|
الاستدلال بآيةٍ ثالثة على الرجعة الدالة على عدم إرجاع أهل القرى الذين أُهلكوا بالعذاب. (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء/95]. هذه الآية الكريمة من الآيات الكثيرة التي تدل بمفهومها على أحقية الرجعة إلى الدنيا بعد الموت وقبل يوم القيامة وبيان ذلك نقول: المراد من الإهلاك في هذه الآية – كما هو الظاهر منها، ومن آيات عديدة، غيرها، والمؤيد بنصوص الأحاديث من طرق الفريقين – هو الإهلاك – التدميري بعذاب الاستئصال الذي يصيب أهل القرى الظالمة فيقضي عليهم نظير قوله تعالى:(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء/16]. وقوله تعالى:(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأعراف/ 5و6]، وقوله تعالى:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ(58)وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص/ 59و60]، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير. فقوله تعالى في الآية المبحوث عنها:(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) يراد بالإهلاك هنا – كما ذكرنا – إهلاك الاستئصال التدميري بالعذاب الواقع عليهم، ويراد بالحرام الامتناع ويكون المراد من معنى الآية أن أهل القرية التي أهلكها الله بالعذاب لا يرجعون ثانياً إلى الدنيا. وهذا المعنى هو الذي يسبق إلى الذهن من الآية الكريمة أما نص قوله تعالى:(أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) في حين كان الظاهر أن يقال: أنهم يرجعون، فهنا ذكر المفسرون وجوهاً منها ما ذكره بعضهم: أن (لا) زائدة والأصل أنهم يرجعون وقد اختار هذا القول صاحب تفسير الجلالين، حيث قال في معنى الآية بما نصه: (وحرام على قرية أهلكناها) أريد أهلها. (أنهم لا) زائدة (يرجعون) أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا. (تفسير الجلالين ص436). ويمكن أن يؤيد هذا القول بآيات أخر تأتي فيها لفظة (لا) زائدة مثل قوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [القيامة/1-3]. ومعناها اُقسم بيوم القيامة واُقسم بالنفس اللّوامة، وهكذا قوله تعالى:(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ(15)الْجَوَارِي الْكُنَّسِ) [التكوير/16-17]،ومعناها اُقسم بالخنس، وأمثال هذهِ الآيات كثير التي تأتي فيها (لا) زائدة، واختار العلامة الطباطبائي في تفسير (الميزان) ج14 ص356 وجهاً آخر حيث قال: وأما قوله تعالى:(أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) وكان الظاهر أن يقال: أنهم يرجعون، فالحق أنه مجاز عقلي وضع فيه نتيجة تعلق الفعل بالشيء – أعني ما يؤول إليه حال المتعلق بعد تعلقه – موضع نفس المتعلق، نتيجة تعلق الحرمة برجوعهم عدم الرجوع فوضعت هذه النتيجة موضع نفس الرجوع الذي هو متعلق الحرمة، وفي هذا الصنع أفادة نفوذ الفعل كأنّ الرجوع يصير بمجرد تعلق الحرمة عدم الرجوع من غير تخلل فصل، ثم قال مستشهداً بآيتين أخريين من هذا القبيل: ونظيره أيضاً قوله تعالى:(مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [الأعراف/12]. حيث أن تعلق المنع بالسجدة يؤول إلى عدم السجدة فوضع عدم السجدة الذي هو نتيجة موضع نفس السجدة التي هي متعلق المنع ونظيره أيضاً قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [الأنعام/153]. حيث أن تعلق التحريم بالشرك ينتج عدم الشرك فوضع عدم الشرك الذي هو النتيجة مكان نفس الشرك الذي هو المتعلق أقول:- لعل هذه الوجه الثاني آولى من غيره.
الأحاديث حول الآية الكريمة هذا وقد أوضحت مفاد الآية الكريمة. والاستدلال بها على أحقية الرجعة الأحاديث من طرق أهل البيت“ وبعض الصحابة والتابعين وإليك تلك الأحاديث. 1- روى القمي في (تفسيره) ج2 ص76 بسنده عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله وأبي جعفر (أي الصادق والباقرL) أنهما قالا: كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة، فهذه الآية من أعظم الدلالة في الرجعة. لأن أحداً من أهل الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون إلى القيامة من هلك ومن لم يهلك فقوله (لا يرجعون) عني في الرجعة ، فأما إلى القيامة يرجعون حتى يدخلوا النار. ونقله عن القمي المجلسي في (البحار) ج53 ص52، والحر العاملي في (الإيقاظ) ص256، والمولي محسن الفيض في تفسيره (الصافي) بهذا النص: كل قرية أهلك الله عز وجل أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة، والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص121. والبحراني في تفسيره (البرهان)، والسيد عبد الله شبّر في كتابه (حق اليقين) ج2 ص10، وروى شيخنا الطبرسي في (مجمع البيان) م4 ص63 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال كل قرية أهلكها الله بعذابٍ لا يرجعون. (أي في الرجعة إلى الدنيا) ونقله عن الطبرسي كلٌ من المجلسي في (البحار) ج3 ص52 مشيراً إليها، والحر العاملي في (الإيقاظ) ص89، والمولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي)، والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص121، والعلامة الطباطبائي في (الميزان) ج14 ص356. 2- روى القمي في (تفسيره) ج1 ص25 في مقدمة التفسير عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب ومحضوا الكفر محضاً لا يرجعون في الرجعة، وأما في القيامة فيرجعون، أما غيرهم ممّن لم يهلكوا بالعذاب ومحضوا الكفر محضاً يرجعون. (أي إلى الدنيا في الرجعة). ونقله عن القمي المجلسي في (البحار) ج53 ص61، والحر العاملي في (الإيقاظ) ص247 ومعنى الآية الكريمة الذي ورد في حديثي الإمامين الصادق والباقرL من طرقنا أعترف به مفسري أهل السنة، وورد أيضاً من طرقهم عن جملة من الصحابة والتابعين، وقد مر علينا قول الجلالين جلال الدين السيوطي، وجلال الدين المحلّي في تفسير الآية (وحرام على قرية أهلكناها) أريد أهلها (أنهم لا) زائدة (يرجعون) أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا. وقال المراغي في (تفسيره) ج17 ص71: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون أي ممتنع أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا). وقال الجبائي: معناه وحرام على قرية أهلكناها عقوبة لهم أن يرجعوا إلى الدنيا، نقل قوله جملة من المفسرين منهم الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان) ج7 ص278 والطبرسي في (مجمع البيان) م4 ص62، ونقل الشيخ الطبرسي عن قتادة، وعكرمة، والكلبي (أنهم قالوا في معنى الآية: واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى الدنيا قضاءً منه حتماً. وقال عطاء يريد حتم مني، والمراد أن الله تعالى كتب على مَن أهلك أن لا يرجع إلى الدنيا قضاءً منه حتماً. فتدبّر أيها المطالع الكريم قول الله تعالى في الآية، وأقوال المفسرين فيها من الأئمة والصحابة والتابعين التي تصرّح أن من أهلك بالعذاب عقوبة لا يرجع إلى الدنيا، وأن رجوعهم إليها حرام، وممتنع، وأن الواجب هو عدم رجوعهم فإذاً مفهوم هذه الأقوال: أن غيرهم من الكافرين الذين محضوا الكفر لا بد وأن يرجعوا إلى الدنيا في الرجعة ليعانوا القتل والخزي والعار على أيدي المؤمنين الصالحين الذين يورثهم الله الأرض من بعدهم كما قال تعالى:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء/107]. والآن نعود إلى بقية الأحاديث حول الآية ومعناها. 3- قال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج4 ص335: وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (وحرام على قرية أهلكناها) قال: وجب إهلاكها، قال: دمرناها (أنهم لا يرجعون) قال: إلى الدنيا. 4- وقال السيوطي أيضاً: وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبن عباس أنه كان يقرأ (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ) قال: وجب على قرية(أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) كما قال: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) [ يـس/32]. 5- وقال السيوطي أيضاً: واخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة: (وحرام على قرية): أي وجب عليها أنها إذا أُهلكت لا ترجع إلى دنياها, ونقل الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج6 ص131 قول قتادة ومقاتل أنهما قالا: أن الذين أهلكوا بالعذاب لا يرجعون إلى الدنيا. وقال ابن كثير في (تفسيره) ج3 ص194: (وحرام على قرية) قال ابن عباس: وجب يعني قد قدّر أن أهل كل قرية أهلكوا لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة. ثم قال ابن كثير: هكذا صرّح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر(عليه السلام) وقتادة وغير واحد.
فلسفة الرجعة وحكمتها البالغة لعلّ السر في أن مَن أُهلك بالعذاب في الدنيا عقوبة لا يرجع في الرجعة إلى الدنيا – هو أن هؤلاء قد انتقم الله منهم في الدنيا، ونصر أولياءه عليهم لا يرجعون إلى الدنيا، إذ من فلسفة الرجعة وحكمتها هو أن ينصر الله أولياءهُ المظلومين في الدنيا على أعدائهم بالرجعة إلى الدنيا، أما إذا تحقق نصر الله لأوليائه، وخذلان أعدائهم والانتقام منهم في حياتهم الأولى فلا حكمة إذاً تقتضي إرجاعهم مرة ثانية. مثلاً قوم نوح لما تمادوا في الطغيان وأصرّوا على الكفر والعصيان دعا عليهم نوح (عليه السلام) قائلاً:(رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح/27]. فاستجاب الله دعائه فأغرق قومه بأجمعهم، وما أنجى منهم إلا المؤمنين المخلصين فقط فقد نصر الله في الدنيا المؤمنين من قوم نوح، وانتقم من الكافرين العاصين منهم فلا يرجعون، وهكذا بقية الأمم التي أهلكها الله بالعذاب النازل عليهم وعلى قراهم كقوم لوط، وقوم هود، وقوم صالح وغيرهم من الأمم الماضية ومن هذه الأمة. وتشير الآيات القرآنية التي استدللنا بها على الرجعة إلى من يُرجع إلى الدنيا في الرجعة ومن لا يُرجع وذلك أن قوله تعالى:(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) وقوله تعالى:(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) تشير هاتان الآيتان إلى إرجاع بعض أهل النار وبعض المكذبين بآيات الله ممن محض الكفر محضاً، ونستفيد من قوله تعالى:(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) أن من أهلكوا بالعذاب لا يرجعون إلى الدنيا. وهناك آيات كثيرة تّدل على أن الله سيرجع بعض أوليائه من أنبياء وغير أنبياء لينصرهم على أعدائهم وإليك بعض تلك الآيات في بحوث في الفصل التالي والله ولي التوفيق. |