|
منزله على لدى النبى... تقييم عام:
لم يعلن النبى(ص) منزله على وموقعه الحياتى فى حركه
الاسلام فى يوم غدير خم وحده، وان كان هذا الاعلان
اوسع
اعلان شعبى وفى مناسبه هامه وحساسه من تاريخ
الرساله
الاسلاميه.
فلقد تبلورت منزله الامام على فى مناسبات عديده كان
الرسول(ص) يحاول تجذيرها فى الضمير المسلم ومنذ
مراحل
الدعوه الاسلاميه الاولى وهذه اشاره الى بعضها: 1 - حديث الدار (يوم الانذار): يوم نزلت على النبى(ص)
آيه:
(وانذر عشيرتك الاقربين).
اذ ذاك امر النبى(ص) عليا ان يدعو اربعين رجلا من
اعيان بنى
هاشم وبنى عبد المطلب وبنى عبد مناف، ولقد تالقت كرامه
النبى فى بركه الطعام الذى اشبعهم ورواهم، حتى اذا
سنحت
الفرصه للنبى(ص) انبرى قائلا لهم: (انى واللّه ما
اعلم شابا فى
العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به انى قد جئتكم
بخير
الدنيا والاخره، وقد امرنى اللّه تعالى ان ادعوكم
اليه، فايكم
يوازرنى على هذا الامر على ان يكون اخى ووصيى،
وخليفتى
فيكم؟ فاحجم القوم عنها جميعا وقلت (على): - وانى
لاحدثهم
سنا - انا يانبى اللّه اكون وزيرك عليه، فاخذ برقبتى
ثم قال: ان
هذا اخى ووصيى وخليفتى فيكم، فاسمعوا له واطيعوا). فاذا اخذنا بنظر الاعتبار قوله تعالى فى حق
النبى(ص): (وما
ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى) ادركنا ان ما حدث
يوم
الدار وان اعلان النبى(ص) انما جاء بامر اللّه
سبحانه، الذى اراد
اعلان النبوه والامامه فى يوم واحد.
2 - الخلافه عهد الهى: اشترط الاخنس بن شريف وهو زعيم
عربى معروف ان يعلن ايمانه بالنبى والاسلام مقابل
تعهد من
النبى(ص) بان تكون الزعامه من بعده فى قبيلته،
فاجابه
النبى(ص): (ان هذا الامر للّه، يختار اللّه له من
يراه اهلا لذلك )
وقد رفض الاخنس، وارسل الى النبى(ص): انه لا يقبل ان
يتحمل ما يتحمل من هموم الاسلام ثم تكون الامامه
والقياده
لغيره فيما بعد.
ومن هنا نكتشف انه لم يكن يحق للنبى(ص) تقرير مصير
الامامه والخلافه الا باذن من اللّه ووحيه.
3 - حديث المنزله: وقد جاء الحديث فى ظروف بالغه
الحساسيه وهى الظروف التى ادت بالنبى(ص) الى ان يعلن
حاله التعبئه الشامله والزحف بالجيش الاسلامى الى
شمال
الجزيره العربيه بعد ان وصلت اخبار حول حشود هائله
يعدها
الرومان بغيه اجتياح دوله الاسلام الفتيه.
وقد ترافق هذا الحشد مع انباء حول نيه المنافقين
والذين فى
قلوبهم مرض فى انتهاز فرصه غياب النبى، والعبث فى
المدينه. وهنا نرى النبى(ص) يختار عليا لاول مره فى اداره
المدينه
والحفاظ على امنها الداخلى.
وقد اشاع المنافقون فى حينها ان النبى(ص) انما
استخلف عليا
استثقالا له وعزوفا عنه، فاراد الامام ان يضع حدا
للشائعات
فاسرع نحو النبى(ص) عارضا عليه الالتحاق بالزحف
المقدس،
وهنا اعلن النبى(ص) كلمته التاريخيه: (يا على: اما
ترضى ان
تكون منى بمنزله هارون من موسى الا انه لا نبى
بعدى؟). واذا ما تاملنا الايات (29 - 32) من سوره طه وكيف ان
اللّه
سبحانه قد اجاب طلب النبى موسى(ع) فى وزاره هارون له
ليعضده فى امر الرساله ادركنا الموقع الحيوى الذى
اراده
النبى(ص) لعلى، وهو امر لم يكن عن اراده النبى(ص)
الشخصيه لان ارادته انما كانت اراده للّه عز وجل
ولذا جاء
التاكيد على نقطه جوهريه وردت فى آخر الحديث
المذكور
وهى ان عليا(ع) يتمتع بكل امتيازات هارون الا
النبوه. وهى لم
تستثن الا لسبب واحد هو خاتميه النبى(ص) وانتهاء
ظاهره
النبوه والوحى بوفاته(ص).
المناقب الثلاث: كان سعد بن ابى وقاص احد معارضى
على(ع)
فى خلافته ومع هذا فقد رفض طلب معاويه بن ابى سفيان
فى
شتم على واعلن انه يتمنى ولو منقبه واحده من ثلاث
مناقب
كانت لعلى.
الاولى: قول رسول اللّه(ص) لعلى: (انت منى بمنزله
هارون من موسى ولكن لا نبى بعدى).
الثانيه: قول النبى(ص) عشيه سقوط حصون خيبر: (لاعطين
الرايه غدا رجلا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه
ورسوله .. كرار غير
فرار)
الثالثه: يوم المباهله عندما قدم وفد نجران المسيحى
يجادل
النبى(ص) فى طبيعه المسيح، ونزول آيه المباهله: (قل
تعالوا
ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا
وانفسكم ثم نبتهل
الى اللّه ) فقد خرج النبى ومعه على وفاطمه والحسن
والحسين ليباهل بهم وفد نجران.
5 - حديث السفينه: وهو من الاحاديث المتواتره
البالغه الدلاله
والذى يرويه اهل السنه عن النبى(ص).
فقد روى ابو ذر الغفارى ان رسول اللّه(ص) قال: (مثل
اهل
بيتى فيكم كمثل سفينه نوح، من ركبها نجا ومن تخلف
عنها
غرق وهوى).
ومعطيات الحديث واضحه جدا فعندما يكون اهل البيت هم
بمنزله سفينه نوح التى كانت وسيله النجاه الوحيده
من الغرق
فى الطوفان الهائل والمصير الحتمى الاسود.. فهذا
يعنى ان
اهل البيت الطريق الوحيد للنجاه من الانحراف
والزيغ
والسقوط فى الهاويه.
علامه استفهام:
لم يواجه الخليفه الاول معارضه تذكر فى ترشيحه
الخليفه
الثانى والذى جاء بشكل محدد لا يقبل النقاش بالرغم
من عدم
بيان المقدمات والخصال التى من شانها تعزيز عهده
ذاك. وامام هذا الحادث ترتسم علامه استفهام كبرى وهى:
الم تكن احاديث النبى(ص) حول مستقبل الخلافه والحكم
واضحه فى الدلاله على تشخيص هويه الخليفه القادم
الذى يعد
امتدادا للنبى(ص) فى مساره؟!
وهل كانت كلمات الخليفه الاول التى صدرت عنه وهو فى
حاله اغماء اكثر دلاله من احاديث النبى(ص) على مدى
اكثر
من عشرين سنه؟!
وهل كان الخليفه الاول اكثر شعورا بالمسووليه من
آخر الانبياء
فى التاريخ؟!
وكيف العمل بفتاوى المذاهب الاربعه وطاعه ائمتها
لازمه
واجبه فى الوقت الذى لم يرد حتى حديث واحد عن
النبى(ص)
فى جواز اتباعهم، ثم لا يكون اتباع مذهب اهل البيت
واجب مع
صريح الاحاديث فى وجوب طاعه اهل البيت. علما بان احاديث اهل البيت(ع) انما هى امتداد
لاحاديث النبى
وروايه عنه، بينما المذاهب الاربعه تعكس آراء
شخصيه لائمه
تلك المذاهب.
6 - حديث الثقلين: يعد حديث الثقلين من اوثق الاحاديث
ومن
اكثرها اعتبارا لدى علماء الاسلام، وهو يحتل
الذروه فى قوه
سنده وتواتره.
وهو قول الرسول(ص) فى آخريات حياته: (ايها الناس يوشك
ان
ادعى فاجيب... وانى مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه
وعترتى
اهل بيتى).
وتضيف بعض المصادر ان النبى(ص) قال: (على مع القرآن
والقرآن مع على).
وتفيد مصادر التاريخ والحديث ان النبى(ص) كان يكرر
فى كل
مناسبه هذه المعانى، فقد ورد فى كتب التاريخ ان
النبى ذكر
ذلك فى حجه الوداع فى عرفه وفى المدينه فى مرضه الذى
توفى فيه، وفى غدير خم ولدى عودته من الطائف، ويعلق
ابن
حجر على تعدد المناسبات بانه لا منافاه فى ذلك فى ان
يكون
النبى قد كرر هذا المعنى لاهميه القرآن وعترته
الطاهره.
معطيات حديث الثقلين: ان ارساء معادله متوازنه بين
القرآن
الكريم واهل البيت، يعنى ان القرآن بحاجه الى تفسير
هذا اولا
وثانيا ان هناك ارتباط بين آل رسول اللّه والقرآن
وهو ارتباط
وثيق لا يقبل الانفصال.
وعلى هذا فان تفسير القرآن بمناى عن اهل البيت سوف
يودى
الى الانحراف والضلال.
ذلك ان اقتران القرآن باهل البيت يعنى انهما
يتحركان فى خط
واحد وباتجاه غايه واحده، فهناك كلمات اللّه
الخالده، الى جانب
من يفسر تلك الكلمات.
ومن اجل هذا قال النبى(ص): (وانهما لن يفترقا حتى
يردا على
الحوض).
ويترتب على هذا ان التمسك باحدهما يعنى اقصائهما
معا)
ومن هنا يمكن ان نكتشف خطوره مقوله: (حسبنا كتاب
اللّه)
التى اطلقت فى مناسبه حساسه من تاريخ الاسلام.
ومن معطيات الحديث يمكن القول ان تعرض احدهما لمصير
ما يعنى تعرض الاخر لذات المصير وان هجران احدهما
يعنى
هجران الاخر ايضا.
ومحتوى الحديث يصب فى النهايه فى نتيجه ساطعه وهى
عصمه اهل البيت وطهرهم.
7 - التطبيق الوحيد: صرح النبى(ص) بعدد خلفائه فى حديث
مشهور رواه الفريقان وهو قوله(ص): (ان خلفائى على عدد
نقباء بنى اسرائيل اثنا عشر كلهم من قريش).
وامام قوه الحديث سندا ودلاله حاول البعض التعسف فى
تطبيق الحديث على مجريات التاريخ فراح ينتقى من هنا
وهناك لعد اثنى عشر خليفه فى محاوله لتقديم تفسير
للحديث.
وقد اخفقت جميع التطبيقات. كتب الشيخ سليمان القندوزى الحنفى قائلا: (قال بعض
المحققين: ان الاحاديث الداله على كون الخلفاء
بعده(ص) اثنا
عشر قد اشتهرت من طرق كثيره، فبشرح الزمان وتعريف
الكون والمكان اعلم ان مراد رسول اللّه(ص) من حديثه
هذا!
الائمه الاثنا عشر من اهل بيته وعترته، اذ لا يمكن
ان يحمل
هذا الحديث على الخلفاء بعده من اصحابه لقلتهم عن
اثنى
عشر.
ولا يمكن ان يحمل على الملوك الامويه لزيادتهم على
اثنى
عشر ولظلمهم الفاحش الا عمر بن عبد العزيز ولكونهم
غير
بنى هاشم، لان النبى(ص) قال: كلهم من بنى هاشم، فى
روايه
عبد الملك عن جابر واخفاء صوته(ص) فى هذا القول يرجح
هذه الروايه، لانهم لا يحسنون خلافه بنى هاشم، ولا
يمكن ان
يحمل على الملوك العباسيه لزيادتهم على العدد
المذكور
ولقله رعايتهم الايه: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا
الموده فى
القربى) وحديث الكساء فلا بد من ان يحمل هذا الحديث
على
الائمه الاثنى عشر من اهل بيته وعترته(ص) لانهم
كانوا اعلم
اهل زمانهم واجلهم، واورعهم واتقاهم واعلاهم نسبا
وافضلهم
حسبا، واكرمهم عند اللّه، وكان علمهم عن آبائهم
متصلا
بجدهم(ص) وبالوراثه واللدنيه).
الخلاصه:
1 - كان النبى(ص) يدرك حجم الاخطار التى تهدد مستقبل
الاسلام، ومن هنا فلا يمكن تصور ان النبى(ص) اهمل
مساله
الخلافه ولم يتخذ اجراء فى هذا المضمار.
2 - لقد استثمر النبى(ص) وعلى مدى اكثر من عشرين سنه
الفرص المناسبه لتحديد هويه الخليفه القادم منذ
(يوم الدار)
وحتى آخر لحظه فى حياته.
3 - ان مساله الخلافه امر الهى وقد صرح النبى بهذه الحقيقه.
4 - ان احاديث من قبيل الثقلين، السفينه والكساء تدل
بشكل
واضح على عصمه اهل البيت(عليهمالسلام).
5 - ان احاديث: المنزله، الغدير، الثقلين، والسفينه
تشير الى
خلفائه الاثنى عشر وتجسد فضائلهم ومناقبهم. 6 - الاحاديث المذكوره وردت باسانيد اهل السنه وان
الحديث
المروى عن النبى(ص) فى خلفائه الاثنى عشر ينطبق على
ائمه اهل البيت(عليهم السلام) فقط فهم التفسير
الوحيد
للحديث المذكور.
اسئله ومناقشه:
1 - هل من المعقول ان يتجاهل النبى(ص) مساله القياده
فى
الامه الاسلاميه؟ لماذا:
2 - ناقش باختصار الجو العام والاخطار التى كانت
تهدد الدوله
الاسلاميه بعد وفاه النبى(ص) من قبيل الصراعات
القبليه،
خطر المنافقين، خطر القوى الكبرى (الفرس والروم)
الفاصل
الزمنى بين العصر الجاهلى وولاده المجتمع
الاسلامى. 3 - تحدث عن واقعه غدير خم فى ضوء مصادر التاريخ. 4 - (ان مساله الخلافه امر الهى) اشرح ذلك واستشهد
بايه
واحده وروايه.
5 - اذكر مناقب الامام على(ع) كما وردت على لسان سعد
بن
ابى وقاص.
6 - ماهى معطيات (حديث السفينه) فى ضوء الحديث المروى
عن النبى(ص) والذى يفيد بافتراق الامه الى ثلاث
وسبعين
فرقه؟
7 - ماهو الدليل على تواتر حديث الثقلين؟
8 - كيف نستدل من خلال احاديث: الثقلين، السفينه
والكساء
على عصمه ائمه اهل البيت(عليهمالسلام).
الدرس الثامن :
حوادث ما بعد النبى(ص)
مواقف لا مسووله:
السوال الذى يطرح نفسه بقوه واستمرار هو انه مع كل
هذه
التاكيدات فى استخلاف على ومع كل ذلك الحشد الكبير
من
الاحاديث النبويه الشريفه كيف امكن تجاهل وصايا
النبى(ص)
وبالتالى اقصاء الامام على عن حقه؟! وتامل فى الحقبه التاريخيه العاصفه التى اعقبت
وفاه
النبى(ص) تظهر بشكل جلى معالم الجواب.
فهناك افراد كانوا يشكلون خطا له طموحاته، فكلما
حصل
تصادم بين ميولهم ورغباتهم وبين ارشادات النبى(ص)
تمردوا
وحاولوا توجيه الضغوط لصرف النبى عن افكاره
واوامره. ولقد اشار القرآن الكريم الى هذه الظاهره فى قوله
تعالى
محذرا:
(فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنه او
يصيبهم
عذاب اليم).
كما ان دراسه الوضع الاجتماعى السائد يومذاك سوف
تساعد
فى فهم الاسباب التى ادت بالمجتمع الاسلامى الى
الانحراف
عن مساره المرسوم لتنفجر فيما بعد ازمه الخلافه
بشكلها
العنيف الموسف.
الحاله الاجتماعيه بعد النبى(ص):
تعرض العالم الاسلامى بعد وفاه النبى(ص) الى حاله من
الدكتاتوريه والاستبداد، عندما وقف معظم الصحابه
فى ازمه
حقيقيه فى الاختيار بين (الحقيقه) و (المصلحه) ولقد
تغلبت
الاهواء وكان تيار المصلحه هو السائد.
وقد طرحت المصلحه بادىء ذى بدء فى اطار مصلحه
الاسلام
والمسلمين وفى الواقع كان الاسلوب تعبيرا عن مصالح
قريش
فقط.
ومع هذا تطورت فكره المصلحه لتنحصر فى (صلاح امر
الخلافه) وهذا ما تبلور واضحا فى المجلس السداسى
الذى
شكل لانتخاب الخليفه الثالث.
فقد اسفر الجدل المحتدم وبعد ساعات طويله عن اختيار
بين
على وعثمان، وكان عبدالرحمن بن عوف هو الرجل الذى
سوف يحسم الموقف فتقدم الى على ان يبايعه على ان
يسير
على سنه الشيخين - الخليفه الاول والثانى - وكان
جواب على
ان قال انه سوف يسير على سنه الرسول(ص) فقط. ومن هنا يتضح ان هناك تقاطعا بين سنه الشيخين وسنه
النبى(ص).
ومره اخرى اختار المجتمع الاسلامى انسانا آخر لا
يسير على
سنه الرسول(ص).
والمساله لم تكن فى طرح سيره النبى فى منهجه
وسياسته فى
الاداره والحكم بل تتسع لتستوعب مجمل الاحكام
والشريعه
الدينيه التى جاء بها رسول اللّه(ص)، وهذه نماذج من
الانتهاكات التى وقعت فى فتره ما بعد النبى(ص).
|