فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

نبذة مختصرة عن حياة المؤلف الشهيد رحمه اللّه

بسم الله الرحمن الرحيم

لا تنطلق العبقرية والعظمة من اماكن معينة او حيز محدود فحسب، سواء كان هذا الحيز عائلياً او دراسياً او ما الى ذلك، بل قد تنطلق من كوخ متواضع في قرية نائية او من عائلة مغمورة وغير مشهورة بالعلم او الحكم او السياسة..

في قرية صغيرة من قرى كربلاء الدم والشهادة والثورة كانت تسكن عائلة الحاج ناصر - احد المتنفذين في عشيرته (البوحِسن) - وكان الشاب (معن) اكبر اولاده متطلعاً منذ نعومة اظافره لطلب العلم ومتشوقاً للدراسة الدينية ولكن والده يرفض ذلك بشدة فاذا رأى هذا الشاب طلاب العلم يؤمون كربلاء للدراسة يبقى متحسراً لحرمانه من نعمة العلم فاذا عرض طلبه على والده زجره بشدة واخيراً إعتمد على نفسه فتعلم القراءة والكتابة من زملائه في القرية، وقرأ القرآن الى أن صار معلماً فيه.. وعندما رزقه الله ولداً كانت الامنية الكبرى في نفسه : ان يرى ولده طالب علم فلما اكمل ولده الصف السادس الابتدائي منعه من مواصلة الدراسة في المدارس الرسمية.. وعندما بلغ سن التكليف ذهب به الى الحوزة العلمية في كربلاء.. وهكذا بدأ شهيدنا حياته الدراسية، ولم تمض عليه في حوزة كربلاء الا عدة شهور.. وبينما كان الوالد يستقبل زوار الامام الحسين (عليه السلام) من المشاة في الزيارة الشعبانية، حيث كان يفتح

{ 28 }

بيته لزوار الامام الحسين (عليه السلام) في هذه المناسبة استضافه احد طلاب العلم (1) في النجف الاشرف، ودار الحديث حول الدراسة في الحوزة، فاقترح عليه ان ينقل ولده الى الحوزة العلمية في النجف الاشرف، بعد ان رأى فيه علائم الذكاء والنبوغ، رغم صغر سنه فما كان اليوم الثاني الا واصبح الوالد في النجف الاشرف ليدخل ولده في مدرسة العلوم الاسلامية.

ومن هنا برزت معالم النبوغ في شخصية شهيدنا، فجلب ذكاؤه نظر المجدين من طلاب العلم فحظي باهتمامهم ورعايتهم لما يتسم به من ذكاء خارق، وذهن ثاقب، وجدية منقطعة النظير، حتى كان الامام الشهيد الصدر يسميه بالطالب المجد.. ومن جديته ان الكتاب ما كان ليفارقه ابداً حتى في المجالس العامة مع اخوانه فبينما كانوا يتفكهون في مجالسهم تراه منشداً الى كتابه، واذا اشكلت عليه مسألة من مسائل الفقه والاصول تجده يعيدها مرات ومرات ولا يتركها حتى يفهمها، ويهضمها جيداً، وهكذا استمر شهيدنا بجدية متناهية حتى قطع مرحلة السطوح في سنوات لا تتعدى اصابع اليد ليلتحق بالداراسات العليا المعبر عنها ب(البحث الخارج) وما مضت سنوات حتى لمع نجمه في حلقات الدرس العليا..

ومما زاد في جديته وفاعليته انتماؤه لحزب الدعوة الاسلامية عام 1390ه‍، وظل مندكاً في هذا التيار المبارك، رغم الهجمة الشرسة، التي شنتها سلطات البعث الكافر في بغداد، على الدعوة المباركة، سنة 1394ه‍ ، فطورد شهيدنا الغالي على اثرها مطاردة عنيفة جداً، مما حمله على تغيير زيه، لمواصلة عمله.. وبالرغم من هذا، لم يكن ليوقفه عن تحصيله،

{ 29 }

فكان يكلف زملاءه، بتسجيل محاضرات الامام الشهيد الصدر والسيد الخوئي ليتابعها يوماً بيوم فلما ضاق به الامر اضطر لأن يخرج من النجف الاشرف ليختفي في محافظات اخرى وبالرغم من هذا الحرج والمضايقة لم ينقطع عن العمل الرسالي فكان يلتقي بإخوانه في اماكن محددة ليتدارس معهم ظروف الدعوة فيوصلوا له الاخبار ويأخذوا منه التوجيهات والطروحات الرسالية..

اما الساعات التي ينفرد فيها وحده في المكتبة فقد كنت أرى منه : العجب العجاب في الجدية والتهام الكتب بمختلف انواعها.. كنت أراقبه عن كثب فاذا انبلج النهار ثنى ركبتيه وانكب على المطالعة الى وقت الظهر وهكذا بقية الليل والنهار لا يتوقف عن البحث والدرس وقد كنت احصي الساعات التي يقضيها في القراءة والبحث حتى كانت تصل الى (16) ساعة في الليل والنهار وربما بلغ في بعض الاحيان اكثر من ذلك وغالباً ما كنت أراه منكباً على الورقة والقلم حتى يطلع الفجر.. حتى اذا اعترضت عليه يوماً لكثرة اتعابه قال :

(ان هدفنا اوسع واكبر من اعمارنا ونحن يجب علينا في اوقات المطاردة واستحالة التحرك ان ننقطع الى الدرس والبحث واذا فسح لنا المجال للعمل فيجب ان ننطلق بكل ما أوتينا من قوة لاقامة الدولة الاسلامية..)

وبناء على هذا الفهم الحركي نجده في فترة اختفائه وعلى وجه التحديد بعد اعدام كوكبة الدعوة الاولى سنة 1394 ه‍ - 1395 ه‍ انتج عدة بحوث

{ 30 }

في ظرف خمسة اشهر منها :

1 - الحرية في الاسلام.

2 - بحث ضخم بعنوان (العلاقة الفقهية في الاقتصاد الاسلامي).

3 - شرح الاسس المنطقية للسيد الصدر.

وكتب اخرى لا اذكرها جيداً.. ولما هدأت العاصفة الهوجاء وخف الطلب، عاد مرة اخرى الى النجف الاشرف ليواصل عمله بصورة اوسع وهنا تجلت خصاله الرسالية وبرزت شخصيته العلمية، واستطيع ان اوجزها بالنقاط التالية :

1 - الاستماتة في سبيل اللّه :

كان شعاره (المستميت لا يموت) وكان يقول : اننا نحن الدعاة يجب ان لا نفكر بشيء اسمه الحياة حتى قيام الحكومة الاسلامية في العراق، اننا وقود الثورة الاسلامية والتفكير بغير هذا غير صحيح فما علينا الا ان نتحرك بجد وفاعلية ونشاط ونبذل كل شيء في سبيل هذا الهدف العظيم حتى تسفك دماؤنا في سبيل اللّه تعالى..

وكم كان اصدقاؤه يحذرونه من سطوة الظالمين لحقدهم عليه، وحبذوا له الخروج من العراق الا انه رفض ذلك بشدة واصر على مواصلة عمله في العراق وان ادى ذلك الى استشهاده.. وكم مرة قال : اننا باقون ها هنا تسفك دماؤنا.. ولتركز هذا العنصر في شخصيته ما كان الخوف ليعرف الى

{ 31 }

نفسه طريقاً ابداً .. ذلك لانه أعطى نفسه للّه.. وكان يرى انها ملكه يتصرف بها كيف يشاء.

2 - الجدية والدأب على العمل :

كان دائب العمل ليل نهار على الصعيدين الفكري والاجتماعي بلا انقطاع ولا توقف.. بين دراسة وتدريس وبحث، ودعوة الى اللّه متواصلة لا تفتر، ولا تلين. وكنت أرى منه العجب فهو كلما إزدادت الصعاب، والمصائب يزداد عزيمة، ومضاء، ومواصلة للعمل. إن انبعاثه للعمل بهذه الدرجة يدل على أن نفسه وصلت الى حد اليقين في إيمانها بصحة الفكر الذي نذر نفسه له، حتى عاد لا يرى في الوجود قوة مؤثرة غير القوة المطلقة التي آمن بها..

كل هذا كان يستوحى من سلوكه، وصموده، واصراره على العمل، كانت تصله اخبار سيئة جداً فلا تعيقه عن عمله ولا تؤثر فيه، بل كان يعتبر ذلك امراً طبيعياً وخلاصة القول : ان الرجل كان دؤوباً مجداً في عمله بمستوى قلّ نظيره في اوساط المجدين..

3 - الابتكار والتفنن في اسلوب العمل والبحث :

منذ سنة (1394 ه‍) وقوى الظلم والعدوان تواصل البحث عنه في كل حدب، وصوب. وما تركت مكاناً تتوقع ان تجده فيه، الا اقتحمته، وبأساليب متباينة، الا انها لم تفلح الا بعد ست سنوات، ولم يكن هو المقصود وانما كان من باب الصدف.

لقد اكتسب مهارة كبيرة في العمل السري، والتملص من الاعداء،

{ 32 }

والتخفي عنهم الى حد إنه دخل السجن باسم مستعار وحكم عليه بالسجن المؤبد، ونقل الى أبي غريب الى ان كشفه اعتراف احد الموقوفين سامحه اللّه..

واما اسلوبه في البحث، والمناظرة فقد كان مبتكراً وجامعاً ومانعاً حيث انه كان واسع الثقافة في العلوم الحديثة على شتى اصعدتها. اضافة الى تخصصه في العلوم الاسلامية.. كان دقيقاً وادبياً في المناظرة رأيته وقد ناظر الشيوعيين، ودعاة الاشتراكية، ومروجي الحضارة الغربية يستمع اليهم الى ان يفرغوا ما في جعبهم.. وبعد ذلك اراه ينقضّ على افكارهم مفنداً، وناسفاً وما يقومون عنه الا وهم قد نبذوا ما جاءوا به..

قصده احد دعاة الوجودية يوماً، وبقي فترة يتحدث له عن الفلسفة الوجودية، ولما انتهى، اخذ الشيخ الشهيد يشرح له عن الفلسفة الوجودية ابتداءاً بتأسيسها ومروراً بأهدافها وانتهاءاً بأسرارها وابعادها فبقي ذلك الرجل متعجباً وظن انه وجودي مثله، وبعد ان شرحها له وشده اليه انقض على الفلسفة الوجودية واخذ ينسفها لبنة لبنة الى ان انتزعها من ذهنه وقام عنه بعد مجلس طويل، وهو يقول عنه عجيب امر هذا العالم ما اعمق ثقافته ! انه لم يكن كلاسيكياً، انه عميق الفكر.

4 - العمق الثقافي :

كان شهيدنا واسع الباع في العلوم الاسلامية عميق الغور فيها، وخصوصاً : الفقه والاصول والمنطق والفلسفة على ما وصفه عارفوه من زملائه طلاب العلم.

{ 33 }

وقد حضرت دروسه في تدريس المنطق وكتاب فلسفتنا واقتصادنا فكان كالسيل المنحدر من جبل شاهق لا يتوقف في مسألة ولا تشكل عليه قضية، وكان يشرح كتب السيد الشهيد ويزيد عليها وقد اشار مرة الى ان اقتصادنا وفلسفتنا - بالرغم من اكباره لهما - بعد ان قطعا فترة عشرين سنة من الكفاح الفكري أصبحا الآن بحاجة الى المزيد من التوسيع لما استجد من بحوث فكرية في الرأسمالية والماركسية والاشتراكية..

كنت اراه دائماً يركز على بحث الفلسفات الاجنبية الشرقية منها والغربية وكذلك في العلوم الاقتصادية بكل اشكالها. مضافاً الى عمقه الفكري في العلوم الاسلامية. وكان ينوي القيام ببحث مقارن بين القوانين الغربية والدساتير الاسلامية..

كان دائم الاطلاع على ما يستجد من بحوث العلوم الحديثة بصورة مستمرة قلما يفوته كتاب يصدر في ذلك، وعندما تتمعن في مكتبته يأخذك العجب، وتتصور ان صاحب هذه المكتبة فيلسوف ماركسي او يوناني..

وعلى كل فان أبا سجاد كان عالماً، ومفكراً رسالياً بكل ما للكلمة من ابعاد وكان يؤكد دائماً على زملائه وطلابه بقراءة الفكر الاسلامي اولاً واستيعابه، وهضمه، وتمثيله، فاذا وصل الى درجة لا يدخل الشك في نفسه من أي جانب من جوانب الفكر، انتقل الى قراءة الفكر المادي بشقيه الشرقي والغربي.. واخذا الجوانب الايجابية ومقارنته مع الفكر الاسلامي لابراز معالم القوة في شريعة السماء..

{ 34 }

5 - عمق الوعي الحركي :

اتسم شهيدنا بروح حركية عالية لا تفتر ولا تلين ابداً في كل الظروف ولهذا لم يكن يهدأ له بال دون عمل وخدمة متواصلة للمبدأ السامي رغم تعالي روح الحركية وسيطرتها على نفسه لم يكن ارتجالياً في اعماله بل كان دقيقاً في التخطيط والتنفيذ، وقلما سلك طريقاً او قام بعمل قبل أن يحسب له الف حساب. ولهذا واصل عمله في العراق طيلة ست سنوات من المطاردة العنيفة، المتواصلة في كل مكان، ولكن لم يثبت على نفسه أي اثر ولم يعط أي مستمسك يطمع السلطة الغاشمة فيه. كان عالي الانضباط دقيق التحرك بين بغداد، والنجف، وديالى، والبصرة متنكراً، وحاملاً هوية مزورة يعبر بها نقاط التفتيش.

وكان عميق الغور كتوماً الى حد كبير بحيث انني عشت معه فترة طويلة، ولم استطع ان اقف على حقيقة انتمائه للدعوة المباركة، الا بعد ان عرفتها من بعض اصدقائه وزملائه. ونتيجة لتفانيه وذوبانه في مبدئه الحركي كان يخرج في ايام المحنة من الصباح، ولا يرجع حتى منتصف الليل متنقلاً من فرد الى آخر يقضي حاجة هذا ويوجه ذاك وينقذ الثالث من ورطته.

6 - انشداده للثورة الاسلامية في ايران :

عندما انفجرت الثورة الاسلامية في ايران ملكت على شهيدنا كل احاسيسه، ومشاعره، ووقته. لذا كنا نراه دائم التفكير فيها، ويتابع احداثها ساعة بعد ساعة، ويرفد اخوانه بالموقف السياسي، والتحليل

{ 35 }

العميق للأحداث، ويؤكد للمؤمنين بما يبعث الامل في انتصار الاسلام، ويقول : (ان الامام الخميني سيعود الى ايران، ويقود المسيرة، ويحطم كل عروش الطاغوت، وان الانتصار حتمي ان شاء اللّه وعلينا ان نكون الامتداد الطبيعي للثورة الاسلامية المظفرة وان نعمل بكل جهودنا على انجاح تجربة الجمهورية الاسلامية في ايران اكثر من اهتمامنا في العراق، لانه لا سامح اللّه لو انتكست هذه الثورة، فلا يقوم للاسلام قائم حتى قيام صاحب الامر.. وعلينا ان نعمل بكل توجيهات الامام حفظه اللّه.. ولذلك كان حريصاً كل الحرص في بيان ابعاد الثورة واهدافها، وعظمتها، ولذا رأيناه يشد الناس الى قيادة الامام، ويعمل على تحصيل صور الامام ليوزعها في النجف الاشرف وخارجه..).

وكثيراً ما كان يجلب لنا اكثر من كتاب كان ممنوعاً في العراق يومذاك، وكانت هذه الكتب قد تهرأت وتلف بعض موضوعاتها من كثرة تداولها.

ولا انسى ذلك الموقف الذي كان يتتبع فيه عناوين الكتب في مكتبتي وافرز مجموعة من الكراسات منها كتب قد حصلت عليها من دار التوحيد وكان مثل هذه الكتب قليلاً ومحذوراً في العراق آنذاك، وطلب مني ان يأخذها لينتفع بها الاخوة الدعاة، فلما قلت له : ارجو المحافظة عليها وارجاعها قال : ان الدعوة المباركة قد علمتنا ان الداعية لا يملك شيئاً هذه الاشياء مثل تساهم في تغيير الامة وان طلابنا بحاجة اليها فينبغي ان لا نبخل عليهم(2).

{ 36 }

7 - الايثار ونكران الذات :

في ايام المحنة الاخيرة سنة 1979 برزت على شهيدنا سمة نكران الذات، وذوبان المصلحة الخاصة في مصلحة الاسلام الى حد لا يصدق. فقد كان الدعاة المشردون من المحافظات الاخرى يأوون الى النجف الاشرف للتخفي فكان ابو سجاد يبذل كل جهده لتأمين اختفائهم وراحتهم ووصلهم بحلقات العمل.. ولهذا تراه يخرج من بيته ويسكن فيه عائلة، او عائلتين من المطاردين ويذهب هو ليفتش عن مأوى له ولاطفاله، ولقد رأيته واللّه يشهد يدور على الطلبة ليأخذ من هذا صحناً، ومن ذاك قدراً ومن ثالث فراشاً، ليؤمن استقرار الدعاة المشردين حتى خرج من ثلاث بيوت أجرها لنفسه وبقي هو وعائلته في بيت ليس فيه غير فراش لا يكفي لشخص واحد، وتوسد هو وزوجته حجراً في ذلك البيت بعد ان امن مأوى اكثر من عشرين عائلة من عوائل الدعاة في النجف الاشرف، وكنت اراه فاقد الراحة اذا عرف بأن احد الاخوة الدعاة في حاجة شيء.. ولا يهدأ له بال حتى يؤمنها اما هو وعائلته فلا يهمه ان وفرها، او لم يوفرها..

8 - السمو الروحي :

كان شهيدنا عميق التدين، قوي الانشداد الى اللّه تعالى. يتجلى ذلك بدقة التزامه في الاحكام الشرعية.. بصورة واعية تامة.. فاذا ما انفتل الى صلاته تراه خاشعاً خاضعاً باكياً.. واما اذا سكن الليل واختلى بربه تراه ناحباً متوسلاً داعياً.. وكان يتستر على اعماله هذه بحيث يحاول ان لا

{ 37 }

يعرفها احد.. واما تكتمه على اعماله، وعدم ذكرها ابداً، فقد كان بدرجة عالية جداً فما سمعته يوماً قال انا الذي قمت بالعمل الفلاني، او تحدث عن انجاز قام به، او عن هدف حققه، او خطوة خطاها.. كان لا يحب ان تذكر اعماله ابداً، ويحرم على الشخص الذي عرفها ان يذكرها. وكان يبني اعداده الروحي على الحب، والخوف والرجاء. كما ذكر ذلك في كتابه الاعداد الروحي.

9 - تطلعه الى الشهادة :

اذكر يوماً كنا جالسين في النجف مع مجموعة من الاخوة من طلبة العلم وبعض الدعاة.. واخذ كل منهم يتحدث عن إعتقاله وتعذيبه ومواقفه وكان ابو سجاد صامتاً يستمع بدقة لعرض الاخوة فتبسم وقال: (اظن ان اللّه لا يحبني ولذا فاني الوحيد منكم لم يبتلني اللّه بما ابتلاكم) فضحكنا وعلقنا بفكاهة على كلامه وكثيراً ما سمعته يقول، وهو ساجد : اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك.. وكان يؤكد دائماً ان التطلع للشهادة من العناصر الرئيسية التي يجب ان تتجلى في شخصية الداعية، ومن هذا المنطلق كتب في ختام وصيته : (وأوصي والدَيَّ اذا رزقني اللّه الشهادة ان يجعلا يوم شهادتي كيوم عرسي) وفعلاً عندما سلمت جثته الطاهرة وقفت والدته المثكولة به لتطلق نغمات الفرح التي اطلقتها يوم عرسه..

10 - الهم الرسالي

كان الهم بامر الاسلام، وحال المسلمين ووضع الامة واوضاع العاملين، هو الحالة الملازمة لابي سجاد حتى كان يسأل عن كل الامور

{ 38 }

المتعلقة بذلك، ويتابع الاخبار والاحداث ويهتم بجميع التفاصيل، ولطالما رأيته يفكر فيما ينبغي ان نعمله، ونسعى اليه للنهوض بحالة الامة وتغييرها بالاسلام، حتى رأيته يستنكر على العامل في سبيل اللّه ان تكون له ساعات يخلد فيها الى الراحة والدعة عن العمل، ومتابعته..

كان في إحدى المرات وفي شهر رمضان المبارك تواقاً لزيارة الاماميين العسكريين في سامراء ولكنه قال : ان الغياب عن العمل ولو لفترة قصيرة هو تفريط وتقصير فلا بد لي ان لا اسافر سفرة كهذه وان كان ذلك السفر طاعة تتحقق فيها زيارة الامامين (عليهما السلام) ولكن ظروف العمل لا تسمح بذلك، ولقد كان يتابع حالة اخوانه، ويتابع شؤونهم المعاشية، وطبيعة اعمالهم الرسالية، فهو يسأل عن طبيعة الاعمال التي قام بها اخوانه من علماء المناطق، وعلاقة المؤمنين بهم، ويسعى جاهداً لتسديدهم ومناصحتهم(3).

11 - التقشف والزهد(4) :

لم يكن الشيخ ابو سجاد يُرى الا وهو في حالة الكادحين المستضعفين حتى ان احد الاخوة ممن كان يراه في بيتي قد ظن انه عامل، لانه لم ير عليه، الا مظهر ضعاف الناس.

ولقد صحبته مدة تزيد على السنة وهو يرتدي نفس الثوب الذي كثيراً ما ألححت عليه بتركه وطلبت منه ان يتقبل مني هدية لاستبداله، لأنه بالي فرفض بشدة وكان يجيب إنه يكتفي به وهو يسد حاجته.

وحتى الكتاب الذي هو رأس مال طالب العلم، وقد يفرط في كل

{ 39 }

شيء، ولكنه لا يفرّط في كتابه، ولا يمكن ان يبيعه او يهديه لاحد، الا ان شهيدنا السعيد الشيخ حسين معن كان يشتري مجموعة من الكتب التي هو بحاجة اليها ثم يسرع في قراءتها. واستخراج ما هو محتاج منها اليه ثم يرسلها الى صاحب المكتبة ليبيعها، او يستبدلها بكتب اخرى ينتفع بها بنفس الطريقة او يحتفظ بما هو مهم منها، ويضعه تحت تصرف العاملين.

12 - صموده :

استمر شهيدنا في جهاده، حتى نصب له فخ كافر وقع فيه وادخل السجن باسم مستعار.. وضرب في السجن ارقى آيات الصمود والثبات والمهارة في التخلص من التهم الموجهة اليه.. الا ان احكام البعثيين تصدر جزافاً، وحسب المزاج وإلا كيف حكم عليه بالسجن المؤبد باسم مستعار غير معروف، وحامله مجهول، ونقل الى ابي غريب كسجين حتى كشفت الشخصية الحقيقية. وكان يوماً مشهوداً في دوائر الامن حتى اقيمت الافراح في مديرية الامن العامة عندما اكتشفوا ان هذا الشخص هو الشيخ حسين معن، الذي قضوا ست سنوات في التفتيش عنه وفي هذا الوقت اعتقلت عائلته، والده وزوجته وطفلاه سجاد وعارف.

يروي لنا احد الموقوفين معه انه حين صدر عليه حكم الاعدام عقدوا له مجلساً مع أساتذة عمل النفس والسياسة والاجتماع باشراف مدير الامن المجرم سعدون شاكر واخذوا يوجهون له اسئلة حول حزب البعث وحزب الدعوة فانطلق يبين لهم مبادئ الدعوة الاسلامية واصالتها، وفساد حزب البعث، وعمالته فقال له فاضل الزركاني :

{ 40 }

- يا شيخ حسين. لو بقيت معهم ساعتين لجعلتهم دعاة.

فرد عليه شهيدنا البطل قاتلاً :

- اعطني نصف ساعة أخرى لأجعلهم دعاة.

***

وهكذا مضى أبو سجاد الى ربه، مضرجاً بدمه الثائر مسطراً احرفاً من نور، لتبقى تضيء الدرب للأجيال السائرة في طريق ذات الشوكة اللاحب.

فسلام عليك يا ابا سجاد !

يوم ولدت.

ويوم جاهدت.

ويوم وقفت تتحدى الظالمين، وانت تحمل نور السماء.

والسلام عليك :

يوم تقف بين يدي اللّه تعالى.

مخاصماً اعداء الاسلام.

***

يا ابا سجاد.. وعارف !

{ 41 }

.. إنّ حزني عليك لا ينقضي..

ولا يمكن ان أنساك..

فأذكرنا عند ربك..

فإننا إخوتك.

وعلى الدرب سائرون..

الحاج ابو حسين الربيعي

1 ربيع الاول 1405هـ

(1) - احد الطلاب المهاجرين في الجمهورية الاسلامية

(2)، (3)، (4) - تفضل بكتابة هذه النقاط الشيخ ابو محمد الرفاعي