فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

نظرات حول الإعداد الروحي

مقدمة بقلم سماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي

{ 4 }

بسم الله الرحمن الرحيم

إن أكثر ما نحرص عليه - خلال الزوبعة الفكرية - التي نجتازها هو أن نأخذ الفكر الاسلامي نقياً ومن منابعه الاصيلة وعلى يد علماء امناء على دين الله تعالى.

ولم ينل اعداء الاسلام من هذا امراً اخطر من نقاوة واصالة الفكر، كما لم يجاهد العلماء العاملون لامر أهم من المحافظة على سلامة الفكر الاسلامي من الانحراف والتشويش، وقد دخل في فكرنا الكثير من الفكر الدخيل الذي لا يمتّ الى الاسلام بصلة واصبح من الصعب معه تمييز ما هو من الاسلام عما ادخل عليه، وقد نبت في تربة هذا الفكر الهجين المختلط الكثير من المذاهب والآراء والتصورات المنحرفة في التأريخ الاسلامي، سواء في المجال العقائدي او الفقهي او الاخلاقي او السياسي.

ولهذا السبب كانت المحافظة على نقاوة وأصالة الفكر الاسلامي وتطهيره عما ادخل عليه من اهم الادوار والاعمال التي قام بها اهل البيت عليهم السلام ومن بعدهم العلماء الذين ساروا على هديهم.

وكانت قيمة العالم في أدوار الفكر الاسلامي المختلفة في مقدرته على مكافحة الفكر الدخيل والمنحرف والمذاهب الدخيلة والمنحرفة عن الاسلام وتثبيت الفكر الاصيل النابع من منابعه النقية الصافية.

{ 5 }

اقول ذلك بمناسبة التقديم للكتاب الذي بين يدي للشهيد السعيد والعالم الجليل والعبد الصالح الشيخ حسين معن، رحمه اللّه، فقد تناول في هذا الكتاب موضوعاً شديد الحساسية، كبير الاهمية في حياتنا الاسلامية، وهو الاعداد الروحي والتربية الروحية، والبحث في هذا الموضوع يؤدي كثيراً بالباحثين إلى تصورات غير مكتملة، وناقصة تنزع نحو الرهبانية ومشاركة الدنيا، واعتزال الحياة الدنيا، والحياة الاجتماعية وابتغاء وجه اللّه تعالى في ذلك كله.. أي بعكس التصور الاسلامي الصحيح الوارد في الكتاب والسنة تماماً.

وقد نشأ في ظل هذا التصور المنحرف للتنمية الروحية والتربية النفسية مذاهب منحرفة قامت على اساس بعد واحد فقط من أبعاد الاسلام الاصيلة، وتكون لهذا الانحراف تاريخ، وثقافة، ومؤسسات، وامتدادات، وعلماء، ومفكرون. وكل ذلك حصل نتيجة الفهم التجزيئي غير الكامل لأصول وآفاق هذا الدين.

ومن خلال قراءتي لهذا البحث رأيت ان المؤلف الشهيد رحمه اللّه يتناول هذا الموضوع الخطير من خلال الرؤية الاسلامية الاصيلة والمتكاملة وينظر الى الاعداد الروحي من زاوية الحركة، والجهاد، والعمل، والدعوة الى اللّه تعالى ويضع هذه المسألة موضعها الطبيعي من هذا الدين، وهو الجو الحركي والسياسي والجهادي، ويدرسه من خلال هذا الجو بالذات على عكس الاتجاهات الفكرية المنحرفة التي تحاول ان تعزل هذا الموضوع الحساس والخطير عن واقع الحياة، والاجواء الحركية، والسياسية، والجهادية.

{ 6 }

فيحاول المؤلف قدس اللّه سره ان يمزج بين هذين الشطرين من الفكر الاسلامي ويؤلف بينهما ويجعل منهما طيفاً فكرياً واحداً يكمل بعض الوانه بعضاً كما يطلبه الاسلام تماماً في منهجه التربوي والحركي لاعداد الدعاة الى الله تعالى..

وفي قبال الاتجاه الانحرافي الذي يعزل مسألة الاعداد الروحي عن جو الحركة والجهاد، هناك سلوك وتوجه آخر معاكس لهذا التوجه في عزل العمل السياسي والحركي والجهادي عن التربية الروحية والزهد في التربية الروحية وتقليل قيمة التهذيب ودوره في الساحة الحركية والجهادية وهذا اتجاه سلوكي خطير لا يقل خطورة عن الاتجاه الأول.. وهذا ليس اتجاهاً فكرياً كما كان الامر في الاتجاه الاول، وانما هو غفلة لدى بعض الغافلين عن أهمية البناء الروحي، والتربية النفسية في ساحة العمل السياسي والجهادي، أو غرور يصيب بعض الناس الذين يتحركون على الساحة السياسية الاسلامية احياناً، فيتصورون ان العمل السياسي والجهادي والحركي الاسلامي يغني عن البناء الروحي والتربية النفسية والمداومة على ذكر اللّه تعالى والتنفل والتهجد، أو ليس هذا ولا ذاك وانما تلهيهم مسائل العمل ومشاغل الحركة والجهاد عن الانصراف الى البناء الداخلي وما يتطلب من جهد ومداومة على الرياضة النفسية والتهذيب والتزكية.

ومهما تكن اسباب هذه الظاهرة، فهي ظاهرة انحرافية لا يقل خطرها عن الانحراف الاول.. فإن حاجة الانسان الذي يتحرك على ساحة العمل الاسلامي والدعوة الى اللّه تعالى الى البناء الداخلي والاعداد الروحي تفوق حاجة الآخرين الذين لا تتجاوز اهتماماتهم شؤون معيشتهم الخاصة مع

{ 7 }

الالتزام بالحد الادنى من التدين.

فإن الشيطان لا يتربص بهؤلاء الدوائر ولا يعمد الى اغرائهم ووسوستهم كما يعمد الى اغراء ووسوسة اولئك الذين يعملون في صفوف مواجهة الاستكبار، واذنابه، ولا يتعرض اولئك لمزالق ومخاطر الطريق ولا تشبه خطورة سقوط واحد من عامة الناس خطورة سقوط انسان يعمل على الخط الحركي على الساحة الاعلامية والسياسية داخل الامة فإن الانسان الذي يعمل في وسط الامة وعلى خط الدعوة والثورة والحركة السياسية اذا سقط لا يسقط وحده وانما يسقط معه امة من الناس ويجر معه جمعاً من الخطوط الانحرافية والانشقاق ولأمر ما يقال : (اذا هلك العالِم هلك العالم) (بالفتح)...

ولكل هذه الاعتبارات، ولغيرها من الاعتبارات والحيثيات، تفوق حاجة العاملين في صفوف الحركة والثورة الاسلامية والعاملين في الساحة السياسية والاعلامية الاسلامية حاجة غيرهم من الناس الى الاعداد الروحي والبناء الداخلي والتربية النفسية.

لذلك نجد ان القرآن الكريم يؤكد على أهمية البناء الروحي للعاملين بشكل خاص ويربط بين هذين الجانبين من شخصية الداعية ربطاً وثيقاً.

ونستعجل هنا تلاوة هذه الآيات من كتاب اللّه قبل ان نقرأها في العرض القرآني الرائع التي يذكرها المؤلف رحمه اللّه ضمنه.

(ان اللّه اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل

{ 8 }

اللّه* فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً* في التوراة والانجيل والقرآن* ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به* وذلك هو الفوز العظيم التائبون* العابدون* الحامدون* السائحون* الراكعون* الساجدون* الآمرون بالمعروف* والناهون عن المنكر* والحافظون لحدود اللّه* وبشر المؤمنين)(1).

ترى كيف يتم هذا الاقتران الرائع بين القتال والجهاد في سبيل اللّه ومبايعة اللّه ورسوله، وبين التوبة والعبادة، والحمد، والسياحة، والركوع، والسجود..

(محمد رسول اللّه والذين معه اشداء على الكفار* رحماء بينهم* تراهم ركعاً سجداً* يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود* ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل)(2).

ترى هؤلاء القوم الذين وصفهم اللّه تعالى بأنهم اشداء على الكفار وكأنهم زبر الحديد في مواجهة الكفار صلابة وقوة. كيف يرتسم على وجوههم أثر السجود، وكيف ترق قلوبهم محبة وشفقة على المؤمنين وكيف

{ 9 }

يكون خشوعهم وتضرعهم بين يدي اللّه تعالى..

ثم نقرأ الآيات التي يخاطب اللّه تعالى بها نبيه (ص) داعياً اياه الى الاستقامة في الدين، والصبر على المواجهة والاذى والصلابة في الموقف من الكافرين وألا يركنوا الى الذين ظلموا من الجبابرة والمستكبرين، ثم تنتقل هذه الآيات الكريمة من هذا الجو المشحون بالصلابة والقوة والاستقامة الى جو عبق بالصلاة والذكر، طرفي النهار وزلفاً من الليل، وكأنما الآيات الكريمة تتحدث عن وجهي حقيقة واحدة عندما تنتقل من ذلك الجو السياسي الجهادي المعبأ بالعمل والتحرك والصمود، الى هذا الجو العبادي الخاشع بين يدي اللّه تعالى..

(فاستقم كما أمرت* ومن تاب معك* ولا تطغوا* انه بما تعملون بصير ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار* وما لكم من دون اللّه من اولياء ثم لا تنصرون* واقم الصلاة طرفي النهار* وزلفاً من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين)(3).

واليك طرفاً من سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وسنته في عباداته واقباله على اللّه تعالى في زحمة اعماله السياسية والجهادية في مكة والمدينة، ونبذاً من سيرة اهل بيته ومن اهتدى بهديهم وسنتهم.

{ 10 }

(كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يقوم ولا يجلس الا على ذكر اللّه)(4).

(وكان يتضرع عند الدعاء حتى يكاد يسقط رداؤه)(5).

وروى الطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر(ع) قال : (كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يبكي، حتى يبتل مصلاه من خشية اللّه عز وجل..).

وفي المناقب (كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يبكي حتى يغشى عليه فقيل له : (أليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ؟ قال : (أفلا أكون عبداً شكوراً).

وروى الديلمي في الارشاد : (ان ابراهيم (ع) كان يسمع منه في صلاته أزير كأزير المرجل، من خوف اللّه تعالى وكان رسول اللّه كذلك).

وعن الشيخ ابي الفتوح في تفسيره عن ابي سعيد الخدري قال : (لما نزل قوله تعالى :

(واذكروا اللّه ذكراً كثيراً)

اشتغل رسول اللّه (ص) بذكر اللّه حتى قال الكفار انه جن)(6).

وفي الكافي عن ابي عبد اللّه (ع) قال : (كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يتوب في كل يوم سبعين مرة).

{ 11 }

وفي التهذيب عن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول : (كان رسول اللّه (ص) ينام ما شاء اللّه فاذا استيقظ جلس، ثم قلب بصره في السماء، ثم تلا الآيات من آل عمران :

(ان في خلق السماوات والارض)

ثم يستن، ويتطهر، ثم يقوم الى المسجد، فيركع اربع ركعات على قدر قراءته.. ركوعه وسجوده على قدر ركوعه. يركع حتى يقال متى يرفع رأسه ؟ ويسجد حتى يقال متى يرفع رأسه ؟ ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، ويقلب بصره في السماء ثم يستن ويتطهر ويقوم الى المسجد فيوتر ويصلي الركعتين ثم يخرج الى الصلاة)(7).

وعن عروة بن الزبير قال : (كنا نتذاكر في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم اعمال اهل بدر وبيعة اهل الرضوان فقال ابو الدرداء : الا اخبركم بأقل القوم مالاً واكثرهم ورعاً واجتهاداً في العبادة ؟ قالوا: من ؟ قال : علي بن ابي طالب (ع) رأيته في حائط بني النجار يدعو، ثم انغمر في الدعاء فلم أسمع له حساً وحركة، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر، اوقظه لصلاة الفجر فأتيته، فاذا هو كالخشبة الملقاة، فلم يتحرك، فقلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون مات واللّه علي بن ابي طالب (ع).

فأتيت منزله مبادراً انعاه اليهم، فقالت فاطمة (ع) : يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه وقصته فأخبرتها الخبر فقالت : هي والله يا أبا الدرداء الخشية التي تأخذه من خشية اللّه، ثم أتوه بماء فنضحوا على وجهه فافاق، ونظر

{ 12 }

الي وانا ابكي، فقال ما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت : بما أراه تنزله بنفسك فقال (ع) :

«كيف بك اذا رأيتني ادعى الى الحساب، وأيقن اهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار واسلمتني الاحباب، ورفضني اهل الدنيا لكنت أشد رحمة بي بين يدي من لا تخفى عليه خافية»(8).

دخل ضرار بن ضمرة على معاوية بعد قتل امير المؤمنين (ع) (فقال : صف لي علياً ؟ فقال : أعفني فقال : أقسمت عليك لتصفنه.

قال : اما اذا كان ولا بد فانه كان واللّه بعيد المدى شديد القوى يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنفلق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته وكان غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب كان فينا كأحدنا يجيبنا اذا سألناه ويأتينا اذا دعوناه ونحن واللّه مع تقريبه لنا وقربه منا وقربنا منه لا نكاد نكلمه هيبة له.

يعظم اهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله..

واشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد ارخى الليل سدوله وغارت

{ 13 }

نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم(9) ويبكي بكاء الحزين يقول :

(يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إليّ تشوقت ؟ هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك فعمرك قصير، وخطرك كبير وعيشك حقير آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق..».

فبكى معاوية وقال : رحم اللّه أبا الحسن، قد كان واللّه كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ فقال : حزن من ذبح ولدها في حجرها، فهي لا يرقى دمعها ولا يخفى فجعها)(10).

(ودخل ابو جعفر (ع) على ابيه السجاد (ع) فاذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه احد، فرآه، وقد اصفر لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم انفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام للصلاة.

قال أبو جعفر : فلم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمة له، واذا هو يفكر فالتفت اليّ بعد هنيهة وقال :

يا بنّي اعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن ابي طالب (ع) فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثم تركها من يده وقال : من يقدر على عبادة علي بن ابي طالب (ع)(11).

{ 14 }

وكان اذا توضأ يصفر لونه فيقول له اهله : ما هذا الذي يغشاك فيقول أتدرون لمن أتاهب للقيام بين يديه)(12).

وعن جعفر بن محمد الصادق (ع) قال : (كان ابي علي بن الحسين رضي اللّه عنه اذا حضرت الصلاة يقشعر جلده ويصفر لونه، وترتعد فرائصه، ويقف تحت السماء ودموعه على خديه، وهو يقول: لو علم العبد من يناجي ما انفتل..

ولقد برز يوماً الى الصحراء فتبعه مولى له فوجده وقد سجد على حجارة مسحنة(13)، قال مولاه : فوقفت وانا اسمع شهيقه وبكاؤه فأحصيت الف مرة وهو يقول :

(لا اله الا اللّه تعبداً ورقاً، لا اله الا اللّه ايماناً وصدقاً).

ثم رفع رأسه من سجوده، وأن وجهه ولحيته قد غمرا بالتراب ودموع عينيه منحدرة على خديه)(14).

وقال الباقر (ع) (ان ابي علي ابن الحسين (ع) ما ذكر نعم اللّه عليه الا سجد، ولا قرأ آية من كتاب اللّه عز وجل فيها سجود الا سجد، ولا دفع عز وجل عنه سوءاً يخشاه او كيد كائد الا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة الا سجد، ولا وفق لاصلاح بين اثنين الا سجد، وكان اثر السجود في جميع مواضع سجوده فيسمى السجاد لذلك)(15).

وعن أبي حمزة عن أبيه : (رأيت علي بن الحسين (ع) في فناء

{ 15 }

الكعبة من الليل وهو يصلي فأطال القيام حتى جعل مرّة يتوكأ على رجله اليمنى ومرة على رجله اليسرى ثم سمعته يقول بصوت كأنه باك : يا سيدي تعذبني وحبك في قلبي ؟ اما وعزتك لئن فعلت لتجمعن بيني وبين قوم طالما عاتبتهم فيك)(16).

وان تعجب فعجب ان تحرص سيدتنا زينب بنت علي (ع) ان لا تفوتها نافلة الليل حتى ليلة الحادي عشر من محرم على مقربة من الاجساد الطاهرة.

فقد روي ان سيدتنا زينب بنت امير المؤمنين (ع)(17) ما تركت تهجدها للّه تعالى طوال دهرها حتى ليلة الحادي عشر من المحرم.

وروي عن زين العابدين (ع) قال : (رأيتها تلك الليلة تصلي من جلوس).

وعن الفاضل البيرجندي عن بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجاد (ع) انه قال : (ان عمتي مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا الى الشام ما تركت نوافلها الليلية)(18).

وقالت فاطمة بنت الحسين (ع) : (واما عمتي زينب فأنها لم تزل قائمة في تلك الليلة (اي العاشر من المحرم) في محرابها تستغيث الى ربها، فما سكنت لنا عين ولا هدأت لنا رنة).(19).

وروى الشيخ جعفر النقدي رحمه اللّه عن بعض المتتبعين للامام السجاد (ع) انه قال :

{ 16 }

(ان عمتي زينب كانت تؤدي صلاتها من قيام الفرائض والنوافل وعند سير القوم بنا من الكوفة الى الشام وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت : اصلي من جلوس لشدة الجوع لانها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الاطفال)(20).

وما زلنا نتحدث عن عبادة سيدتنا زينب (ع) وانقطاعها الى اللّه في مسيرتها الى كربلاء ثم الى الشام والمدينة فلا بأس ان نعرض هذه الصور الرائعة التي يذكرها المؤرخون لاصحاب الحسين (ع) ليلة العاشر من المحرم، يقول المؤرخون :

(وبات اصحاب الحسين (ع) في تلك الليلة، ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد)(21).

سمة العبيد من الخشوع عليهم***للّه ان ضمتهــــم الاسحـــــــــار

واذا ترجلت الضحى شهدت لهم***بــــــيض القـواضب انهم احرار

***

وفي تاريخنا الجهادي والحركي نلتقي كثيراً بهذه المشاهد الرائعة من اقتران الجهاد البطولي في ساحات الوغى والدعوة الى اللّه بالعبادة وتهذيب النفس والابتهال والتبتل والتهجد وقيام الليل.

ومن اروع هذه المشاهد مشاهد التهجد والتنفل على جبهة القتال لجند الاسلام، حيث يرابط جند الاسلام على ثغور الدولة الاسلامية يستقبلون شظايا القنابل ورصاص العدو بصدورهم..

{ 17 }

يقف هؤلاء الابطال في الليالي الظلماء خلف الدبابات على خط النار بين يدي ربهم عز وجل، يناجونه ويتضرعون اليه ويسجدون على تراب الجبهة ويطيلون السجود والبكاء حتى تبتل ارض الجبهة بدموعهم.

ولئن كان هؤلاء الابطال لا يتركون صلاة الليل على خط النار وفي مواجهة العدو فإنهم يقتفون في ذلك خطى قائدهم الامام الخميني حفظه اللّه.

يقول الشيخ الانصاري أحد المقربين الى الامام في ترجمة حياة الامام حفظه اللّه:

(لم يترك الامام صلاة الليل منذ خمسين سنة) فالامام يتهجد في كل ليلة، في المرض، وفي الصحة، وفي السجن وخارج السجن، وفي حالة الابعاد، وحتى على سرير مستشفى القلب في الليلة التي أمر الاطباء بنقل الامام من قم الى مستشفى القلب في طهران لم يترك الامام صلاة الليل في تلك الليلة، كانت ليلة عسيرة وكان الثلج قد نزل بكميات كبيرة وبقي الامام في سيارة الاسعاف على تلك الحالة عدة ساعات ومع ذلك عندما استقر الامام على سرير مستشفى القلب في طهران بادر الى صلاة الليل وفي الليلة التي انتقل فيها الامام من باريس الى طهران صعد الى الطابق العلوي من الطائرة وصلى هناك صلاة الليل.

(لا يترك الامام تلاوة القرآن في كل فرصة مناسبة وعادة يقرأ القرآن بعد صلاة الصبح، وقبل صلاة الظهر والعصر، وقبل المغرب والعشاء، ويتفق كثيراً عندما ندخل نحن على الامام نجده يقرأ القرآن)(22).

{ 18 }

وبعد فلا أريد ان استرسل اكثر من هذا المقدار في هذه المقولة واحب ان اذكر اخواني الدعاة الى اللّه تعالى، قبل ان اقطع هذا الحديث بضرورة الاهتمام بهذا الجانب من شخصيتهم، فان شخصية الداعية لا تتكامل ولا تنمو النمو اللازم لها، ما لم يحاول الداعية ان ينقطع الى اللّه تعالى في حياته، ويشرب قلبه بحب اللّه وما لم يأنس بذكر اللّه، واقامة الصلاة في الليالي الداجية الظلماء، فأن البكاء، والتهجد، وتلاوة القرآن في سكون الليل وظلماته يحيي القلوب الميتة، ويشرح الصدور، ويبعث النور في حياة الانسان.

واذا كان هذا البعد ضرورياً في حياة كل انسان ففي حياة الدعاة اكثر ضرورة واهمية.. والدعاة اولى من غيرهم بالاهتمام بهذا الجانب الحيوي والاساسي في شخصيتهم.

ان توثيق العلاقة باللّه تعالى والانقطاع اليه عز وجل يؤمن سلامة المسير والسداد للداعية ويقيه عن المزالق والمخاطر ويربط على قلبه في الهزات والزلازل..

ان ثبات الداعية على ارض المعركة والمواجهة، واستقامته، ومقاومته للتحديات وصبره باتجاه الازمات والمتاعب، وقدرته في تجاوز العقبات.. لا يأتي فقط نتيجة الوعي والفهم، والممارسة، والتجربة والخبرة، وانما يمده اللّه تعالى بها، ويشرح صدره، فيفرغ عليه صبراً، ويثبت له على أرض المعركة قدماً، وينصره على اعدائه..

وهذا المدد الالهي اكثر ما ينزل على العبد، ينزل عليه في ساعات

{ 19 }

التضرع، والبكاء، والانقطاع اليه تعالى.

والتضرع والبكاء ورقة القلب من افضل الفرص التي تؤهل الانسان لهبوط الرحمة من جانب اللّه تعالى.

فلا ينال الانسان رحمة اللّه تعالى ولا يكون قريباً من اللّه تعالى كما يكون كذلك عندما يرق قلبه، وتجري عيناه بالدموع، ويخشع قلبه، ويقف بين يدي ربه قائماً، او يطرح نفسه على الارض ساجداً..

وهذه الحالة هي اهم مصادر التسديد والتوفيق والثبات والاستقامة في حياة الدعاة..

والشيطان يكمن للدعاة في كل مكمن ويتربص بهم الدوائر في كل فرصة للايقاع بهم، وتثبيطهم وزرع اليأس في نفوسهم، وتحريفهم عن المسير، وتلبيس الامر عليهم..

وليس للداعية في هذه المزالق التي يترقب فيها الشيطان الدعاة غير اللّه تعالى، ينقطع اليه، ويتضرع بين يديه ويسترحمه..

وبقدر ما ينقطع الداعية اليه عز وجل يمده منه بالرحمة والتأييد والثبات والصبر والسداد..

***

وبعد فلا يسعني في هذه المقدمة ان لا اتحدت شيئاً عن مؤلف هذا السفر الجليل : الشهيد السعيد، والعبد الصالح، الشيخ حسين معن رحمه

{ 20 }

اللّه، الذي اختطفته ايدي الاجرام البعثية من بيننا وهو بعد في غضاضة شبابه الطاهر النقي.

إن قراءة سريعة وعابرة لهذا الكتاب يكشف عن ان كاتب هذا الكتاب لا يتحدث فيه عن دروس ونظريات وافكار قرأها وسلم بها، وانما يتحدث عن معاناة، وان هذه الاشواط التي يصورها المؤلف في الكتاب لتحرك الانسان الى اللّه تعالى.. قد قطعها المؤلف غالباً فجاء الكتاب تعبيراً عن معاناة ومعايشة.

وهذه الناحية من اهم خصائص المؤلف الشهيد رحمه اللّه، حيث كان بفضل اللّه تعالى يضم الى الذهنية الخصبة والفكر الوقاد، والنبوغ المبكر، والرؤية النافذة.. قلباً واعياً وبصيرة نافذة، وصدراً شرحه اللّه تعالى، ونوراً في القلب، وانقطاعاً الى اللّه، وتبتلاً وابتهالاً ويقيناً باللّه..

والى هذا وذاك، كان يضم رحمه اللّه معاناة الداعية، وخبرة وتجربة العاملين في سبيل اللّه، ولا يمل هم الدعوة، ويسعى في تحقيق اهدافها بنفس صابرة مطمئنة لا يعرف التعب والكلل ولا يمل من العمل ولا يتسلل الى روحه الكبيرة اليأس ولا يجزع من ساحة العمل في حالة من الاحوال.

كانت مدرسته محرابه، ومحرابه ساحة عمله وجهاده، وكان يجمع بشكل يبعث على الاعجال بين هذه السوح الثلاث، ويعمل فيها جميعاً بتوازن عجيب، فهو عالم ضليع يراهق الاجتهاد رغم شبابه الغض.

وكان يطرح فيه استاذه الكبير الشهيد الصدر رحمه اللّه آمالاً كبيرة

{ 21 }

لمستقبله في الفقاهة والعلم، وفي نفس الوقت كان يتميز بروحه الشفافة النقية والصافية، وانقطاعه الى اللّه تعالى، وتهجده، ودعائه، ومداومته على ذكر اللّه، ثم كان الى جنب ذلك من خيرة الدعاة الى اللّه تعالى في الساحة الاسلامية في العراق، في السراء والضراء لا يكل ولا يتعب ولا يعرف اليأس والخوف طريقاً الى قلبه، يتقد نشاطاً وعملاً، ويبعث في نفوس اخوانه الهمة، والنشاط، والامل والحركة.. وقليل من الناس كذلك وذلك من فضل اللّه تعالى.

واذا علمنا ان الشهيد السعيد الشيخ حسين معن قد استطاع ان يجتاز هذه الاشواط البعيدة في العمل ويحقق هذه المكاسب ويبلغ هذه القمم الرفيعة من العلم والعمل وهو بعد في سني الشباب لم يتجاوز العشرينات من عمره كان ادعى للاعجاب.

***

ومن الحق ان نقول في هذا الشهيد السعيد وفي الدعوة المباركة التي التزمها، وامتزجت بدمه، وروحه، وعقله واحاسيسه، فكانت جزءاً لا يتجزأ من وجوده.. ان الدعوة الاسلامية هي التي فجرت هذه الكفاءات والمواهب والقدرات في نفس شهيدنا السعيد وانه مدين الى الدعوة بالكثير من الكفاءات والقابليات والمنح..

ان الدعوة الاسلامية لا تبدع هذه الكفاءات، وانما يبدعها اللّه تعالى بفضله، ويودعها حيث يشاء في نفوس عباده، ولكن الدعوة الاسلامية، وساحات العمل والجهاد تكتشفان هذه المواهب، والكفاءات، وتفجرانها

{ 22 }

وهذه سنة اللّه تعالى في حياة العاملين. فان العمل والجهاد كما يأخذان من العاملين يعطيانه ايضاً، وما يعطيان اكثر مما يأخذان منه.

وقد تفتحت مواهب هذا الشاب وقدراته في ربيع عمره في هذا الحقل المبارك فاتى ثماره طيبة شهية مباركة..

ولقد هيأ اللّه تعالى لشباب العراق بشكل خاص في الدعوة الاسلامية المباركة فرصة مباركة للنمو والانطلاق والتحرك، بعد سنوات عجاف من الخمول والضياع والحيرة والقلق والسقوط.. مرت على العراق وعلى العالم الاسلامي جميعاً.

فانطلقت هذه المسيرة تكتسح من امامها رواسب سني التخلف، وتبعث الحركة والوعي والقوة والعزم في نفوس الشباب..

وفي هذا الوسط الحركي المبارك نشأ جيل من الشباب يتطلع الى اقامة حكم اللّه على وجه الارض، وتعبيد الانسان للّه، وكسر كبرياء الطاغوت وهيبته واعادة الاسلام الى صلب الحياة، واعطاء الاسلام الدور القيادي الفعال في حياة الانسان.

وتحرك هذا الجيل بهذا الاتجاه وعمل على تطهير المجتمع الاسلامي في العراق من رواسب سنوات التخلف ونفوذ الاستكبار، ومقاومة الحكام العملاء الذين كانوا يمثلون مصالح الاستكبار في المنطقة، ومواجهة التحديات بصبر وايمان، فكان جو الدعوة الاسلامية في العراق مزيجاً من الايمان والفكر والجهاد.

{ 23 }

وشاء اللّه تعالى ان تنطلق هذه المسيرة المباركة من النجف الاشرف بالذات، قاعدة الفقاهة ومدرسة اهل البيت منذ الف سنة، وشاء اللّه تعالى ان تكون بداية هذه الحركة على يد عدد من كبار الفقهاء وعلماء هذه الحوزة المباركة، وشاء اللّه ان يكون الرعيل الاول من ابناء هذه المسيرة خليطاً من طلاب الحوزة العلمية في النجف الاشرف وطلبة الجامعات، تصافحاً وتعانقاً في جو الدعوة، وانطلقا في موكب هذه المسيرة.

والذي يعرف ما بذلت اجهزة الاستكبار العالمي وعملاؤه من جهد لعزل هذين القطاعين المؤثرين في المجتمع الحوزة والجامعة.. يعرف قيمة الدعوة الاسلامية ودورها الكبير في كسر الحواجز النفسية والاجتماعية، والسياسية بينهما وتشكيل مسيرة واحدة منهما..

واستمرت هذه المسيرة المباركة، حتى التحمت بمسيرة الثورة الاسلامية في ايران، بقيادة الامام الخميني حفظه اللّه.. في مثل هذا الجو المزدوج العبق : الحوزة العلمية، والدعوة الاسلامية، نشأ الشهيد الشيخ حسين معن، رحمه اللّه، وتفتحت كفاءاته وامكاناته، وانطلق باتجاه العمل الاسلامي، وتحرك، ودعا، وكتب، ودرّس، وحاضر، وخطب في الجماهير، وربى، وجاهد، وكافح جلاوزة البعث، وسُجن، وعُذب في اللّه، ثم استشهد، رحمه اللّه، وختم اللّه حياته بمسك الشهادة وآثره بها.

***

واذا ذكرنا الشيخ حسين معن رحمه اللّه، فلا يسعنا ان لا نذكر الجهود التي بذلها أستاذه الكبير الفقيه والمفكر الاسلامي الرائد السعيد السيد

{ 24 }

الصدر رحمه اللّه في تربية واعداد الشهيد.

فقد لمح السيد الشهيد الصدر رحمه اللّه في هذا الشاب ملامح الذكاء والنبوغ المبكر والاصالة والنجابة فاحتضنه برعايته الخاصة وأسبغ عليه عواطفه الابوية المباركة، وتبنى تربيته، وكان يضع فيه ثقته وآمالاً كبيرة..

وكان الشهيد الشيخ حسين معن يحفظ لاُستاذه الكبير الى آخر حياته احتراماً وحباً خالصاً.. فرحم اللّه الاستاذ والتلميذ، وحقق اللّه تعالى آمالهما بسقوط اعمدة الكفر وقيام حكم اللّه على ارض الرافدين وسلام عليهما يوم ولدا ويوم استشهدا ويوم يبعثان حيين.

محمد مهدي الآصفي

21 / صفر / 1405 هـ

 

 (1) - سورة التوبة / 112

(2) - سورة الفتح / 28

(3) - سورة هود / 112 - 115

(4) - سنن النبي ص 356 عن المناقب ومجمع البيان

(5) - سنن النبي عن البحار ج 53 ص 339

(6) - سنن النبي ص 34

(7) - سنن النبي ص 34

(8) - سنن النبي ص 240 عن التهذيب 2 / 334 والكافي 3 / 445

(9) - الانوار العلوية للشيخ جعفر النقدي

(10) - السليم : الملدوغ

(11) - الانوار العلوية 405 - 406

(12) - كشف الغمة للاردبيلي 2 / 297

(13) - حجارة يسحق عليها الطيب

(14) - حلية الابرار هاشم البحراني ج 2 ص 13

(15، 16) - نفس المصدر ج ص 24

(17) - حلية الابرار ص 2 / 14

(18) - زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي

(19) - مثير الاحزان للشريف الجواهري ص 560

(20) - زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي ص 63

(21) - مثير الاحزان ص 56

(22) - خصائص حياة الامام الخميني 20، 21، 22