|
نماذج انحرافيه:
برزت بعض المواقف الانحرافيه فى مواقف بعض الصحابه فى
حياه النبى(ص).
ولقد سجل التاريخ بعض تلك المواقف وهذا ما تجسد واضحا
فى الحمله العسكريه التى اراد النبى(ص) تجريدها ضد الروم.
وقد اكد النبى(ص) على ضروره تجريد تلك الحمله وضروره
انضمام بعض الصحابه تحت لواء قائدها الشاب اسامه بن زيد.
وكان زيد قد استشهد فى منطقه (موته) فى التخوم الشماليه
من شبه الجزيره العربيه.
غير ان اولئك الصحابه فضلوا البقاء فى المدينه والتمرد على
اوامر النبى الواضحه والصريحه.
وبالرغم من ان النبى كان يعانى اشد الالام الا انه خرج - بالرغم
حالته الصحيه المتدهوره - متدثرا بقطيفته، فصعد المنبر
ليواجه تلك الحاله المرضيه التى المت بالامه وطعنها فى
قياده اسامه الشاب اذ قال النبى(ص):
(ايها الناس ما مقاله بلغتنى عن بعضكم فى تاميرى اسامه ولئن
طعنتم فى تاميرى اسامه لقد طعنتم فى تاميرى اباه من قبله.
وايم اللّه ان كان لخليقا بالاماره وان ابنه من بعده لخليقا بها).
وقد تقدم عمر بن الخطاب الى ابى بكر بعد تولى الاخير
الخلافه فى ان يقيل اسامه من منصبه كقائد عسكرى.
وسنستعرض هنا بعض الانتهاكات الى حدثت بعد وفاه
النبى(ص):
1 - المجزره التى نفذها خالد بن الوليد بحق (مالك بن نويره)
وافراد قبيلته ثم اغتصاب زوجته فى نفس الليله، وقد امتنع
الخليفه الاول عن معاقبه خالد على تجاوزاته بالرغم من اصرار
عمر فى ذلك اذ برر الخليفه الاول تصرفات خالد بانه اجتهد
فاخطا.
كما اعتبر سيفه سيفا الهيا لا ينبغى اغماده!!
2 - تحريم المتعه وكان تشريعا الهيا عمل به فى زمن النبى
حتى اذا جاء عمر بن الخطاب الى الخلافه اعلن تحريمه للمتعه
وسن لها عقوبه كعقوبه زنا المحصن وهى الرجم.
وقد اعلن تحريمه لها صراحه فى قوله: (ثلاث كن على عهد
رسول اللّه وانا انهى عنهن واعاقب عليهن: متعه النساء ومتعه
الحج، وحى على خير العمل).
3 - الطلاق: وكان على عهد النبى(ص) وخلافه ابى بكر وثلاث
سنوات من خلافه عمر: ان الرجل اذا طلق زوجته فى مجلس
واحد ثلاث مرات دون رجوع عد الطلاق بهذا الشكل مره
واحده، ثم اعلن سيكون ثلاث مرات!!
4 - خلق حاله من التمايز الطبقى: اذ اقدم الخليفه الثانى على
الغاء المساواه فى العطاء وايجاد تمايز فى ذلك انطلاقا من
اعتبارات فى زمان اعتناق الاسلام، واعتبارات قبليه وعنصريه.
فقد منح السابقين الى الاسلام امتيازات فى العطاء كما فضل
قريش على سائر العرب، وفضل العرب على العجم والموالى
ويجد المرء شروح مفصله فى بعض المنابع التاريخيه.
وقد التفت الخليفه الى النتائج المريره التى تمخضت عن
سياسته الماليه واعلن عن عزمه على التراجع اذا ظل حيا ذلك
العام.
5 - تعطيل حكم القصاص بعد ان اقدم عبيداللّه ابن الخليفه
الثانى على قتل (الهرمزان) وهو امير ايرانى بحجه تحريضه على
قتل عمر الذى اغتيل على يد غلام المغيره بن شعبه.
وعندما طولب الخليفه عثمان بتنفيذ حكم
القصاص بالقاتل(عبيداللّه) اعتذر عن ذلك وانه لا يستطيع قتل من قتل
ابوه
بالامس.
خلق حصانه مطلقه للخلفاء:
اصبحت الخلافه آنذاك منصبا حكوميا يخول صاحبه
اجراء
تغيير فى اسس الشريعه كما يمنحه صلاحيات واسعه فى
سن
قوانين فرعيه جديده.
وفى تلك الفتره برزت فكره الاجتهاد كحق مسلم
للصحابه
فالصحابى يتصرف وفق رويته الشخصيه فان اصاب فبها
وان
اخطا فلا يخضع لعقوبه القانون.
بل اصبحت لفكره الاجتهاد ثوابا مطلقا حتى فى حاله
الخطا اما
فى حاله الصواب فله اجر مضاعف!!
ومن هنا بدا التاسيس لنظريه عداله الصحابه من خلال
دس
روايات كاذبه على النبى من قبيل الحديث المزعوم:
(اصحابى
كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم).
هل توجد ضمانات قرآنيه فى عداله الصحابه؟
ان تمجيد القرآن الكريم لمواقف سابقه لبعض اصحاب
النبى لا
يعنى طهرهم من كل انواع الانحراف والفساد على مدى
حياتهم، ذلك ان رضا اللّه والسعاده الابديه ستكون
من نصيب
من استمر فى ايمانه وفى عمله الصالح، ولقد خاطب
القرآن
الكريم النبى(ص) بقوله: (لئن اشركت ليحبطن عملك
ولتكونن من الخاسرين).
وهو ذات الخطاب الذى وجه الى ابراهيم(ع) وذريته:
(وتلك
حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه... ووهبنا له اسحاق
ويعقوب
وكلا هدينا ونوحا من قبل ومن ذريته داود وسليمان...
وكلا
فضلنا على العالمين × ومن آبائهم وذرياتهم
واخوانهم
واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم × ذلك هدى
اللّه
يهدى به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما
كانوا
يعملون).
كما ان التاريخ قد سجل عكس ما ترمى اليه نظريه عداله
الصحابه، وهناك مئات بل آلاف الشواهد على انحراف
بعض
الصحابه.
وهذه كتب الحديث تزخر بعشرات الاحاديث فى هذا
المضمار
وفى طليعتها احاديث الحوض.
منها ما رواه ابن عباس عن النبى(ص) فى قوله: (... وان
اناسا
من اصحابى يوخذ بهم ذات الشمال فاقول: اصحابى؟..
اصحابى؟ فيقول: انه لم يزالوا مرتدين على اعقابهم
مذ
فارقتهم. فاقول: كما قال العبد الصالح: (وكنت عليهم
شهيدا
مادمت فيهم فلما توفيتنى كنت ان الرقيب عليهم).
كتب التفتازانى يقول: (ان ما وقع بين الصحابه من
المحاربات
والمشاجرات على الوجه المذكور المسطور فى كتب
التواريخ
والمذكور على السنه الثقات ، يدل بظاهره على ان
بعضهم قد
حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق.
وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد،
وطلب الملك
والرئاسه، والميل الى الملذات والشهوات، اذ ليس كل
صحابى
معصوما، ولا كل من لقى النبى بالخير موسوما).
ان منح الصحابى حاله من القداسه وعذره فى كل موقف
وتصرف وتفسير ذلك بالاجتهاد الذى يثاب عيه اخطا ام
اصاب،
قد فتح الباب على مصراعيه امام التجاوزات
والانتهاكات، وجرا
الكثيرين من اصحاب الطموح والعقد الدفينه ليحققوا
كل ما
تصبو اليه نفوسهم باسم الاسلام من امثال: معاويه
وعمرو بن
العاص وخالد بن الوليد، والمغيره بن شعبه، وسعيد بن
العاص
وبسر بن ارطاه.
وفى هولاء من تمرس فى القتل والارهاب والوحشيه. او لم يمرق (حرقوص بن زهير) من دين اللّه وكان
صحابيا؟! او
لم يقل رسول اللّه فيه: (انه يمرق عن دينه كما يمرق
السهم
عن رميته)؟
فكان مصيره الاسود ان يكون من زعماء الخوارج الذين
عاثوا فى
الارض الفساد.
وعبداللّه بن جحش نموذج آخر فلقد كان من المسلمين
المهاجرين الى الحبشه، فارتد عن دين الاسلام
واعتنق
النصرانيه، ومن هنا فليس هناك من ضمانات عن استمرار
رضا
اللّه الا باستمرار الايمان وتداومه فى قلوبهم.
فالانحراف والضلال وارتكاب الاثم سوف يذهب
بالاعمال
الصالحه كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف.
ايقاف النشاط الفكرى:
ومن الظواهر التى برزت بعد وفاه النبى(ص) توقف
النشاط الفكرى ومصادره الحريه والوقوف بوجه البحوث
العقليه. فقد شهدت فتره صدر الاسلام وخاصه فى عهد الخليفه
الاول
والثانى تجميدا لهذا الجانب الثقافى، واعتبار ذلك
جزء من
البدع.
فقد سجل التاريخ ان احدهم ناظر الخليفه الثانى، مما
دفع
بالاخير الى ان ينهال عليه بالسياط حتى ادمى جلده.
كما ورد بان الخليفه الثانى فسر آيه فى القرآن
الكريم تفسيرا
يوحى بمفهوم الجبر، فاعترض عليه احدهم فتهدده
الخليفه
بالقتل لولا ان تدخل بعض من حضروا الواقعه وهدا من
روع
الخليفه.
ولقد ادت هذه الاجراءات الى شل الاساليب العقليه فى
الاستدلال واضعاف الاسس المنطقيه لعلم الكلام،
وتهمشيه
ومن ثم انحصار اساليب اثبات العقائد فى التقليد
والاجماع
الذى لا يعنى فى الواقع اجماع الامه بل اجماع قطاع
من علماء
فرقه ما. وهكذا اصبح لكل فرقه اجماعها فى اثبات
عقائدها. وبهذا تهمشت الادله الحقيقيه التى تتجسد فى منطق
العقل
ومعطيات الكتاب والسنه.
نتائج الوضع الاجتماعى بعد النبى(ص):
كان للاتجاه الذى اعقب وفاه النبى آثاره المريره فى
الامه
الاسلاميه وهذه اشاره الى ابرزها:
الف : زوال قداسه النظام الاسلامى: كان المحور العام
للمصالح
الاسلاميه منحصرا فى اطار الكتاب والسنه الشريفه،
فطرات
المصلحه الانيه لتعلب دورها فى الحياه الاجتماعيه
متقدمه
على الكتاب والسنه، ليتخذ النظام الاسلامى شكل
النظام
الاجتماعى المادى. وقد ظهر هذا واضحا لدى احلال مصلحه الحاكم والخليفه
بدل
مصلحه الاسلام والمسلمين.
فتكون المصلحه وفق رويه الخليفه الشخصيه، حتى لو
اصطدمت مع سنه النبى(ص)، عندئذ يكون الخليفه قد
اجتهد
فى رايه.
ومن هنا تزعزعت اسس النظام الاسلامى، حتى اننا نرى
الخلفاء
الاربعه الاوائل وكل منهم لديه اسلوبه فى الحكم.
ولما وصل
الدور الى معاويه كانت الحاله اشبه ما تكون بانقلاب
عسكرى
واطاحه بالنظام الاسلامى ليحل مكانه نظام دكتاتورى
غاشم.
لقد كان هناك تشابه فى سياسه الخليفه الاول والثانى
ثم جاء
الخليفه الثالث فكان له نهجه الخاص، ثم اعقبه
الخليفه الرابع
فكانت له سياسه تختلف عن الجميع.
واما سياسه معاويه فكانت اقرب الى سياسه الاباطره
والملوك
المستبدين.
وقد اسفر الوضع واضافه الى الانحراف فى النظام
السياسى الى
نتيجتين:
الاولى: ظهور الطبقيه فى المجتمع والتى حاول
الاسلام
تذويبها نهائيا.
الثانيه: انصراف الجهد الحكومى الى التوسع وتعزيز
السلطه
والسيطره وعلى حساب جميع اهداف الاسلام العليا فى
تربيه
الامه وتكامل المجتمع
.
ب : تغيير الاحكام الاسلاميه: وقد اشير الى نماذج
فى هذا
المضمار.
ج : منع حركه التدوين وزوال سنه النبى(ص): يمكن القول
ان
حركه تدوين الحديث قد بدات فى حياه النبى(ص)، وكان(ع)
يشجع اصحابه على حفظ وتدوين الحديث النبوى.
وما حصل بعد وفاه النبى ان الموسسه الحاكمه قد تصدت
بعنف الى حركه التدوين وحاربتها دون هواده.
وقد استمر الوضع على هذه الوتيره حتى اخريات العهد
الاموى.
فقد اقدم الخليفه الاول على جمع الحديث النبوى ومن
ثم
اضرام النار فيه وجاء الخليفه الثانى ليصعد الحاله
فتصدى
بشده وتهدد المخالفين باقسى العقوبات.
ونتيجه لذلك ضاع معظم تراث النبى(ص) بوفاه معظم
الصحابه وبالتالى فتح الباب على مصراعيه امام حركه
مضاده
وهى تزوير الحديث ووضعه، وقد راجت هذه السوق فى زمن
معاويه الذى انفق اموالا طائله فى هذا الاتجاه
الخطير.
وقد اتجه نقل الاحاديث اتجاها خطيرا كان معاويه قد
حدد
معالمه ضمن خطط واهداف وغايات مرسومه، فقد شجع
معاويه على نقل الاحاديث واختلاقها فى ما يخص مناقب
الخلفاء الثلاثه، والتركيز بشكل خاص على الخليفه
الثالث
لاعتبارات قبليه محضه.
فى نفس الوقت الذى سن فيه عقوبات قاسيه بحق كل من
يذكر منقبه لعلى بن ابى طالب او على حد تعبير السلطه
آنذاك: لابى تراب.
وهكذا اتجهت حركه الحديث اتجاها بعيدا عن الشريعه
وراحت
تدور وتدور فقط حول تمجيد الخلفاء الثلاثه.
فمن مجموع اثنى عشر الف صحابى عاشوا بعد النبى ما
يقرب
القرن من الزمن لم ينقل التاريخ عنهم سوى خمسمئه
حديث
فقط فى الفقه وكمعدل لحجم الاحاديث يشترك كل اربعه
وعشرين صحابيا فى نقل حديث واحد!
وقد وصلت الامور حدا موسفا عندما نفتقد لبعض سنن
النبى(ص) سندا اكيدا فى مسائل يوميه تتكرر مرات فى
اليوم
الواحد مثل مساله الوضوء والصلاه.
فما يزال الاختلاف والغموض والتضاد بين المذاهب فى
هذه
المسائل قائما حتى اليوم.
ولا يوجد مذهب واحد يمكنه ان يقدم دليلا مسندا
لارائه فى
هذه القضايا وحسم الموقف فيها.
هذا مع التاكيد على ان الاوضاع الاجتماعيه الموسفه
التى
تعرض لها المجتمع الاسلامى لا تنحصر فيما مر آنفا.
نشاط التشيع فى الدفاع عن الحق:
ما مر ذكره من اوضاع موسفه ومريره تنحصر فقط خارج
اطار
التشيع وهو عقيده اهل البيت(عليهمالسلام).
فلقد التف الشيعه منذ ظهورهم المبكر فى التاريخ
الاسلامى
حول القرآن والعتره، وراحوا يشقون طريقهم فى توازن
مستمد
من احاديث موكده عن النبى تدعو الى التمسك بالثقلين
معا
كتاب اللّه والعتره الطاهره والى ركوب السفينه
التى يغرق من
لا يركبها و..
الامر الذى حفظ للاسلام خطه الاصيل وروحه وقلبه
النابض
بالحياه.
الخلاصه:
1 - بالرغم من تاكيدات النبى(ص) حول زعامه على بن ابى
طالب(ع) للدوله الاسلاميه بعده، فقد ظهرت بوادر
ووقعت
حوادث موسفه غيرت من مسار النظام الاسلامى وجرته
الى
انحرافات خطيره.
2 - ان الانحراف قد بدا عندما حلت (المصلحه) محل
(الحقيقه)، ثم تطورت فكره (مصلحه المسلمين) لتعنى
(مصلحه الخليفه).
3 - ان الحكام ومن اجل تحقيق تلك (المصلحه) قد عمدوا
الى
اجراء تغيير فى الشريعه.
4 - بدا نقل الحديث باتجاه تاسيس حصانه للصحابه،
تبرر لهم
الخطا وتعتبره اجتهادا فى الراى يثابون عليه والتى
تعرف اليوم
بنظريه عداله الصحابه.
5 - ان القرآن لا يقف موقفا ايجابيا من نظريه عداله
الصحابه
وكذا هو موقف السنه والعقل.
6 - ان ايقاف النشاط الفكرى القائم على البحث
المنطقى
والاستدلال العقلى قد ادى الى ضياع القسم الاعظم من
سنه
النبى(ص).
اسئله ومناقشه:
1 - ماهى الاسباب التى ادت بالصحابه الى تجاهل وصايا
النبى
وتاكيداته فى ولايه على بن ابى طالب(ع)؟
2 - هل ان كل الصحابه مجتهدون؟ لماذا؟
3 - كيف بدا التاسيس لفكره عداله الصحابه؟
4 - اذكر موقف الخليفه الاول من نقل وتدوين الحديث
النبوى
والنتائج التى تمخضت عن ذلك ؟
5 - لماذا اوقفت البحوث العقليه؟ وما هى النتائج
التى تربت
على ذلك اجتماعيا؟
6 - اشرح النتائج التى تمخضت عن منع تدوين الحديث.
الدرس التاسع :
فى ظلال اهل البيت (عليهمالسلام)
فى خضم التاريخ:
هناك روى مختلفه حول ظهور التشيع فى تاريخ الاسلام.
اذ يعتقد البعض ان التشيع ظهر بعد وفاه النبى(ص)،
وبدات
نواته تتبلور فى ازمه الخلافه التى عصفت بالمجتمع
الاسلامى
آنذاك.
كتب اليعقوبى قائلا: (وتخلف عن بيعه ابى بكر قوم من
المهاجرين والانصار ومالوا مع على بن ابى طالب،
منهم
العباس بن عبدالمطلب، والفضل بن العباس، والزبير
بن العوام،
وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسى،
وابو ذر
الغفارى، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وابى بن
كعب).
ويقول المسعودى بتشيع سلمان وعمار فى حياه النبى. وقال آخرون: (اما ما ذهب اليه بعض الكتاب من ان اصل
مذهب
التشيع من بدعه عبداللّه بن سبا المعروف بابن
السوداء، فهو
وهم وقله علم بحقيقه مذهبهم.
ومن علم منزله هذا الرجل عند الشيعه وبراءتهم منه
ومن اقواله
وكلام علمائهم فى الطعن فيه بلا خلاف بينهم فى ذلك ،
علم
مبلغ هذا القول من الصواب.
بل لا ريب فى ان ظهور الشيعه كان فى الحجاز بلد
المتشيع
له، وكان التشيع هناك ضعيف الحول ولكنه مكين فى
قلوب
اهله ثم استفحل امره فى العراق زمن خلافه على).
النبى(ص) الموسس الحقيقى لخط التشيع:
انطلاقا مما اشرنا اليه فان طائفه من الباحثين
يعتقدون بان
النبى(ص) هو الموسس الحقيقى لخط التشيع، ذلك ان
النبى(ص) اول من استخدم هذا الاصطلاح فى احاديثه
التى
تشيد بعلى واتباعه.
وقد اورد المفسرون من اهل السنه فى ان الايه
الكريمه: (ان
الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البريه)
قد نزلت
فى حق على: اخرج الحافظ جمال الدين الزرندى عن ابن
عباس: ان هذه الايه لما نزلت قال(ص) لعلى: (هو انت
وشيعتك ، تاتى انت وشيعتك يوم القيامه راضين
مرضيين،
وياتى اعداوك غضابا مقحمين).
وهو ايضا راى الطبرى المفسر والمورخ المعروف، كما
كتب
حسن بن موسى النوبختى يقول: (فاول الفرق: الشيعه، وهى
فرقه على بن ابى طالب المسمون شيعه على فى زمان
النبى(ص) وبعده، معروفون بانقطاعهم اليه، والقول
بامامته،
ومنهم المقداد بن الاسود الكندى، وسلمان الفارسى،
وابو ذر
جندب بن جناده الغفارى، وعمار بن ياسر المذحجى،
الموثرون
طاعته، الموتمون به، وغيرهم ممن وافق مودته موده
على بن
ابى طالب، وهم اول من سموا باسم التشيع من هذه
الامه، لان
اسم التشيع قديم، شيعه نوح وابراهيم وموسى وعيسى
والانبياء).
وعلى هذا يكون النبى(ص) هو الذى ارسى دعائم التشيع
عندما تفرز تلك الاحاديث الشريفه التفافا حول على
كرمز
للحق والاستقامه والايمان.
التشيع يعنى الاسلام المحمدى:
ان خط التشيع فى اصوله وفروعه لا يعدو ان يكون سوى
جوهر
الاسلام الحقيقى... الاسلام كما جاء به رسول اللّه(ص)
وعندما
يقال للشيعه بانهم اتباع المذهب الجعفرى فلان
الامام جعفر
الصادق وهو من ذريه رسول اللّه(ص) ومن وائمه اهل
البيت(عليهمالسلام) قد فجر ينابيع العلم والمعرفه
وتبلورت
على يديه حقيقه التشيع فى ظروف مناسبه شهدت فيها
الدوله الامويه بدايه اضمحلالها وزوالها وتضاءل
حده الارهاب
الحكومى.
والتشيع يمثل قلب الاسلام النابض بالحياه وعلى حد
تعبير
الكاتب والمفكر المصرى محمد فكرى ابو النصر: (ان
الشيعه لا
علاقه لهم بابى الحسن الاشعرى فى الاصول، ولا
بالمذاهب
الاربعه فى الفروع، على اساس ان مذهب ائمه الشيعه
اسبق من
سائر المذاهب بالتبعيه، وكذلك هو اجدر بالاتباع
لانفتاح باب
الاجتهاد فيه الى يوم القيامه، وايضا فان هذا
المذهب لم يكن
ليصاغ متاثرا بالقوى والنزاعات السياسيه).
ويقول الاستاذ ابو الصفاء الغنيمى التفتازانى: (وقع
كثير من
الباحثين - سواء فى الشرق او فى الغرب، قديما وحديثا
- فى
احكام كثيره خاطئه عن الشيعه لاتستند الى ادله او
شواهد
نقليه جديره بالثقه. وتداول بعض الناس هذه الاحكام
فيما
بينهم دون ان يسائلوا انفسهم عن صحتها او خطئها.
وكان من بين العوامل التى ادت الى عدم انصاف الشيعه
من
جانب اولئك الباحثين الجهل الناشىء عن عدم
الاطلاع من
المصادر الشيعيه والاكتفاء بالاطلاع على مصادر
خصومهم).
ومن اجل ان ندرك دور التشيع فى مسار الاسلام ثقافيا
وفى
الاصعده الاخرى نستعرض بشكل اجمالى حيوات الائمه
من
اهل البيت(عليهمالسلام):
1 - فى ظلال الامام على(ع) (11 - 40):
يمكن تقسيم ذلك المقطع التاريخى الى قسمين: الاول
حياه
الامام(ع) فى عهد الخلفاء الثلاثه والقسم الثانى:
مده
خلافته(ع) وتبلغ اربعه اعوام وتسعه اشهر وايام. القسم الاول: الاشراف على المسار الاسلامى: وفى
هذا الفتره
التى تمتد الى حوالى ربع قرن من الزمن، كان للامام
على(ع)
حضوره الموثر والفاعل فى تصحيح بعض الانحرافات
الاساسيه. ذلك ان الفتره التى اعقبت حياه النبى(ص)، كانت
استمرارا
تاسيسيا للاسلام فى الحياه الانسانيه.
ولهذا نرى للامام(ع) مواقفه فى تطبيق الحدود
الاسلاميه،
وفى توجيه تلك الحدود فى مسارها الصحيح.
فكان الامام(ع) ومجموع الصحابه الذين التفوا حوله
رقباء على
مسار الدوله فى الاداره والسياسه وفى الفتوحات
والاخطار
التى قد تهدد المدينه قلعه الاسلام الاولى وحصنه
الحصين.
ولا ننسى الاشاره ايضا الى الجانب الانتاجى فى
مضمار الزراعه
والرى ودور الامام(ع) فى ذلك .
وكانت فلسفه الامام آنذاك السكوت ما سلمت امور
المسلمين
ولم يكن من حيف الا عليه خاصه.
ونورد فى هذا المجال موقف الامام ازاء تجاوزات
الوليد
الاخلاقيه فى امارته الكوفه وسكره اثناء الصلاه فى
محراب
المسجد الجامع وهو يوم المسلمين، وامتناع الخليفه
عثمان
عن اقامه الحد عليه لاعتبارات عائليه.
فاندفع الامام لينفذ حكم اللّه بنفسه امام الملا
واعلن انه لن
يتساهل فى تعطيل حدود اللّه ولن يقف مكتوف الايدى
امام
الانحرافات.
القسم الثانى: التصحيح الثقافى: كانت مده حكم
الامام
وخلافته وجيزه نسبيا استغرقها الامام فى حروب
داخليه
وصراعات سياسيه مريره.
لقد كان الامام(ع) يمثل خط الاستقامه وكان عليه ان
يواجه
مظاهر الانحراف التى تجذرت فى المجتمع الاسلامى
طوال
خمسه وعشرين عاما.
ومن الممكن ان نشاهد موقف الامام(ع) فى تلك الحقبه
المريره ودوره فى حركته التصحيحيه فى (نهج البلاغه)
والذى
يعد ميراثا اسلاميا كبيرا يحتل المرتبه الثانيه
بعد القرآن الكريم.
ولقد كان من ابرز ما واجهه الامام(ع) فى خلافته
ظاهره
خطيره تتمثل فى انطفاء الروح الاسلاميه واستغراق
المجتمع
الاسلامى فى حياه دنيويه مترعه بالماديات.
لقد كان للفتوحات الاسلاميه فى ظل سياسه الخلفاء
آثارا
سلبيه تبلورت فى تدفق غنائم مذهله نحو عاصمه
الاسلام،
وهذاما دفع بالامام الى تركيز ارشاداته فى مضمار
الزهد
والتقوى والاعراض عن الدنيا، الى جانب تشدد الامام
فى اقامه
العدل الاجتماعى فى الحياه، وقد دفع الامام(ع) لذلك
ثمنا
باهضا كلفه فيما بعد حياته الشريفه عندما هوى فى
محراب
المسجد شهيدا.
ولم يغفل الامام عن جانب تربوى هام يتجسد فى تربيه
تلامذه
زقهم العلم زقا فكانوا حمله للعلم والمعرفه ودعاه
للاسلام
الاصيل.
2 - فى ظل الامام الحسن(ع) (40 - 50) ه:
حاول الامام فى مطلع هذه الفتره مواجهه الانحراف
بالقوه
وحسم الموقف عسكريا.
غير ان الظروف لم تكن مواتيه، وكان التمزق
والاستغراق فى
الدنيا قد عصف بجبهه الحق.
كما كان لسياسه معاويه الماكره وبذله الاموال
بلاحساب وشراء الضمائر والذمم دورا قذرا فى تمزيق الصفوف ليبقى
الامام
الحسن(ع) وحيدا فى الساحه.
فكان امام الامام طريقان: المغامره بخوض حرب خاسره
ستاتى
بالفناء والدمار على البقيه الباقيه من المومنين
والمخلصين، او
السلام من اجل الاسلام.
وكان من راى الامام لو كانت الظروف مواتيه ان لا
يواجه معاويه
الا وبينهما السيف ولكن الامور سارت بعكس ما يرى
الامام
فاضطر للصلح وحقن الدماء وتاجيل المعركه الى حين. وبهذا يكون الامام قد اقتدى بسنه جده محمد(ص) يوم
وقع
وثيقه الحديبيه للسلام.
وكانت فلسفه الامام(ع) حقن الدماء اولا واماطه
اللثام عن
الوجه الحقيقى والكريه لمعاويه وانه لا يمثل
الحاكم المسلم
ثانيا.
لهذا فقد وضع الامام شروطا حققت اهداف الامام، اذ
سرعان ما
انكشف معاويه على حقيقه وظهرت كل اساليبه الماكره
والمخزيه فى دنيا الاسلام... وهكذا ازال الامام
بموقفه كل
الغموض عن تلك الحقبه فى التاريخ الاسلامى.
3 - فى ظلال الامام الحسين(ع) (50 - 61) ه:
اتخذ الامام الحسين(ع) خلال هذه الفتره موقفين تبعا
للظروف السائده آنذاك.
الاول: فى عهد معاويه، وقد احترم الامام معاهده
السلام التى
امضاها شقيقه، اضافه الى قناعته بعدم جدوى اى تحرك
عسكرى مضاد للحكم القائم وهو ما اعرب عنه لدى دعوه
بعض
الكوفيين الامام للمواجهه، ودعا الناقمين على
الوضع الى
المحافظه على استعدادهم مادام معاويه حيا.
وهذا لا يعنى ان الامام فضل حاله الانزواء ولم يكن
له نشاط
اجتماعى فلقد كان فى الصميم مما يجرى آنذاك وما
اكثر
مواقفه الحازمه تجاه سياسه معاويه، فقد استنكر
بشده غارات
معاويه واساليبه القمعيه التى طالت المسلمين وخاصه
ممن
تشم فيهم رائحه التشيع.
وقد سجل التاريخ موقفه فى موسم الحج لدى اجتماعه مع
مئات الصحابه والتابعين وطلبه منهم نقل ندائه الى
ديارهم
وتهيئه الاجواء لحركه مسلحه، اذ اعرب الامام عن
ادانته
الصريحه للحكم القائم.
الثانى: فى عهد يزيد، فبالرغم من ان معاهده السلام
بين معاويه
والامام الحسن تنص صراحه على اعاده الخلافه الى
الحسن
فان توفى فالى الحسين، الا ان معاويه وضع هذا
الالتزام تحت
قدميه كسائر بنود السلام الاخرى، كما قال ذلك صراحه
وامام
الراى العام.
ولم يكتف معاويه بهذا بل عمل على تحويل الخلافه الى
ملك ،
اذ راح يهىء الارضيه المناسبه لاستخلاف ابنه
يزيد.
ولقد كان يزيد عصاره لكل مساوىء واخلاق ابيه
الهابطه الى
جانب حرمانه من اساليب ابيه الملتويه والخادعه
وسياسته
الماكره، وكان انسانا ماجنا جاهلا يقضى معظم
اوقاته فى اللهو
والعربده والمجون، وكان فظا غليظا، ويعود هذا الى
نشاته فى
بيئه بعيده عن الحضاره.
وكانت ام يزيد امراه من قبيله نصرانيه تعيش فى
الباديه، فنشا
فى بيئه غير اسلاميه.
ولهذا نراه يانس بالشراب وملاعبه القرده والكلاب
لم يكن يقيم
لاى شعيره اسلاميه وزنا ولا ابدى لها احتراما فكان
يعبر عن
افكاره دون حياء ولا خوف، يسكر ويعربد حتى امام
وفود
الصحابه ممن ارادو رويه يزيد عن قرب.
ولهذا وجد الامام الحسين نفسه مسوولا فى مواجهه
الحكم
والانحراف السافر بالقوه.
وهكذا كان موقف الحسين الذى لخصه فى حديث سمعه عن
جده محمد(ص): من راى منكم سلطانا جائرا مستحلا لحرم
ناكثا لعهد اللّه، يعمل فى عباده بالاثم والعدوان
فلم يغير ما
عليه بفعل ولا قول كان حقا على اللّه ان يدخله
مدخله.
ومعنى هذا ان السكوت سيجعل من مصير الساكتين نفس
مصير الطاغيه وهو النار وبئس القرار.
وقد اعرب الامام الحسين(ع) عن استيائه ازاء الوضع
القائم فى
قوله: (على الاسلام السلام اذا ابتليت الامه براع
مثل يزيد).
وفى تلك الظروف العصيبه، اعلن الامام الحسين ثورته
المسلحه، بعد الضغوط الهائله التى تعرض لها من قبل
الوالى
لمبايعه يزيد.
ولقد اضطر الامام الى مغادره المدينه المنوره،
والتوجه الى
مكه للاجتماع بكبار الزعماء هناك، وما لبثت الامه
الاسلاميه
هنا وهناك ان تعاطفت مع موقف الحسين(ع)، فانهالت
عشرات ومئات ثم آلاف الرسائل من مختلف المدن
والحواضر
وفى طليعتها مدينه الكوفه معقل المعارضه آنذاك.
وكان الكوفيون يلحون فى قدوم الامام(ع) وانقاذهم من
نير
الحكم الاموى الغاشم.
وقد ارسل الامام الحسين(ع) ابن عمه مسلم بن عقيل
سفيرا الى الكوفه للوقوف على حقيقه الاوضاع.
وقد وجد السفير الكوفه تغلى بالثوره فارسل الى
الامام يدعوه
الى القدوم على وجه السرعه فالظروف مواتيه جدا.
ولكن سرعان ما تغيرت الاوضاع بسرعه واتخذت من قبل
الحاكمين تدابير سريعه، وسجل الكوفيون مره اخرى
تخاذلهم
وخذلانهم للحق، اذا سرعان ما اصبح الذين كانوا
يطالبون
بحضور الامام جنودا فى جيش اموى جرار هدفه ارغام
الحسين
على بيعه يزيد!
وحدث ما كان متوقعا اذ حاصرت الجيوش الامويه قافله
الحسين وقطعت عليها طريق التوجه الى الكوفه او
العوده الى
المدينه.
وكان امام الحسين(ع) طريقان ان يقاتل او يستسلم ولم
يتردد
الامام الحسين فى الاختيار فاعلنها كلمه مدويه:
هيهات منا
الذله يابى اللّه لنا ذلك ورسوله والمومنون.
وهكذا سطر الامام الحسين مع اهل بيته واصحابه اروع
ملاحم
المقاومه، الى ان هووا جميعا ظامئين على شطان
الفرات.
وكان ما حدث فى كربلاء فى تلك الصحراء الملتهبه
ملحمه
بطوليه احدثت هزه عنيفه فى الضمير الاسلامى المثقل
بالخدر، فتحطم طوق الخوف، وهب الاسلام المقاتل
يوسس
لحركه استشهاديه مدماه اعادت للاسلام هويته التى
حاول
الطغاه طمسها الى الابد.
وكان من ثمار تلك الملحمه الخالده والثوره
البطوليه ان
انتفض الشعب الايرانى الذى يدين بالولاء لاهل
البيت فى ثوره
فريده بقياده ابن الحسين والسائر على دربه الامام
الخمينى
الراحل (رض).
الخلاصه:
1 - تختلف الروى فى مساله ظهور التشيع ويستند بعضها
الى
اوهام باطله ومغرضه.
2 - ان الرسول الاكرم(ص) هو الموسس الحقيقى للتشيع
اذا
افرزت الاحاديث فى حق على(ع) فهما خاصا لدى بعض
الصحابه فالتفوا حوله وسماهم النبى بشيعه على.
3 - ان التشيع فى اصوله وفروعه هو الاسلام الاصيل،
كان انه لا
يعنى سوى اتباع النبى وآله وهم اهل البيت.
4 - ان معظم اسباب العداء للتشيع تعود الى عدم مراجعه
المصادر الشيعيه والاستناد الى كتب المعادين
والخصوم. 5 - ان الامام على(ع) قد سكت عن حقه مده خمسه وعشرين
سنه مارس خلالها مسووليه مراقبه المسار العام
للدوله وكان له
حضوره الفاعل فى البناء والتصحيح.
6 - لقد احيا الامام الحسن(ع) فى معاهده السلام سنه
جده
رسول اللّه(ص) فى صلح الحديبيه.
7 - تتجسد رويه الامامالحسين(ع) فى تصحيح الانحراف،
هى
ان يستشهد على ذلك النحو الماساوى فيتحطم طوق
الخنوع
والخوف الذى لف امه جده(ص).
|