|
هل يستحيل الاطلاع على الغيب لغير للّه؟
يعتقد البعض ان علم الغيب من مختصات الذات الاحديه،
وليس لغيره حتى الانبياء والائمه من علم بالغيب،
وهولاء
يتمسكون برايهم منطلقين من بعض الايات البينات
كقوله
تعالى: (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها الا هو).
وقوله سبحانه: (قل لا املك لنفسى نفعا ولا ضرا الا
ماشاء اللّه
ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسنى
السوء، ان
انا الا بشير ونذير لقوم يومنون).
وقوله عز وجل: (وقل لا يعلم من فى السموات والارض
الغيب
الا اللّه وما يشعرون ايان يبعثون).
الجواب: والحق ان اللّه وحده علام الغيوب وهو وحده
المطلع
المطلق على خفايا الامور.
حتى الانبياء مع علو منزلتهم وقد اصطفاهم اللّه
لابلاغ رسالاته،
هم ايضا لا يحيطون بالغيب، ذلك ان وجودهم محدود
وقدرتهم على احاطه المطلق عاجزه.
ولكن الامر لا يعنى ان ابواب الغيب مغلقه فى وجوههم
حتى
مع اراده اللّه سبحانه وهو مالك الغيب والشهاده.
فاطلاع الانبياء على بعض المغيبات جزء من الفيض
الالهى
الذى اختصه من يشاء من عباده.
فالايات السابقه الذكر جاءت لزعزعه فكره خاطئه
راسخه فى
التفكير الجاهلى والتى تتصور للرسول قدره فاعله
وهيمنه على
العالم كله، وان الرسول فى هذه الحاله سيدفع عنه
الشر
ويستكثر من الخير لعلمه الغيبى بهما.
ومن هنا نجد النبى(ص) يفند هذا التفكير، ويوكد قدره
اللّه
المطلقه وانه لا حول ولا قوه الا به سبحانه، وانه لا
يعلم الغيب
الا اللّه واللّه وحده علام الغيوب.
اللّه يطلع بعض عباده على الغيب:
هناك حشد كبير من الايات والروايات ما يوكد هذه
الحقيقه
فلقد اطلع اللّه بعض رسله على مغيبات لاثبات
مصداقيته
للناس، كقوله تعالى: (وما كان اللّه ليطلعكم على
الغيب ولكن
اللّه يجتبى من رسله من يشاء، فامنوا باللّه ورسله).
وقوله تعالى: (انه لقول رسول كريم × ذى قوه عند ذى
العرش
مكين × مطاع ثم امين × وما صاحبكم بمجنون × ولقد رآه
بالافق المبين. وما هو على الغيب بضنين).
وامام المنطق القرآنى يبقى ان نقول: ان العلم
بالغيب علما
استقلاليا ذاتيا هو من مختصات اللّه سبحانه، على ان
هذا لا
يمنع من افاضته على بعض عباد اللّه ممن يشاء هو
سبحانه
وتعالى.
ومن الطبيعى جدا ان يكون هناك نوع من الارتباط بين
الرسل
وعالم الغيب. والاطلاع على الغيب والمغيبات امر
يتناسب مع
المستوى الروحى والمعنوى للرسول او النبى،
فالانبياء والرسل
منازل ومراتب ودرجات.
هل للامام علم بالغيب؟ بحثنا فى ما مضى امكانيه
اتصال
الانبياء بعالم الغيب واطلاعهم على المغيبات
والسوال هنا
يمكن لغيرهم ذلك ايضا؟
يوجد بين افراد البشر من تتفتح لهم ابواب السماء
بالهام قلوبهم
والاشراق على ارواحهم، فيطلعون على بعض ما يخفى من
الحقائق.. وهى حقائق تبقى بمناى عن ادوات الفكر
الانسانى
من خلال الاستدلال العقلى المنطقى.
وهذه الظاهره معترف بها علميا بعد ان اثبتتها
دراسات وبحوث
علميه مستفيضه وهى ظاهره تعدها هذه الدراسات جزء من
العبقريه والنبوغ.
واذا كانت هذه الظاهره تستوعب الناس العاديين
فلماذا
نستبعدها عند الحديث حول اناس بلغوا مراتب الكمال
الانسانى
فكانوا الذروه فى ذلك ؟
ولقد بحثنا سابقا ان الالهام هو احد مصادر الامام،
وهو الفيض
الالهى الذى يتحقق من خلال الارتباط بعالم الغيب
فتتجلى
بعض الحقائق الخفيه، مع التاكيد على ان ذلك لا يحصل
استقلالا وذاتيا بل هو اطلاع محدود باذن اللّه
ومشيئه.
وفى هذا المعنى توجد روايات عديده عن
الائمه(عليهمالسلام)
الذين ينفون جميعا علمهم بالغيب ويعنون بذلك علم
الغيب
المطلق المستقل وكل ما يمتازون به هو بلوغهم مراتب
الكمال
فكانوا تجليا لاسماء اللّه وصفاته وكانوا اهلا
لاطلاعهم على
حقائق كامنه وراء ستائر الغيب.
فعن الامام الباقر: (يبسط لنا العلم فنعلم، ويقبض
عنا فلا نعلم)
وقال: (سر اللّه عز وجل اسره الى جبرئيل، واسره
جبرئيل الى
محمد من شاء اللّه).
وقال الامام الصادق(ع): (واللّه لقد اعطينا علم
الاولين
والاخرين) فقال رجل من اصحابه: جعلت فداك اعندكم علم
الغيب؟ فقال له: (ويحك انى لاعلم ما فى اصلاب الرجال
وارحام النساء، ويحكم وسعوا صدوركم ولتبصر اعينكم
ولتع
قلوبكم، فنحن حجه اللّه تعالى فى خلقه، ولن يسع ذلك
الا
صدر كل مومن قوى، قوته كقوه جبال تهامه، الا باذن
اللّه.
واللّه لو اردت ان احصى لكم كل حصاه عليها لاخبرتكم
وما من
يوم وليله الا والحصى تلد ايلادا كما يلد هذا
الخلق). وروى
الامام الصادق عن امير المومنين على(ع) قوله: (اعطيت
تسعا
لم يعطها احد قبلى سوى النبى، لقد فتحت لى السبل،
وعلمت
المنايا والبلايا والانساب وفصل الخطاب، ولقد نظرت
فى
الملكوت باذن ربى، فما غاب عنى ما كان قبلى، ولا ما
ياتى
بعدى، وان بولايتى اكمل اللّه لهذه الامه دينهم
واتم عليهم
النعم، ورضى لهم اسلامهم اذ يقول يوم الولايه
لمحمد(ص): يا
محمد اخبرهم انى اكملت لهم اليوم دينهم واتممت
عليهم
النعم ورضيت اسلامهم. كل ذلك منا من اللّه على، فله
الحمد).
عدم الاستفاده من علم الغيب فى الحياه اليوميه:
ينبغى التاكيد هنا على نقطتين الاولى: ان اطلاع
الائمه على
الغيب لا يعنى تعويلهم عليه فى حياتهم اليوميه، لان
القاعده
والاساس فى السنن الالهيه ان الانبياء والائمه بشر
يعيشون
حياتهم العاديه كسائر الناس. وعلى هذا فالانبياء والائمه يعملون وفق معطيات
الواقع، ومن
هنا فهم يستشيرون اصحابهم وانصارهم، ويديرون
حياتهم وفق
علومهم، وقابلياتهم الذاتيه، ويعيشون وفق كل ذلك
حياتهم
العاديه.. فى اطار الشريعه، من اداء للواجبات،
وارشاد للناس
وامر بالمعروف ونهى عن المنكر، وخلاصه القول ان
العلم
بالغيب لا يرتب واجبا اضافيا باى حال من الاحوال.
العلم بالغيب لا يوثر على مسار الاحداث:
والنقطه الثانيه التى ينبغى التاكيد عليها هى ان
الاطلاع على
الغيب يعنى فى الواقع اطلاع على وقائع ستحدث فى
المستقبل فقد، دون ان تكون هناك قدره على السيطره
عليها
او امكانيه توجيه مسارها.
وبعباره اخرى علم بمواقف شخص ما وعدم قدره على
تحديد
مواقفه او تغييرها.
وهذا العلم بطبيعه الحال يكون علم بعلل واسباب وقوع
الحادثه دون ان يكون احد اسبابها.
ولقد اشرنا ان الواجب يحصل من سبل عاديه، وهذا
العلم لا
يضيف الى الواجب شيئا.
نماذج من انباء الغيب: بشر الائمه الاطهار بوقوع
حوادث
ومغيبات وكان لها اصداوها آنذاك وهذه نماذج مختاره
منها:
1
- بشر الامام على بن ابى طالب، الصحابى الجليل عمرو
بن
الحمق الخزاعى باستشهاده وسيكون راسه اول راس يطاف
به
بين المدن، وتحققت النبوءه فى عهد معاويه فقد تعرض
عمرو
بن الحمق لحركه مطارده شديده وعاش حياه التشرد فتره
من
الزمن ثم لقى مصرعه على ايدى جلاوزه الامويين وحمل
راسه
يطاف به المدن الاسلاميه فكان اول مسلم يتعرض لهذا
اللون
من المعامله فى تاريخ الاسلام.
2 - اخبر الامام الحسن(ع) بانه سيتعرض الى عمليه
اغتيال
بالسم على يد زوجته (جعده) والتفت الى اخيه قائلا:
(ولكن لا
يوم كيومك يا ابا عبد اللّه يزدلف اليك ثلاثون الف
يدعون انهم
من امه جدنا محمد(ص) وينتحلون دين الاسلام،
فيجتمعون
على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبى ذراريك ،
ونسائك وانتهاب ثقلك ).
3 - وسمع الامام الحسين يقول: (واللّه ليجتمعن على
قتلى بنو
اميه ويقدمهم عمر بن سعد - وذلك فى حياه النبى(ص) -
فقيل له: انباك بهذا رسول اللّه(ص)؟ قال: لا - فقيل
للنبى
ذلك فقال(ص): علمى علمه وعلمه علمى).
وبشر(ع) عمر بن سعد فى سنه 61 فى كربلاء قبل اشتعال
معركه كربلاء بالمصير الاسود الذى ينتظره، وما لبث
عمر بن
سعد ان لقى مصرعه على يد المختار الثقفى بعد اعوام. 4 - كتب الحجاج بن يوسف الثقفى الجلاد المعروف الى
عبد
الملك بن مروان: (ان اردت ان يثبت ملكك فاقتل على بن
الحسين).
فكتب عبد الملك اليه: اما بعد. فجنبنى دماء بنى هاشم
واحقنها فانى رايت آل ابى سفيان لما ولعوا فيها لم
يلبثوا ان
ازال اللّه الملك منهم.
وبعث بالكتاب سرا الى الحجاج.
فكتب على بن الحسين(ع) الى عبد الملك فى الساعه التى
انفذ فيها الكتاب الى الحجاج: (علمت ما كتبت فى حقن
دماء
بنى هاشم وقد شكر اللّه لك ذلك وثبت ملكك وزاد فى
عمرك).
وبعث مع غلام من مكه بتاريخ تلك الساعه وسلم اليه
الكتاب.
فلما بصر عبد الملك فى تاريخ الكتاب وجده موافقا
لتاريخ
كتابه فلم يشك فى صدق زين العابدين ففرح بذلك وبعث
اليه
بوقر دنانير، وساله ان يكتب اليه بجميع حوائجه
وحوائج اهل
بيته ومواليه).
5 - وبشر الامام الباقر(ع) اخاه زيدا الشهيد قائلا:
(فلا
يستخفنك الذين لا يوقنون) انهم لن يغنوا عنك من
اللّه شيئا
فلا تعجل فان اللّه لا يعجل لعجله العباد، ولا
تسبقن اللّه
فتعجزك البليه فتصرعك ... اعيذك باللّه يا اخى ان
تكون غدا
المصلوب بالكناسه) وصدقت النبوءه اذ لقى الشهيد زيد
بن
على( رضىاللّه)مصرعه فى الكوفه ثم صلب بالكناسه
وظل
جسده الطاهر مصلوبا اربع سنين. 6 - ولما بايع الهاشميون محمد بن عبداللّه بن الحسن
قال لهم
الامام الصادق(ع): لا تفلحوا فان الامر لم يات بعد
وضرب بيده
على ظهر ابى العباس السفاح، ثم ضرب بيده على كتف
عبداللّه
بن الحسن وقال: واللّه انها ماهى لك ولا الى ابنيك
ولكنها لهم
وان ولديك لمقتولان.
وفى روايه قال الامام الصادق لعبداللّه بن الحسن فى
مجلس
ضم السفاح والمنصور: (ان هذا الامر واللّه ليس اليك
ولا الى
ابنيك ، وانما هو لهذا واشار الى السفاح والمنصور
ثم لولده من
بعده ولا يزال فيهم حتى يومروا الصبيان ويشاوروا
النساء). ومضى يقول: وان هذا - واشار الى المنصور - يقتله على
احجار
الزيت (مكان خارج المدينه المنوره) وقد لقى فيه محمد
بن
عبداللّه المعروف بالنفس الزكيه مصرعه سنه145.
7 - وبشر الامام موسى الكاظم(ع) الحسين بن على قائد
ثوره
فخ بالشهاده واخفاق الثوره وتحققت النبوءه وذلك
سنه 169ه.
8 - وتنبا الامام الرضا(ع) بمصرع الامين على يد اخيه
المامون
قائلا: (ان عبداللّه يقتل محمدا) واعرب بعضهم عن
دهشته
قائلا: عبداللّه بن هارون يقتل محمد بن هارون؟!
فقال(ع): نعم
عبداللّه الذى بخراسان يقتل محمد بن زبيده الذى هو
ببغداد). 9 - روى عمران الاشعرى قال: (دخلت على ابى جعفر (محمد
الجواد) وقضيت حوائجى، وقلت: ان ام الحسن تقرئك
السلام
وتسالك ثوبا من ثيابك تجعله كفنا لها، فقال: قد
استغنت عن
ذلك ، وخرجت لا ادرى ما معنى ذلك ؟ فاتانى انها قد
ماتت
قبل ذلك بثلاثه عشر يوما).
10 - وروى خيران الاسباطى قال: (لما قدمت على ابى
الحسن
(الامام على الهادى) فقال لى: ما خبر الواثق عندك؟
قلت: جعلت فداك خلفته فى عافيه انا اقرب الناس عهدا
به،
عهدى به منذ عشره ايام.
فقال لى: ان اهل المدينه يقولون انه مات، فلما قال
لى الناس
علمت انه هو. ثم قال لى: ما فعل جعفر؟ قلت: خلفته اسوا
الناس حالا فى السجن، قال: اما انه صاحب الامر، ما
فعل
الزيات؟ قلت: جعلت فداك الناس معه والامر امره.
فقال: اما انه
شوم عليه.
قال (خيران الاسباطى): (ثم سكت وقال لى: لابد ان
تجرى
مقادير اللّه واحكامه، يا خيران، مات الواثق وقد
قعد المتوكل
جعفر وقد قتل الزيات. قلت: متى جعلت فداك؟ قال: بعد
خروجك بسته ايام).
11 - وروى ابو هاشم قال: (كنت مضيقا فاردت ان اطلب
دنانير
فى هذا الكتاب فاستحييت، فلما صرت الى منزلى وجه
الى
بمائه دينار وكتب الى اذا كانت لك حاجه فلا تستحى
ولا
تحتشم واطلبها فانك ترى ما تحب ان شاء اللّه).
والحادثه تتعلق بالامام الحادى عشر من اهل
البيت(عليهمالسلام) الحسن العسكرى(ع).
12 - وروى محمد بن على بن شاذان النيسابورى قال: اجتمع
خمسمئه درهم تنقص عشرين درهما، فانفت ان ابعث
بخمسمئه درهم تنقص عشرين فوزنت من عندى عشرين
درهما وبعثتها الى الاسدى، ولم اكتب مالى فيها،
فورد: وصلت
خمسمئه درهم لك منها عشرون درهما).
والجواب الوارد صدر من الامام الثانى عشر المهدى
الموعود(ع) والذى اضطر للاختفاء عن الانظار لظروف
قاهره.
هذه نماذج مختصره فى هذا المضمار وهناك نماذج اخرى
عديده يضيق بذكرها الكتاب.
الخلاصه:
1 - يمكن تقسيم الحقائق الى نوعين حقائق تنتمى الى
عالم
الغيب واخرى تنطوى فى عالم الشهاده، كما يمكن القول
ان
مساله الغيب مساله نسبيه.
2 - لا يوجد شىء يمكن ان يكون غيبا بالنسبه للّه،
فجميع
الحقائق حاضره لديه سبحانه.
3 - يعتقد البعض بانحصار العلم الغيبى باللّه سبحانه
ويستدلون
على ذلك ببعض الايات.
غير ان الحقيقه التى تنفى الغيب لغير اللّه انما
تعنى الغيب
المطلق والعلم به علما استقلاليا.
وعلى هذا فان هذه الايات والايات التى تشير الى
اطلاع البعض
على المغيبات باذن اللّه انما توكد ان اللّه عز وجل
يطلع بعض
من يشاء من عباده على الغيب.
4 - ان الائمه من اهل البيت(ع) يندرجون ضمن الافراد
القادرين وباذن اللّه على الاطلاع على بعض
المغيبات، وهناك
روايات توكد هذه الحقيقه.
5 - ان العلم بالغيب لا يوثر فى المسار الحياتى للنبى
والامام،
ولا يترتب على ذلك العلم واجب، كما انه لا يوثر فى
مسار
الاحداث والوقائع وحركه التاريخ.
6 - ان التاريخ قد دون مئات النبوءات الغيبيه والتى
توكد
جميعا هذه الحقيقه.
اسئله ومناقشه:
1 - ماهو معنى الغيب؟ وهل ان الغيب مساله مطلقه؟
2 - هل يمكن لغير اللّه ان يطلع على الغيب؟ كيف؟
3 - كيف نوفق بين الايات التى تنفى العلم بالغيب لغير
اللّه
والايات التى تثبت اطلاع البعض على المغيبات.
4 - لماذا اتجه الامام الحسين(ع) الى كربلاء مع علمه
بالنهايه
الفجيعه التى تنتظره؟
5 - ورد فى الروايات: (ان الائمه متى شاءوا علموا) ما
هو
المقصود من ذلك ؟
6 - اذكر بعض النماذج من انباء الغيب التى وردت على
لسان
الائمه(عليهمالسلام).
الدرس السابع :
النبى(ع) ومستقبل الاسلام
كان الرسول الاكرم(ص) يدرك بوضوح ان امته ستختلف من
بعده.
فما تزال الروح القبليه مهيمنه على التفكير
الاجتماعى فى
المجتمع المسلم الوليد.
كما ان خلفيات الصراع القبلى الضاربه الجذور فى
جزيره
العرب ما تزال تلقى ظلالها على المسار المستقبلى
للكيان
الاسلامى.
وقد بشر سيدنا محمد بالتمزق الذى سيتعرض له المجتمع
الاسلامى فى قوله(ص) (. . وستفترق امتى هذه على ثلاث
وسبعين فرقه واحده ناجيه وسائر الفرق فى النار).
ولقد كان محور الاختلاف الذى اعتور مسيره الاسلام
قد نجم
عن مساله القياده وهويه الحاكم المسلم.
واذا كانت هذه المساله من الخطوره بحيث تصبح مصدرا
للتصدعات فى الصرح الاسلامى فهل يصبح من المعقول ان
يقف النبى(ص) موقف اللامبالاه ازاء هذه المساله مع
حساسيتها البالغه.
وهل يمكن ان نصدق ان النبى الذى ابدى اعلى درجات
الاهتمام بتبشير الاسلام ورفع رايه الدوله
الاسلاميه عاليا ان
يتجاهل امرا يهدد مستقبلها بالخطر؟!
من الموكد ان هذا الموقف لن ينسجم مع سيره النبى(ص)
ابدا
لقد وقف الخليفه الاول ازاء مستقبل الحكم موقفا
معروفا لدى
الجميع فلم يغمض عينيه حتى نصب من يخلفه فى اداره
الدوله وشوون الحكم.
كما وقف الخليفه الثانى ذات الموقف فالف مجلسا
للشورى
لحسم مساله من سيتصدى للحكم والخلافه بعده. وفى تلك الاجواء المضطربه والمتزلزله التى اعقبت
مصرع
الخليفه الثالث اضطر الامام على(ع) لان يتحمل
مسووليته فى
الحكم ولقد اعرب عن هذه المخاوف فى ارتداد الناس عن
دين
هم جديدو عهد به فكان تصديه للخلافه شعورا
بالمسووليه ازاء
مستقبل الاسلام.
وامام هذه الحقائق كيف نسمح لانفسنا لان نتصور
الرسول(ص) لا اباليا ازاء مساله غايه فى الاهميه؟
ولقد اعلن النبى خليفته فى القياده:
كانت مساله الخلافه والقياده احدى اهم وابرز
المسائل التى
اولاها النبى(ص) اهتماما بالغا، ولم تكن هذه
المساله وليده
تفكير متاخر فى حياه النبى(ص) بل انها واكبت حياه
النبى(ص) فى مراحل الدعوه الاولى.
اجل لقد واكبت حياته منذ حادثه الدار يوم دعا النبى
عشيرته
الاقربين فى مكه، وحتى اللحظات الاخيره من عمره
المبارك
يوم دعا النبى(ص) وهو يودع الدنيا - المسلمين قائلا:
(ايتونى
بدواه وكتف لاكتب لكم كتابا لن تضلوا به بعدى ابدا).
وكانت هذه الخطوه آخر محاولات النبى(ص) فى تحديد
مستقبل الاسلام ولم تات كلماته من فراغ بل انها
وليده قلق
وهواجس مريره ازاء مسار الرساله الاسلاميه ومستقبل
الحكم
بعد غيابه.
وكما هو معروف فقد اثيرت ضجه فى تلك اللحظات
المصيريه
واعترض البعض وانفجر جدل كانت بواعثه معروفه،
الامر الذى
ادى بالنبى(ص) لان يطلب من الجميع مغادره حجرته بعد
ان
اكد لهم شفها حديث الثقلين واهميته فى مستقبل
الاسلام..
ولقد سبقت هذه الحادثه محاوله اخرى فى يوم الثامن
عشر من
ذى الحجه الحرام عندما اعلن النبى فى قوافل الحجيج
العائده
وفى منطقه (غدير خم) ان عليا هو خليفته من بعده.
وكانت الواقعه فى حينها عيدا للمسلمين فلقد كمل
الدين
وتمت النعمه ورضى اللّه سبحانه الاسلام دينا
للجميع.
وقد خلد الشعراء هذه المناسبه منذ ذلك اليوم والى
قرون مضت، وادرك الجميع ان الرسول(ص) وهو يعلن عليا وليا
انما
يريد بذلك ان يكون اميرا وحاكما وخليفه له فى قياده
الامه
ورياده المجتمع.
ولقد اعلن الرسول(ص) ولايه على(ع) مرارا وتكرارا
قائلا: (على
منى وانا من على.. ولا يودى عنى الا على).
والرسول(ص) يعتبر اتباع على انما هو طاعه للّه
ورسوله فى
قوله(ص): (من اطاعنى فقد اطاع اللّه ومن عصانى فقد
عصا
اللّه، ومن اطاع عليا فقد اطاعنى ومن عصا عليا فقد
عصانى).
|