فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

الفصل الثالث: الوجدان (العاطفة المبدئية والانفعال الرسالي)

 

{ 157 }

في الفصل السابق تناولنا الوعي الديني، والوعي التاريخي والوعي الذاتي.. وهي مجموعات تؤلف جانب البصيرة والرؤية الفكرية للشخصية الاسلامية.. وهذا هو الجانب الاول في الشخصية الاسلامية.. والمرتكز الاساس الذي تقوم عليه، اما الجانب الآخر - والاساس هو الآخر.. فهو الوجدان الاسلامي بالمعنى الواسع الذي يشمل العاطفة كالحب والبغض، والانفعال كالخوف، والرجاء، والغضب، والفرح.

 

دور الوجدان في الحياة الانسانية

وللوجدان بالمعنى المذكور دور كبير في حياة الفرد البشري. فليس الانسان مركباً آلياً يتحرك بسبب الاثارات او بالاحرى الحركات الخارجية، كما هو شأن كل جسم مادي لا يملك الحيوية الذاتية، والاندفاع الذاتي، وليس الانسان كذلك كائناً عقلياً صرفاً يعقل، فيتحرك بسبب رؤيته العقلية فقط، ويتصرف بارادة محضة لا يشاركها حب، ولا بغض، ولا غضب، ولا سرور.. ليس الانسان كذلك ولا يمكن ان يكون كذلك، وان اصرت مجموعة من الفلاسفة على ان يكون الانسان ارادة محضة، وعقلاً محضاً، وان ينطلق من افعاله، وتصرفاته من الاحساس بالواجب الاخلاقي والشعور بالالزام فقط.

وبسبب هذا الامر..

وبسبب ان للوجدان - عاطفة وانفعالاً - اثراً كبيراً في الفكر، وفي السلوك اذ يدفع نحو بعض المواقف ويمنع من بعض، ويقرر بعض الافكار، ويحول دون بعضها الآخر، بسبب هذين الامرين (عدم انفكاك الانسان

{ 158 }

عن العاطفة، والانفعال، واثرهما الكبير في الفكر، والسلوك) اكد الاسلام في مفاهيمه الاخلاقية ومناهجه التربوية على كل من الميول النفسية (العواطف)، وعلى الاستجابات النفسية الثائرة من غضب، وفرح، ومن خوف، ورجاء.

 

مبدآن اسلاميان للحياة الوجدانية

وكان التأكيد الاسلامي، والعمل الذي تقوم به التربية الاسلامية، باتجاه الحياة الوجدانية للانسان، مرتكزاً على اساسين او مبدأين :

المبدأ الأول :

تكوين وجدان اسلامي خاص بالانسان المسلم. وقد اعد الاسلام بهذا الصدد قائمة طويلة للمعاني التي يجب ان يبتني عليها الانسان المسلم، وتقوم على اساسه الشخصية الاسلامية والتي تتألف من عناصر عديدة كحب اللّه تعالى، والانس به، والاشتياق اليه والخوف منه، ورجاؤه والرضا بقضائه وقدره، وحب المؤمنين، وحب الرسالة، وبغض الكافرين، والمنحرفين، والشريرين، والسرور بالحسنة والتضايق من المعصية والانفتاح النفسي على الحياة والابتهاج بها الى غير ذلك من المعاني الاسلامية الكثيرة في هذا المجال.. وتوجد الى جانب ذلك عناصر سلبية في الوجدان المسلم.. كالزهد الذي يعني تفريغ الانسان المسلم لوجدانه من حب الدنيا.. والخوف عليها ورجائها.

لماذا يصر الاسلام على تكوين وجدان خاص بالانسان المسلم، ولا يكتفي منه بالعمل ؟ ان السبب في هذا الاصرار من قبل الاسلام يعود

{ 159 }

الى أمرين :

1 - ان هدف الاسلام ليس مجموعة من التصرفات، والمواقف، والحركات يؤديها الانسان المسلم، وانما هو بناء الانسان الصالح بكل ما يعنيه الانسان من الفكر، والروح، والوجدان والسلوك. ان الاسلام يهدف الى ايجاد صيغة جديدة للانسان تختلف عن كل الصيغ المعروفة للانسان في مختلف الحضارات، صيغة كاملة شاملة.. وليست محصورة ضمن نطاق الفعل، والسلوك الاجتماعي وبهذا يختلف الاسلام عن مجموعة من انظمة الارض التي لا تريد سوى ان تؤكد سلطتها وسيطرتها السياسية، والاجتماعية على الناس..

2 - ينظر الاسلام الى الشخصية الانسانية وحدة متكاملة يؤثر كل جانب منها، وكل جزء في الجانب الآخر، والاجزاء الاخرى، ومن هنا فهو يرى ان من غير الممكن ان نؤمن جانباً من الشخصية الانسانية دون تأمين كافة الجوانب الاخرى، ليس من الممكن للاسلام ان يحكم السلوك الاجتماعي، والسياسي للناس دون ان يغير من مضمونهم العاطفي، والانفعالي، والوجداني، ودون ان يغير من مفاهيمهم الحياتية ورؤاهم الفكرية حول الكون، والحياة كما لا يمكنه ان يؤكد على جوانب الفكر، والوجدان في شخصية الانسان المسلم دون ان يؤكد على جانب السلوك، والنظام الاجتماعي، والسلطة الزمنية.

المبدأ الثاني :

تحكيم العقل والدين على العاطفة والانفعال، فمهما كانت

{ 160 }

العواطف، والانفعالات رسالية، وانسانية عامة او منحرفة فهي - محكومة - في شخصية الانسان المسلم - لارادة اللّه تعالى التي يعرفها العقل.

وعلى هذا فالعاطفة والانفعال - ولو كانا مبدأين - يعتبرهما الاسلام (طاقة نفسية) لا بد منها، اما الجهاز الحاكم في الشخصية فليس هو العاطفة، ولا الانفعال وانما العقل، والارادة، اولهما : يوضح الصحيح من الخطأ والحلال من الحرام في ضوء المنطق الشرعي، وثانيهما ينفذ ويقرر عملياً ويرتكز ذلك على ما يلي :

1 - ان ارتباط الغريزة، والعاطفة، والانفعال الذي تقتضيه هذه الدوافع ليس ارتباطاً حتمياً، وانما هو ارتباط اقتضائي. اذ يمكن للانسان ان يحول بين العاطفة والانفعال وبين نتائجهما العملية.

2 - ان مقتضى العبودية للّه تعالى هو، ان ينسجم الانسان سلوكياً مع ارادته تعالى، سواء كانت مثبتة تشريعياً على شكل الزام، او على شكل ترجيح، او كانت ارادته تعالى هي ترجيح احد الاطراف المتزاحمة من وجهة نظر المصالح، والمفاسد.

3 - ان العواطف ولو كانت دينية - لا تقتضي دائماً الفعل الذي ينسجم مع ارادة اللّه تعالى، بل قد تختلف مقتضياتها مع مقتضيات الارادة الالهية فقد يسبُّ المؤمن - لعاطفته الدينية - الذين كفروا فيسبوّا اللّه تعالى، وقد ينفعل - غاضباً للّه تعالى فيتعجل بموقف يعود بالضرر على الدين وعلى هذا اناط الاسلام (الفعل) بالتدبر بالعاقبة والتعقل كما جاء في حديث عن رسول اللّه (ص) :

{ 161 }

(اذا هممت بامر فتدبر عاقبته فان يك رشداً فامضه، وان يكن غياً فدعه).

 

الضغط على العواطف الرسالية في حياة القادة

والامثلة على الضغط على العواطف الرسالية، في سبيل المصلحة العليا للرسالة كثيرة في حياة الرسول (ص)، والائمة (ع).

اذكر من سيرة الرسول (ص) موقفه في صلح الحديبية، في شكل الكتاب بينه، وبين موفد المشركين اذ رفض المشرك (سهيل بن عمرو) ان يفتتح الكتاب ب(بسم الله الرحمن الرحيم) وان يسمي فيه محمداً برسول اللّه (ص) واقرّه الرسول بذلك، وان يرد (ص) بعض المسلمين المهاجرين اليه من العذاب الجاهلي فيردهم الى المشركين لموقع العهد بينه (ص) وبينهم وهو موقف في قمة الضغط على العاطفة الرسالية لمجرد الوفاء بشرط اشترطه (ص) للمشركين.(1)

واذكر من سيرة الامام علي (ع) موقفه عندما غلب الانحراف على الخط الاسلامي الاصيل بعد وفاة الرسول (ص) وفي ذلك يقول (ع) كما في الخطبة الشقشقية : (وطفقت أرتئي بين ان أصول بيد جذاء، او اصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن، حتى يلقى ربّه فرأيت انّ الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، ارى تراثي نهباً)(2).

ومن سيرة الامام الحسن (ع) عملية الصلح مع معاوية التي لم تتحملها

{ 162 }

حتى القلوب المؤمنة.. فتفجرت على شكل ملاحظات، وكلمات نابية قوبل بها الامام (ع) من قبل خيرة أصحابه.. ولكن المرحلة، ومصلحة الاسلام العليا التي هي المقياس في صحة الموقف، والانفعالات كانت تقتضي منه (ع) ان يقبل بالصلح ضمن شروط معينة.

واما الآن فالى مجموعة من العواطف الاسلامية والانفعالات المؤمنة.

 

حب اللّه

اولى عناصر العاطفة الايمانية، حب اللّه تعالى قال سبحانه :

(ومن النّاس من يتخذ من دون اللّه انداداً، يحبونهم كحبّ اللّه والذين آمنوا اشد حباً للّه)(3).

(قل ان كان آباؤكم وابناؤكم، واخوانكم، وازواجكم، وعشيرتكم واموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، احب اليكم من اللّه، ورسوله، وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي اللّه بأمره، واللّه لا يهدي القوم الفاسقين)(4)

وعاطفة الحب اوسع العواطف الايمانية، واشملها، وتتمثل في الميل النفسي الى اللّه تعالى والاستعداد الدائم للانس والالتذاذ بلقائه وينبسط

{ 163 }

هذا الحب، ويتفرع الى معاني اخرى بسبب ارتباطها باللّه، بنحو من انحاء الارتباط.

ويرتكز حب اللّه في نفس المؤمن على اوسع المرتكزات النفسية، واوثقها وهي اثنتان :

1 - حب الذات.. وحب الذات امر فطري في الانسان بمعنى ان الانسان مجبول على حب ذاته وهو حب يمتدّ وينبسط على خالق الذات، والمنعم عليها، ومن يمدها بالنعم صباحاً ومساء.. ومن هنا جاء في الحديث عن الرسول (ص) :

(احبّوا اللّه لما يغذوكم من نعمه، واحبوني لحب اللّه).

2 - حب الكمال، والجمال، وهو حب آخر جبل عليه الانسان، غير حب الذات.. واللّه سبحانه منتهى الجمال، والكمال، والصفات الحسنى كلها له.

«من عطاء الحب الالهي»

ولحب اللّه تعالى آثار كبيرة على شخصية الانسان المؤمن :

1 - الاثر العملي : وهو الطاعة والاستقامة على خط اللّه تعالى في الحياة.

(قل ان كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم

{ 164 }

اللّه) 31 / آل عمران.

وفي المعاني للصّدوق عن الصادق (ع) قال : ما احبّ اللّه من عصاه ثم تمثل بقوله :

تعصي الاله وانت تظهر حبّه***هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبّك صادقاً لأطعته***ان المحبّ لمن احبّ مطيع

وفي مناجاة المحبين للسجاد (ع) (الهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منه بدلاً، ومن ذا الذي انس بقربك فابتغى عنك حولاً) وفيها ايضاً (يا منى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال المحبين، اسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني الى قربك، وان يجعلك احبّ اليّ مما سواك، وان يجعل حبّي اياك قائداً الى رضوانك، وشوقي اليك ذائداً عن عصيانك).

وفي قصة مصعب بن عمير، وهو احد المؤمنين الذين تربوا على يد رسول اللّه (ص) وكان فتى مترفاً في بيت مرفه، يصفه رسول اللّه (ص) - كما في الرواية - ما رأيت بمكة احسن لمة، ولا أرقّ حلقة، ولا انعم من مصعب بن عمير، في هذه القصة : ان رسول اللّه (ص) رآه بعد ذلك وعليه جلد كبش من اثر الحرمان في اللّه ومن اجل اللّه تعالى، فقال (انظروا الى هذا الذي نوّر اللّه قلبه، لقد رأيته بين ابوين يغذوانه بأطيب الطعام، والشراب، ولقد رأيت عليه حلة (ثوباً) شراها بمائتي درهم، فدعاه حب اللّه، ورسوله الى ما ترون).

{ 165 }

2 - الانس باللّه ورسوله في الوحدة.. والانس بعبادة اللّه تعالى في الايام المعتادة وايام الوحدة، والغربة من أهم آثار أو أسس حبّ اللّه تعالى وقد كانت عبادة اللّه تعالى قرة عين الرسول (ص) والائمة (ع) من بعده. وقد كانوا عليهم السلام عندما تحدد ممارساتهم الاجتماعية، وصلاتهم بالناس يأنسون بالصلاة، وتلاوة القرآن الكريم ويملأون كل اوقاتهم بالعبادة، والصلاة، انسا بربهم، وحباً، وعبودية.

بل نلاحظهم انهم (ع) وان كانوا يؤدون واجبهم في العمل الاجتماعي، ويعملون تخطيطاً وجهوداً من اجل قضية الاسلام، يتمنون لو اتاحت لهم الظروف ان يتفرغوا للعبادة والالتقاء المباشر باللّه تعالى وليس في هذا غض واقلال من قيمة وشأن العمل الاجتماعي، والجهاد في سبيل اللّه ولكن المؤمن يأنس باللّه تعالى، وعبادته المباشرة من سجود، وركوع، وذكره اكثر مما يأنس بالممارسات الاجتماعية والاختلاط مع الناس.

وفي الرواية : ان موسى بن جعفر (ع) كان كثيراً ما يسمع في دعائه - عندما كان في السجن - يقول : (اللهم انك تعلم اني كنت أسألك ان تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد)(5) وكان (ع) مشغولاً يحيي الليل كله صلاة، وقراءة للقرآن، ودعاء، واجتهاداً، ويصوم النهار في اكثر الايام، ولا يصرف وجهه عن المحراب(6).

ويرد الكلام نفسه، وان كان بصيغة اخرى عن الحسن العسكري (ع) ففي الخبر (دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس ابو محمد (ع) فقالوا له : ضيق عليه ولا توسع فقال لهم صالح : ما اصنع به

{ 166 }

وقد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة، والصلاة والصّيام الى أمر عظيم ثم امر باحضار الموكلين به. فقال لهما : ويحكما ما شأنكما في امر هذا الرجل فقالا : ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة فاذا نظر الينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملك من انفسنا)(7).

وهذا علي بن الحسين (ع) الذي كانت ظروفه لا تسمح له بالعمل الاجتماعي المكشوف بحال من الاحوال، فأتاحت له شيئاً من الوحدة والتفرغ، سجل لنا تاريخه اروع درجات الانس، والتوجه، والشوق الى اللّه تعالى.. فكان من ادعيته ما تقرأه في الصحيفة قطعاً من قلبه الخاشع، وروحه المتحفزة وانسه باللّه تعالى العلي العظيم.. وكان من عبادته ما حكاه ابو عبد اللّه (عليه السلام) من دخول الباقر (ع) (فاذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه احد، فرآه قد اصفر لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانحرف انفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصّلاة. وقال أبو جعفر (ع) فلم املك - حين رأيته بتلك الحال - البكاء - فبكيت رحمة له) هكذا روي عن ابي عبد اللّه (ع) في الوسائل - ابواب مقدمات العبادات ب 20 -).

3 - حب الرسالة والعمل من اجلها، فمن شؤون حبّ اللّه تعالى حب دينه الذي شرعه للناس لينهجوه في هذه الحياة، وحب تقدم الناس نحو هذه الرسالة، وتطبيقهم لها وحب الاسلام والرسالة الاسلامية يكون على نحوين :

{ 167 }

أ - حب الرسالة والعمل من اجلها باعتبار انها تحقق للانسان سعادته، وتتمثل فيها كافة المصالح الانسانية أو احبها باعتبار اقتناع الانسان بها، وكونها جزءاً من شخصيته وكيانه، او باعتبارها من دين الآباء، وما شاكل ذلك من الشؤون والاعتبارات التي لا يكون فيها أي نحو من الارتباط باللّه تعالى، وليس لهذا الحب والعمل قيمة من وجهة نظر الاخلاقية الاسلامية، ولا يعتبر من المعاني التي يتشكل منها وجدان الانسان المسلم، وانما هو من قبيل حب أي انسان لعقيدته، وقومه، او وطنه، وامثالها من المعاني التي يضحي بعض الناس بمصالحهم الشخصية في سبيلها، وتعتبر توسعاً لدائرة الذات، والمصلحة الشخصية.

ب - حب الاسلام لانه دين اللّه تعالى وارادته التي يجب ان تطبق في الارض.. وهذ هو الحب الذي ينبع عن حب اللّه تعالى ويتفرع عنه، ويعتبر اثراً من آثاره في الحياة النفسية، والعملية للانسان المسلم، ويقابل هذا الحب بغض الانحراف وانكار المنكر في القلب.. كما سوف يأتي ان شاء اللّه تعالى.

ومن آثار حب اللّه تعالى، الزهد في الدنيا، ومن آثاره ايضاً حب المؤمنين..

 

حب المؤمنين او الحب في اللّه

عن ابي عبد اللّه (ع) قال : قال رسول اللّه (ص) :

(ودّ المؤمن للمؤمن في اللّه من أعظم شعب

{ 168 }

الايمان. الا ومن احب في اللّه، وابغض في اللّه، واعطى في اللّه، ومنع في اللّه، فهو من اصفياء اللّه).

وعن علي بن الحسين (ع) قال :

(اذا جمع اللّه عز وجل الاولين والآخرين قام مناد فنادى ليسمع الناس فيقول : اين المتحابون في اللّه ؟ قال : فيقوم عنق من الناس فيقال لهم اذهبوا الى الجنة بغير حساب).

وعن ابي عبد اللّه (ع) :

(كل من لم يحب على الدين ولم يبغض على الدين فلا دين له)(8)

ان حب المؤمنين نتيجة طبيعية لحب اللّه تعالى. لانهم مرتبطون باللّه بأسمى معاني الارتباط، وحب الشيء ينبسط وينسحب على ارتباطاته، ومتعلقاته.

امرّ على الدّيار ديار سلمى***اقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الدّيار شغفن قلبي***ولكن حب من سكن الديارا

وينتج حبّ المؤمنين من جهة اخرى من التجانس في العلاقة باللّه

{ 169 }

تعالى، والعقيدة، والحياة في عالم يغترب فيه المؤمنون الحقيقيون، والانسان يألف مجانسه، ومماثله..

ويفرز تحابّ المؤمنين فيما بينهم وينميه الخلق الاسلامي من الادب، والاحترام، والتزاور، والتكافل.. وغير ذلك من التعامل الذي يهدف الاسلام من التشجيع عليه توثيق الصلة بين المؤمنين، وتركيز علاقتهم العاطفية.

انّ حياة المؤمنين فيما بينهم هي حياة الحب، والانس، والانفتاح، والاحترام، والتواضع.. فلا حقد، ولا بغضاء ولا كراهية، ولا انقباض.. هي حياة ملؤها الرحمة، والحنان، والعطف لا تشوبها شائبة. من غلظة، وجفاء، وقطيعة..

وقد نلاحظ في حياتنا اليومية بعض المؤمنين الذي يتنافرون، بسبب اختلافهم في الرأي حول قضية اسلامية، فتشيع بينهم العداوة، والتحاقد، والعياذ باللّه، انّ هؤلاء لم يعرفوا حدود الاخوة الايمانية، ومستلزماتها.. ولم يعوا بعد ان اختلاف الرأي لا يفسد، للحب قضية، وان لكل مجتهد اجرين، ان اصاب اجر، وان اخطأ اجر، وان حياة الايمان، والوحدة الروحية بين المؤمنين اهم بكثير من الموقف الفلاني الذي يؤمن به احدهما، ويكفر به الآخر، حتى ولو كان هذا الموقف صحيحاً.

وقد نلاحظ في حياتنا اليومية أيضاً بعض المسلمين الذي تنافرون بسبب مصالح شخصية - قد تظهر بمظهر ديني - فيحقد احدهما على الآخر بسبب انه اخطأ في حقه، او نقده او نصحه باسلوب حاد، او زاحمه على

{ 170 }

مركزه، او لم يتابعه في رأيه، وغير ذلك من الاسباب السخيفة.

ان المؤمن يتجاوز الخطيئة، ويكظم الغيظ، ويغفر زلات اخوانه، ويتغاضى عن سيئائهم.. أوَليس اخلاق المؤمن من اخلاق اللّه ؟ ومن راجع النصوص الواردة عن اهل البيت (ع) في اخوة المؤمنين، وحقوق الاخوة، وجد فيها ما يقصم الظهر.. وسنأتي على ذكر الكثير منها ان شاء اللّه تعالى في القسم الثالث من هذا الكتاب ويكفينا هنا ان نذكر بعض هذه النصوص :

عن ابي عبد اللّه (ع) : (قال اللّه عز وجل : ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن) وعنه (ع) عن ابيه : (اقرب ما يكون العبد الى الكفر ان يواخي الرجل على الدين، فيحصي عليه عثراته، وزلاته ليعنفه بها يوماً ما).

وعنه (ع) : (من روى على اخيه المؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروءته ليسقط من اعين الناس، اخرجه اللّه تعالى من ولايته الى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان). (واذا اتهم المؤمن اخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء) وعن ابي جعفر (ع) : (ايّما مسلم اتى مسلماً زائراً، او طالب حاجة، وهو في منزله، فاستأذن له، ولم يخرج اليه لم يزل في لعنة اللّه حتى يلتقيا) واخيراً عن ابي عبد اللّه (ع) : (اذا غاب المؤمن فاحفظه في غيبته، واذا شهد فزره، واجله، واكرمه، فانه منك، وانت منه، فان كان عليك عاتباً، فلا تفارقه حتى تسأل سميحته، وان اصابه خير فاحمد اللّه، وان ابتلي فاعضده، وان تمحل له فاعنه. واذا قال

{ 171 }

الرجل لاخيه : اف، انقطع ما بينهما من الولاية، واذا قال : انت عدوي كفر احدهما فاذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء).(9)

 

المشاركة الوجدانية

والمشاركة الوجدانية هي، ان يكون المؤمنون في حالة من التعاطف، والانسجام الوجداني، وكأنهم مشتركون في وجدان واحد، ومن هنا اذا تألم واحد منهم تألم الآخرون واذا فرح فرح له الآخرون، وهكذا في الحزن والهم والسرور.. وفي المشاركة الوجدانية لا يفقد الفرد المؤمن شخصيته الفردية ضمن المجموع المركب من المؤمنين وانّما يوسع من دائرة روحه الاجتماعية.. وارتباطه النفسي باخوته في اللّه تعالى..

وقد قرأنا فيما سبق بصدد المشاركة الوجدانية روايتين :

1 - عن ابي عبد اللّه (ع) (انما المؤمنون بنو اب وام واذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون).

2 - وعنه (ع) (المؤمن اخو المؤمن، كالجسد الواحد اذا اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وارواحهما من روح واحدة. وان روح المؤمن لاشد اتصالاً بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها) (راجع الروايتين في الاصول - ج 2 ص 165 - 166).

 

خوف اللّه ورجاؤه، وتعلق القلب به

قد تجد الكثير من الناس الذين يتسمون بالايمان، يتلهون عن اللّه تعالى، ويشدون قلوبهم الى غيره. يخافون من الارض، ولا يخافونه، ويرجون الدنيا، وزخارف الحياة، ولا يرجون رزقه أو نعيمه، ولا يستشعرون عندما يذكرون الله تعالى لا خوفاً، ولا رجاء، ولا خشية، ولا خشوعاً، وانما هي كلمة تجري على اللسان، وفكرة تمر على الخاطر ثم ينزاحا ليحل محلهما الثرثرة، واحلام، وهموم الدنيا، قد تتلمس قلبك احياناً فلا تجد فيه عند ذكر اللّه ايماناً، ولا كفراً ولا خوفاً ولا رجاء.

غير ان المؤمن يعرض لنا في كتاب اللّه تعالى، وكلمات المعصومين من خلفه في صورة اخرى.

1 - يعرض لنا قلب المؤمن رقيقاً، حساساً، مرهفاً.. يتأثر، ويتحرك، وينفعل، ويخشى، ويخاف، ويتطلع.. وليس كومة لحم هامدة غليظة قاسية.. (لمتان : (لمّة من الشيطان ولمّة من الملك قلبك الملك، الرقة، والفهم، ولمّة الشيطان السهو، والقسوة (يا موسى لا تطول في الدنيا املك فيقسو قفلبك، والقاسي القلب مني بعيد)

(ألم يئن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر اللّه، ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)(10).

{ 173 }

2 - هذه الرقة في القلب هذه الحساسية.. والانفعال بكل معانيه واشكاله مرتبطة في قلب المؤمن باللّه تعالى وليس بالمنصب الشخصي، ولا بالمركز الاجتماعي، والمال.. ولا من القوم، والعشيرة، وغير ذلك من المعاني الدنيوية.. الكثيرة التي تتعلق قلوب الناس بها، فتنفعل بحركتها وتنعكس عليها تقلبات هذه المعاني واضرابها، ولنأخذ الآن اشكال تعلق قلب المؤمن باللّه تعالى.

1 - رجاء اللّه تعالى في النوائب.. عن ابي عبد اللّه (ع) (انه قرأ في بعض الكتب ان الله تبارك وتعالى يقول وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لاقطعن امل كلّ مؤمل من النّاس غيري باليأس، ولاكسونه ثوب المذلة عند النّاس، ولانحينه من قربي، ولابعدنّه من فضلي. ايؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي ؟ ويرجو غيري، ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الابواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني ؟ فمن ذا الذي املني لنائبة فقطعته دونها ؟ ومن الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني ؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة، فلم يرضوا يحفظني وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي، وامرتهم ان لا يغلقوا الابواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي، انه لا يملك احد كشفها غيري إلا من بعد اذني، فما لي اراه لاهياً عني ؟ اعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته منه فلم يسألني رده وسأل غيري، ابخيل انا فيبخلني عبدي ؟ اوَليس الجود والكرم لي ؟ اوَليس العفو والرحمة بيدي ؟ اوَليس انا محل الآمال فمن يقطعها دوني ؟ افلا يخشى المؤملون ان يؤملوا غيري ؟ فيا بؤساً من القانطين من رحمتي ويا بؤساً لمن

{ 174 }

عصاني ولم يراقبني)(11).

عن الصادق (ع) (كان فيما أوصى به لقمان لابنه ان قال : يا بني خف اللّه خوفاً، لو جئته ببر الثقلين خفت ان يعذبك اللّه، وارج اللّه رجاء، لو جئته بذنوب الثقلين رجوت ان يغفر اللّه لك).

وعنه (ع) (كان ابي يقول : ليس من عبد مؤمن الا وفي قلبه نوران : نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد هذا على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا).

وعنه (ع) (ارج اللّه رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف اللّه خوفاً لا ييئسك من رحمته)(12).

ان كلاً من الرجاء، والخوف لو اخذا منفصلين احدهما عن الآخر، لاثر هذا على سلوك الانسان المسلم تأثيراً سلبياً - كما يبدو ذلك من هذا النص وغيره، لان الرجاء بلا خوف يجرى على المعصية، والخوف بلا رجاء ييئس من رحمة اللّه تعالى، وسلوك اليائسين سلوك منحرف والانسان يعمل لآماله العريضة، ورجائه باللّه تعالى أن يثيبه وينجيه من عذاب اليم.

2 - خشية اللّه تعالى.. والخشية هي الانفعال المأخوذ بعظمة اللّه تعالى وهيبته.

(ألم يئن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر اللّه).

{ 175 }

(انما يخشى اللّه من عباده العلماء)

4 - الانس باللّه تعالى. والرضا بقضائه، وعدم الجزع والضيق والسخط من قضاء اللّه تعالى وقدره.

 

من آثار تعلق القلب باللّه تعالى

من آثار تعلق وربط القلب باللّه تعالى في خوفه، وتطلعه وخشوعه، وحركته الوجدانية.. الانقطاع عن معاني الدنيا، والتسامي على قيمها، واشياءها.. والقلب الذي لم ينشد الى اللّه في انفعالاته وحبّه، من الطبيعي ان ينشد الى معاني الجاه، والمال، ويرجو الناس، ويخافهم، ويكون قلبه كريشة في مهب الريح، تتذبذب، وتتقلب، وتتحرك، متأثرة بأبسط التغيرات التي تحدث في عالم المعاني الدنيوية فاذا اصابه الخير كان منوعاً، وإذا اصابه الشر كان جزوعاً همه لا ينقطع، وقلقه لا ينتهي بحال..

ومن هنا جاء عن ابي عبد اللّه (ع) (ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض، حتى يسمو) و(من عرف اللّه خاف اللّه، ومن خاف اللّه سمت نفسه عن الدنيا) (وان حب الشر، والذكر لا يكون في قلب الخائف الراهب) وفي الآثار من حديث قدسي (لاقطعن أمل كل مؤمل من الناس غيري بالياس، ولاكسونه ثوب المذلة عند الناس).

 

الرضا بقضاء اللّه وقدره

هذه الحياة بما فيها من اشياء، وحوادث هي محل رضا الانسان المؤمن، لان الانسان اذ يرتبط بعلاقة الحب مع اللّه تعالى، فانه يرضى بكل

{ 176 }

ما يصدر عنه تعالى من مخلوقات وحوداث.. وقد عد الرضا بالقضاء والقدر من اهم صفات الانسان المؤمن وعناصر ايمانه، واكد عليه في النصوص تأكيداً بالغاً.. وهو بلا شك ذو اهمية عظيمة في الحياة، ويشكل ميزة للانسان المؤمن على الانسان الكافر او الانسان الذي لا يعيش قضية الايمان.

فالاشياء، والحياة، وحوادث الطبيعة كما هي محط خلاف بين الانسان المسلم، والانسان الجاهلي المادي من الناحية الفكرية والعقائدية.. كذلك هي محط خلاف بينهما من الناحية النفسية. كيف نتعامل مع الحياة وحوادث الحياة ؟ هل نعيشها برضا، وقناعة وابتسام، وانفتاح، او نعيشها ضيقاً وضنكاً، وجزعاً، وسخطاً ؟.

ان المؤمن يعيش هذه الحياة الدنيا بالرضا، والقناعة، والابتسام والانفتاح، ويتعامل مع حوادث الطبيعة كانسان متعاطف منسجم قانع.. وينطلق المؤمن في ذلك من امرين يرجعان الى ان كل ما في هذا الكون من اشياء، وظواهر، واحداث فهو من صنع اللّه(1) علاقة الحب باللّه تعالى.. التي تقتضي من الانسان المسلم الذي يحب اللّه تعالى ان يرضى بافعاله، ومخلوقاته، وكل الوان التدخل منه تعالى في هذا العالم الفسيح(2) ايمان المسلم بأن كل ما في هذا الكون من اشياء، وكلما يقع فيه من حوادث خاضع للتقدير، هادف للحكمة ويوجد وراءه هدف مرسوم، وغرض، وقصد في صالح الكون والحياة.

عن الصادق (ع) :

{ 177 }

(ان اعلم الناس بالله ارضاهم بقضاء الله عز وجل)

وعنه (ع) :

(عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عز وجل له قضاء الا كان خيراً له. وان قرض بالمقاريض كان خيراً له. وان ملك مشارق الارض ومغاربها كان خيراً له)(13)

وعن ابي جعفر (ع) :

(احق خلق الله ان يسلم لما قضى الله عز وجل من عرف الله عز وجل. ومن رضي بالقضاء اتى عليه القضاء وعظم الله اجره ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء واحبط الله اجره)

(ثم ان صاحب الرضى أبداً في روح وراحة وسرور وبهجة، لأنه يشاهد كل شيء بعين الرضى وينظر في كل شيء الى نور الرحمة الالهية، وسر الحكمة الازلية، فكأن كل ما حصل وفق مراده وهواه. وفائدة الرضا عاجلاً فراغ القلب للعبادة

{ 178 }

والراحة من الهموم، وآجلاً رضوان الله، والنجاة من غضب الله)(14)

وليس من الرضا بالقضاء، والقدر، الرضا بالمنكر، والانحراف، حتى ولو اصر على ذلك المتصوفة والمنحرفون.

لان الانحراف والمنكر سببه، وفاعله الانسان، ولا يرضى الله به وانما يرضى المؤمن لرضى اللّه، ويغضب لغضبه، ومن هنا جاء عن الرضا (ع) :

(ومن يرضى شيئاً كمن اتاه. ولو ان رجلاً قتل بالمشرق فرضي بقتله لرجل بالمغرب لكان الراضي عند الله عز وجل شريك القاتل)(15)

وعن علي (ع) :

(العامل بالظلم، والراضي به، والمعين عليه شركاء ثلاثة).

وعلى العكس من ذلك اكدت النصوص على ضرورة الانكار القلبي والسخط على المنكرات، والانحرافات، واكدت على المؤمن ان يعمق من انكاره، وسخطه وان يقاوم الالفة النفسية للمنكرات، بسبب الفتها خارجاً وذلك :

{ 179 }

أولاً : ان الانكار القلبي للمنكر والانحراف حصانة من الانجراف الى المعصية، والتأثر بالبيئة، وحاجز نفسي يمنع المؤمن من الانحراف مع التيار المنحرف.

ثانياً : ان الانكار القلبي للمنكر هو الاساس النفسي واحد الأسس النفسية، للاندفاع نحو التغير، والحركة في سبيل التغيير الرسالي.

ثالثاً : ان انكار المنكر قلبياً ينتهي الى بعض المعاملات السلبية مع العاصين، والمنحرفين، وقد امر الرسول (ص) كما في الرواية عن الامام علي (ع) أن يواجه العاصين بوجوه مكفهرّة ومن هنا اعتبر الانكار القلبي من مراتب الانكار في كتب الفقهاء.

 

«الزهد»

يتقوم الزهد الاسلامي بتحرير الوجدان من حبّ الدنيا، والانعتاق الداخلي من قيود الشهوة، والاهواء.

ولحب الدنيا آثار سلبية خطيرة في سلوك الانسان، وحياته النفسية، ذكرتها النصوص الاسلامية وحذرت منها(16).

نذكرها فيما يلي ثم نرجع الى الزهد ومفهومه الاسلامي الاصيل.

1 - المخالفة.. فأول هذه الآثار السلبية، مخالفة الشريعة.. وكلّ حبّ وكلّ عاطفة، يتجه اتجاهاً عملياً، ويتطلب مواقف خاصة. ولا يهم الحب هذا، والعاطفة هذه، ما اذا كانت هذه المواقف تتوافق مع الشرع، أو

{ 180 }

العرف أو عاطفة اخرى، أو لا تتوافق معها.. فانت اذ تحب الجاه والمركز - والعياذ باللّه - فمن الطبيعي ان تسعى لها وقد يتوقف حصولك على المركز الاجتماعي على فعل محرم، كالرواية على اخ مؤمن، من اجل شينه، والحط من قيمته امام الناس، فترتكب هذا المحرم في لحظة ضعف او غفلة او تمرد، فيقطع الله سبحانه ولايته منك، ويخرجك منها الى ولاية الشيطان، ولا يقبل الشيطان ولايتك.. والانسان مثلاً اذ يحب الدنيا، حياتها وامنها، وراحتها، ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، ويطمئن اليها فمن المعقول جداً ان يرفض الجهاد في سبيل الله، ويتنكر لطريق ذات الشوكة، لانه طريق عناء وتضحيات.

(يا أيها الذين آمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الى الارض ارضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل)(التوبة / 38)

ومن هنا وبسبب ان المخالفة هي النتيجة الطبيعية - لحب الدنيا - الامام كما في الرواية :

(حب الدنيا رأس كل خطيئة)

(ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها، احدهما في اولها، والآخر في آخرها، بافسد فيها من حب المال والشرف

{ 181 }

في دين المسلم)(17)

2 - هم لا ينقطع.. وحب الدنيا ينتهي الى انشغال نفسي، وعملي يتنافى مع ما يتطلبه وضع الانسان المؤمن من تكريس كل طاقاته النفسية، وجهوده في عبادة الله تعالى، وتعبيد الناس له، وما يكون عليه من تعال وتسام في الوضع، والسلوك.

عندما تحب الدنيا، والمال، والجاه وغيرهما تكون بذلك قد ربطت قلبك بشيء متغير، كثير التغير والتبدل مما يؤدي الى ان تضطرب حالاتك النفسية وتتغير من فرح غامر الى حزن كئيب، ومن حب الى كره، ومن غضب الى رضاء، وقلق وهم فان.

(من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال : هم لا يفنى، وامل لا يدرك، ورجاء لا ينال)(18)

(من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن اتبع بصره ما في ايدي الناس كثر همه، ولم يشف غيظه ولم ير الله عز وجل على نعمه الا في مطعم أو مشرب وملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه)(19)

3 - حب الدنيا وحلاوة الايمان : عن جعفر بن غياث عن ابي عبد الله (ع) قال : سمعته يقول :

{ 182 }

(جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا)

ثم قال : قال رسول اللّه (ص):

(لا يجد الرجل حلاوة الايمان حتى لا يبالي من اكل الدنيا)

ثم قال ابو عبد الله (ع) :

(حرام على قلوبكم ان تعرف حلاوة الايمان، حتى تزهد في الدنيا)

وعن عبد الله بن القاسم عن ابي عبد الله (ع) :

(الا من صبّار كريم فانما هي ايام قلائل، الا انه حرام على قلوبكم ان تجد طعم الايمان حتى تزهد في الدنيا)

وسمعته ابا عبد الله (ع) يقول :

(اذا تخلى المؤمن من الدنيا سما، ووجد حلاوة حب الله، فلم يشتغل بغيره)

قال وسمعته يقول :

(ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض

{ 183 }

حتى يسمو)(20)

ان التحلية لا تكون الا بالتخلية - كما يقولون - وحب الله، ومعايشة هموم الرسالة، والتفاعل النفسي، والشعوري مع حقائق الكون والمبدأ، والدعوة، إنما يكون عن طريق اضعاف، أو الغاء حب الدنيا في قلب المؤمن الرسالي وقطع القلب عما في أيدي الناس..

(لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما اتاكم)(21)

ان المؤمن نوع جديد، ودم جديد، وصياغة جديدة للانسان، ليس لها سابقة في حضارة المال، وحضارة الدنيا، ليس فقط في مفاهيمه، وبصائره، ورؤاه الفكرية وانما ايضاً - وابتداء - في احاسيسه، وعواطفه، وتعلقاته القلبية، وهمومه، وانفعالاته.. وبينما لا يتحرك قلب ابن حضارة الدنيا، والمال لسوى بريق الذهب، والتمركز في دنيا الناس، فان قلب المؤمن يصفو فتضيق به الدنيا حتى يسمو ويذوق طعم الايمان، ولا يتناغم مع غير معاني القدس والطهر، ولا يرق لسوى خوف الله ورجائه والتطلع اليه.

4 - الدنيا والحكمة.. من الممكن ان يكون الانسان عالماً بالدين، ومحباً للدنيا، وراكضاً وراءها في ذات الوقت، ولكنك لن تجد حكيماً واحداً من اهل البصائر في دين الله وهو يحب الدنيا ويسعى لها اكثر من سعيها لان حب الدنيا غطاء القلب، وحجاب عليها يمنع من الحكمة والتبصر.. وروح دين الله وقيم هذا الدين لا يعطيها ولا يتحملها الا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، وطهره من حب الدنيا.

{ 184 }

(ومن زهد في الدنيا اثبت الله الحكمة في قلبه وانطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا، داءها ودواءها)

والشهوة، والهوى، حجاب عن ادراك لطائف الحقائق الدينية، وقيم الاسلام الاخلاقية، ولكم ادى الركون الى الدنيا، والاطمئنان اليها الى تحريف آيات الله المباركات في الكدح والجهاد ؟ ولكم ادى الركون الى الدعة والراحة، وحب الثرثرة، والالفاظ البراقة الى الاعراض عن نصوص العبادة، وآيات التربية، والاعداد الروحي، بل وتحريفها لكي تكرس حياة الانقطاع عن الله بدل ان تكون اداة للانقطاع اليه ؟

عن ابي عبد الله (ع) :

(تجد الرجل لا يخطئ بلام، ولا واو خطيباً مصقعاً، ولقلبه اشد ظلمة من الليل المظلم وتجد الرجل لا يستطيع ان يعبر عما في قلبه بلسانه، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح).

وعن ابي جعفر (ع) :

(القلوب ثلاثة : قلب منكوس لا يعي شيئاً من الخير، وهو قلب الكافر، وقلب فيه نكتة سوداء، فالخير والشر فيه يعتلجان،

{ 185 }

فايهما كانت منه غلب عليه. وقلب مفتوح، فيه مصابيح تزهر، ولا يطفأ نوره الى يوم القيامة وهو قلب المؤمن)(22)

5 - الدنيا تفرق ولا تجمع، الدنيا : هوى الذات، ولكل شخص هواه، فاذا وجدت عشرة من اهل الدنيا فاعلم ان هناك عشرة غايات مختلفة متناقضة كل واحد من هؤلاء يريد مثلاً المركز والجاه أي يهدف الى ان يكون الشيخ المجل والحاكم المطلق دون سواه لان مشيخته لا تتم الا بعبودية الآخرين. اما المؤمنون فهواهم الله والانسجام مع دين الله تعالى.. والله سبحانه وتعالى واحد، وطاعته واحدة، وهذا هو السبب في أن سرعة إئتلاف الابرار اذا التقوا، وان لم يظهروا التودد بالسنتهم كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الانهار وان بُعد ائتلاف قلوب الفجار اذا التقوا، وان اظهروا التودد بالسنتهم كبعد البهائم عن التعاطف، وان طال اعتلافها على مذود واحد.(23)

 

«الزهد تحرر وانعتاق»

لا يستنكر الخلق الاسلامي امتلاك المؤمن الدنيا من مال، وجاه، وبنين، ولكنه يستنكر امتلاك الدنيا ومعانيها للمؤمن وأن تكون معبودة له من دون الله، أو مع الله.

الشهوات العاجلة كالشره في الاكل، والجنس، والمال، والرفاه، والزينة، والامن، والاستقرار، والاطمئنان الى الدنيا.. والراحة والجاه.. هذه كلها معاني الدنيا واشياؤها التي يزهد المؤمن وينبغي أن يزهد فيها.. لأن المؤمن ذو أفق واسع، ومنظار

{ 186 }

عريض، يضع الاشياء موضعها، ولا يعطيها سوى قيمها الحقيقية، وانت عندما تنظر المال، والجاه.. في المنظار الاسلامي للحياة والآخرة ولله.. فلن ترى لهما - اخلاقياً - سوى رقم ضئيل ليس له في الحساب شيء وليس له في القلب مكان.

فالزهد عندما يدعو له الاسلام، ويربي الانسان المسلم عليه مسألة طبيعية لا تزيد على معايشة النصوص الاسلامية للحياة، والتفاعل النفسي مع حقائق الوجود. يتحول من خلاله الانسان المسلم من انسان يرتبط بهذه المعاني الزائلة، ويصنّمها، ويعبدها في القلب والوجدان، الى إنسان يتعالى عليها، ويتسامى عنها، ولا يعطيها سوى قيمها الحقيقية التي تستحقها.. وقلب المؤمن كلما نما حبه لله تعالى، ولدينه وللمؤمنين، وازدادت همومه الرسالية، وتوجهاته النفسية للعمل والجهاد، كلما ضعف حب الدنيا في قلبه، وزهد في معانيها الزائلة، مالاً، وجاهاً، وزخرفاً، وشهوات..

فالزهد اذن هو التحرر الداخلي من قيد الشهوة والهوى، والانعتاق النفسي الحقيقي من الدنيا، ومعانيها وهو بذلك سبب، ونتيجة في آن واحد للانقطاع الى الله تعالى، والارتباط بالسماء.. أو بالاحرى العبودية الكاملة لله في المشاعر والعواطف والسلوك.

لقد طبّلوا للحرية الغربية، والحرية في المجتمعات الديمقراطية، حرية في مجال السياسة، وحرية في مجال السلوك الشخصي، وحرية في الاقتصاد، وحرية في المجالات كافة. ولكن الانسان المؤمن وحده هو الذي يعرف

{ 187 }

ان الحرية الحقيقية ليس في هذا، ولا في ذاك، ولكنها في الزهد والتحرر الذاتي وان الحرية تجاوز القيود التي تكبل الارادة الانسانية وتمنع الانسان من الابداع، والفعالية في مجال النمو والتكامل وتحقيق انسانيته، وعبوديته لله. وهذه القيود هي (ثانياً) القيود الخارجية والاجتماعية ولكنها (اولاً) القيود الذاتية.. قيود التخلف العقلي. وضيف الأفق، ومادية الاحساس، وقيود العاطفة المكبلة بالمال، والطين، والجاه، والشهرة والجنس، والقناطير المقنطرة.

وليس الزهد في المفهوم الاسلامي الواعي سوى التحرر الذاتي من هذه القيود، وتحويل هذه المعاني التي يركض وراءها الناس ويطمئنون اليها، الى معان زهيدة تافهة الى جنب الله، ومعاني الخير، والقيم الاسلامية الرائدة.

وهذا التحرر الذاتي المتمثل بالزهد - على خلاف من حب الدنيا والركون اليها - هو وحده الذي يمكن الانسان المؤمن من تذوق حلاوة الايمان والانس بالله والتعالي على صغائر الحياة.

(حرام على قلوبكم ان تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا)

وهو وحده - او مع التقوى - الذي يمكن الانسان المسلم من أن يدرك الحق ويتحسس روح هذا الدين وقيم هذه الرسالة (اذا رأيتم الرجل قد أوتي زهداً في الدنيا ومنطقاً فاقتربوا منه فانه يلقن الحكمة) وقال تعالى :

{ 188 }

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تمشون به)(24)

هذا ولكننا لسنا مع الانحراف الصوفي الذي يعتبر طريقة العلم بالله، والمعارف الدينية هو، طريقة الرياضة والزهد.. والمراحل العملية الاخرى للصوفي، والعارف، فقد انزل الله تعالى كتابه بصائر، وهدى للناس، وبعث نبيه ورسوله يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب، والحكمة ويزكيهم.. وطريق المعرفة هو هذا الطريق، أن تتعرف على افكار الاسلام، وتشريعاته من خلال المقاييس التي وضعها الاسلام، والبيانات التي جعلها للناس.. ولكن علم الانسان المسلم ان يعد نفسه من اجل ان يكون (متلقياً) من الله متفاعلاً مع النص منفتحاً عليه مطهراً من الحجب والغشاوات التي يصرف الله بها كثيراً من الناس عن آياته.

وبالزهد في الدنيا.. يطمئن الانسان المسلم، ويخرج عن قانون الهلع والجزع.

(ان الانسان خلق هلوعاً اذا مسه الخير منوعاً وإذا مسه الشر جزوعاً الا المصلين)

ويخرج عن دائرة الاضطراب النفسي.

(لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما اتاكم)

{ 189 }

وبالزهد في الدنيا.. في الجاه والمركز والتحكمات والظهور بين الناس يجتمع شمل المؤمنين، ويتماسك صفهم ويتوحدون في كدحهم الى الله تعالى.

 

«الزهد معنى نفسي»

من خلال ما مر نعرف ان الزهد معنى نفسي، يرجع الى طبيعة القيم النفسية، والميول الذاتية، والعاطفية للانسان وهو وان كان له آثار عملية غير انه ليس معنى سلوكياً.

فليس الزهد اذاً بتضييع المال، وتحريم الحلال، وتطليق الحياة، والتظاهر بالفقر مع مجموعة هائلة من الاوساخ والقذارات تشهد على هذه النصوص التالية :

(ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال، ولا تحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك اوثق منك بما عند الله عز وجل)(25)

في حديث معتبر : (ان رجلاً قال لابي عبد الله (ع) :

(والله انا لنطلب الدنيا ونحب ان نؤتاها فقال : تحب ان تصنع بها ماذا ؟ قال : اعود بها على نفسي، وعيالي، واصل بها، واتصدق منها، واحج واعتمر. فقال ابو

{ 190 }

عبد الله (ع) : ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة)(26)

وعن علي بن الحسين (ع) : (الا وان الزهد في آية من كتاب اللّه عز وجل).

(لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما اتاكم)(27)

وغير ذلك من النصوص الدالة على كون الزهد المطلوب هو معنى نفسي ووجداني..

ولكن يجب علينا هنا ان نستدرك، ونتذكر بان هذا المعنى النفسي الاخلاقي - ككل المعاني النفسية - له صلة وثيقة بالسلوك، والمواقف الخارجية، فالزاهد المسلم يختلف من الناحية السلوكية عن غيره.. فهو لا يلح في الطلب - طلب المال - ولا يكثر من تناول الملذات.. ولا يركض، ولا يسعى للجاه، والمركز.. لان همومه الرسالية تستوعب كيانه النفسي والسلوكي.. ومن هنا جاء في الرواية عن ابي عبد الله (ع) :

(ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيع ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن اليها ولكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف (النصف خ ل) المتعفف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف

{ 191 }

وتكسب ما لا بد للمؤمن منه. ان الذين اعطوا المال ثم لم يشكروا لا مال لهم)(28)

ان وقت المؤمن، وهمومه، ودوره الذي ينتظره في الحياة الاسلامية لا يتسع للطلب الزائد، والملاذ الكثيرة، والمساعي الشخصية الا بالقدر الذي يهيئ له ضرورة العيش، وضرورة الحياة، وكل ما عدا ذلك احابيل الشيطان، وشباكه التي يصطاد بها الكثير من المؤمنين ويخرجهم بها من دائرة العمل في سبيل الله والجهاد للرسالة الى دائرة الحياة الشخصية التافهة الصغيرة.

 

«الزهد تحرر، والصبر ارادة»

الزهد - كما عرفنا - قطع علاقة القلب بالدنيا.. وربطه بالله.

(وان لا تكون بما في يدك اوثق منك بما عند الله)

ويختلف الصبر عن الزهد في ان الصبر يتمثل في ضبط النفس، ومخالفة الهوى، فهو ارادة حازمة امام القيم الذاتية، وشهوات النفس، واهوائها، اما الزهد فهو الغاء الاهواء وقطع القلب من كل ما عدا الله وهو بذلك اعلى منزلة من الصبر وان كان مرحلة في الطريق اليه.

عن امير المؤمنين (ع) :

(الناس ثلاثة : زاهد، وصابر، وراغب،

{ 192 }

فاما الزاهد : فقد خرجت الاحزان والافراح من قلبه، فلا يفرح بشيء من الدنيا ولا يأسى على شيء منها فاته. فهو مستريح. واما الصابر : فانه يتمناها بقلبه فاذا نال منها الجم نفسه عنها بسوء عاقبتها، وشنآنها، ولو اطلعت على قلبه لعجبت من عفته، وتواضعه، وحزمه، واما الراغب : فلا يبالي من اين جاءته الدنيا من حلال او حرام ولا يبالي ما دنس فيها عرضه، واهلك نفسه، واذهب مروءته فهم في غمرة يعمهون، ويضطربون).

 

«طمأنينة الوجدان الاسلامي»

وجدان الانسان الجاهلي في اضطراب دائم. وقلق مستمر، وانفعال قتال، ذلك أن وجدانه يرتبط بالدنيا ومفاهيمها، والدنيا، ومعانيها في تغير من حال الى حال لا استقرار فيها، ولا ركون.. وهذا الاضطراب، والحركة، والتغير الذي يقع في الاوضاع الدنيوية للانسان ينعكس على وجدانه فيمزقه، ويتركه في لجة من الاضطرابات والانفعالات السريعة القوية.. اما الانسان المؤمن فقلبه مطمئن، ووجدانه هادئ.

(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه)

(يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي الى

{ 193 }

ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي)(29)

وهذه احدى سمات الوجدان الايماني.. الطمأنينة بذكر الله.. وتنعكس على سلوكه، وتعامله مع الناس، ومشيه على الارض بين الناس.

(وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً، واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)(30)

وتنبع عن قطع القلب بالمعنى المتغير المتذبذب، والرائح الجائي الذي ينعكس اضطرابه، وتذبذبه على كل قلب تعلق به، وانشد اليه من جاه، وبنين، ومال، ورفاه.. وغير ذلك من دنيا الناس، وهمومهم.

أن اولى محاولات الاسلام التربوية، وقد تكون من اهمها على الاطلاق، هي بناء شخصية الانسان المسلم على ان تكون (مستقلة) عن الاحداث مستعلية على صغار الدنيا، ومتجاوزة لمعانيها، وبالتالي قطع (الصلة التأثيرية) للمؤمن بحركة معاني الحياة وتذبذبها.. واستبدال ذلك بشدها الى الله، وايجاد نحو من الصلة الجديدة بالاحداث، وهي صلة التأثير، والقيادة، والتغير، وقد يعتبر الانسان المؤمن من حركة الاحداث، واضطراب امور الحياة، ويعرج من خلال ذلك الى الله.. المطلق المتعال.. ولكنه - في صياغة الاسلام - اسمى من ان تمزقه هموم الحياة، أو تكون قائدة له عاملة فيه..

{ 194 }

من الممكن ان نختصر الامور.. او الانفعالات التي تأكل قلوب الناس، وتمزق وحدتهم الشخصية، - وتفقدهم الارادة، والتماسك في ثلاثة :

1 - الخوف والقلق.

2 - الجزع والضيق.

3 - الغضب، والاحقاد الشخصية.

(1) - قلق الانسان، وخوفه على ماله من الضياع، وتجارته من الخسران، والكساد، وخوفه، وقلقه على اوضاعه الهادئة من ان تصاب بأذى ومتاعب، وقلقه، وخوفه على حياته من ان تتعرض للمخاطر.. ومركزه، وجاهه ان يصاب بسوء هذه وغيرها هي المخاوف التي اعتادها الناس، ووعي المؤمن للحياة بصورة اخرى غير الصورة المادية، واتجاهه النفسي المتمثل بالزهد بالمعاني الدنيوية.. هما الامران الكفيلان في مواجهة عقد المخاوف، والقلق. ان زهد المؤمن بالمال وزهده بالراحة، والرخاء، والامن اذا ما قيسا الى الراحة الابدية والرخاء الابدي، وزهده بالحياة الدنيا بالقياس الى الحياة الابدية، السعادة الدائمة، أن هذا الزهد لكفيل بالحد من درجة المخاوف، أو ازالته من صفحة النفس نهائياً، لان الخوف، والقلق لا يكون الا بالنسبة الى المعاني التي تملك النفس وتملأ الوجدان، والزهد في منطق الاسلام هو التحرر الوجداني من هذه الاشياء، والمعاني.

واذا كانت قمة مخاوف الناس، وقلقهم، وخوفهم على انفسهم من

{ 195 }

المكاره، والاذى، وخوفهم على حياتهم من الخطر، والهلاك فان المؤمن المشبع بروح الرسالة.. المربى على هدي كتاب الله يأنس بالموت في سبيل الله كما يأنس الطفل بثدي امه.

(وذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب، ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع اجر المحسنين)(31)

واذا كان الناس يفرون من الموت فان المؤمن بدلاً عن ذلك يستعد له، وينتظره بفارغ الصبر ويتطلع الى اليوم الذي يستشهد فيه في سبيل الله ولو على يد شر خلق الله، وذلك لان مؤمن الرسالة لا ينظر الى الموت في سبيل الله على أنه اعدام الحياة.. بل على انه بداية الحياة الحقيقية التي يجهلها الناس، ولا يلقاها الا ذو حظ عظيم.

(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه اموات بل احياء ولكن لا تشعرون)(32)

(2) - ومن مظاهر اضطراب الشخصية الانسانية الجزع والضيق عند المصيبة، والفشل.

(خلق الانسان هلوعاً، اذا مسه الخير منوعاً، واذا مسه الشر جزوعاً)(33)

{ 196 }

وللشر الدنيوي اشكال كثيرة خسارة في مال، فقدان ولد، أو حبيب.. سقوط الهيبة والمكانة في اعين الناس، فشل مشروع عملي.. الخ.. والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هم المصلون المؤمنون الذين يعيشون صلاتهم مع ربهم احاسيس وتوجهات، والواقع ان مصائب الناس هذه ليست مصائب عند المؤمن حتى يجزع عليها، أو تضيق نفسه بها.. ولو صدقت عليها انها مصائب بالنسبة له، فانما تقع عليه، وهو يعاملها ضمن تصور شامل للوجود، والحياة، ومفاهيم واقعية يتعزى بها المؤمن، ويستلهم منها الثبات، ويستمد منها الطاقة.

المؤمن اساساً.. لا يصل انفعاله عند المصيبة الشخصية الى حد الضيق فضلاً عن الجزع.. لان مستوى (الزهد) الذي عنده، ودرجة ارتباط قلبه بالله تعالى يخففان من درجة (الاصابة)، والتأثر بالحدث، ولا يمنع هذا من ان تدمع عينه على فلذة كبده مثلاً، وهو يموت بين يديه، ويحزن قلبه حزناً ضعيفاً هادئاً.. ولكن لا يتضايق، ولا يقول ما لا يرضي الرب، ولا يستقل منه شيء.

ان المؤمن يحافظ على درجة كبيرة من الانفتاح النفسي على الحياة، والابتسام لها مهما تداكّت عليه المصائب ونزلت به النوائب الشخصية وحلت به الخطوب، والانتكاسات.. والذين يبكون من كل شيء، ويضيقون من كل حدث ويسودون وجه الحياة البسام، فانهم يعوزهم الكثير الكثير من معاني الايمان ودرجات التعالي الروحي، والزهد الواعي الاصيل..

{ 197 }

(3) - والغضب، والاحقاد الشخصية.. هي الاخرى مما يأكل في قلوب الناس، ويمزق تماسكهم الشخصي.. الغضب للذات عندما تهان، أو تتعرض لبعض الالوان البسيطة أو الشديدة من الاعتداءات، والاخطاء في حقها.

والحقد على الانسان الذي يرتكب بعض الاعمال المشينة عن غفلة أو تعمد.. أو على الانسان الذي يهبه الله بعض القابليات، والقدرات التي يتقدم بها علينا، ويبرزها في مراكزنا.. هذا جزء آخر.. ووجه آخر لاضطراب الوجدان البشري.. ولكن الوجدان الذي لم يرب في ظل هداية الله تعالى.. فان الغضب حسب ما توحي به هذه الهداية يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل.

(ان هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وان احدكم اذا غضب احمرت عيناه، وانتفخت اوداجه، ودخل الشيطان فيه)(34)

ان هذا الغضب من الشيطان لانه ينبع من قيم شخصية ذاتية ومن (انا) فاسد لا نضج فيه، وان الغضب يفسد الايمان.. لان الغاضب في غضبه يخرج عن حدود المنطق الديني، والمنطق الاخلاقي.

وكذلك الحال في الحقد، والعداوات الشخصية.. التي تصدر من وجهة نفسية عن قيم انانية، وخبث في الذات، والمؤمن لا يكون مؤمناً وهو حاقد على اخيه، أو كاره له حتى يرجع الى حبه فان المؤمن يأنس الى اخيه المؤمن

{ 198 }

كما يأنس الظمآن الى الماء.. أو كما يأنس الطير الى وكره واين هذا من حقد متأصل، وعداوة متمكنة من القلب مفسدة له، ان المؤمن ليتسامى فلا يرد على الاساءة.. بل وهو في اكثر الاحيان لا ينظر اليها على انها اساءة، أو يحسب لها في نفسه أي حساب.. في خبر معتبر عن ابي عبد اللّه (ع) قال : قال رسول الله (ص) في خطبته :

(الا اخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة ؟ العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، والاحسان الى من اساء اليك، واعطاء من حرمك) الاصول ج 2 ص 107

وان المؤمن ذو قلب رحيم، عطوف حنون يسامح ويكظم الغيظ، ويعفو عن الناس وان اساءوا، ويصلهم وإن قطعوا، ويحترمهم وان اهانوا، والمؤمن اسمى من ان يصدر عن غيظ، وينطلق عن غضب أو حقد، وكيف يعرف قلبه الاحقاد وقد تمكنت فيه هداية الله وحب المؤمنين ؟

 

«العلاقة الوجدانية بالرسالة ونجاح الدعوة»

المؤمن في الاساس ينطلق في عمله الرسال الدعوتي، لان الله تعالى يطلب منه ذلك، ولانه يثيبه عليه.. ولكن الانسان المسلم لا يتعامل مع عمله على اساس انه (مسؤولية) يريد التنصل منها، وابراء ذمته، وعهدته من عبء الامر، والطلب الالهي.. بل، ولا يتعامل معه على انه (طريق للثواب) الاخروي.. فقط.. وانما تنشأ عنده قبل العمل لله، واثناءه علاقات وجدانية تتمثل في حب هداية الناس، والتطلع الى تغييرهم،

{ 199 }

واصلاح دينهم، وآخرتهم، وينشط لديه الحس الاخلاقي فيهمه امر الناس، والاحسان اليهم وطاعتهم لله.. ففي الرواية عن عمار السابطي قال قلت لابي عبد الله (ع) : (ايما افضل العبادة في السر مع الامام منكم المستتر في دولة الباطل، أو العبادة في ظهور الحق، ودولته، مع الامام منكم الظاهر ؟ فقال : يا عمار الصدقة في السر والله افضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السر مع امامكم المستتر في دولة الباطل وتخوفكم من عدوكم في دولة الباطل، وحال الهدنة افضل ممن يعبد الله عز وجل ذكره في ظهور دولة الحق مع امام حق ظاهر في دولة الحق..

ثم قال عمار : قلت : جعلت فداك فما ترى اذاً ان نكون من اصحاب القائم، ويظهر الحق، ونحن اليوم في امامتك وطاعتك افضل أعمالاً من اصحاب دولة الحق والعدل ؟

قال (ع) :

(سبحان الله اما تحبون ان يظهر الله تبارك وتعالى الحق، والعدل في البلاد، ويجمع الله الكلمة ويؤلف الله بين قلوب مختلفة، ولا يعصون الله عز وجل في ارضه وتقام حدوده في خلقه، ويرد الله الحق الى اهله فيظهر حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة احد من الخلق)(35)

وهكذا لا يريد الامام ان يجعل من قضية تطبيق حدود الله أو اقامة

{ 200 }

دعائم ومعالم رسالته في الارض مجرد قضية مسؤولية باردة.. يتهرب عنها الانسان في أي لحظة يتوهم فيها أن عملاً آخر اكثر ثواباً، واجراً.. ويتعامل معها تعاملاً فردياً جافاً، وانما هي قضية رسالة ربانية.. وارادة الله تعالى في الارض يكتّل لها الامام، والاسلام القيم الدينية النفسية المتعلقة بالثواب، والقيم العاطفية الراجعة الى حب الله، وحب رسالته، والغضب لمحارمه، اذا انتهكت، والقيم الانسانية الاخلاقية المتعلقة بالعدل، والاحسان، والتأليف بين القلوب، وامثالها من المعاني، التي لا يريد الاسلام ان يميتها، ويذيبها في الحس الديني بمعناه الضيق المحدود، وانما يشركها في عملية البناء والتربية.

ونتيجة للتعامل العاطفي مع قضية الدعوة.. والعلائق الوجدانية بها، فمن المعقول ان يألم المؤمن في اللحظات التي ينحرف فيها الناس، ولا تحقق الدعوة نجاحاً حسياً ملموساً ويحس بحزن هادئ رزين، وتصيبه حالات من التحسر على الناس وشيء من الاسى المخفف ومن الطبيعي ان يسر، ويفرح عندما يتحقق نحو من التقدم للدعوة والعمل عند الناس.. وليس في هذا ما ينقص من دينه وارتباطه بالناس.. وهذه سيرة الرسول (ص) والائمة (ع) حاشدة بالامثلة على هذه الاواصر القلبية، والتعلق الوجداني (العاطفي، والانفعالي) بينهم وبين الدعوة ومع الناس.. واسبق الامثلة الى الاذهان.. ما يبدو من خلال القرآن الكريم من ان رسول الله (ص) وهو قمة ما امكن للهدى الالهي ان ينشئه ويربيه - كان يتحسر على قومه ويصيبه نحو من انحاء الالم النفسي على أنهم لا يؤمنون.. وكل ما حاوله كتاب الله تعالى هو ان عزاه وسلاه، والفت نظره الى وسائل

{ 201 }

التثبيت، والتسلية، والعزاء من خلال معايشة التصور الرباني للحياة.. واللجوء الى الله.

 

«الحد من العلاقة الوجدانية بالدعوة»

هذا وجه المسألة. والوجه الآخر لها.. هو ان التربية الاسلامية، اذ تحاول تنمية العلاقة الوجدانية بالدعوة والرسالة، وتوطيد العواطف الدعوتية، والاسلامية التغيرية من حب الناس، وحب هدايتهم، والسرور بذلك، وما يترتب على ذلك - بحسب قوانين النفس - من آلام نفسية معينة عند تكذيب الناس وسخريتهم بالرسالة، واعراضهم عنها.. ان التربية الاسلامية اذ تحاول ذلك تحذر من نقطتين تعبران عن الافراط في هذا الجانب.

1 - أن تنمو العلاقة العاطفية بالدعوة الى الله والى رسالته.. على حساب العلاقة العاطفية بالله تعالى نفسه.. بحيث يكون حب الدعوة اكبر من حب الله.. وتتقدم بالتالي قضية الدعوة من الناحية العملية على قضية الالتزام الشرعي والتعبد بحدود الشريعة، وخط الاسلام يذكرنا هذا بالمحاولات التي كانت تبذل من قبل بعض اصحاب الامام (ع) من اجل حمله (ع)، لانتهاج بعض الوسائل والاساليب ليبقى الناس الى صفه، ويتحركوا للجهاد.. وكان جوابه (ع).. انني اعرف ما يصلحهم، ولكن لا اريد اصلاحهم بفساد نفسي..

ان الهدف النهائي في الدعوة.. وكل ما يتصل بها من تخطيط، وجهود هو رضا الله سبحانه.. وان المنبع النفسي الذي نشأت عنه العلاقة

{ 202 }

- العاطفية والوجدانية بقضية الاسلام هو العاطفة الربانية والوجدان الديني.. فلا يمكن بحال ان تكون العاطفة الدعوتية في شخصية الانسان المسلم - اركز، واقوى من العاطفة الدينية.. أو العاطفة الالهية بحيث تحكمها وتتمكن منها عند التزاحم والتعارض.

وقد نلاحظ في واقعنا التربوي بعض النماذج التي تعكس الامور، وتجعل قضية الدعوة (هدفاً) وقضية الله (وسيلة) لا بمعنى النفاق، والعياذ بالله.. ولكن بمعنى ان الاصالة النفسية للدعوة والرجحان لها في كثير من موارد التزاحم والتعارض.

وقد تكون الاستقامة السلوكية.. وسيلة للتأثير في الناس، وقد يفسر في هذا الاتجاه وهو، ان لا يملك الهدف الاجتماعي سوى قيمة نفسية اضعف من القيمة النفسية لله تعالى، وفي طولها لا في عرضها - قوله تعالى :

(يا أيها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم الى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون)(36)

فليس في الآية دلالة على النهي عن هداية الناس، وامرهم بالرشاد لان الامر بالمعروف، والعمل في سبيل هداية الناس من شؤون هداية النفس، فالانسان لا يهتدي، الا اذا امتثل اوامر الله بما فيها الامر المتعلق بهداية الناس، والاهتمام بشؤون المسلمين.

{ 203 }

وانما تهدف الآية - في ضوء بعض التقادير - الى النهي عن أن ترتبط قلوب العاملين الاسلاميين بالناس، وهدايتهم بحيث تكون هداية الناس هي الاول، والاخير، والشغل الشاغل، والمعبود من دون الله.. انما المؤمن الرسالي حقاً هو ذلك الذي يعبد الله ولا يعبد سواه، ويهدف بالدرجة الاولى الى هداية نفسه، وعبادة الله. واذا كانت هداية النفس، وعبادة الله تنتهي الى الاهتمام بامور المسلمين، والعودة الى الخير، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر فليس هذا سوى (شأن) من شؤون هداية النفس، وليس له شخصية مستقلة، أو كيان خاص.

2 - والنقطة الثانية : هي ان لا تخرج العلاقة الوجدانية بالدعوة، والعمل الى مستوى يضر العمل، ولا يخدمه.. فان العواطف الدعوتية قد تدعو الانسان الى تجاوز مصالح العمل والدعوة والاضرار بها.. لان من طبيعة العاطفة أن تكون عمياء.. وانما تكتسب رؤيتها من العقل والانتباه.

والامر كذلك بالنسبة الى الانفعالات.. فقد يؤدي تجمد الدعوة، وتكذيب الناس، وسخريتهم، واعراضهم عن الرسالة الى حدوث شيء من الحزن الهادئ، والألم النفسي البطيء.

وهذا امر طبيعي نتج عن الحد الادنى المعروض من العواطف الرسالية.. ولكن قد يؤدي ذلك الى (الضيق) النفسي، والهلاك، والاحساس بالفشل وهذا معنى مرفوض من وجهة نظر الاسلام التربوية لان مثل الانفعالات التي لا يحتفظ الانسان المسلم معها بالحد الادنى من الانفتاح النفسي الذي تستلزمه الدعوة، ويستلزمه الاستمرار فيها وزيادة

{ 204 }

فعاليتها، وتنشيطها، مثل هذه الانفعالات لا تكون في مصلحة العمل، وانما على حسابه، وعلى حساب الدعوة والرسالة خاصة اذا ادى مثل هذا الضيق الى شيء من الحيف، والانحراف والخروج عن الجادة الاسلامية من الزاوية النفسية، والفكرية.

وهذا هو الذي كان الهدي الالهي يحول بينه، وبين رسول الله (ص) في اللحظات الحرجة، والايام الصعبة.. ايام التكذيب، والسخرية، والاعراض.. أيام الغربة، والجفاء، والضيق، والاضطهاد.. فليس المهم ان لا يألم رسول الله (ص) ولا يحزن على الناس.. ولكن المهم ان لا تتطور هذه الحالة الى معنى لا ينسجم مع النموذج الامثل للشخصية الاسلامية.. كان الهدي الالهي يحول بين هذا المعنى وبين رسول الله وذاك من خلال تذكيره بالله تعالى وتحسيسه بالتصور الرباني للكون، والحياة، وحثه على الممارسات العبادية.. واقامة الصلاة.

(ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)(37)

(واصبر وما صبرك الا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، ان اللّه مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون)(38)

(لعلك باخع نفسك الا يكونوا مؤمنين ان نشأ ننزّل عليهم من السماء)(39)

{ 205 }

والحال في انفعال الفرح والسرور عند النصر.. كالحال في انفعال الحسرة والألم النفسي والضيق.. عند التكذيب والسخرية والاعراض. فالسرور عند النصر أمر طبيعي ومرغوب ولكن المفروض أن لا يتحول الى فرحة نفسية غامرة تفقد الانسان المسلم توازنه وتنسيه اللّه، وتوهمه امكانية الاعتماد على الذات أو تنسيه نفسه وعيوبها.

(إذا جاء نصر اللّه والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان تواباً).

0100 إذ تفيد هذه الآيات أن لحظة النصر.. يحتاج الانسان فيها الى ذكر اللّه، واستغفاره والتوجه الى عيوب النفس حتى لا يطغى أو ينسى.. بل حتى لا تتضررّ قضية الدعوة نتيجة لتمكن النشوة والفرح من قلوب الدعاة.

 

الغضب الرسالي

إن الغضب الشخصي مرفوض في الخلق الاسلامي.. أما الغضب الرسالي، الغضب لمحارم اللّه إذا انتهكت، ولدين اللّه إذ حُرّف، فأمر يُربّي عليه الاسلام (40) وهو نتيجة طبيعية للقيم الرسالية في الشخصية الاسلامية.. وإذا ما وجدنا أنفسنا أحياناً لا نشعر بالانكار القلبي للمنكر والغضب عليه فهذا ما يعني أن علينا أن نشحذ قوانا الانفعالية وننشئها على الاسلام من جديد.