للنصر الحقيقي الذي يحضى به رسل الله وأولياؤه المخلصون بحسب ما تقتضيه الحكمة ويعلمه سبحانه من المصلحة.

 

موارد النصر لرسل الله وأوليائه بعشر صور

1- نصر الله لهم على الذات والشهوات:-

من موارد نصر الله لأوليائه نصره لهم على الذات والشهوات النفسانية، وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه في حال من الأحوال إذ من المعلوم أن عدوّ الإنسان الأول، وعدوه الأكبر هو النفس الأمارة بالسوء، وإلى هذا العدو الكبير يشير الحديث النبوي الشهير حيث قال (صلى الله عليه و آله): (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك) راجع (مجمع البحرين) للطريحي في مادة جهد ص193، و(البحار) للمجلسي ج70 ص64 نقلاً عن (عدة الداعي) ونقله الشيخ البهائي في كتاب (الأربعين) في الحاشية عن الغزالي في كتاب (مدارج القدس) وجهاد هذا العدو الداخلي هو الجهاد الأكبر والأفضل كما جاء أيضاً في الحديث المسند عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال: أن رسول الله(صلى الله عليه و آله) بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس، ثم قال (صلى الله عليه و آله): أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه.

رواه بهذا النص الصدوق في كتابيه (الأمالي) م71 ص279، و(معاني الأخبار) ج1 ص156 ونقله المجلسي في (البحار) ج70 ص65 عن المصدرين المذكورين وعن كتاب (الاختصاص) للمفيد ص233، وعن كتاب (نوادر الراوندي). ونقله عن الصدوق الشيخ محمد تقي الطهراني في كتابه (الأربعين حديثاً) ص35 وهو الحديث السابع من الكتاب والشيخ البهائي في كتاب (الأربعين) ص98 وهو الحديث الحادي عشر، وأشار إليه الطريحي في (مجمع البحرين) فصل الدال باب ما أوله الجيم ص192.

ورواه الخطيب البغدادي عن جابر كما في (تفسير المنار) ج10 ص261 حيث قال: وحديث جابر عند الخطيب: قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة العبد هواه.

ومن المعلوم المقطوع به أن الله سبحانه قد تكفل لهؤلاء المجاهدين لأنفسهم أن يهديهم بالهداية الخاصة إلى الطريق القويم والصراط المستقيم الموصل إليه والمقرب منه، والمؤدي إلى كافة سبله الحقة، ويكون معهم دائماً وابدأ هادياً ومعلماً وناصراً ومعيناً لهم على أعدائهم كافة وخصوصاً على العدوين الرئيسين المهمين هما النفس الأمارة بالسوء أولاً، والشيطان ثانياً، ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله تعالى:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت/70]. وقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة/258].

فهذا هو النصر الأول من الله لعباده المؤمنين المخلصين، وكل ما كان الإيمان عند الإنسان أعمق والإخلاص لله بالعمل أكثر يكون النصر من الله لهم أوفر، وهذا النصر – ويا للأسف – يغفل عنه عامة الناس إلا من عصمه الله وقليل ما هم(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) [سبأ/14].

2- نصر الله لهم بالحجة والدليل:-

إنهم لمنصورون من الله بالحجة والدليل لأنهم على الحق والحق غير مغلوب، وقد سمى الله الحجة بالحق سلطاناً في غير موضع مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) [هود/97].

والظاهر أن المراد من الآيات المعجزات التي أيده الله بها، والسلطان المبين الحجة بالحق. وقوله تعالى:(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ) [الحجر/43].

أي ليس لك عليهم حجة قوية تغلبهم بها، وقوله تعالى حاكياً عن لسان أهل الكهف:(هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [الكهف/16].

والسلطان البين في هذه الآية هو الحجة الظاهرة، وهذه النصرة عامة لجميع المحقيّن، وهي السلطان الواقعي، لأن السلطنة الدنيوية قد تبطل، وقد تتبدد وقد تزول بالفقر والذلة والحاجة والفتور إلى غير ذلك من التقلبات التي تعتريها، وأما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآبدين ولا يتطرق إليها الخلل والفتور عند أهلها المحقين.

وقد سماها الله تعالى أيضاً فصل الخطاب بقوله تعالى في نبيه داود: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) [ص/21]. والمراد من فصل الخطاب البيان الشافي والحجة القوية في كل محاجة تقع بينه وبين خصومه وفي هذه الأمة خص الله علياً أمير المؤمنين والأئمة من أبنائه بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بفصل الخطاب الدائم الحاسم، بحيث ماحاجّهم أحد من خصومهم مطلقاً إلا وخصموه ولذلك كان علي يقول على منبره أمام الملأ العام من الناس: عندي علم المنايا والبلايا والوصايا والأنساب وفصل الخطاب ومولد الإسلام ومولد الكفر، وأنا صاحب الميسم، وأنا الفاروق الأكبر ودولة الدول، فأسألوني عما يكون إلى يوم القيامة وعما كان قبلي وعلى عهدي وإلى أن يعبد الله.

(رواه بهذا النص عن سلمان ابن شهر آشوب في كتابه المناقب ج2 ص39 ونقله عنه المجلسي في البحار ج40 ص154) ولقد أجاد الشريف الرضي حيث يقول كما في (المناقب) ج2 ص37:

يا بني احمد أناديكم اليوم*** وأنتم غداً لرد جوابي

ألف باب أُعطيتم ثم أفضى*** كل باب منها إلى ألف باب

لكم الأمر كله وإليكم*** ولديكم يؤول فصل الخطاب

3- نصر الله لهم بجعل القلوب تهواهم وتحبهم:-

إنهم لمنصورون من الله بجعله القلوب تهواهم وتحبهم والألسن تمدحهم وتعظمهم دائماً في حياتهم وبعد مماتهم واستشهادهم، وإن الظالمين وإن قهروا قسماً كبيراً من المحقين وغصبوا مراتبهم التي رتبهم الله فيها، وحاولوا بعد ذلك إسقاطهم عن المجتمع، وإلصاق التهم بهم والافتراء عليهم ولكن الله تعالى شأنه خيّب أهداف أولئك الظالمين وآمالهم برفعة شأن أوليائه وإبقاء المدح والثناء لهم خالداً ما خلد الدهر حتىعلى ألسن أعدائهم وغاصبي حقوقهم، وهكذا استقرت جذور العقيدة بالحق وأهله في الأرض وقام بناء الإيمان على الرغم من جميع العوائق، وعلى الرغم من تكذيب المكذبين وافترائهم، وعلى الرغم من التنكيل بأهل الحق والدعاة إليه وصدق الله سبحانه حيث قال:(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد/18].

ولك أكبر عبرة في علي وأبنائه الطاهرين مع أعدائهم وغاصبي حقوقهم كيف حاولوا إسقاط مقامهم وعظيم شأنهم، وكتموا مآثرهم وفضائلهم ولكن ذلك وغير ذلك من محاولات أعدائهم كلها باءت بالفشل الذريع، وأبى الله إطفاء نورهم الوهاج الذي هو نوره ولقد أجاد من قال:

لـــقــد كــتــمــت آثــار آل محمد*** محبوهم خوفاً وأعداؤهم بغضاً

وقد شاع من بين الفريقين نبذهُ*** بها ملأ الله السماوات والأرضا

قال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح (نهج البلاغة) عند استعراضه بعض فضائل علي أمير المؤمنين(عليه السلام) ج1 ص6: وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا ما دحيه بل حسدوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه وكلما كُتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار أن حُجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

نعم هكذا قال الله عز من قائل:(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء/19].

4- نصر الله لهم بما آتاهم من علوم إيحائية وإلهامية:-

إن رسل الله وأنبياءَه وسائر حججه منصورون من الله تعالى بما آتاهم من علوم إيحائية وإلهامية جمة ومنوعة فيها الهدى لهم ولأتباعهم من الأمم، وأنزل جل وعلا كتبه المقدسة وتشريعاته القيمة عليهم، والتي كانت كلها ماثلة تماماً وكمالاً في سلوكهم لعامة الناس من أتباعهم وغير أتباعهم وداعين إليها بكل ترغيب وتبشير وناهين عن ترك العمل بها بكل إنذار وتحذير وبعناية من الله تعالى ورعاية منه أبقى آثارهم وكافة تعاليمهم وما آتاهم من علوم خالدة على مدى الأحقاب المتعاقبة والأجيال المتتابعة والناس ينهلون من تلك العلوم المنوعة الجمة ويقتدون بهم في أعمال البر والخير بينما أعداؤهم ماتوا وبموتهم ماتت آثارهم وما بقي لهم في الدنيا إلا الخزي والعار واللعنة الدائمة والذكر السيئ والصحيفة السوداء على جبين الدهر مدى الأحقاب والأجيال.

وإلى هذا المعنى من النصر أشارت عدة آيات قرآنية كقوله تعالى في موسى وقومه:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ(53)هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [المؤمن/54-55].

وكقوله تعالى في نبينا وقرآنه:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر/10].

وكقوله تعالى:(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ(31)ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير) [فاطر/32-33].

وكقوله تعالى:(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر/24].

5- نصر الله لهم بنا آتاهم من الهيبة والعزة:-

ومنصورون بالقوة الروحية والعزة الإلهية حيث أنهم بما آتاهم من قوة اليقين، وظهور الحجة، ونور العلم الذي ملأ بواطنهم، كانوا أعزاء في أنفسهم وعند الناس أجمعين حتى عند أعدائهم، وكانوا ينظرون إلى المستكبرين والظالمين نظر إزدراء وتحقير، ولا يعيرون أي اهتمام لما في أيديهم من وسائل المادة الفانية مهما كانت عظيمة في أنظارهم وأنظار الجهلاء من أتباعهم وأنظار ضعفة الإيمان الذين ينخدعون بتلك الوسائل المادية ويرونها وكأنها وسائل نصر لهم وإعزاز وقوة، في حين أن القوة الحقيقية والعزة الواقعية هما لله وحده، وأمرهما بيده لا بيد غيره، وقد شاء أن يجعلهما باقيين وخالدين لأوليائه دون أعدائه قال تعالى:(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة/166]، وقال تعالى:(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء/140]، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [المنافقون/9].

وجاء في الحديث الشريف عن الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله) أنه قال: من أحب أن يكون أعز الناس فليتق الله ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده. (راجع مقتل الحسين للسيد محمد تقي آل بحر العلوم ص41) وقال الحسن المجتبى(عليه السلام) في وصيته لجنادة بن أبي أمية: يا جنادة إذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان فأخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله (راجع البحار ج44 ص138 نقلا عن كتاب الكفاية) وجاء في الدعاء: اللهم أعزني بطاعتك وأذل أعدائي بمعصيتك وأقصمهم يا قاصم كل جبار عنيد ..الخ، (راجع ضياء الصالحين ص384).

6- نصر الله بما آتاهم من المعجزات والآيات:-

إنهم منصورون من الله على أعدائهم بما آتاهم الله من الآيات والمعجزات التي يعجز الناس عن الإتيان بمثلها لأنها خارقة للنواميس الطبيعية المعتادة بين البشر، وجعلها الله لكافة حججه من رسل وأنبياء وأوصياء لتكون دليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً على صدقهم وتصديقهم في دعواهم الرسالة والنبوة والإمامة عن الله عز وجل.

والآيات والمعجزات – كما هو معلوم – هي فعل الله وحده لا شريك له، ولا يقدر عليها أي مخلوق، ولكنه - بإذن خاص منه تعالى – قد شاء أن يجريها على أيدي حججه لحكمة تصديقهم قال تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) [المؤمن/79].

 

الحِكّم في جعل الله أولياءه غالبين ومغلوبين

هذه بعض الموارد من معاني النصر الإلهي لعباده المرسلين وأوليائه المخلصين، وكان من تقدير الله عز وجل ولطفه بعباده وحكمته أن جعلهم – مع ما آتهم من أنواع التأييد والنصر، وما منحهم به من وجوه الآيات والمعجزات – في حال غالبين وفي أخرى مغلوبين وفي حال قاهرين وفي حال مقهورين لحكم عديدة وكثيرة.

منها أولاً:- أنه لو جعلهم سبحانه في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لأتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل، ويكون ذلك سبباً في إضلال الناس عن خالقهم ومدبرهم الحقيقي لأن القاهرية المطلقة، والغالبية الدائمة صفتان لله خاصة دون جميع خلقه قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام/19].

وقال تعالى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف/22].

ثانياً:- ومن تلك الحكم أنه تعالى لو لم يبتلهم بمحن ومصائب عظام تقع عليهم من أعدائهم لما عرف الناس فضيلة، صبرهم وإذاً لقالوا: لو أن الأنبياء اصيبوا بمثل مصائبنا لما صبروا عليها ولكن لما كانوا أكثر الناس محناً ومصائب وقد صبروا عليها صبراً جميلاً إتباعاً لرضا الله العظيم عرف الناس عظيم صبرهم واقتدوا بهم في الصبر على الصعاب والمصائب، واستحقوا من الله عظيم الأجر والثواب قال تعالى:(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر/11] .

ثالثاً:- ومن تلك الحكم بجعلهم غالبين تارةٍ بما آتاهم من الاستقامة، والعلوم، والآيات والمعجزات، ومغلوبين تارة أخرى بما ابتلاهم وامتحنهم به من المحن والمصائب ليعلم العباد أن لهم إلهاً هو خالقهم ومدبرهم، وهو الذي آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، كما أنه هو الذي ابتلاهم وامتحنهم حتى يعبدوه وحده لا شريك له ويطيعوا رسله وحججه والذين افترض على العباد، إطاعتهم قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء/65].

وقال تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء/60].

رابعاً:- ومن تلك الحكم لتكون حجة الله تعالى ثابتة على مَن تجاوز الحد فيهم وأدعى لهم الربوبية أو عاند وخالف وعصى وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل.

وبيان ذلك هو أن الناس كانوا بالنسبة إلى حجج الله ثلاثة أقسام قسم منهم آمن بهم لعلمهم أن الله قد اختارهم وارتضاهم حججاً على عباده فاتبعوهم وأطاعوهم كل بمقدار ما أوتي من حظ، وقسم ثانِ غالى بهم بأنواع من المغالات كاليهود الذين قالوا (عزير ابن الله) وكالنصارى الذين قالوا، (المسيح أبن الله) كما إن قسماً من هذه الأمة قد غالى أيضاً بعلي أمير المؤمنين وأنزله بغير منزلة من العبودية فقالوا: إنه هو الإله أو أن الإله قد حل فيه إلى ما هنالك من أقوال المغالين فيه وفي بعض أبنائه الطاهرين، وقسم ثالث من الناس قد عاند أولئك الحجج وخالفوهم وجحدوا نبوتهم أو إمامتهم وحاربوهم، فالله سبحانه يحتج يوم القيامة على من غالى فيهم بأنكم كيف اتخذتموهم أرباباً من دوني؟ أما علمتم أنهم كانوا في الدنيا مقهورين مغلوبين؟ فتكون بذلك حجة الله ثابتة عليهم لأن الإله لا يمكن أن يُغلب بحال من الأحوال.

وهكذا يحتج على من عاندهم وابغضهم وجحد نبوتهم أو إمامتهم بأنكم كيف جحدتموهم وأبغضتموهم وعاندتموهم؟ أما علمتم أني قد أيدتهم بأنواع التأييد وفضلتهم بوجوه التفضيل؟ والتي كان أظهرها المعجزات التي أجريتها على أيديهم؟ وبذلك تكون حجة الله ثابتة عليهم قال تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام/150].

خامساً:- كل هذه الحكم وغيرها العلة فيها(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال/43].

نعم هكذا إن الله سبحانه أبان الحق وأهله، وأبان الباطل وأهله فمن اتبع الباطل وأهله فقد هلك ومن أتبع الحق وأهله فقد نجا وحيى الحياة الطيبة، قال تعالى:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال/25].

عود إلى موارد النصر الإلهي لأوليائه

7- نَصرُ الله لهم بدفع القتل عنهم قبل حضور آجالهم:-

ومن موارد نصر الله عز وجل لأوليائه أنه تعالى يدفع عنهم – فيما يدفع – القتل والاغتيال قبل حضور آجالهم المحتومة، قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج/39].

وبيان ذلك:-

بيان موجز في آجال الموت

هو أن الله المدبر لكافة عباده جعل لكل إنسان، أجلاً محتوماً يموت فيه لا يتعداه وهو الأجل المسمى عنده وهو الذي يقع بالفعل في هذا الكون الواسع من مبدئه إلى منتهاه سواء كان المتوفى كبيراً أو صغيراً وبأي سبب كان موته قتلاً أو اغتيالاً أو بحادثة من الحوادث مهما كان نوع تلك الحادثة من غرق أو سحق أو هدم أو حرق أو مرض أو بغير مرض كمن يموت فجأة أو غير ذلك فهذا الأجل هو الذي لا يتقدم ولا يتأخر وإليه تشير عدة آيات صريحة في هذا المعنى كقوله تعالى:(فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف/35] و[النحل/62]، وكقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً) [آل عمران/146]، وكقوله تعالى:(وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [فاطر/12]، وإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.

ومن هنا ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال: كفى بالأجل حارساً.

أما من لم يحضر اجله المسمى له عند الله، فأن الله قادر على دفع الموت عنه وتأخيره وإن توفرت جميع الأسباب الموجبة لموته -إلى أجله- المؤجل له، وهذا التأخير قد يكون لبعض المعاندين المفسدين كقوله تعالى في آل فرعون: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف/136].

وكقوله تعالى:(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [العنكبوت/52].

وقد يكون هذا التأخير للأجل للمؤمنين الصالحين المستغفرين كقوله تعالى:(وَإَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود/4] والموت المؤخر أجله عن أهله من المؤمنين وغير المؤمنين هو من الآجال المسجلة في لوح المحو والإثبات والموت الذي يقع بالفعل هو من الآجال الثابتة في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي لا بد من وقوعه في وقته، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (38) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد/39-40].

فالآجال منها ما هو ثابت في كتاب ولكن الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية تقتضي محو ذلك الثابت وإرجاعه أخيراً إلى أم الكتاب أي أصله الذي لا يتغير ولا يتبدل وهو ما يقع بالفعل، وهو تعالى بكل أمر يريده فهو في علمه قبل أن يضعه فلا يخفى عليه شيء في السموات والأرض مما يقع فيهما وما لم يقع ومما يثبت ويمحي ومما لا يعتريه المحو بعد الإثبات…

وبعد هذا البيان الموجز نقول: أن أعداء الله وأعداء أوليائه والحق يحاولون بكل جهد وبكل ما أوتوا من قوة أن يزيلوا الحق وأهله من الوجود ولكن الحكمة الإلهية تقتضي عدم إزالتهما فعندما يحاول أولئك الأعداء إزالة أهل الحق والقضاء عليهم قبل تبليغهم للحق الذي أمروا بتبليغه وإقامته يحول الله تعالى بينهم وبين ما يريدون، حيث يدفع الله عنهم كيد أعدائهم نصرة لأوليائه، وإبقاءً للحق الذي أمروا بتبليغه وإقامته.

وإلى ذلك تشير عدة آيات في القرآن المجيد ومنها قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال/25]، والمراد من القلب في هذه الآية الكريمة هو النفس الإنسانية وميلانها إلى ما تريد، فما لا يريد الله وقوعه يحول بينهم وبين ما يريدون لاقتضاء حكمته وتدبيره لعباده، والواقع بالفعل هو الذي يريد الله وقوعه وإلا لما وقع، قال تعالى:( وما تَشَاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير/في آخرها].

ولهذه الحقيقة شواهد في التاريخ قد لا تعد ولا تحصى وعلى سبيل المثال نشير إلى بعضها.

 

دفع الله القتل عن نبيه محمد (صلى الله عليه و آله)

فهذا رسول الله(صلى الله عليه و آله) بعد بعثته ودعوته إلى توحيد الله عز وجل، وتنديده بالأصنام التي كانت تعبد من دون الله حاول أعداؤه من قريش وغيرهم إزالته وإزالة الحق والدين الذي جاء به عن ربه وعزموا مراراً عديدة على قتله أيام إقامته بمكة وحال الله بينهم وبين ما أرادوا.

وأخر محاولة لهم على قتله بمكة ليلة هجرته إلى المدينة، حيث أن قريشاً – بمؤامرة مدبرة فيما بينهم – قد اجتمعت بقبائلها على باب دار النبي (صلى الله عليه و آله) في تلك الليلة وقد صممت على قتله فيها ليضيع دمه فيما بين تلك القبائل، وأوحى الله إليه يخبره بما اجتمعت عليه قريش وأمره أن يخرج من داره ويترك علياً أمير المؤمنين نائماً على فراشه ويهاجر إلى المدينة، فأمتثل أمر ربه، ولم يسأله كيف أخرج من الدار وقريش وقوف على بابها وهي تريد قتلي؟ ذلك لعلمه(صلى الله عليه و آله) إن الله سينجيه من مكرها وكيدها، وبالفعل دعا رسول الله (صلى الله عليه و آله) علياً واخبره بذلك وقال له:

أوحى إليَّ ربي أن أهجر دار قومي وأنطلق إلى غار ثور في ليلتي هذه، وأن آمرك بالمبيت على مضجعي ليخفى بمبيتك عليهم أمري فقال له علي (عليه السلام) أو تسلمن بمبيتي مكانك يا نبي الله؟ قال: نعم، فتبسم علي ضاحكاً وهوى إلى الأرض ساجداً شاكراً لله لما بشره(صلى الله عليه و آله) بسلامته يقول المؤرخون: وكان عليّ أول من سجد شكراً لله، وأول من وضع جبهته على الأرض في سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله(صلى الله عليه و آله) فلمّا رفع رأسه قال: امض فيما أمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، ومُرني بما شئت قال: أرقد على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي ثم إني أخبرك أن الله يمتحن أولياءَه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل وقد امتحنك يا بن عمّ وامتحنني فيك بمثل ما امتحن خليله إبراهيم والذبيح إسماعيل فصبرأ صبراً فأن رحمة الله قريب من المحسنين ثم ضمه النبي(صلى الله عليه و آله) وبكى، وبكى علي(عليه السلام) حزناً على فراق رسول الله ثم خرج في فحمة العشاء الآخر، والرصد من قريش قد أطافوا بداره وقد أخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم وهو يقرأ (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) [يـس/8] وسار حتى تجاوزهم من دون أن يشعر به أحد منهم، ومضى حتى وصل الغار فدخل فيه ومعه أبو بكر حيث التقى به في طريقه.

وأمر الله العنكبوت فنسجت على باب الغار وأمر حمامتين وحشيتين فباضتا بفم الغار وحينما جاء القوم في طلبه متبعين أثره وقربوا من باب الغار وقد انقطع هناك أثره وقفوا متحيرين في أمره وقال بعضهم إن العنكبوت قد نسج عليه والحمام قد باض هنا قبل ميلاد محمد، ويئسوا منه ورجعوا خائبين.

نعم هكذا نصر الله نبيه وأنجاه من مكرهم كما قال تعالى:(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال/31].

هذا ما كان من أمر النبي(صلى الله عليه و آله) ، وأما عليّ (عليه السلام) فإنه لما بات مكان رسول الله ملتحفاً ببرده جعل القوم يقذفونه بالحجارة حيث كانت دور مكة يومئذ لا أبواب لها وهم لا يشكون إنه رسول الله حتى إذا قرب الفجر هجموا عليه فلما بصر بهم عليّ (عليه السلام) وقد إنتضوا السيوف في وجهه وثب عليهم فاخذ سيف خالد بن الوليد من يده وكان معهم وشدّ عليهم به فأجفلوا أمامه إجفال النعم وأبصروه وإذا هو عليّ وقالوا له: إنا لم، نردك فما فعل صاحبك؟ قال: لا علم لي به، وفتشوا الدار فلم يجدوا للنبي عيناً ولا أثراً.

وحفظ الله علياً أيضاً من كيدهم حيث يروي لنا المفسرون والمحدثون والمؤرخون من العامة فضلاً عن الخاصة: إن الله أوحى إلى جبرئيل وميكائيل تلك الليلة: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فأختار كلاهما الحياة فأوحى الله إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد(صلى الله عليه و آله) فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فهبطا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي بَخّ بَخّ من مثلك يا بن أبي طالب يباهي الله عز وجل بك الملائكة، وأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه و آله) وهو متوجه إلى المدينة في شان عليّ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي َنفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة/208](1) ولولا حفظ الله لعليّ (عليه السلام) لقتل في تلك الليلة لأنه هو ناصر النبي الوحيد بعد أبيه أبي طالب وحيث أن قريشاً لم يظفروا بالنبي (صلى الله عليه و آله) وقد وجدوا علياً نائماً مكانه فإذاً، يقتضي لهم أن يقتلوه عوض رسول الله (صلى الله عليه و آله) ويكونوا بذلك قد تخلصوا من أعظم ناصر له، ولكن كيف يستطيعون قتله وقد أهبط الله عليه جبرئيل وميكائيل لحفظه وحفظ حياته ولما هاجر النبي(صلى الله عليه و آله) إلى المدينة أقام المشركون من قريش وغيرهم الحروب على رسول الله(صلى الله عليه و آله) بهدف القضاء عليه وعلى دينه وأصحابه في بدر واحد والأحزاب وخيبر وحنين وتبوك وغيرها، ولكن الله نصر نبيّه ودينه وسلمهما من مؤامرات الأعداء المتتالية حتى أكمل له ولأمته الدين وأتمّ عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً خالداً، وكان ذلك بعد إقامته (صلى الله عليه و آله) علياً إماماً وعلماً للمسلمين بعده يوم غدير خم وأنزل على نبيّه في ذلك هذه الآية الكريمة:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة/4].

 

دفع الله القتل عن عليّ وأبنائه “

ولما جاء دور عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه و آله) تآمر من تآمر على قتله مراراً عديدة في كل أدوار حياته كما هو معروف في التاريخ ولكنّ الله سلّمه من تلك المؤامرات حتّى حضر أجله وشاء جلّ وعلا بالأخير أن يقتل شهيداً في محرابه وهو يقول: فزت وربّ الكعبة.

ولما جاء دور الحسن بن علي(عليهم السلام) أيضاً تآمر أعداؤه عليه من بني أمية ومن الخوارج وغيرهم، وقد دُسَّ له السمّ مراراً وأنجاه الله منه(2) ولما جاءه أجله أخيراً قضى نحبه مسموماً شهيداً.

وأما الحسين (عليه السلام) فمعلوم أن يزيد بن معاوية قد صممّ على قتله منذ امتنع عن بيعته وكتب إلى عامله في المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: إذا جاءك كتابي هذا فعجّل عليَّ بجوابه وبيّن لي فيه كل من دخل في طاعتي أو خرج عنها وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي.

وحينما خرج الحسين من المدينة إلى مكة أرسل يزيد إليها ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية ومردتهم وأمرهم باغتياله وقتله فيها ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة وحال الله بينهم وبين ما أرادوا وأخيراً قتل شهيداً مع أصحابه وأهل بيته.

وأما ولده زين العابدين علي بن الحسين(عليهم السلام) فقد أرادوا قتله بعد قتل أبيه الحسين حين هجم أعداؤه على عياله، وقد اختلف الحاضرون منهم في قتله أو أسره، جاء الشمر وجرد سيفه قائلاً: قد صدر الأمر من الأمير عبيد الله بن زياد أن لا نبقيّ من أهل هذا البيت باقية.

وهكذا أراد أبن زياد قتله في مجلسه حين جاءوا به أسيراً إليه، وقال لغلمانه: يا غلمان خذوا هذا، العليل وأضربوا عنقه، وفي كل ذلك وغير ذلك حال الله بينهم وبين ما يريدون، وعاش بعد أبيه أربعاً وثلاثين سنة حتى جاءه أجله فقتل مسموماً شهيداً.

هكذا جميع أئمتنا أراد أعداؤهم قتلهم مراراً كما هو معلوم في التاريخ واحداً بعد واحد ولكن الله جلت قدرته يحول بينهم وبين ما يريدون وأخيراً يختار الله لهم الشهادة في سبيل دينه، وهم كما نقل الحسن المجتبى عن جده رسول الله (صلى الله عليه و آله): والله لقد عهد إلينا رسول الله(صلى الله عليه و آله) أنّ هذا الأمر (أي أمر الإمامة) يملكه اثنا عشر إماماً، ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول. (البحار ج44 ص139) نعم يقول الله تبارك وتعالى:(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران/169].

8- نصر الله لبعضهم بإبادة أعدائهم بالكامل:-

واقتضت حكمته أن ينصر بعض أوليائه في الدنيا من رسل وأنبياء وأئمة نصراً حاسماً بيّناً بإبادة أعدائهم إبادة تامة، وإبقائهم من بعدهم منتصرين غالبين نصراً حاسماً فمن ذلك ما حكاه الله عن قوم نوح(عليه السلام) الذين أغرقهم الله بالطوفان العام حيث قال تعالى:(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنبياء/77-78]، وما حكاه عن عاد قوم هود الذين أهلكهم الله جميعاً، وأبادهم بريحٍ فيها عذاب أليم قال تعالى:(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ(6)سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) [الحاقة/7-9].

وما حكاه الله عن ثمود قوم صالح الذين أهلكهم الله بالصيحة التي أبادتهم قال تعالى:(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) [القمر/32].

وما حكاه الله عن قوم لوط الذين قلب الله مدائنهم عليها سافلها قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود/83-84].

وما حكاه الله عن فرعون وجنوده الذين أغرقهم الله في البحر وأنجى موسى ومن معه بقوله تعالى:(فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآْخَرِينَ(64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ(65)ثُمَّ أَغْرَقْنَا اْلآخَرِينَ(66)إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشعراء/64-68].

وبهذا النصر الإلهي تحققت إبادة الظالمين (والحمد لله رب العالمين).

9- نصر الله لبعضهم بتأخير الانتقام من أعدائهم إلى حين:-

وقد تقتضي حكمته لبعض آخر من أوليائه من رسل وأنبياء وأئمة الذين قتلوا شهداء في سبيل دعوتهم إلى الله وإلى دينه والثبات عليه، وربما قتل مع بعضهم جمع من أصحابهم المؤمنين الثابتين على الحق مظلومين، مضطهدين أن يؤخر الله نصرهم على أعدائهم إلى حين آخر فتارة يسلط الله على أعدائهم من ينتقم منهم بعد استشهادهم بقليل كما نصر يحيى بن زكريا (عليهم السلام) بالانتقام من قتلته من بعده، فقد قتل به سبعون ألفاً من أعدائه، وكالحسين بن علي (عليهم السلام) حيث سلّط الله على قتلته المختار بن أبي عبيد الثقفي فقتل منهم ما يقارب السبعين ألفاً وقيل أكثر من ذلك، كما سلط عليهم بني العباس فقتلوا من قتلوا منهم وسلط بعضهم على بعض حتى تفرقوا تفريقاً وتمزقوا تمزيقاً وخسروا الدنيا والآخرة. فقد نقل بن شهر آشوب في (المناقب) ج4 ص81 عن تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتاريخ خراسان و(الإبانة) لابن بطة والفردوس قالوا: قال ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى محمد(صلى الله عليه و آله): إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وأقتل بابن بنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً،وروى عن الصادق(عليه السلام) أنه قال: قُتل بالحسين مائة ألف وما طُلب بثأره، وسيطلب بثأره. أي على يدي مهدي آل محمد (عج)، نقل الحديث عن (المناقب) المجلسي في (البحار) ج45 ص298 ولعل قوله (عليه السلام): (وسيطلب بثأره، يعني في الرجعة لأن الإمام لا يطلب بثأره إلا إمام، وكذا في الحديث السابق فيما أوحا الله إلى النبي(صلى الله عليه و آله): {وأقتل بابن بنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً لعل السبعين ألفاً الثانية في الرجعة لنفس الغرض}.

10- نصر الله لهم على أعدائهم بالرجعة:-

إن النصر الحاسم والتام يكون تارة أخرى لأولياء الله المظلومين على أعدائهم الظالمين في الدنيا بعد رجوعهم معاً في الرجعة إليها أيام ظهور مهدي آل محمد (عج) فيأخذوا بثأرهم بأيديهم.

ولعل الآية الكريمة المبحوث عنها وهي قوله تعالى:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اْلأَشْهَادُ) تشير إلى موارد نصره الحاسم بالانتقام من أعدائه وأعداء أوليائه الذي أشرنا إليه برقم 7 و8 و9 و10 كما يأتي.

 

الأحاديث حول الآية الكريمة

وبالخصوص يكون ذلك النصر التام للمظلومين بالرجعة كما جاء في بعض أحاديث أهل البيت “:

أولاً:- قال القمّي في (تفسيره) ج2 ص258: وقوله:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهو في الرجعة، إذا رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) والأئمة“ ثم قال: أخبرنا أحمد بن إدريس، عن احمد بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال أي (جميل بن دراج): قلت له قول الله تبارك وتعالى:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اْلأَشْهَادُ)؟ قال(عليه السلام): ذلك والله في الرجعة، أما علمت أن أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا، والأئمة بعدهم قتلوا ولم ينصروا ذلك في الرجعة. (أي يتحقق النصر لهم في الرجعة) ورواه بسنده أيضاً سعد بن عبد الله في (منتخب البصائر) ونقله عن المصدرين المجلسي في (البحار) ج53 ص65 وكذا السيد عبد الله شبّر في كتابه (حق اليقين) ج2 ص10 والحر العاملي في (الإيقاظ) ص344 والطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص158 والبحراني في تفسيره (البرهان) ج2 ص955.

ونقله عن القمي المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي) ونقله عن (المنتخب) الحسن بن سليمان بن خالد في رسالته.

ثانياً:- روى ابن قولوية في كتابه (كامل الزيارة) بسنده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

تلا (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهَادُ) قال (عليه السلام): الحسين بن علي منهم، ولم ينصر بعد، ثم قال: والله لقد قتل قتلة الحسين ولم يطلب بدمه بعد.

ونقله عن المصدر المذكور المجلسي في (البحار) ج45 ص298، ونقله عنه أيضاً البحراني في تفسيره (البرهان) ونقله أيضاً الطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص158.

ثالثاً:- قال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج5 ص352 وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّيt في هذه الآية قال: لم يبعث الله رسولاً إلى قوم فيقتلونه، أو قوماً من المؤمنين فيدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله إليهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم، ممن فعل ذلك بهم في الدنيا وهم منصورون فيها.

ورواه عن السدّي أيضاً ابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج4 ص83-84 معلوم أن قوله: فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله إليهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممّن فعل ذلك بهم في الدنيا وهم منصورون فيها، واضح الدلالة على رجوع أولئك الأولياء المقتولين لقوله: وهم منصورون فيها، ورجوع قاتلهم لقوله: فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله إليهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممّن فعل ذلك بهم في الدنيا.

إذاً الرجعة إلى الدنيا لا بد وان تقع لانتصاف المظلوم من الظالم وانتصاره فيها كالحسين(عليه السلام) الذي قتل مظلوماً ولم ينصر في الوقت على قاتله، كما قتل أيضاً أبوه من قبله وأمه وأخوه وقتل أبناؤه الطاهرون من بعده أيضاً مظلومين وقتل من قَبلِهم كثير من أنبياء الله مظلومين حتى ورد عن الحسين بن علي(عليهم السلام) انه قال لعبد الله بن عمر بن الخطاب حين أشار عبد الله عليه بصلح بني أمية والرجوع إلى المدينة قال له الحسين: أن من هوان هذه الدنيا على الله أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل والرأس ينطق عليهم بالحجة فلم يضر ذلك يحيى، ألا تعلم يا أبا عبد الرحمن أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنهم لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجل الله عليهم بالعذاب بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيزٍ مقتدرٍ ذي انتقام. (مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص192).

ومن جملة أنبياء بني إسرائيل الذين قتلوا مظلومين زكريا فإنه لما خاف من قومه وهرب منهم تبعه سفهاؤهم وأشرارهم فالتجأ إلى شجرة فانفرجت له وانشقت بإذن الله – معجزة له – حتى دخل فيها وانطبقت عليه فدلّهم عليه إبليس، وأمرهم أن يقطعوا رأس الشجرة ثم ينشروها بالمنشار ففعلوا حتى شقوها وشقوا زكريا معها نصفين (راجع البحار ج14 من ص181 وص189 وعلل الشرائع للصدوق ج1 ص80 وقصص الأنبياء للثعلبي ص213).

نعم هكذا قتل زكريا مظلوماً، وكذلك أبنه يحيى الذي طافوا برأسه، من بلد إلى بلد بعد أن قتلوه مظلوماً، وغيرهما من الأنبياء قتلوا مظلومين مع أن الله قد وعدهم أن ينصرهم على أعدائهم في الدنيا والآخرة كما هو صريح الآية الكريمة:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهَادُ).

ويقول تعالى في آية أخرى:(فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم/47].

رابعاً:- ونختم هذه الأحاديث بحديثٍ رواه شيخنا الكليني في (أصول الكافي) بسنده عن حريز قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلت فداك ما أقل بقاءَكم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض مع حاجة الناس إليكم؟ فقال: إن لكل واحدٍ منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته، فإذا انقضى ما فيها ممّا أمر به عرف أن أجله قد حضر: فأتاه النبي(صلى الله عليه و آله) ينعى إليه نفسه واخبره بماله عند الله، وأن الحسين(عليه السلام) قرأ صحيفته التي أعطيها، وفسر له ما يأتي بنعي، وبقى فيها أشياء لم تقض فخرج للقتال وكانت تلك الأمور التي بقيت أن الملائكة سألت الله في نصرته، فأذن لها ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك، وحتى قتل فنزلت – أي لما قتل نزلت – وقد انقطعت مدته وقتل (عليه السلام) فقالت الملائكة: يا رب أذنت لنا في الانحدار وأذنت لنا في نصرته فانحدرنا وقد قبضته إليك؟ فأوحى الله إليهم: أن ألزموا قبره حتى تروه – أي في الرجعة إلى الدنيا – وقد خرج فانصروه وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته فإنكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه فبكت الملائكة تعزياً عليه على ما فاتهم من نصرته فإذا خرج – أي في الرجعة – يكونون من أنصاره(3) وإلى هذا الحديث يشير الإمام الرضا (عليه السلام) بقوله لأبن شبيب: لقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم (عج) فيكونون من أنصاره وشعارهم (يا لثارات الحسين)(4).

 

الاستدلال بآية خامسة على الرجعة

الدالة على إرجاع الله لنبينا وأهل بيته الطاهرين “ مَن الذين وعدهم الله بالاستخلاف؟ والتمكين؟ وتبّدلِ خوفهم أمناً؟ ومتى يتحقق لهم ذلك؟

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

قال تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) [النور/56].

بيان حول الآية الكريمة

تضمنت هذه الآية الكريمة وعداً جميلاً وبشائر حقة واقعية في المستقبل من الله العليم القدير الذي لا يخلف وعده الذين آمنوا وعملوا الصالحات إيماناً محضاً وعملاً خالصاً وعدهم أنه تعالى سيجعل لهم مجتمعاً صالحاً يُخصّ بهم فسيتخلفهم في الأرض، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم، ويبدلّهم من بعد خوفهم أمناً تاماً لا يخافون، أيام استخلافهم ذلك، كيد منافق ولا صدّ كافر، وأنهم يعبدونه مخلصين له في العبادة بحيث لا يشركون به شيئاً، أي لا يداخلهم لون من آلوان الشرك لا في العقيدة ولا في العمل، لا شرك جَليَّ ولا خفيّ، وأنه مَن كفر بتلك النعمة من مجتمعهم ذلك (فأولئك هم الفاسقون) فسقاً حقيقياً. هذا ما تضمنته الآية الكريمة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْض) ..الخ.

وتعدّ هذه الآية من الملاحم القرآنية حيث أخبر الله فيها عن وقوع أمرٍ قبل آوان تحققه.

 

أقوال المفسّرين في الموعدين بالاستخلاف

أمّا مَن هم أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين وعدهم الله بذلك الوعد وبشرهم بتلك البشائر؟، فقد كثر الاختلاف بين المفسرين في المقصود من أولئك المؤمنين الصالحين المستخلفين فمنهم من قال: آنّ الآية عامة لأمة محمد(صلى الله عليه و آله) واستخلافهم، وأن المراد من استخلافهم هذا وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمناً هو إيراث الأرض كما أورث الله الأمم الذين كانوا قبلهم. وانهزام أعداء الدين ويقولون: أن الله قد أنجز وعده لهم بما نصر الله به الإسلام والمسلمين في أيام النبي(صلى الله عليه و آله) الأخيرة، وبعد رحلته ففتحوا الأمصار وسخرّوا الأقطار وسكنوا أرض الكفار، وقد اختار هذا الرأي من التابعين مجاهد كما في (تفسير التبيان) للشيخ الطوسي ج7 ص457، وتبعه آخرون من المفسرين ومنهم محمد عزة دروزة في تفسيره المسمى (التفسير الحديث) ج10 ص69-ص73، وكذلك سيد قطب بتفسيره (في ظلال القرآن) ج18 ص118-ص121 وغيرهما كثير.

ومنهم من قال: إنها واردة في أصحاب النبي(صلى الله عليه و آله) الذين كانوا خائفين قبل الهجرة وبعدها ثم أنجز الله وعده لهم باستخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمناً بما أعز الإسلام بعد رحلة النبي(صلى الله عليه و آله) في أيام الخلفاء الراشدين، وأن المراد باستخلافهم هو استخلاف الخلفاء الأربع بعد النبي (صلى الله عليه و آله) وقد اختار هذا الرأي من التابعين (الجبائي) كما في (تفسير التبيان) ج7 ص456 وتبعه آخرون من المفسرين ومنهم الزمخشري في تفسيره (الكشاف) ج3 ص251-ص252 ومنهم إبراهيم النظام كما نقل عنه العلامة الشيخ حبيب العاملي في مجلة (الإسلام في معارفه وفنونه) راجع ج3 من المجلد الخامس ص292.

وقال بعضهم المراد باستخلافهم هو استخلاف الخلفاء الثلاث فقط وممن صرح بهذا الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج6 ص288 وقد قال بما نصه: ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن، ولم يحصل ذلك في أيام عليّt لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لإشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذه الآية صحة خلافة هؤلاء، إلى آخر قوله وقد جمع هذه الأقوال الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج15 ص166 وناقشها، ورأى أن الآية لا تنطبق إلا على المجتمع الموعود به الذي سينعقد بظهور المهدي(عليه السلام) وهذه الأقوال والآراء الثلاثة لإخواننا أهل السنة، أما الشيعة فهم مجمعون على أن هذا الوعد وهذه البشائر ما تحققت تماماً من زمن النبي(صلى الله عليه و آله) إلى زماننا هذا، وأنه لا بد من تحققها في المستقبل بعد ظهور مهدي آل محمد (عج)، قال تعالى:(فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم/48].

ولهم أي (الشيعة) في المراد من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخر ما وصفتهم به الآية الكريمة قولان الأول: أنهم المهدي(عليه السلام) وأصحابه المؤمنون، المهدي الذي تواترت الأخبار على أن الله سيظهره وإنه سيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا، وقد اختار هذا القول من الشيعة الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج15 ص169.

والقول الثاني للشيعة في المراد ممّن وصفتهم الآية: أنهم النبي(صلى الله عليه و آله) والأئمة من أهل بيته الأطهار ومن جملتهم الإمام المهدي بعد ظهوره وقد اختار هذا القول شيخنا الطبرسي في مجمع البيان، وسيأتيك (بإذن الله) نص قوله، والظاهر لنا – والله أعلم – إن هذا القول هو الواقع الصحيح الذي تدل عليه القرائن الصريحة من ألفاظ الآية الكريمة ونصوصها، وتدل عليه أيضاً الأخبار الواردة عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الطاهرين، بل ويدل عليه العقل والوجدان، وإجماع الشيعة مع أئمتهم على تحقق ذلك الوعد بعد ظهور المهدي من آل محمد(صلى الله عليه و آله). وإليك البيان لهذا الواقع الصحيح الظاهر لنا والله العالم.

 

الآية الكريمة والتحقيق حولها

يقول تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)

ممّا لا ريب فيه أن أحق كتاب بالتدبّر وأولاه، واجدره بفهم معناه والإحاطة بما فيه من علم هو القرآن المجيد لأنه كتاب الله الذي لا ريب فيه والله هو الذي يريد منا أن نتدبره حق تدبره بقوله عز من قائل:( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء/83]. ويقول تعالى في آية أخرى:(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد/25]. ويقول تعالى:(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا اْلأَلْبَابِ) [ص/30].

فالتدبرّ إذاً لازم لكتاب الله وآياته ولا سيما الآيات التي اختلف المفسرون فيها، ومنها هذه الآية التي ابتدأنا بها فلنتدبرها جيداً حتى ينكشف لنا الواقع الصحيح طبق نصوصها وعندما نتدبر الآية الكريمة نجد أن الخطاب فيها موجه إلى الأمة الإسلامية بأجمعها الحاضرين منهم عند نزول الآية ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة المؤمنين الملتزمين منهم والمنافقين والعاملين بالصالحات وغير العاملين فالخطاب فيها عام للجميع.

أما الوعد بالاستخلاف فيها فهو خاص بالذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات، إذ أنّ قوله تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) يدل على أن هذا الوعد خاص ببعض المؤمنين الصالحين دون بعض لأن (مِن) هنا تبعيضية بتفسير أكثر المفسرين إن لم نقل كلهم فهي دالة على أن هذا الوعد بالاستخلاف لا للأمة الإسلامية بكاملها، ولا لكل من إدّعى الإسلام والإيمان والعمل الصالح منها، بل هو وعد خاص إلى طائفة خاصة منهم تشريفاً لهم ولمزيد العناية بهم، ولهذا لا ينطبق إلا على سادات المؤمنين من أئمة الهدى وعدهم الله (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ) أي يجعلهم خلفاءه في أرضه يحكمون بين أهلها بحكمه(كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، والمراد من المستخلفين من قبلهم إمّا مطلق أنبياء الله ورسله وأوصيائهم نظير قوله تعالى في آدم مخاطباً ملائكته:(إِنِّي جَاعِلٌ فِي اْلأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة/31] وكقوله في داود مخاطباً له:(يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ) [ص/27] وكقوله تعالى مخاطباً خليله إبراهيم:(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة/125]، وكقوله تعالى في بعض رسله وأنبيائه:(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء/74]، أو المراد من المستخلفين من قبلهم – ولعلّه هو الأولى – بعض الأنبياء الماضين الذين أهلك الله قومهم الكافرين والفاسقين منهم وأنجاهم مع المؤمنين الصالحين من اتباعهم كنوح وهود وصالح وشعيب وأمثالهم “ كما أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ اْلأَرضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم/14-15].

فالله يستخلف الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه و آله) في آخر الزمان كما استخلف نوحاً وهوداً وصالحاً وشعيباً وأمثالهم في مجتمع صالح بعد إهلاك الكافرين والفاسقين من قومهم ومكنهم في الأرض مع الصالحين من أتباعهم فهكذا آل محمد في آخر الزمان يهلك الله الكافرين كما يهلك الفاسقين والمنافقين من هذه الأمة ويستخلفهم في الأرض على الصالحين المؤمنين ويحكمون فيهم بحكم الله الواحد القهّار.

ومما يدل على أن الاستخلاف هنا للأئمة الأطهار من آل محمد(صلى الله عليه و آله) دون غيرهم هو أن الله نسب استخلافهم في الأرض إليه تعالى لا إلى غيره من الناس حيث قال (ليستخلفنهم في الأرض) ومعلوم أن غيرهم ممّن تخلف لم يكن استخلافهم بتشريع من الله تعالى ولا تعيين منه بل كان بتغلب فئة على فئة أو اختيار جمع دون آخر أو نص من سابق على لاحق وهذا كله وغيره مما تداول عند الخلفاء والملوك لا ينسب – تشريعياً – إلى الله والذي يدل على أن المراد من استخلافهم“ في الآية استخلافاً تشريعياً من الله.

قوله تعالى: (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من رسل وأنبياء وأوصياء الذين شرّع الله استخلافهم على عباده، ومكنهم على إقامة حكمه فيهم، قال تعالى:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(68)وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) [القصص/69-70].وقال تعالى في الآية المبحوث عنها:(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) وهو دين الإسلام الذي بعثَ به سيد الأنام(صلى الله عليه و آله) ونُسَبَ الدين إليهم ومعلوم أن الدين إما أن ينسب نسبة عامة فيقال: دين الإسلام أو دين المسلمين.

أما نسبته إلى فرد أو أفراد من سائر الأمة فهذا ما لا يجوز قطعاً إلا إذا كان لذلك الفرد أو أولئك الأفراد، إضافة خاصة إلى الله وإلى دينه فحينئذ تصح نسبة الدين إليهم مثلاً لا يقال: أنا على دين زيد أو عمر ولكن يقال أنا على دين محمد (صلى الله عليه و آله) أو على دين علي أو على دين الأئمة، وإنما نسب جل وعلا الدين إليهم تشريفاً لهم ولكونه من مقتضى فطرتهم ولأنهم حفظته وحملته العالمون العارفون به والداعون إليه والعاملون به جميعاًدون غيرهم فلذلك قال:(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) ليحكموا به دون غيره من الأديان السابقة أو الأديان الباطلة أو الآراء والأستحسانات وغير ذلك مما يخالف واقع الدين، حتى يعّم الدين الإسلامي الكرة الأرضية وأهلها كما جاء عن المقداد بن الأسود الكندي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنه قال:

لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله تعالى كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، أمّا أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإمّا أن يذلهم فيدينوا لها (أي يخضعوا لها رغم آنافهم) راجع الحديث في (التبيان) للشيخ الطوسي ج7 ص455، و(مجمع البيان) للطبرسي م4 ص152، وتفسير (الصافي) للمولى محسن الفيض وغيرهم.

ويؤيد مفاد هذه الآية الكريمة(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ) وذلك لأن تمكين الشيء هو إقراره في مكان وهو كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل، بحيث يؤثر أثره التام من غير مانع ولا حاجز فتمكن الدين هو كونه معمولاً به في المجتمع من غير كفر به ولا استهانة بأمره ومأخوذاً بأصول معارفه وفروعه من غير اختلاف وتخاصم، ومعلوم أن هذا التمكن في الدين الإسلامي لم يتحقق في أي مجتمع طيلة تاريخه بسبب بغي الباغين الذين اختلفوا فيه من بعد ما جاءهم العلم به، أما إذا حصل التمكين من الله العزيز الحكيم لأهل الدين بإقامته في مجتمعهم فحينئذ لا يستطيع أي باغ أن يزيله أو يحدث فيه أي اضطراب وتزلزل، وهذا ما سيتحقق في المستقبل لأن الله هو الذي وعد به وهو لا يخلف الميعاد وهو على كل شيء قدير.

ثم يقول تعالى في الآية:(وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) والمراد من هذا النص، على ما يقول شيخنا الطبرسي: أي وليصيرنهم بعد أن كانوا خائفين آمنين بقوة الإسلام وانبساطه، وهذا المعنى يدل على أنهم كانوا وعاشوا خائفين من أعداء الله وأعدائهم ولكن الله سيبدلهم من بعد ذلك الخوف أمناً تاماً فيكونون آمنين لا يخافون عدواً في داخل مجتمعهم ولا في خارجه، ولا متجاهراً في العداء ولا مستخفياً وأنهم يأمنون على دينهم ودنياهم، وهذا النص القرآني ومعناه يؤيد تاريخ حياة الأئمة الطاهرين “ الذين عاشوا في دولة بني أمية وبني العباس خائفين مراقبين ناهجين منهج التقية التي شرعها الله لهم ولأتباعهم من الأمة وأخيراً خرج كل منهم من الدنيا مقتولاً بالسيف أو مقتولاً بالسم، وبما أن الله وعدهم النصر على أعدائهم دنيا وآخرة كما قال تعالى:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اْلأَشْهَادُ) [المؤمن/52]، فتقتضي الحكمة الإلهية إرجاعهم إلى الدنيا ونصرهم على أعدائهم وسائر أعداء الله بتبديل خوفهم السابق أمناً فحينئذ يقول تعالى:(يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) وهذا الإطلاق على نفي الشرك يقضي بأن المراد أن عبادتهم لله تكون خالصة لا يداخلها نوع من أنواع الشرك لا في العقيدة ولا في العمل، ولا شرك جلي ولا خفي، وهذا يدل دلالة واضحة جلية على عصمة هؤلاء المستخلفين إذ أن من عصى الله ولو معصية واحدة وإن كانت صغيرة يكون قد عبد بتلك المعصية غير الله عز وجل في حين يقول تعالى:(يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) فهذا النص الصريح لا ينطبق تمام الانطباق إلا على الأئمة من آل محمد(صلى الله عليه و آله).

أما قوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) أي من كفر بعد ذلك من سائر الناس من مجتمعهم بنعمة الإسلام، وعدل خلفائه فأولئك هم الفاسقون الكاملون في الفسق أي الخارجون عن طاعة الله إلى أقبح وجوه الكفر بتلك النعمة التامة العامة، والمراد بالكفر هنا هو كفران النعمة الإسلامية وعدل خلفائه، ولكن أولئك الفاسقين الأقلين لا يستطيعون إزالة تلك النعمة الإسلامية ولا إحداث الاضطراب فيها فهذا ما دلت عليه القرائن من ألفاظ الآية ونصوصها.

 

كلام لسيد قطب في حقيقة الإيمان والعمل الصالح

ولصاحب تفسير (في ظلال القرآن) سيد قطب ج18 ص118 كلام في حقيقة الإيمان والعمل الصالح، وفي حقيقة الاستخلاف يقارب به مفاد الآية الكريمة وواقعها ولكنه – وياللأسف – بالأخير يخالف ذلك الواقع بتطبيقها على غير مصاديقها الحقة وإليك كلامه بنصه حتى ينكشف لك الحال، فقال بعد ذكر الآية: ذلك وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد(صلى الله عليه و آله) أن يستخلفهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً.. ذلك وعد الله ووعد الله حق. ووعد الله واقع. ولن يخلف الله وعده فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟ إنّ حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله.

فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه الأوجه الله وهي طاعة الله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله (صلى الله عليه و آله) من عند الله.

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه وخلجات قلبه وأشواق روحه وميل فطرته وحركات جسمه ولفتات جوارحه وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعاً.. يتوجه بهذا كله إلى الله..يتمثل هذا في قوله سبحانه في الآية نفسها تعليلاً للاستخلاف والتمكين والأمن: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله.

ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر به توفر الأسباب.

وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض…أمانة الاستخلاف..

أقول: بربك قل لي – أيها المطالع الكريم – هذا الذي ذكره الأستاذ سيد قطب في مفاد حقيقة الإيمان والعمل الصالح الذي تشير إليه الآية الكريمة، هل تراه ينطبق على أفراد أو جماعات غير المعصومين المنزهين عن كل عيب والمطهرين من كل رجس من أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه و آله) الأئمة الطاهرين الأثني عشر “ بعد جدهم(صلى الله عليه و آله) ؟ اقرأ وأحكم…

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) [المائدة/46].

ثم تساءل الأستاذ:

فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟ (وأجاب):

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم..إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء وتحقق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه، وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدَّر لها في الأرض، اللائق بخليقةٍ أكرمها الله.

إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والصلاح لا على الهدم والإفساد وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة لا على الظلم والقهرِ وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان.

وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات.. وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض – كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم - ليحققوا النهج الذي أراده الله، ويقرّوا العدل الذي أراده الله، ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقرر لها يوم أنشأها الله..فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض وينشرون فيها البغي والجور وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض.

إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يتسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.

آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى:(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) ..وتمكين الدين بتمكينه في القلوب. كما يتم تمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها، فقد وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض ودينهم يأمر بالصلاح ويأمر بالعدل ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض ويأمر بعمارة هذه الأرض والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله.

أقول: هذا ما أجاب به الأستاذ عن حقيقة الاستخلاف في الأرض، (وحقاً) نعم ما أجاب به، ولكنه هل تراه، ينطبق حقيقة الانطباق على غير من عينهم الله تبارك وتعالى خلفاء في أرضه، وحججاً على عباده وأعلاماً واضحة في بلاده؟ عينهم جل وعلا لرسوله(صلى الله عليه و آله) وعينهم الرسول لأمته في مواقف عديدة بأفعاله وأقواله التي لا تحصى كثرة، وهم نفس النبي(صلى الله عليه و آله) في آية المباهلة، وليد بيت الله الحرام وسط الكعبة المقدسة الإمام علي أمير المؤمنين الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، وأبناؤه في آية المباهلة الإمامان قاما أو قعدا الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة حسب نصوص الصادق الأمين (صلى الله عليه و آله) ، والأئمة التسعة من ولد الحسين بقية العترة الطاهرين الذين قرنهم النبي (صلى الله عليه و آله) الذي قال الله فيه:(وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم/4-5]، بكتاب الله الذي(لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت/43].

واستخلفها على أمته وعبر عنهما بالخليفتين والثقلين بقوله(صلى الله عليه و آله) إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

وفي نص آخر: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك، فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما.

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة المتواترة.

وحديث الثقلين ثابت في صحيح مسلم والترمذي ومسند احمد بن حنبل و(الخصائص) للنسائي والصحاح والسنن والمسانيد.

وهنا أتسائل:

أفهؤلاء الأبرار الذين تنطبق عليهم نصوص الآية أم غيرهم؟

اقرأ وأحكم..

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) [المائدة/48].

فنحن نرى (تبعاً للأدلة) أن آية الوعد بالاستخلاف أحق من تنطبق عليهم وتتحقق لهم مواعيدها الصادقة في المستقبل إنما هم النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الأطهار الذين أنزل الله فيهم(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب/34].

وأنزل فيهم (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا) [الإنسان/9،10].

وإلى غير ذلك من مئات الآيات البينات ويؤيد مفاد الآية التي هي موضع البحث الأخبار الواردة عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته حولها وإليك بعض نصوصها.

 

نصوص الأحاديث حول الآية الكريمة

1- الحديث الذي ذكرناه في بحوث الآية الكريمة المروي عن المقداد بن الأسود الكندي عن رسول الله(صلى الله عليه و آله) أنه قال: لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله تعالى كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، إمّا أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وإمّا أن يذلهم فيدينون لها. (تفسير التبيان للشيخ الطوسي ج7 ص455 ومجمع البيان للطبرسي م4 ص152، والصافي للمولى محسن الفيض).

2- وعن أبي بن كعب قال: لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه و آله) وأصحابه وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا: ترون أنّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت هذه الآية (مجمع البيان) ج4 ص152 و(الدر المنثور) للسيوطي ج5 ص55 وقد نقل الحديث عن أبن المنذر والطبراني في (الأوسط والحاكم) وصححه، وابن مردوية والبيهقي، في (الدلائل)، والضياء في المختارة

3- وروي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: زويت لي الأرض فأُرِيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها (مجمع البيان) ج4 ص54، و(تفسير ابن كثير الدمشقي) ج3 ص301 ونصه: أن الله زوى لي الأرض فرأيت ..الخ، و(تفسير المراغي) ج18 ص126، و(تفسير الصافي).

4- من تفسير الحافظ محمد بن مؤمن بإسناده عن عَلقمة عن ابن مسعود قال: وقعت الخلافة من الله عز وجل لثلاثة نفر: لآدم(عليه السلام) لقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة/31] يعني خالق في الأرض خليفة يعني آدم(عليه السلام) ثم قال في الحديث المذكور: والخليفة الثاني داوّد(عليه السلام) لقوله تعالى: (يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اَْلأَرْضِ) [ص/27].

يعني في بيت المقدس، والخليفة الثالث أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) لقول الله في سورة النور:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني علي بن أبي طالب(عليهم السلام) (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني آدم وداوّد ..الخ. (راجع البحار للمجلسي ج36، ص96) وقد نقله عن كل من (الطرائف) لأبن طاووس ص23-24 وعن كشف الحق للعلامة الحلي).

وراجع دلائل الصدق للمظفري ج2 ص211، و(إحقاق الحق) ج3 ص584، ونقل ابن شهر آشوب الحديث عن تفسير أبي عبيدة، وعلي بن الحرب الطائي ج3 ص63:

إن عبد الله بن مسعود قال: الخلفاء أربع، وعد منهم هارون، واستدل بقوله تعالى:(وَقَالَ مُوسَى لأَِخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) [الأعراف/143].

5- روى شيخنا الكليني في (أصول الكافي) بسنده عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله جل جلاله(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ) قال(عليه السلام) : هم الأئمة، (الكافي) كما في شرحه الشافي ج3 ص86، ونقله عنه المولى محسن، الفيض في تفسيره (الصافي) ورواه الطريحي في (مجمع البحرين) ص375، باب ما أوله الخاء من كتاب الفاء.

6- روى الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) ج1 ص413 مسنداً عن إبن عباس في قوله تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) ..الخ الآية قال: نزلت في آل محمد (صلى الله عليه و آله).

7- وروى حديثاً آخر مسنداً عن القاسم بن عوف(5) قال: سمعت عبد الله بن محمد (وهو على الظاهر، ابن محمد بن الحنيفة) يقول:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية قال: وهي لنا أهل البيت. وهذان الحديثان نقلهما الحسكاني عن فرات بن إبراهيم كما نقلهما عنه أيضاً المجلسي في (البحار) ج24 ص166.

وفيه عن القاسم بن عون ..الخ. وهما موجودان في تفسيره بسنده ص102-وص103.

8- قال شيخنا المجلسي في (البحار) ج51 ص64: ووجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجباعي قال: وجدت بخط الشهيد نوّر الله ضريحه: روى الصفواني في كتابه عن صفوان: أنه لما طلب المنصور أبا عبد الله (عليه السلام) – أي ليحضره بين يديه لتهديده أو قتله – توضأ وصلّى ركعتين ثم سجد سجدة الشكر وقال: اللهم إنك وعدتنا على لسان نبيك محمد (صلى الله عليه و آله) ووعدك الحق إنك تبدّلنا من بعد خوفنا أمناً اللهم فأنجز لنا ما وعدتنا إنك لا تخلف الميعاد، قال: قلت له: يا سيدي فأين وعد الله لكم؟ فقال (عليه السلام): قول الله عز وجل:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم) الآية.

وروي انه تليّ بحضرته(عليه السلام):(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي اْلأَْرْضِ) فهملت عيناه(عليه السلام) وقال: نحن والله المستضعفون.

9- وجاء في حديث طويل عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال فيه: ولقد قال الله عز وجل في كتابه لولاة الأمر من بعد محمد(صلى الله عليه و آله) خاصة: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الآية: يقول: استخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيكم كما استخلف وصاة آدم من بعده حتى بُعث النبي الذي يليه إلى أن قال (عليه السلام): فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد(صلى الله عليه و آله) العلم ونحن هم …الخ.

(راجع أصول الكافي كما في شرحه الشافي ج3 ص216، ونقله عنه المولى محسن الفيض كما في تفسيره الصافي).

10- وجاء في حديث عن إسحاق بن عبد الله بن عبد الحسين: إن قوله تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية قال: نزلت في المهدي (عليه السلام).

راجع (البحار) ج51 ص54، نقلاً عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، وكتاب (كنز جامع الفوائد).

11- وفي حديث آخر عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية.

قال: القائم وأصحابه.

(البحار ج51 ص58 نقلاً عن كتاب الغيبة للنعماني).

12- روى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين(عليهم السلام) إنه قرأ الآية وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا وهو مهدي هذه الأمة وهو الذي قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملئ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجورا، راجع (مجمع البيان) ج4 ص152. وقال روي مثل ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) ، ونقله عنه المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي) وقال: فقوله(عليه السلام) هم والله شيعتنا يفعل الله ذلك بهم يعني تبديل الخوف بالأمن إنما يكون لهم.

13- وجاء في كتاب (إكمال الدين) للصدوق عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في قصة نوح مع قومه وانتظار المؤمنين منهم الفرج حتى أراهم الله الاستخلاف والتمكين ثم قال(عليه السلام): وكذلك القائم أنه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمر منتشر في عهد القائم (عليه السلام).

قال المفضل: فقلت يا بن رسول الله فإن النواصب تزعم إن هذه الآية أي آية (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) نزلت في أبى بكر وعمر وعثمان وعليّ فقال: لا، لا يهدي الله قلوب الناصبة، ومتى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكناً بانتشار الأمر في الأمة وذهاب الخوف من قلوبها وارتفاع الشك من صدورها في عهد واحد من هؤلاء، وفي عهد عليّ (عليه السلام) مع ارتداد المسلمين والفتن التي تثور في إيّامهم والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم..الخ.

(إكمال الدين) للصدوق ص343، ونقله عنه المولى محسن الفيض في (الصافي).

14- وجاء في الاحتجاج عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في حديث طويل ذكر فيه إمهال الله للمخالفين ثم قال معللاً ذلك الإمهال: كل ذلك لتتم النظرة التي أوحاها الله تعالى لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين، ويقرب الوعد الحق، الذي بيّنه في كتابه بقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وذلك إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه وغاب صاحب الأمر بإيضاح الغدر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه أشدهم عداوة له: (كبني العباس الذين هم أبناءُ عمٍ لآل أبي طالب ولكنهم نصبوا العداء له ولآبائه فتتبعوهم قتلاً وسماً).

وعند ذلك يؤيدّه الله بجنود لم تروها ويظهر دين نبيه(صلى الله عليه و آله) - على يديه - على الدين كله ولوكره المشركون..الخ.

(راجع كتاب الاحتجاج لشيخنا الطبرسي ج1 ص382، ونقله عنه المولى محسن الفيض في تفسيره، كما نقله عنه المجلسي في البحار ج93 ص125).

بيان مهم حول نصوص الأحاديث

ممّا لاشك فيه ولا ريب يعتريه إن هذه الأحاديث بمجموعها تدعم وتؤيد ما استفدنا من نصوص الآية الكريمة التي هي موضع البحث من أن البشائر المهمة والمواعيد الحقة التي تضمنتها الآية ما تحققت تماماً وكمالاً طيلة تاريخ الإسلام لا لهذه الأمة ولا لخلفائها المحقين منهم والمبطلين، وإن تحققها بالكامل سيكون في المستقبل بعد ظهور مهدي آل محمد من غيبته سلام الله عليه.

كما إن كثير من هذه الأحاديث تدعم بل وتصرح أن المراد من المستخلفين إنما هم علي وأبناؤه المعصومون“ بعد النبي(صلى الله عليه و آله) دون غيرهم.

وبعض تلك الأحاديث عينت بالخصوص الإمام المهدي(عليه السلام) هو وأصحابه وشيعته.

ويمكن أن تقسم هذه الأحاديث إلى ثلاثة أقسام، فالقسم الأول منها هي الأحاديث الثلاثة المرقمة /1، 2، 3 فإنها تدل بكل صراحة على أن كلمة الإسلام سوف تعم الكرة الأرضية بأسرها، وتدخل كل بيت فيها من مدر أو وبر، ويدين ويخضع لها حتى من لم يرغب فيها وعندها يعم الأمان والاطمئنان كافة أهلها بحيث يستغنون عن حمل أي سلاح بمقابل أي عدو وإن ملك الأمة الإسلامية - برآسة المستخلفين من الله - يشمل مشارق الأرض ومغاربها كافة، فهل تحقق هذا حتى الآن؟: اقرأ وأحكم – والقسم الثاني من هذه الأحاديث وهي المرقمة (4، 5، 6، 7، 8، 9) فإنها نصت وصرحت تمام الصراحة في أن الآية الكريمة نازلة وخاصة بالأئمة وبآل محمد (صلى الله عليه و آله) وبأهل البيت وإن الله وعدهم بذلك الوعد ووعده الحق، وهو لا يخلف الميعاد، وإنهم ولاة الأمر بعد النبي(صلى الله عليه و آله) وإن الله تعالى استخلفهم لعلمهم ودينهم وعبادتهم كما استخلف وصاة آدم من بعده، وحيث إن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) هو أولهم بعد الرسول(صلى الله عليه و آله) وهو حاضر عند نزول الآية الكريمة وقد استخلفه الرسول بالفعل على أمته بأمر الله تعالى، من هنا نرى في الحديث المرقم 4 عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه رأى بأنه هو المعني باستخلافه في الآية كما استخلف آدم وداود وهارون، وإن خلافتهم منصوص عليها جميعاً في القرآن المجيد، وهذا ما أفادته الأحاديث من هذا القسم.

س- هل يسوغ لنا أن نصرفها عنه وعنهم جميعاً وهي نازلة فيهم ومنطبقة عليهم؟: اقرأ وأحكم.

والقسم الثالث من الأحاديث الشريفة وهي المرقمة من 10، 11، 12، 13، 14 عينت بالخصوص الإمام المهدي من آل محمد(صلى الله عليه و آله) وفي بعضها هو وأصحابه، وفي بعضها شيعته وإن الله يزيل عنهم الخوف على يده (عليه السلام) وفي بعضها يكون التمكين والأمر المنتشر وإظهار الدين في عهده على يديه.

وهذا القسم من الأحاديث لا تخالف مفاد الآية ونصوصها ولا تخالف أحاديث القسمين السابقين، إذا الجمع بينها كلها واضح جلي وهو إن الآية نازلة في مجموع أهل البيت “ وأن منهم المهدي(عليه السلام) ، وإنما خصت بعض تلك الأحاديث نزولها فيه أو فيه وفي أصحابه لأن تحقق هذا الوعد لا يكتمل لهم جميعاً إلا بعد ظهوره، فهو أول من يحقق الله له تلك المواعيد والبشائر بتمامها وكمالها ثم للنبي وأهل بيته المعصومين بإرجاعهم إلى الدنيا حسب مشيئته وإرادته، وإنجاز الوعد لهم ولأتباعهم بالنصر دنيا وآخرة كما قال تعالى:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اْلأَشْهَادُ) فمن فاته النصر التام أيام حياته الأولى في الدنيا تقتضي حكمته – وهو على كل شيء قدير – إرجاعه إليها وتحقق النصر التام له فيها بالرجعة.

ومن هنا قال القمّي في (تفسيره) ج2 ص108، خاطب الله الأئمة ووعدهم أن يستخلفهم في الأرض من بعد ظلمهم وغصبهم فقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)..الخ.

وقال الطبرسي في (مجمع البيان) م4 ص152، بعد تفسير الآية والاستشهاد ببعض الأحاديث قال: فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات النبي وأهل بيته صلوات الرحمن عليهم وتضمنت الآية البشائر لهم بالاستخلاف والتمكن في البلاد وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي (عليه السلام) منهم ويكون المراد بقوله:(كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هو جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم وداوّد وسليمان“ ويدل على ذلك قوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي اْلأَرْضِ خَلِيفَةً) و( يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اْلأَرْضِ) وقوله:(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) [النساء/55].

وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة وإجماعهم حجة لقول النبي(صلى الله عليه و آله) إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، وأيضاً فإن التمكين في الأرض على الإطلاق لم يتفق فيما مضى فهو منتظر لأن الله عز اسمه لا يخلف وعده.

 

أحاديث في الرجعة

فإذاً لابد من الرجوع إلى أهل البيت في مفاد الآية الكريمة، أهل البيت الذين ورد عنهم “ إنهم قالوا ما معناه: إن الأمن التام الذي يحصل بعد الخوف الشديد في البلاد والعباد إنما يكون في أيام القائم منا فيرتفع الخوف عنا وعن شيعتنا عند رجعتنا ويستمر إلى يوم القيامة، (أجوبة المسائل الدينية / دورة / 1 ج5 ص6).

وورد عن الصادق(عليه السلام) في حديث إنه قال: ما من إمامٍ في قرن إلا ويكر في قرنه، يكر معه البر والفاجر في دهره حتى يديل الله عز وجل المؤمن والكافر).

أي حتى يجعل الله النصر والغلبة للمؤمن على الكافر ..الخ، (راجع الشيعة والرجعة) للطبرسي ج2 ص62، نقلاً عن تفسير (البرهان) ج1 ص129.

وروي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام): إن رسول الله(صلى الله عليه و آله) وعلياً(عليه السلام) سيرجعان (راجع البحار ج53 ص39 نقلاً عن منتخب البصائر) وعن الصادق (عليه السلام) إنه قال في حديث: {أول من تنشق الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي(عليهم السلام)، وإن الرجعة ليست بعامّة وهي خاصة لا يرجع إلاّ مَن محض الإيمان محضاً ومحض الشرك محضاً}، (البحار ج53 ص39، نقلاً عن منتخب البصائر).

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن أول من يكر إلى الدنيا الحسين بن علي (عليهم السلام) وأصحابه ويزيد بن معاوية وأصحابه فيقتلهم حذو القذة بالقذة، ثم قال أبو عبد الله:(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) [الإسراء/7]، راجع الحديث في (تفسير العياشي) ج2 ص282، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج53 ص76، كما نقله عنه صاحب تفسير (البرهان) ج1 ص599، ونقله عنهما الطبسي في كتاب (الشيعة والرجعة) ج2 ص111، ونقله عن العياشي الحر العاملي في (الإيقاظ) ص294.

ونختم هذه الأحاديث، روماً للاختصار، بحديث نبوي شريف رواه احمد بن محمود المعروف بابن عيّاش في كتابه (مقتضب الأثر في الأئمة الأثني عشر) بسنده، ورواه أيضاً الشيخ حسن بن سليمان في كتابه (المحتضر) نقلاً عن كتاب السيد الجليل حسن بن كبش، ونقله عنهما المجلسي في (البحار) ج53 ص142-وص144، مسنداً عن سلمان الفارسي إنه قال: دخلت على رسول الله(صلى الله عليه و آله) يوماً فلما نظر إليَّ قال: يا سلمان أن الله عز وجل لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثنى عشر نقيباً قال: قلت: يا رسول الله لقد عرفت هذا من أهل الكتابين أي الإنجيل والتوراة وأهلها اليهود والنصارى قال: سليمان فهل علمت مَن نقبائي الأثني عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي؟

فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعته وخلق من نوري علياً فدعاه فأطاعه، وخلق من نوري ونور عليّ فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة الحسنين فدعاهما فأطاعا فسمّانا الله عز وجل بخمسة أسماء من أسمائه: فالله المحمود وأنا محمد والله العلي وهذا علي والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن والله المحسن وهذا الحسين.

ثم خلق منا ومن نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوا قبل أن يخلق الله عز وجل سماءً مبنية وأرضاً مدحية أو هواء أو ماء أو ملكاً أو بشراً، وكنا بعلمه أنواراً نسبحه ونسمع له ونطيع(6).

فقال سلمان: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأميّ ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: يا سلمان مَن عرفهم حق معرفتهم واقتدى بهم فوالى ولّيهم، وتبرّأ من عدوهم فهو والله منّا، يرد حيث نرد ويسكن حيث نسكن، قلت: يا رسول الله فأنّى لي بهم؟ قال: قد عرفت إلى الحسين، قال: ثم سيد العابدين علي بن الحسين ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله، ثم علي بن موسى الرضا لأمر الله، ثم محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم الحسن بن علي الصامت الأمين على دين الله، ثم (م ح م د) سماه باسمه ابن الحسن المهدي الناطق القائم بحق الله.

قال سلمان: فبكيت ثم قلت: يا رسول الله فأنّى لسلمان لإدراكهم؟ قال: يا سلمان إنك مدركهم وأمثالك، ومن تولاّهم حقيقة المعرفة قال سلمان: فشكرت الله كثيراً ثم قلت: يا رسول الله إني مؤجل إلى عهدهم؟، قال يا سلمان اقرأ:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) [الإسراء/6،7].

قال سلمان: فأشتد بكائي وشوقي وقلت: يا رسول الله، بعهدٍ منك؟ فقال: أي والذي أرسل محمداً إنه لبعهدٍ مني ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، وتسعة أئمة وكل من هو منا ومظلوم فينا، إي والله يا سلمان ثم ليحضرنّ إبليس وجنوده، وكل من محض الإيمان محضاً حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار والثارات ولا يظلم ربّك أحداً، ونحن تأويل هذه الآية: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص/6،7].

قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله(صلى الله عليه و آله) وما يبالي سلمان متى لقي الموت أو لقيه.

ومن جملة من روى هذا الحديث الشريف بسنده عن سلمان محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي وهو من أعظم علماء الإمامية في القرن الرابع الهجري في كتابه (دلائل الإمامة) ص237، ونقله عنه الطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص109.

ملاحظة إيضاحية مهمة حول الحديث

أقول: قول النبي (صلى الله عليه و آله) في هذا الحديث الشريف: ثم ليحضرن إبليس وجنوده، وكل من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار والثارات ولا يظلم ربك أحدا. يُريد(صلى الله عليه و آله) بذلك إحضار إبليس وجنوده، وسائر من محض الكفر محضاً، مع المؤمنين الذين محضوا الإيمان عند رجوعهم جميعاً أيام دولة الإمام المهدي المنتظر (عج) ليقتص من إبليس وأتباعه وجنوده ويأخذ منهم القصاص والثار كاملاً غير منقوص، ومن جملة من يقتل يومئذٍ إبليس وإلى هلاكه يومئذ يشير قوله تعالى:(قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ(37)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [الحجر/38-39].

وقد جاء في تفسير الآيتين عن الإمام الصادق(عليه السلام): أن هلاك إبليس وجنوده يكون في الرجعة.

راجع (البحار) ج53 ص42 نقلاً عن (منتخب البصائر)، وكتاب (الشيعة والرجعة) ج2 ص62 نقلاً عن (تفسير البرهان) ج1 ص129، وراجع (تفسير القمّي) ج2 ص245، و(أنوار النعمانية) ج2 ص102، و(حق اليقين) للسيد عبد الله شبّر ج2 ص11.

وفي حديث آخر عنه (عليه السلام): أن هلاكه يكون إذا بعث الله قائمهم، راجع (تفسير العياشي) ج2 ص242، و(البحار) ج14 ص628 ط القديم، و(الصافي) ج1 ص906، و(البرهان) ج2 ص343 على ما نقل في حاشية تفسير العياشي، و(ينابيع المودة) ص424.

التحقيق في وقت هلاك إبليس لعنه الله

والظاهر من قوله تعالى حاكياً عن إبليس:(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون) أنه سأل الله تعالى أن يمهله ويؤجله إلى يوم البعث: فكان جواب الله تعالى له إن(قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ(37)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [الحجر/38-39، وسورة ص/80-82] ففي هذا الجواب إجابة لسؤاله، ورد عليه، اما الإجابة فبالنسبة إلى أصل الآنظار الذي سأله، وأما الرد فبالنسبة إلى ما قيده إبليس وهو أن يبقيه إلى يوم يبعثون فالله سبحانه رد عليه ذلك بالقيد ولم يسمح له بآنظاره إلى يوم يبعثون بل إلى يوم الوقت المعلوم، ويعني به اليوم المعلوم عنده سبحانه، ومن الواضح اللائح بالنظر إلى سياق الايتين أن يوم الوقت المعلوم غير يوم يبعثون وان يكون قبل يوم البعث وهو من أيام الدنيا، فإذاً لا بد وأن يكون هو اليوم الذي يصلح الله فيه المجتمع الإنساني، ويقطع فيه دابر الفساد، ولا يعبد فيه إلا الله وقطعاً لا يتحقق هذا إلا بعد ظهور المهدي الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، ويكون تحقيق الرجعة بعد ذلك الظهور المبارك أيضاً. وهو ما ذكرته الأحاديث المشار إليها عن النبي (صلى الله عليه و آله) والإمام الصادق (عليه السلام) وتشير إليه الآية الكريمة(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ اْلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء/105].

 

1- راجع سند الحديث في كتابنا (دراسات موضوعية في الإمام الحسين (ع) وعشرة محرم) ج1 ص38 فقد نقلناه عن حوالي 17 مصدراً من مصادر أهل السنة وغيرهم بصحائف مرقمة، وسيصدر قريباً إن شاء الله.

2- راجع تصريحات الحسن (ع) في أنه قد سقى السم مراراً (البحار) ج44 ص138 نقلاً عن كتاب (حلية الأولياء) للحافظ أبي نعيم، وص145 نقلاً عن ابن أبي الحديد عن أبي الحسن المدائني، وص147 نقلاً عن (الاحتجاج) للطبرسي وغيرها من المصادر.

3- راجع الشافي في شرح الكافي م3 ص287-ص288.

4- راجع (عيون أخبار الرضا) ص299 و(الأمالي) ص79 و(البحار) ج44 ص285.

5- ولعل الصحيح عن القاسم بن عون وهذا هو الموجود في تفسير فرات بن إبراهيم وفي البحار.

6- أحاديث النور بهذا المعنى كثيرة متواترة من طرق الخاصة والعامة ذكرنا بعض طرقها في كتابنا (قبس من القرآن) في الفصل السابع فأقرأ منه هذه العناوين من ص312-ص336 (تفسير النور بأهل البيت) (طرق أحاديث خلق الله نور النبي وأهل بيته من نوره قبل خلق الخلق) 1- (طريق سلمان الفارسي) 2- (طريق أبي ذر الغفاري) 3- (طريق جابر بن عبد الله الأنصاري) 4- (طريق عبد الله بن عباس) 5- (طريق أبي سعيد الخدري) 6- (طريق عثمان بن عفان) 7- (طريق أبي هريرة) 8- (طريق أنس بن مالك) 9- (طريق عبد الله بن عمر) 10- (طريق أبي سلمة راعي أبل رسول الله (ص)) 11- 0طريق علي أمير المؤمنين(ع)) (دلالة أحاديث النور) (حديث نبوي مهم في هذا المقام) فما أجدر بالباحثين الرجوع إلى تلك العناوين وإلى الفصل كله الذي عنوانه (الرسول الأعظم) والنور الذي أنزل معه من ص307-346، وهو آخر الكتاب والله ولي التوفيق (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وأليه أنيب)هود 89.