فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

الفصل الثاني: الايمان (الوعي الكوني والرؤى الفكرية)

دور الفكر في الشخصية الاسلامية

الفكر.. هو الصورة الذهنية التي يحملها الانسان عن الواقع الخارجي عن الكون، اصله، ونشأته وتطوره ونهايته، والحياة ومعناها والمجتمع وقوانينه ودور الانسان في هذه الدنيا.. ومسؤوليته فيها وصلة الله تعالى بالعالم.. الى آخر ما هنالك من موضوعات يتعلق بها الفكر الانساني، والفكر هو احد اجهزة الشخصية الانسانية، التي تتفاعل فيما بينها، وتتبادل التأثير وهي (الفكرة، العاطفة، الارادة) ففكر الانسان ليس منفصلاً عن عاطفته واسلوب حياته النفسية وانما هو متصل بها أوثق اتصال، يؤثر فها ويتأثر بها.. ومن هنا كان النمو الفكري للطفل البشري، والمجتمع البشري يؤثر باستمرار في طريقة حياته، وفي قيمه الاخلاقية والحضارية، ودرجة انفتاحه النفسي، ونضجه الانفعالي..

ومن هنا ايضاً كانت اجدر الرسالات في التأثير بالناس، وقيادتهم، الرسالة التي تقدم لهم منهجاً كاملاً شاملاً للفكر، والاخلاق، والسوك.. لان الانسان في ظل هذه الرسالة لا يشعر بالانفصال بين فكره، وسلوكه، وبين مفاهيمه بالحياة، وقيمه الاخلاقية ولان كل جزء من هذه الرسالة يعزز الجزء الآخر ويكمله.

ومن هنا ندرك عظمة هذا الدين الذي تنزل من اجل بناء الانسان، حينما بدأ مشروعه التغييري الجبار من التحرير الفكري للانسان من اوهام

{ 100 }

الجاهلية، والابداع واعادة بنائه العقلي على اساس من وعي كوني جديد، يقوم على اساس الايمان بالله، الواحد الاحد، المتفرد بالاسماء الحسنى، ذي الطول والنعم باعث الانبياء والرسل لهداية الناس.. والايمان بمرحلية هذه الحياة، وعود الناس الى الحياة من جديد، ليروا اعمالهم.

(فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)

وما اسهل ان ندرك قيمة هذا الوعي الكوني في شخصية الانسان المسلم واثره العميق في الحياة النفسية لهذا الانسان هذا الوعي الذي يبعث وينمي الاحساس الاخلاقي بالحياة، ويعمل على خلق المشاعر المتعالية على جزئيات الحياة، وصغائر الامور.. هذا الوعي الذي يقاوم التقييم النفسي للظواهر، والاشخاص، ويوسع الآفاق.. ويخلق طمأنينة النفس، وهدوء المشاعر، والانفعالات، هذا الوعي الذي ينمي روح التفاؤل بالحياة، والانفتاح عليها، ويترك لاهل الضلال السأم، والتطيّر، والقلق، والغثيان.. ولا يقتصر الوعي الذي يشيعه الاسلام بين المؤمنين على الوعي الديني الخاص، الذي يتمثل بالايمان بالله، واليوم الآخر بل يتعدى ذلك الى مجالات اخرى سنأتي عليها إن شاء الله بعد قليل.

 

الوعي الفكري والفهم

ان الفكر الذي يعتبر عنصراً من عناصر شخصية الانسان المسلم ليس هو (الفهم) والتصديق الساذج بقضايا الايمان، وتقريرها تقريراً منطقياً، أو عملياً، انما هو الوعي والفكر المستحضر المعاش في الذهن، والمتذكر

{ 101 }

باستمرار فهؤلاء الذين يؤمنون بالله تعالى كما يؤمنون بكروية الارض، ودورانها حول الشمس، ولا يتعاملون شعورياً مع هذه الفكرة الخطيرة.. لا يتمثلون في ذلك الوعي الديني والكوني وانما هم فقط (يفهمونه) ويبقى الوعي لهذا الانسان الذي يفكر في الاشياء، ويحسها من خلال ارتباطها بالله ويتذكر الله باستمرار.

وما يشترط بالانسان المسلم غير ما يشترط في الشخصية الاسلامية ان ما يشترط في الانسان المسلم من اجل ان ينتمي رسمياً الى الاسلام هو، ان يؤمن بالله، ورسوله ايمان فهم، ويعلق هذا الايمان بكلمة الشهادة مثلاً لاكثر فهم ولكن ما يشترط في الشخصية الاسلامية، ويعتبر العنصر الأول من عناصرها شيء آخر هو، الوعي الايماني، أو الايمان بوعي، بمعايشة ذهنية.. بالنظر الى الاشياء، والعالم من خلال الارتباط بالله تعالى. وبهذه يصبح الفكر الاسلامي شيئاً آخر، أو بالاحرى ينتقل الى مرحلة اخرى هي مرحلة (الرؤية الفكرية) أو (البصيرة) شيء تحسه، وتراه.. وتؤمن به كما تؤمن بالاشياء التي تواجهها، وتقوم في حسك، وعقلك(1) فمثلما ترى نفسك، وانت تشاهد الاشياء، وتبصرها.. وينشد ذهنك اليها.. كذلك ترى نفسك، وأنت تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر ومرحلية هذه الحياة.

 

مراحل الاعتقاد

في هذا العالم ناس ملحدون، تمردوا على خالقهم، فأنكروا وجوده، أو عاشوا في هذه الحياة معيشة ضنكاً، وفيه ايضاً مشككون، قد اتعبتهم

{ 102 }

الحيرة، واستحكم فيهم القلق، والتردد.. الى جانب هؤلاء، هناك مؤمنون بالله تعالى عند حدود (الفهم) ويقررون وجود الله تعالى كما يقررون وجود الحياة على كوكب المريخ، أو كما يشرحون لك تحول السدم الى مجرات.. فهم يؤمنون بالله من الناحية الفعلية، والمنطقية، ولكنهم لا يؤمنون به شعورياً، ولا يحسون وجوده المقدس.. وهنالك المؤمنون الذين تجاوزوا مرحلة (الفهم) الى مرحلة (الوعي).

وايمان الوعي هو ان تبصر الله في خلقه، وعند نعمه ولا تنساه نسيان شعور بل تعيش وجوده، وتستشعر به تعالى وهناك من يتجاوز مرحلة (الوعي) الى مرحلة (الاحساس) واليقين، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون..

وهكذا فمراحل الاعتقاد ثلاثة كما ورد عن الامام الصادق (ع) :

(ان الايمان افضل من الاسلام، وان اليقين افضل من الايمان، وما من شيء اعز من اليقين)(2)

المرحلة الاولى : مرحلة الاسلام، وهي ان تؤمن ايمان (فهم) بشهادة (لا إله إلا اللّه، محمد رسول الله)، ولا تقتضي هذه المرحلة سوى التصديق بالله تعالى، وكماله وتوحيده، ونبوة الرسول (ص)، وتؤمن اجمالاً بما جاء به كما تصدق بالنظريات العلمية مثلاً من دون معايشة ومشاركة، ومن هنا جاء في خبر سماعة عن الصادق (ع) :

{ 103 }

(الاسلام شهادة ان لا اللّه الا اللّه، والتصديق برسول الله (ص) به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح، والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس)(3)

المرحلة الثانية : مرحلة الايمان، وهي ان تؤمن بالحقائق الدينية الكبرى ايمان (وعي) لا ايمان فهم.. وبالايمان تخرج من مستوى الفهم، والتقدير العقلي لقضية الوجود الالهي، واليوم الآخر، وارتباط الخلق ببارئه الى مستوى الوعي ودخول القضية الى القلب، والمعايشة الروحية، واستشعار الهداية والطمأنينة.

(قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا اسلمنا ولمّا يدخل الايمان في قلوبكم).

وفي خبر سماعة عن الصادق (ع) :

(.. والايمان الهدى وما ثبت في القلوب من صفة الاسلام، وما ظهر من العمل به، والايمان ارفع من الاسلام درجة..)(4)

وعن الفضيل بن يسار عن الصادق (ع) :

(ان الايمان ما وقر في القلوب)(5)

{ 104 }

يبقى هنا : ان العمل بالشريعة انما هو نتيجة للايمان لانه من عناصره، ومظهر له لا مخبر.. وبهذا نجمع بين ما دل على دخالة العمل في الايمان، وما دل على خروجه عنه من النصوص..

ويبقى ايضاً : ان من الممكن في مرحلة الايمان ان يقع شيء من الوسوسة، ولا يضر ذلك في ايمان المؤمن، فان الايمان اطمئنان القلب، وعقدة الهداية التي تسري في النفس، وهذا لا يلغيه وقوع خاطرة شيطانية في الذهن.. ففي حديث صحيح عن ابي عبد الله (ع) قال : جاء رجل الى النبي (ص) فقال : يا رسول الله هلكت. فقال له : اتاك الخبيث، فقال لك : من خلقك ؟ فقلت : الله، فقال لك : الله من خلقه ؟ قال: اي، والذي بعثك بالحق نبياً لكان كذا، فقال رسول الله (ص) : ذاك، والله محض الايمان(6) الى غير ذلك من النصوص الواردة في عدم منافاة الوسوسة للايمان.

المرحلة الثالثة : مرحلة اليقين، وهي اعلى المراحل وأسماها، واعزها، وهي مرحلة الاحساس، وانكشاف الغطاء.

(لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً)

وتحول الغيب الى شهادة..

وليس هنا وسوسة، أو فراغ، وانما هو تواجد مستمر للقضية في الاحساس، والشعور.

وانت تستطيع ان تجد الكثير من المؤمنين الذين عاشوا قضية الايمان، ودخل الايمان قلوبهم، وشاع الهدى في نفوسهم، ولكن اليقين امر عزيز لا

{ 105 }

يأتي الا للفرد النادر من الناس.. فعن الرضا (ع) :

(الايمان فوق الاسلام بدرجة والتقوى فوق الايمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ولم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين)(7)

ومن نماذج اهل اليقين ما جاء في نص معتبر عن ابي عبد الله (ع) :

(ان رسول الله (ص) صلى بالناس الصبح فنظر الى شاب، وهو يخفق، ويهوي برأسه (تأخذه سنة من النعاس فيميل رأسه) مصفراً لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه فقال رسول الله : كيف اصبحت يا فلان ؟ قال : اصبحت يا رسول الله موقناً. فعجب رسول الله من قوله، وقال : (ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال : ان يقيني يا رسول الله هو الذي احزنني، واسهر ليلي، واظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني انظر الى عرض ربي، وقد نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك، وانا فيهم، وكأني انظر الى اهل الجنة يتنعمون في الجنة، ويتعارفون، وعلى الأرائك متكئون وكأني انظر الى اهل النار، وهم فيها معذبون، مصطرخون وكأني الآن اسمع زفير النار يدور في مسامعي. فقال رسول الله (ص) لاصحابه : هذا عبد نور اللّه قلبه بالايمان ثم قال : الزم ما انت عليه. فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله ان ارزق الشهادة معك. فدعا له رسول الله (ص) فلم يلبث ان خرج في بعض غزوات النبي (ص) فاستشهد بعد تسعة نفر فكان هو العاشر)(8)

 

«ذكر الله»

ان مرحلة الايمان التي تمثل الحد الادنى في الشخصية الاسلامية، ويعيش معها الكثير من المؤمنين.. تتضمن عنصرين : -

الاول : عدم الارتياب، والشك في وجود الله تعالى واية حقيقة دينية اخرى، لقد بحث المتكلمون في ان الظن وهو الاحتمال الراجح الذي يعاكسه احتمال آخر مرجوح هل يكفي في تحقق الاسلام، وانتماء الانسان الى الاسلام ؟ وهذا على مستوى البحث الكلامي بحث وجيه.. واما على المستوى التربوي.. فان من الواضح ان أي احتمال معاكس واي ارتياب في أي حقيقة دينية فهو يتكافأ مع الحد الادنى المطلوب في الشخصية الاسلامية.

يقول تعالى :

(انما المؤمنون الذين آمنوا باللّه ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا باموالهم وانفسهم أولئك هم الصادقون)(9)

الثاني : ذكر الله.. وذكر الشيء، حفظه في النفس والشعور به، وذكر الله تعالى : هو ان يكون وجدانك، وشعورك ممتلئ به منشداً اليه.. أي ان تعيش خشية الله تعالى في مشاعرك، وتفكيرك، ومن نتائج هذا الحضور الشعوري لله تعالى في ذهن المؤمن ذكره على اللسان، وتسبيحه وحمده.

{ 107 }

فذهن المؤمن وشعوره (ميال) بطبعه الى ذكر الله تعالى، والارتباط المستمر به.. و(تداعيات) ذهنه تكون عادة اليه تعالى، لان الله تعالى هو (وجهة) حياته ومحور تفكيره، وشعوره وتوجهه النفسي فهو اذا تجددت عليه نعمة ذكر الله، واذا نزلت به نازلة ذكر الله واسترجع، واذا اقدم على فعل ذكر الله، واذا اذنب ذكر الله واستغفر اليه، واذا نظر الى ابداع الخلق، وشيء من ملكوت السماوات والارض ذكر الله، هكذا.. وهكذا فإن أغلب احساسيسه وافكاره (تدعوه) الى ذكر الله تعالى، وهذا هو العيش الشعوري، والحياة الذهنية المؤمنة مع خالق الكون العظيم المتعال.. اما ان يكون الايمان بالله تعالى مجرد كلمة تتردد على الافواه، وفهم لا يخرج عن دائرة الجزم والتصديق الساذج دون أن يشيع في العقل والشعور والتفكير.. فليس هذا من الايمان في شيء.. وغاية الامر انه خطوة نحو الايمان.. وارضية من الممكن ان يبنى عليه الايمان، والذكر..

كان متمم بن نويرة يبكي اخاه مالكاً.. يذكره ويبكيه عندما يرى ناراً لانه بذاك يذكر نار اخيه الموقدة الى الصباح تنتظر الضيوف، ويبكيه، ويذكره كلما رأى قبرأ، لقبر ثوى بين اللوى فالدكائك، ولامه صاحبه على ذلك على هذه التوسعة في معايشة ذكرى مالك على هذا البكاء عند كل قبر.. وكان جواب متمم ابياتاً من الشعر يقف الى الآن عندها الاديب، وعالم النفس والمؤمن الذي يبحث عن تجارب شعورية تشبه تجربة المؤمنين مع الله:

لقــــد لامني عند القبور على البكا***رفيقي لتذارف الدموع السوافكي

فقــــال أتبـــــكي كــــــل قبر رأيته***لقبــــر ثـــوى بين اللوى والدكائك

{ 108 }

فقلت له : إن الشجا يبعث الشجا***فدعــــنــــــي فهــذا كله قبر مالك

ان شدة مقتل مالك في نفس متمم وسعت من نقاط التفاعل الشعوري بين الاخ واخيه، واظهرت الترابطات الخفية بين ما يشاهده ويحسه من قبر، ونار، وغير ذلك، وبين الاخ القتيل.

والمؤمن كذلك مع الله وان شدة تعلقه بالله تعالى وانشداده اليه يجعله دائم الذكر له سريع الادراك.

للترابطات الموجودة بين الامور المحسوسة من حوادث واشياء، وظواهر، وبين الخالق العظيم.

ان تجربة ذكر الله تعالى، ومعايشته الشعورية والذهنية تقوم على اساس توسعة المثيرات الباعثة للذكر شعورياً.. فبينما لا يتذكر الانسان العادي الله الا عند حوادث استثنائية فان الانسان المؤمن، يذكره عند عدد كبير جداً من الحوادث، والظواهر، والاشياء، والافعال.. من خلال ادراكه للترابطات الخفية والظاهرة بين هذه الامور وبين الله - ويفترق هنا الانسان المؤمن مهما بلغ من الانشداد الى الله تعالى عن الانسان المتصوف المغالي في العمليات التصوفية. اذ يحتفظ الانسان المؤمن بقدرته العقلية على التمييز بين (ما يذكره) بالله تعالى، وبينه سبحانه دون ان يوحد بين المذكِّر والمذكَّر به. اما الانسان الصوفي الذي يغالي في التصوف فهو يفقد قدرته العقلية على التمييز ويؤكد - في شطحاته - وحدة المخلوقات مع الخالق.

هذا وبما ان حالة التواجد الشعوري المستمر لفكرة الايمان بالله تعالى في

{ 109 }

النفس امر غير ممكن - عملياً - فلذا كان ما يربي عليه القرآن الكريم هو، ان نذكر الله ذكراً كثيراً مع اتاحة الفرصة للذكر المستمر.. الدائم لله :

وقد تنوع الحث القرآني على ذكر اللّه تعالى :

(1) - ذكر الله كثيراً :

(واذكر ربك كثيراً)

(يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً)(10)

(2) - ذكره تعالى عند الذنب:

(والذين اذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا انفسهم ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا اللّه)(11)

(3) - ذكر الله في مواطن العبادة واوقاتها:

(فاذا افضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام)(12)

(وسبح بالعشي والابكار)

(وسبحوه بكرة واصيلا)

(4) ذكره تعالى في الشدة والبلاء:

{ 110 }

(يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً)(13)

(والذين اذا اصابتهم مصيبة، قالوا انا للّه وانا اليه راجعون)(14)

(5) - ذكره تعالى عند التذكير:

(والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعميانا)(15)

(انما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خروا سجدا)(16)

(6) - ذكر الله تعالى بصورة مطلقة.

(واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفيةً)(17)

الى آخر ما ورد من الحث على ذكر الله، واستحضاره في مختلف مجالات حياة الانسان. وهذه الآيات الكريمة اما ان تحث على الذكر الذهني لله تعالى بشكل مباشر أو انها تحث على الذكر اللفظي، ليكون ذلك سبباً للذكر الذهني وعلى أي حال فهي لا تهدف الى اللفظ وتكرار الاصوات، وانما الى الذكر الحقيقي، والمعايشة الذهنية..

 

«من عطاء الذكر»

قلنا ان ذكر الله هو المعايشة الشعورية له، والاحساس بوجوده المقدس باستمرار. وللذكر هذا آثار عظيمة في شخصية الانسان المؤمن. نذكرها فيما يلي :

1 - أن ذكر الله تعالى شعور بمراقبته، ورصده لافعال العبد وتصرفاته وفي هذا قوة عظيمة (دافعة) على الالتزام والتقيد بالحدود، والقيود الاسلامية عن ابي عبد الله (ع) :

(من أشد ما فرض اللّه على خلقه ذكر الله كثيراً.. ثم قال : لا اعني سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله والله اكبر، وان كان منه، ولكن ذكر الله عندما حل وحرم، فان كان طاعة عمل بها، وان كان معصية تركها)(18)

وفي هذا الخبر دلالة واضحة على ان المفهوم السليم للذكر هو ذكر الله في النفس خيفة، وتضرعاً وان كان للذكر اللفظي دور، واهمية تربوية كما مر.

2 - ان تجاوز الاشياء الحاضرة المتناهية، والعيش الشعوري مع الله تعالى يخلق حالة التعالي، والتسامي في شخصية الانسان المسلم، هذه الحالة التي تعد من اكبر مميزاته الشخصية، وسماته الذاتية.. فان من يعيش

{ 112 }

حلاوة الذكر ويتنعم باستشعار اللّه تعالى يقترن ذلك لديه الشعور بالتعالي، والتسامي على صغائر الأمور وجزئيات الحياة التي تشغل هم الناس وتقع مورداً لتنافسهم، وتصارعهم.

3 - وهذا (التجاوز) الشعوري، والتعالي، والتسامي في المشاعر، والمدركات هو الذي يخلق في شخصية الانسان المسلم حالة اخرى هي (الاطمئنان)، والاستقرار النفسي و(السكينة)، و(الوقار) - في مفهومه الاخلاقي الاصيل - قال الله تعالى :

(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه الا بذكر اللّه تطمئن القلوب)(19)

والسبب في الاطمئنان بذكر الله تعالى.. هو ان الاستقرار النفسي، أنما يتحقق للشخصية فيما اذا ارتبطت شعورياً بمنطلقات غير متغيرة. اما اذا انشدت الى اشياء متحركة، مضطربة، فان هذا الاضطراب سينعكس على النفس بصورة قلق على شيء يخشى زواله، أو شيء يخشى وقوعه، وبصورة خوف، وهم، وحزن.. وجزع.. والمؤمن اذ يعزف عن الدنيا، ويكفر بقيمها الفانية، ويعيش شعورياً مع الله.. ويرتبط نفسياً به، فان الاستقرار عندئذ هو النتيجة الطبيعية المترتبة على ثبات الله تعالى الذي تتعلق به النفس، والشعور.

(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)(20)

{ 113 }

(ان الانسان خلق هلوعا، اذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا، الا المصلين)(21)

4 - ويتعرض الانسان في مسيرته الى الوان من المكاره والمضايقات، والوحدة والغربة، اذ يتفرق الناس عنه ويسخرون منه، ويكذبونه، ويعيشون في عالم غير ما يعيش فيه..

وهنا قد ينتهي الى (ضيق) نفسي يمنع عقله من الحركة ونفسه من الانطلاق، وارادته من الثبات والصمود، وقد ينتهي به هذا الضيق الى (اليأس)، و(التشاؤم)، والشعور بالضعف، والانكسار، والذي يعالج هذه الحالة ويبعث في النفس الانفتاح، والتفاؤل، ويجدد لها حيويتها، ونشاطها واندفاعها في حقول العمل لله.. والجهاد في سبيله هو ذكر الله.. واستشعاره، والاحساس به كما يوجه الى ذلك ويدل عليه الاعداد القرآني للرسول (ص) في لحظات المعاناة من التكذيب، والسخرية فاقرأ هذه الآيات المباركة، ولاحظ كيف تعالج حالة (الضيق) النفسي بذكر الله تعالى.. واستشعاره والاحساس به.

(فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح، واطراف النهار لعلك ترضى)(22)

(فاصبر ان وعد اللّه حق، واستغفر

{ 114 }

لذنبك، وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار)(23)

(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب، ومن الليل فسبحه، وادبار السجود)(24)

 

«المكانة الشعورية للحياة في نفس المؤمن»

ان اشياء الحياة، وظواهرها، تدرك في شعور المؤمن في سياق مركب شامل يضم اطراف الوجود كله من حيث المبدأ والغاية، والسنن الجارية فيه وفي هذا المركب الشامل الذي يضع المؤمن فيه اشياء الحياة، وظواهرها سوف يعطي كل شيء منها، قيمته الحقيقية فلا (يحقر) ولا (يصمّ).

وقد نشأ في اطوار الحضارة المادية، وحتى في الحضارة المادية المعاصرة اتجاهان مختلفان، يمثلان الانعكاس الطبيعي للنظرة المادية الى العالم.

(الاول) : الاتجاه القائم على تصنيم ظواهر الحياة وبالخصوص ما يتعلق منها بالهوى، والشهوة ومن هنا اصبحت عبادة الدنيا البديل الطبيعي عن عبادة الله، والتواجد الشعوري للدنيا في نفس الانسان بديلاً عن التواجد الشعوري لله، وحقائق الوجود الكبرى.

{ 115 }

(الثاني) : الاتجاه القائم على تحقير الحياة، وتفريغها من أي معنى وهنا يشعر الانسان بالغربة في هذا الوجود والعبث، والغثيان، والقلق، الخ.

نتيجة لعدم الايمان بارتباط هذا الكون بمبدأ وغاية وجودية والانسان المؤمن في ارتباطه بالله عز وجل وتعامله مع العالم من خلال التصور الاسلامي له يضع الاشياء، والحياة في مواضعها الطبيعية ويمنحها القيم التي تستحقها.

فلأنه يدرك ان كل هذه الظواهر الكونية اعراض وجودية - لو صح التعبير - وان الحقيقة الوجودية الكاملة التامة هي الله، والله وحده وان كل ما في الكون يأتي ويروح وكل شيء فان، وان اشياء هذه الحياة من اموال وبنين، ونساء ليس لها قيمة الا من خلال كونها (نعماً) الهية، ووسيلة خير فهو - لهذا - لا يمكن ان يصنّم هذه الاشياء، والظواهر ولا يمكن ان تحتل في شعوره وتفكيره ما يحتله الله تعالى.

ولأنه يدرك ان هذا الكون هو فعل الله تعالى وان الحياة نعمة من نعمه، هي وما فيها من اشياء، وانها يمكن ان تكون طريقاً، ووسيلة تنتهي به الى خير دائم.. وسعادة ابدية يغطيها رضوان الله تعالى. فهو لا يمكن بحال أن (يحقر) الحياة أو يتعامل معها - والعياذ بالله - كعبث لا معنى له.

ولأنه يدرك، ويعلم بان هذه الحياة مرحلة من الحياة كلفه اللّه تعالى فيها، واختبره واستخلفه للقيام بدور معين ونمط معين من السلوك والاعتقاد، فهي ليست لديه تحللاً من القيم، وانهماكاً في اللذات، وركضاً وراء الشهوة، والاهواء.

{ 116 }

وهكذا فان لدى المؤمن ثلاثة احساسات تجاه الحياة :

1 - الاحساس بهذه الحياة ك‍ (نعمة الهية) وخير الهي يتفضل به الله على هذا الكائن الفقير.

وهو احساس لا ينتهي الى (الشكر) فقط، وانما الى الانفتاح النفسي على الحياة، والتجاوب الشعوري معها ايضاً وبعض الناس ينظرون الى النعم الالهية من مال وبنين ونساء.. بنظر شؤم، وتطير.. لانها في اعتقاده هي مصائد الشيطان، وحبائل مكره، وخدعه وهذا خطأ.. فان اشياء هذه الحياة نعم الله.. وخيره، وبركاته، وتفضلاته على الناس.. وحبائل الشيطان، وخدعه ليست هذه الاشياء بذاتها.. وانما هي اهواء النفس المرتبطة والمتعلقة بها.

2 - الاحساس بهذه الحياة كمرحلة عابرة في مسيرة الحياة تمهد الى حياة دائمة خالدة، والاحساس بقصر مدتها وحركة احداثها، وعدم استقرارها لاحد.. وهي بهذا تسمى (دنيا) لانها أدنى من ان تمتلك قلب المؤمن أو تكون محطاً لعبادته، وهواه.

وتربية هذا الاحساس من أهم ما حاوله القرآن الكريم والهداة المعصومون (ع) باعتباره من قمم الاحساسات والمشاعر الايمانية التي بتميز بها الانسان المؤمن..

(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل)(25)

{ 117 }

(انما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس، والانعام، حتى اذا اخذت الارض زخرفها، وازينت، وظن اهلها انهم قادرون عليها اتاها امرنا ليلاً، أو نهاراً، فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالامس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون)(26)

(وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة الا متاع)(27)

(واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض، فاصبح هشيماً تذروه الرياح وكان اللّه على كل شيء مقتدراً، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير املا)(28)

(وما هذه الحياة الدنيا الا لهو ولعب وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)(29)

وهناك آيات كثيرة تؤكد هذا المعنى، وهناك عدد هائل من النصوص

{ 118 }

الواردة في تصوير عرضية الحياة الدنيا وزوالها.. وكونها منطقة عبور، وممر للآخرة، ومرحلة تمهيدية لها.. والغرض من هذا ليس (تفهيم) المسلمين هذه القضية الواضحة لديهم، وانما (تحسيسهم) بذلك وتوعيتهم عليه حتى تكون لديهم (بصيرة) من بصائرهم ورؤية فكرية واضحة لديهم تهديهم الطريق، وتدفعهم الى العمل.

ان وعي الحياة الدنيا على حقيقتها، والاحساس بنهايتها ومرحليتها هو الطريق الطبيعي لانهاء حالة الركون الى الدنيا، ومعانيها، والركض وراءها والهم لها.. يضيع الانسان المؤمن احياناً في هذه الدنيا.. فتراه يبني له أحلاماً واسعة، يستهدف بها الجاه، والمركز.. والمجد والذكر الحسن عند الناس، وينهمك في هذه الحياة.. فيتصارع مع اخوته على معان زائفة فيها.. لماذا ؟ لانه يفتقد في هذه اللحظات احاسيس المؤمنين، ومشاعرهم ولا يملك فعلاً وعياً كونياً عاماً يهديه الطريق ويحدد له القيم الكبيرة لمعاني الايمان، والقيم الصغيرة لتوافه الحياة الدنيا، ومعانيها المبتذلة.

ان مشكلة الانسان المسلم، وكل انسان أن يفهم اكثر بكثير مما يعي، ويعيش في مداركه، ومشاعره، ويعي اكثر مما يطبق، وينسجم نفسياً مع ما يعيه، ويشعر به.

ان هذا الوعي بعرضية الحياة الدنيا، ومرحليتها لا يعطي قيمته في مقام العمل الاعتيادي.. وانما ايضاً في مجال المواجهة، والتصدي لاضطهاد الجاهلية وسخرية الناس واستهزائهم، ومن هنا أكد عليه القرآن الكريم في عملية إعداد الرسول (ص) في موارد متعددة.

{ 119 }

(واصبر على ما يقولون، واهجرهم هجراً جميلاً. وذرني والمكذبين اولي النعمة، ومهلهم قليلاً. ان لدينا انكالاً، وجحيماً، وطعاماً ذا غصة، وعذاباً اليماً)(30)

(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم، وبئس المهاد)(31)

(فاصبر صبراً جميلاً.. انهم يرونه بعيداً. ونراه قريباً. يوم تكون السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن. ولا يسأل حميم حميماً)(32)

ان تنمية الوعي الكوني، وتوسيع افق المؤمن، واطار تفكيره من اهم ما يعتني به القرآن الكريم.. وذلك ان شخصية الانسان تنمو بمقدار توسع آفاقه، ونمو وعيه الكوني الكلي الشامل، فانت اذ تتحسس الحياة بشمولها وتعي هذه الحياة مرحلة عابرة. وتعيش هذا الوعي فسوف ترى كم يكون الطغيان تافهاً، وكم يكون الطغاة صغاراً في الحساب التأريخي، وحساب الحياة في شمولها وسعتها.. وحساب الكون، وخالق الكون.. وسوف تبصر بعينيك القيمة الصغيرة لكل جاهلية، وللجاهلية كلها في حساب الحياة.

3 - الاحساس بالحياة الدنيا على انها دار فتنة واختبار، على انها مرحلة لاختبار الفعالية البشرية، واخلاقية هذا الانسان في مقام عبوديته،

{ 120 }

وتعامله مع الله، ودوره في هذه الحياة.

(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملاً، وهو العزيز الغفور)(33)

(وان اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب، ولا عمل)

 

«ذكر الموت والاحساس بالآخرة»

ولا تنفصل عملية الاحساس بمرحلية الحياة الدنيا وعرضيتها عن الاحاسس بالموت، واليوم الآخر.. ويمكن ان نعد كل هذه الاحساسيس احساساً واحداً.. بنظرة الى الحياة نظرة شاملة وبعيشها بشمولها هذا الذي يستوعب الحياة الدنيا، ومرحلة الانتقال، والمرحلة الاخيرة الابدية.

وقد حفل نهج البلاغة بالوعظ، والتذكير بحقيقة الدنيا والموت، والآخرة، لان عصر الامام (ع) كان يعيش طغيان الروح الدنيوية والركون الى الحياة الدنيا، وكانت المهمات التي اناطها (ع) بالامة آنذاك مع ظروفها النفسية، وحديته في تطبيق الاسلام بصورته الاصيلة تستدعي الكثير من الوعظ والتذكير.. هذا كله مضافاً الى انه (ع) كان بصدد بناء

{ 121 }

الشخصية الاسلامية الذاكرة والمذكرة في الخضم المتلاطم من المسلمين الذين لم يحسن تربيتهم احد :

كان (ع) يقول : -

(واوصيكم بذكر الموت، واقلال الغفلة عنه، وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم ؟ وطمعكم فيمن ليس يمهلكم، فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم حملوا الى قبورهم غير راكبين وانزلوا فيها غير نازلين، فسابقوا - رحمكم الله - الى منازلكم التي امرتم ان تعمروها، والتي رغبتم فيها ودعيتم اليها، واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته والمجانبة لمعصيته فإن غداً من اليوم قريب ما اسرع الساعات في اليوم، وما أسرع الأيام في الشهر، وما أسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر)(34)

(واحذركم الدنيا فانها منزل قلعة، وليست بدار نجعة قد تزينت بغرورها وغرت بزينتها دار هانت على ربها، فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها، وحياتها بموتها، وحلوها بمرها، لم يصفها الله تعالى لاوليائه، ولم يضن بها على اعدائه،

{ 122 }

خيرها زهيد، وشرها عتيد.. واسمعوا دعوة الموت وآذانكم قبل ان يدعى بكم إن الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم، وان ضحكوا، ويشتد حزنهم، وان فرحوا ويكثر مقتهم انفسهم وان اغتبطوا بما رزقوا قد غاب عن قلوبهم ذكر الآجال، وحضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدنيا املك بكم من الآخرة، والعاجلة اذهب بكم من الآجلة)(35)

وفي كلام طويل عن وصف المتقين، يقول (ع) :

(اما الليل فصافون اقدامهم، تالين لاجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً.. فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً، وتطلعت نفوسهم اليها شوقاً، وظنوا انها نصب اعينهم، واذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم، وظنوا ان زفير جهنم، وشهيقها في اصول آذانهم)(36)

 

«الوعي الكوني»

الى الآن تحدثنا عن الوعي الكوني في شخصية الانسان المسلم، ويتمثل في الاساس بوجود الله تعالى، وارتباط الاحداث، والاشياء به وتذكره، ومعايشته الشعورية، وفي الادراك - بوعي - لمرحلية هذه الحياة،

{ 123 }

والاحساس بالموت. (انك ميت وانهم ميتون) وبالحياة الاخرى.

ونستدرك هنا ونضيف الاحساس بحكمة الحياة والتقدير الشامل في الوجود، والاحساس بهذين الامرين (التقدير، الحكمة) دور حياتي مهم قد تأتي الاشارة اليه فيما بعد عند الحديث عن الرضا بالقضاء، والقدر.

وقد قلنا سابقاً، ان كل انسان مسلم يؤمن بهذه الامور، ويفهمها، ومهمة الاعداد الروحي الذي يهدف الى بناء الشخصية الاسلامية التي لا يكفي فيها ان تفهم وتؤمن بهذه الاشياء وانما هو (تحسيس) المسلم بهذه الاشياء وتوعيته الوجودية.. التي يوسع من خلالها افقه، ويرتبط بالله تعالى، وينمي من شخصيته باتجاه النصح، وامتلاك النفس امام صغائر الامور، وتفاهات الحياة الدنيا، وخلق حالة الطمأنينة النفسية، والاستقرار الانفعالي، وغير ذلك من الامور، والمعاني النفسية : التي لا يمكن بناؤها، وتربيتها الا من خلال التوعية الوجودية، والتحسيس بالحقائق الوجودية الكبرى التي تدرك الشخصية الاسلامية من خلال ادراكها والتحسس بهذه الاشياء في اطار شامل، ونظرة كلية وتعيها في سياقها الوجودي، وارتباطاته الكونية الثابتة.

و(التوعية) الوجودية في المنطق التربوي الاسلامي هي منطلق التغيير ومبتدأه الاساسي، الذي يقوم عليه التغير الاسلامي، والتربية الاسلامية. والتربية التي تنطلق من التوعية على الله، وتقديره، وحكمته والتحسيس بالحياة نعمها، وفتنها، والمسؤولية فيها، وبالآخرة نعيمها، وعذابها وغير ذلك من عناصر الوعي الكوني الاسلامي، هي التربية السليمة الأمينة

{ 124 }

التي لا يخشى من نتائجها وآثارها لا من الناحية الدينية، ولا من الناحية النفسية، ولا من الناحية الجهادية.

ونشير اخيراً الى ان التربيات المعاصرة الممثلة للحضارة الغربية، وقيمها يتوزعهما اتجاهان كل منهما يتناقض مع التربية الاسلامية ذلك ان احدهما يقوم على اساس اهمال التوعية الوجودية، أو التحسيس الكوني الشامل مدعوماً باتجاه فلسفي، وضعي، يميل الى التعرف على المعاني الكلية الشاملة، ويقصر دور الانسان المعرفي والادراك البشري في حدود الجزئي والواقع ان هذا الاتجاه الفلسفي (اتجاه الوضعية والوضعية المنطقية) اتجاه مرفوض من الزاوية المنطقية وفهماً اجتماعياً باعتباره اتجاهاً فكرياً، يقصد من ورائه تثبيت الواقع الغربي الراهن، وتجميد قوة الرفض، والثورة التي لا يمكن ان تقوم الا على اساس فكرة شاملة تخرج عن الاطار الضيق للجزئيات، والوقائع الحياتية الحاضرة بحيث تحدد الممكن والضروري.. والسليم من وجهة نظر السياق العام للتاريخ، والطبيعة، والمنطق الاخلاقي، وهي معاني مستحيلة من وجهة النظر الوضعية.

والاتجاه الآخر يقوم على اساس التوعية الالحادية.. في :

1 - انكار وجود الاله الحكيم.

2 - وقصر حياة الكائن الانساني في حدود هذه التجربة الضيقة من الحياة.. وهي توعية لا تفرق - من حيث الآثار السلبية - عن التوعية الاولى القائمة على اساس تحديد الافق البشري داخل الاطار الحسي، والجزئي، إن لم تزد عليها في السلبيات.

{ 125 }

ونحن هنا لا نريد ان ندرس الاتجاهات التربوية المعاصرة، بل ولا حتى الاتجاه التربوي الاسلامي من الزاوية العلمية.. لان اسلوب هذا البحث وهدفه ينحصران داخل الاطار العملي ولا يتصلان بحال بالابحاث العلمية والجوانب النظرية.. وانما يهم هنا ان نشير الى طابع (التجاوز) تجاوز الاطر الحسية، والجزئية، الذي يتمثل بالتوعية الاسلامية الوجودية حيث يستعلي الانسان المسلم على هذه الاطر، ويتعامل مع الكائن الوجودي المحض الذي يميزه عن عرض المادة، وهيمنة الحس البشري. وهو يحقق بذلك مرحلة جديدة للانسان تترك وراءه كل المراحل ضيقة الافق، محدودة الشعور.. وفي طابع (التجاوز) على الاطر الحسية، و(الشمول)، وادراك الاشياء في سياق كلي، ونظرة شاملة و(المعنى) الذي يضيفهُ الاسلام على الحياة، والترابطات التي تحكم الاحياء، والاشياء، تلخص سمات الوعي الاسلامي للكون والحياة، وهي سمات ذات اثر خطير على الحياة النفسية للانسان المسلم. وقد يمكن تلخيصه في الانفتاح على الحياة، وفي عدم تصنيمها وعبادة ما فيها من اشياء، وفي الاستقرار النفسي، وروح الالتزام الاخلاقي التي يبعثها التعامل الشعوري مع الله ذي الاسماء الحسنى وكل سمات الخير، والجمال.

 

«الوعي التاريخي»

والى جانب التحسيس الوجودي، والتوعية الكونية، يقوم القرآن الكريم، والسنة المطهرة بعملية توعية تاريخية تحسس الانسان المسلم بمجموعة من القضايا التاريخية التي تتصل بالنشاط الانساني التاريخي، والصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال في التاريخ البشري.

{ 126 }

ونستعرض هذه القضايا بشيء من الشرح، والتفصيل فيما يلي من نقاط :

أ - الشعور بحركة الاحداث :

قد يمر الانسان بمرحلة تاريخية تنغلق فيها ابواب العمل وتتجمد فيها حركة الدعوة، يغلب فيها الباطل في جولة خاطفة مع الحق، ويجد الجاهلية في حالة من القوة والسيادة والتمكن في الارض، ويجد اهل الجاهلية يتقلبون في الارض ويعثون فيها الفساد بلا رادع ولا معارض، والمؤمنون الى جانب هذا مستضعفون محاربون من كل حدب وصوب ومضيق عليهم في كل جوانب حياتهم الايمانية.

قد يمر الانسان المؤمن بهذه المرحلة، ويجمد عقلياً بهذه الفترة القصيرة من عمر الزمن، وعمر الحياة.. ويفكر بهذا الوضع على انه امر واقع، لا مفر منه، ولا دافع له ويخلده ويصنمه. وهو في هذه اللحظة يجمد التاريخ ويثبت ظواهره الفانية الزائلة.

والقرآن الكريم يعالج هذه الحالة فيما يعالجها عن طريق التحسيس بحركة التاريخ، وحركة الاحداث، والظواهر التاريخية.. وعن طريق توسيع افق الانسان المسلم وتكوين العقلية التاريخية لديه، وتعليمه على ان يفكر في هذه اللحظات، بما هو جزء من مسلسل الحدث التاريخي المتغير باستمرار، والمتحرك على الدوام. ومن اجل هذا الهدف التربوي الكبير نفسر مجيء الكثير من القصص التاريخية في القرآن الكريم.

{ 127 }

(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم، وبئس المهاد)(37)

(وان يكذبوك، فقد كذبت قبلهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوام ابراهيم، وقوم لوط، واصحاب مدين، وكذب موسى فامليت للكافرين ثم اخذتهم فكيف كان نكير، فكأين من قرية اهلكناها، وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها، وبئر معطلة، وقصر مشيد، أفلم يسيروا في الارض ؟ فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فانها لا تعمى الابصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)(38)

(وكأين من قرية امليت لها وهي ظالمة ثم اخذتها والي المصير)(39)

(وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين، فاجعل لي صرحاً لعلي اطلع الى إله موسى، واني لاظنه من الكاذبين، واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق، وظنوا أنهم

{ 128 }

الينا لا يرجعون فاخذناه، وجنوده، فنبذناهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين)(40)

(ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة. اذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين.. قال : انما أوتيته على علم عندي أوَلم يعلم أن اللّه قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه، وأكثر جمعاً ؟ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون)(41)

هذا وتحفل النصوص الواردة عن اهل البيت (ع) في تركيز تربوي، يعمق للاحساس بحركة الاحداث وهي الآيات القرآنية تهدف الى ذلك بالنسبة الى جهتين : جهة اصحاب السلطان، والغنى، واهل النعمة، والثراء.

والجهة الاخرى، هي الجهة المؤمنة المجاهدة التي تتعرض لالوان الاضطهاد، والتكذيب.

تقول النصوص لاصحاب السلطان، والغنى، واهل النعمة واليسار ان لا تطغوا.. واعتبروا بمن كان قبلكم قبل ان يعتبر بكم من يأتي بعدكم، واعلموا ان الدنيا في حركة مستمرة تطحن كل المستغلين المتكبرين في

{ 129 }

الارض والراكضين وراء المراكز والمكانات.. والظالمين للناس.

وتقول للمؤمنين لا تنظروا الى اوضاع الجاهلية كأمر واقع لا مرد له ولا دافع.. وسّعوا من افقكم التاريخي.. وانظروا الاشياء، والاوضاع في حركة مستمرة، والى حياة الطغاة كمتاع قليل.. لا تيأسوا ولا تقنطوا فان الفراعنة الى انتهاء وان اوضاع الكفر الى زوال.

ان ضيق الافق التاريخي، وتصنيم المرحلة العابرة، والنظر الى اوضاع الانحراف، كأمر واقع مستقر ينتهي الى نتائج سلبية عديدة.

ينتهي اولاً : الى حالة الضيق، وفقدان الامل.. واليأس مما يضعف، أو يعدم الاندفاع الرسالي، والحركة، والفعالية المؤمنة.

وينتهي ثانياً : الى التنازلات العملية من اجل الانصهار في التيار، والتواجد في المجتمع الذي لا يؤمل في تغييره، والقاعدة في هذا المجال تقول : ان الانسان الذي يفقد الامل في عملية التغيير الاجتماعي، يبدأ في تغيير ذاته ومواقفه من اجل الانصهار في المجتمع، والذوبان فيه.

وينتهي ثالثاً : الى التنازل الفكري، أو مراجعة الذات والتشكيك في الموقف المبدئي الذي يعتنقه الانسان الذي يصنم المرحلة.

هذا الى غير ذلك من الآثار والنتائج المترتبة - بحكم قوانين نفسية - على النظرة المصنِّمة للمرحلة.

ومن هنا نعرف قيمة التدخل الرباني، والتوجيه القرآني الكريم

{ 130 }

للرسول (ص) عندما تجمدت دعوته في مكة وتجمد عمله - بعد وفاة ابي طالب - اذ من الممكن في هذه الحالة ان يصاب الصف المؤمن بهذه المعاني السلبية من جراء هيمنة الجاهلية، وحيلولتها دون تقدم العمل الاسلامي آنذاك.

فنزل - فيما يقال - قوله تعالى :

(فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء، ما يعبدون الا كما يعبد آباؤهم من قبل)

(والمرية هي الاثر الفكري السلبي لعملية التصنيم).

(فاستقم كما امرت، ومن تاب معك، ولا تطغوا انه بما تعملون بصير، ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار)(42)

(والركون الى الذين ظلموا هو الاثر العملي السلبي الذي يحذر منه الله تبارك وتعالى رسوله ومن تاب معه).

ب - الشعور بوحدة المسيرة :

ان وراء التعدد الهائل والكثرة الهائلة للانبياء والمرسلين والائمة، والصالحين، ووراء هذا التعدد في رسالتهم وشرائعهم، ووراء التعدد في اساليبهم، ومراحلهم.. وراء كل ذلك وحدة.. وحدة.. في النموذج الرسالي، وشخصية الدعاة (الرسل، الانبياء، الائمة)، ووحدة الرسالة

{ 131 }

التي يحملونها رغم الاختلاف، الذي يبدو في بعض التشريعات ووحدة في الدعوة، والعمل، وترابط في المراحل والمهمات.

اما كيف يكون هذا الترابط ؟ وكيف تكون الوحدة فهذا موضوع آخر للبحث، والتفكير.. غير ان المهم هنا الاشارة الى ضرورة التحسيس بهذا المعنى.. وضرورة استشعاره للمؤمن،. فان هذا الشعور ينتهي من الناحية النفسية الى ارقى المعاني التي تكون زاد المؤمنين العاملين، ووقودهم في الجهاد، التوحد مع الانبياء والصالحين، ومحاولة الانصهار في نهجهم الرباني، وعبادتهم، وعبوديتهم لله تعالى والاعتزاز بالنسب التاريخي العريق.. والثقة بالنفس والتعزي عند البلاء والمواجهة بمواجهات الموكب الكريم والرهط الكريم والاستفادة من تجاربهم في العمل والجهاد (والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان انه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم : نوح، وابراهيم، واسماعيل، واسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام).

(وان هذه امتكم امة واحدة، وانا ربكم فاتقون)

هذا الموكب الكريم الممتد في شعاب الزمان من قديم، يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة، وازمات متشابهة وتجارب متشابهة على تطاول العصور، وكر الدهور، وتغيير المكان، وتعدد الاقوام، يواجه : الضلال، والعمى، والطغيان، والهوى، والاضطهاد، والبغي،

{ 132 }

والتهديد، والتشريد، ولكنه يمضي في طريق ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقاً من نصر الله، متعلقاً بالرجاء فيه، متوقعاً في كل لحظة وعد الله الصادق والاكيد.

(وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ارضنا أو لتعودن في ملتنا فاوحى اليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم في الارض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)(43)

(موقف واحد، وتجربة واحدة، وتهديد واحد ويقين واحد، ووعد واحد للموكب الكريم.. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف وهم يتلقون الاضطهاد، والتهديد، والوعيد).

ولعل في اعتبار القرآن الكريم الايمان بما انزل من قبل الرسول الايمان بالرسل السابقين وصفاً للمتقين.

(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب.. والذين يؤمنون بما انزل اليك، وما انزل من قبلك)(44)

وامره بذلك.

(قولوا آمنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى

{ 133 }

ابراهيم، واسماعيل، واسحاق، ويعقوب، والاسباط وما أوتي موسى، وعيسى، وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم، ونحن له مسلمون)(45)

لعل في ذلك، وغيره تربية للمؤمنين على هذا الشعور، والاحساس بوحدة المسيرة.

ولعل في قوله تعالى :

(يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، واعملوا صالحاً اني بما تعملون عليم، وإن هذه امتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون، فتقطعوا امرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون)(46)

دلالة على تحسيس الله تعالى رسله بوحدة خطهم، ووحدة ملتهم، ودعوتهم، واشعارهم بان خطهم مترابط الحلقات، مترابط المراحل.. حتى جاء اتباع الرسل فقطعوا امرهم، وحولوا الوحدة الى تعدد في الخطوط والاتجاهات، وصنمت كل طبقة منهم المرحلة التي فيها حتى اصبحوا احزاباً، وشيعاً كل حزب بما لديهم فرحون. فمن الواضح اننا عندما نقول : بان خط الرسل واحد ومسيرتهم واحدة، فلا يعني هذا انه لا يوجد تنوع ضمن هذه الوحدة.

اذ من الواضح ان الله سبحانه قد جعل لكل شرعة ومنهاجاً، ومن هنا

{ 134 }

تنوعاً في تفصيلات الرسالة، ومراحل العمل غير ان هذا التنوع يخدم الوحدة.. والهدف الواحد للمسيرة كلها.. والانسان الذي يتلقى من الله سبحانه هذه الرسالة الواحدة يعمل على توزيعها الى اتجاهات متناحرة مستغلاً الفوارق المرحلية في خطوط العمل لهذه الرسالة الواحدة.

ج - الاحساس بحتمية الانتصار النهائي :

والى جانب الشعورين الاولين : الشعور بحركة الاحداث، والشعور بوحدة المسيرة المؤمنة، يوجد لدى المؤمن شعور تاريخي ثالث هو، الشعور بحتمية الانتصار.. انتصار قضية الرسالة الربانية وان كل هذا الصراع، وكل هذه المعاناة والجولات بين الحق والباطل، انما هي تمهيدات ضرورية للتغير الاجتماعي الاسلامي العالمي بالصيغة التي يريدها الله تعالى، وان كل يوم يمر هو اسراع زمني بالنصر، وتقدم نحو اليوم الموعود.

أرأيت وعد الله :

(وعد اللّه الذين آمنوا منكم، وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون)(47)

{ 135 }

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر، ان الارض يرثها عبادي الصالحون)(48)

فمهما طال النصر على اجيال الرسالة، وضاقت الارض بهم فان النتيجة الحاسمة.. في المنطق الرباني الذي لا يكذب ولا يخطأ.. هي للذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وللايمان والعمل الصالح.. ذلك ان الله سبحانه قد خلق هذا الانسان، وكل ما سخر له، وانزل كل الكتب، وارسل كل الانبياء الذين نعرفهم، والذين لا نعرفهم من اجل هذه الغاية.

(وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)

وما تجارب الصراع.. بين الهدى، والضلال الا من اجل الوصول الى هذه الغاية.

وقد تسأل هنا : اذن لماذا هذه المدة الطويلة والزمن المديد، ولم تتحقق النبوءة الاسلامية، ولم يتحقق النصر الكامل للايمان على وجه الارض ؟

ان الله سبحانه-- خلق هذا الكون للفتنة والاختبار، لفتنة الانسان واختبار فعاليته الذاتية، ووجدانه الاخلاقي ولم يشأ سبحانه ان يفرض عليه قضية الايمان - لو شاء ذلك لهدى الناس جميعاً لان في فرض هذه القضية نقضاً للغرض الكوني الاصيل وهو (ان يحقق الانسان انسانيته واخلاقيته باختياره ومن خلال الهدي الالهي والهدي الالهي فقط) فيقتصر دور الله سبحانه في عملية التغيير الشامل على الهداية العامة.. والهدي النازل على الانبياء، وبعض التدخلات الاخرى.. اما الفعل التغييري،

{ 136 }

فللانسان ومن الواضح أن التغيير الاسلامي الشامل اذ يوكل الى الانسان ويعتبر مسؤوليته له سيكون عملية بطيئة طويلة الامد تحتاج الى قرون عديدة، وتأريخ مديد..

وحتمية انتصار الحق، واختتام المسيرة بالنصر الشامل ليست حتمية جبر والجاء، كالحتميات المادية المزعومة، وحتمية الجبر الديني المزعوم، وانما هي حتمية وقوع.. في علم الله تعالى ان سيختار للبشر الهداية، والاسلام.. وعلم الله لا يخطئ ولا يزل، وعلم الله تعالى لا يقلب الواقع وانما يعكسه ويكشفه ويحكيه وما دام سبحانه قد علم بان الانسان سيقوم بعملية التغيير الشامل باختياره - من خلال تدخل الهي لا يصل الى حد الجبر والالجاء، فسوف تقع علمية التغيير الاسلامي الشامل باختيار هذا الانسان وارادته من دون جبر، ولا الجاء.

لقد فشلت كل الحتميات المزعومة في الجمع بين (انسانية) التاريخ، وحتمية الحل المقترح لمشاكل الانسان.. وبقيت فقط الحتمية الالهية قائمة من دون جبر ولا الجاء (ولتفصيل البحث في ذلك مجال آخر).

وفي القرآن.. شكلان من الوعد بالنصر.

1 - الوعد المشروط، وهو ما كان من قبيل:

(ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم)

(وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)(49)

{ 137 }

وهو وعد يعبر عن قانون اجتماعي يتدخل بموجبه الله تعالى الى جانب الفئة المؤمنة في صراعها مع الباطل، اذا احسنت اختيار خطتها وصدقتها في عزمها، ونيتها.

2 - الوعد المطلق.. وهو الوعد الالهي الذي ينص على ان التغيير الاسلامي الواقع باختيار الانسان واقع لا محالة في مستقبل التاريخ.

(وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض)(50)

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر، ان الارض يرثها عبادي الصالحون)(51)

وكل من الوعدين يجب معايشتهما، والاحساس بهما من اجل المزيد من الدفع، والامل، ومزيد من الانفتاح، والتفاعل مع الحياة الاسلامية، والعمل في سبيل اللّه.

د - الشعور بالائتمام :

لقد ادخر الله سبحانه لعملية التغيير الشامل القائم على اساس الاسلام القائد المعصوم الامام الثاني عشر من أهل البيت (ع) وكان من فضله تعالى ان ابقى الامام حياً مدخراً الى اليوم الموعود، حياً يعيش بيننا، ويتعرف على أخبارنا، ويستطلع تجاربنا، فشلنا، ونجاحنا، ونحن نخوض ونواجه عملية التمحيص والاختبار، من اجل ان يستمر الشعور بوجود القدوة في وعي الناس.. ومن اجل أن يستشعر الانسان المسلم هيمنة الامام، وقيادته

{ 138 }

ليزداد دفعاً، وحرصاً واقداماً، وشعوراً بالاتزان والسكينة : بعد ان كانت الاعمال تعرض عليه في شبه تقارير اسبوعية يتعرف بها (ع) على نمو هذا وسقوط ذاك، وتوقف الثالث عند نقطة محدودة لا يحيد عنها.

وانتظار الامام (ع) له قيمة عملية كبيرة، سواء في كونها قوة دفع كبرى، أو في كونها تاكيداً لتعامل الانسان المسلم مع الغيب والايمان به.. ومن هنا الحت النصوص الواردة عنهم (ع) في ذلك واكدت على ثواب الانتظار وكونه من صفات المؤمنين هناك.. كما اكدت على المعنى الايجابي للانتظار نذكر منها :

عن الرضا (ع) عن آبائه (ع) قال :

قال رسول الله :

(افضل أعمال امتي انتظار فرج الله تعالى)

وعن السجاد (ع) قال :

(تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من اوصياء رسول الله (ص)، والائمة من بعده، وأن اهل زمان غيبته القائلون بامامته المنتظرون لظهوره افضل اهل كل زمان لان الله تعالى ذكره اعطاهم من العقول، والافهام والمعرفة، ما صارت به

{ 139 }

الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف اولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة الى دين الله سراً، وجهراً)

وقال (ع) :

(انتظار الفرج من اعظم الفرج)

(من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا اعطاه الله اجر الف شهيد، مثل شهداء بدر، واحد)(52)

وفي سبيل تربية الشعور بوجود الامام، والاحساس بذلك وتربية الشعور بهيمنته، وقيادته، وخلق روح الانتظار له والتطلع ليومه المبارك توجد مجموعة من الادعية، والزيارات والشعائر ينبغي للمسلم ممارستها لذلك وقد ورد الكثير منها عن اهل البيت (ع).

ويتصل بمسألة الشعور بالائتمام والاحساس بوجود الامام مسألة التواصل الشعوري مع الانبياء، والائمة (ع)، ونصبهم شعورياً رموزاً، ونماذج للاقتداء، والاحتذاء، والتأسي بهم في المجالات كافة، وهذا معنى اكد عليه القرآن الكريم في عملية توجيه الرسول (ص) واعداده. ومن هنا وردت الكثير من الآيات لحثه (ص) على الصبر كما صبر اولو العزم، وعلى

{ 140 }

ذكرهم، وتمثلهم الذهني.

من اجل الاقتداء بهم عملياً من قبيل قوله تعالى :

(اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب)(53)

(واذكر عبدنا ايوب، اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بنصب وعذاب)(54)

(واذكر عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب اولي الايدي والابصار انا اخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار، واذكر اسماعيل، واليسع، وذا الكفل، وكل من الاخيار. هذا ذكر وان للمتقين لحسن مآب)(55)

 

«الوعي الذاتي»

وللانسان المسلم رؤى فكرية تتصل بالذات كماله ذلك في مجال الوجود والحياة، والتاريخ.. ووعي الذات والتحسس بالمعاني المرتبطة بها.. هو الطريق الطبيعي أو الخطوة الطبيعية والتي يجب ان تضاف الى خطوة الوعي الرسالي.. و.. في سبيل التنمية، والبناء.

وللوعي الذاتي.. اشكال، وعناصر :

{ 141 }

1 - الاحساس الاخلاقي، والشعور بالمسؤولية. وكما يختلف الانسان المؤمن عن الانسان الجاهلي في طريقة الشعور بالحياة، وقيمتها ومعناها، كذلك يختلف عنه في الاحساس الاخلاقي، ونحن نعرف: ان للعقل البشري مدركاته العملية التي بها ما ينبغي وما لا ينبغي فعله، الا ان الانساني الجاهلي - بسبب اتجاهه الى الدنيا من الناحية العملية - يجمد هذا الشعور الانساني الرائع فلا يعيش أي مسؤولية اخلاقية في الحياة، اما الانسان المؤمن، فان طريقته في التعامل مع الكون، ومع الله تعالى، ومع الذات تنشط عنده كافة المشاعر الاخلاقية، والاحساس الاخلاقي بالالزام والمسؤولية. والمقاييس الثابتة للسلوك التي تفوق معاني اللذة والشهوة.

ان افتقاد الشعور بالمسؤولية، والالزام، والقيمة الاخلاقية للافعال من اوضح معالم الشعور الجاهلي، شعور الانسان الضائع الذي ينغمس في لذته ما امكنه الانغماس، والتردي والقلق الذي جعله يتذبذب بين العوالم المشتتة للنفس، والسلوك.

(والذين كفروا يأكلون، ويتمتعون كما تأكل الانعام)

بينما يعليه الانسان المؤمن (فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها او المرسلة شغلها تقممها، تكترش من اعلافها، وتلهو عما يراد بها، أو اترك سدى، واهمل عابثاً).(56)

والانسان المؤمن لا يحس احساساً اخلاقياً بالحياة وينمي مدركاته العملية من خلال تنميته للاحساس بالعبودية لله تعالى فقط، وانّما يشعر

{ 142 }

بالمسؤولية امام ظواهر معينة في الحياة، وباهداف معينة محددة.

فالانسان المؤمن يشعر بالمسؤولية تجاه ذاته.. ومن اجل تغييرها، وتوجيهها نحو الله تعالى، مسؤولية التوبة والعودة الى الله والاستغفار من الذنوب، والاقلاع عن السيئات مسؤولية تنمية العلاقات مع الله تعالى، ومسؤولية التنمية الثقافية، وتلافي نقاط الضعف الروحي والنفسي، والعملي، التي لا ينفك عنها انسان وكذلك يشعر بالمسؤولية تجاه الناس والانحراف الذي يعيشون فيه ويشعر بانه راع، ومسؤول عن رعيته و(ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض. ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الانبياء، ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب وترد المظالم، وتعمر الارض، وينتصف من الاعداء، ويستقيم الامر).(57)

وقد تدرس نصوص الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر وتشكل انطباعاً بان الاسلام يعتبر كل فرد مسلم مسؤولاً عن تصرفات الآخرين الا بعذر.. هو مسؤول عن (دفع) الفساد كما هو مسؤول عن (رفعه) وان الانسان الذي يسكت عن المنكرات، والمحارم مشارك فيها.. معاقب عليها.

ان الشعور بالمسؤولية تجاه الانحراف الاجتماعي هو بداية افتراق الانسان المسلم العامل عن غيره من المسلمين ومن المؤكد عندئذ ان الشعور بالمسؤولية ليس (فضلاً) للانسان العامل على غيره من الناس عند الله تعالى وقد يكون الانسان الذي لا يحس بمسؤولية تجاه الناس نتيجة لعدم احساسه بالانحراف، أو نتيجة لاتجاهه الى اعمال اسلامية اخرى، أو نتيجة لايمانه

{ 143 }

بمعذوريته من الناحية الشرعية قد يكون هذا الانسان افضل مكاناً عند الله تعالى.. ان منازل الناس عند الله تعالى لا يحددها الوعي والشعور بالمسؤولية وانّما تحددها درجة (الانقياد) الى الله تعالى، والقرب منه، والعبودية له. وان هذا لا يعني بالطبع الغض من قيمة الشعور بالمسؤولية، والاحساس بالانحراف امران ضروريان.. ويجب التوصل اليهما بمختلف الوسائل، والاساليب لانهما بداية انطلاق العمل الجهادي في سبيل الله، ودفع المنكرات التي تسخط الله.. وغاية ما نريد ان القيمة الدينية والاخلاقية ليست للشعور بالمسؤولية، والاحساس بالانحراف.. وانما للانقياد الى الله، وتنفيذ المسؤوليات المستشعرة وانت تستطيع أن تقول ان الانسان المؤمن الذي يعي انحراف الناس، ويشعر بمسؤوليته عن تغيير معالم الانحراف (انفع) للاسلام عملياً، واكثر عطاء وفائدة للمسلمين، ولكنك لا تستطيع ان تقول بأي حال من الاحوال انه اقرب الى الله من هذا الانسان المتعبد الذي لم تتح له الظروف ان يعي مسؤوليته الشرعية، فقد يكون هذا الانسان لجهله معذوراً امام الله، بينه وبين الله سر نجهله أو ولاية لا نعرفها.. وقد اخفى الله سبحانه - كما في الرواية - اولياءه في عباده..

الاعتزاز باللّه

2 - الشعور بالعزة والاستعلاء : قال الله تعالى :

(ولا تهنوا، ولا تحزنوا، وانتم الاعلون. ان كنتم مؤمنين)(58)

(ولله العزة، ولرسوله، وللمؤمنين)(59)

والمقصود بالاعتزاز الذي يشكل شعوراً لامعاً من المشاعر المؤمنة، هو

{ 144 }

الاعتزاز بالايمان، والانتساب الى الاسلام، والعمل في سبيل الله.

فليس يرضى الله للمؤمن بالانكسار، والشعور بالخيبة حتى في احرج اللحظات التي يطغى فيها الكفر، ويقتل فيها المؤمنون، وتضيق الارض الواسعة بهم حتى في هذه اللحظات الحرجة، والاوقات العصبية لا يشعر المؤمن بالضعف، والانكسار، والوهن، والضعة.. وكيف يشعر بالضعة والوهن، والذل، والانكسار من الى صفه الجبار العزيز المهيمن، والقادر المتعال ؟ فالمؤمن - كما في الرواية - عزيز في دينه وقد فوض الله اموره اليه، ولكنه لم يفوض اليه ان يذل نفسه.

ان لحظة استشعار الذل، أو الانكسار هي لحظة كافرة ولا يكون المؤمن في حالة هذا الشعور لانه شعور قائم اما على أساس نسيان الله، والانتساب الى السماء أو على اساس الاستهانة بالعلاقة مع الله تعالى - والعياذ بالله -.

وليس الشعور بالاعتزاز، والقوة في نفس المؤمن ناشئاً عن الشعور بالمكانة الاجتماعية، أو القدرات العلمية، أو غير ذلك من معاني الدنيا، وانما ينشأ هذا الشعور من الاحساس بالصلة بالله تعالى، والاحساس بعزته، وعظمته، وعزة المؤمنين به، والكادحين اليه. فهو في حقيقته اعتزاز بالمعنى الايماني الذي يشعره في نفسه، واحساس بقيمة الصلة بالله.

وكما يريد الله تعالى من المؤمن ان يكون عزيزاً في نفسه عزيزاً في مشاعره، كذلك يريد منه ان يكون عزيزاً في مواقفه عملاقاً شامخاً مستعلياً على الطغاة، واتباع الطواغيت حتى في أحرج اللحظات، عندما يقسو الزمن

{ 145 }

وتخون دنيا الناس ويتحكم في مصائر الامة شياطينها وطغاتها.

عن أبي عبد الله (ع) :

(ان اللّه فوض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يكون ذليلاً، اما تسمع ان الله عز وجل يقول :

فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً ثم قال : ان المؤمن اعز من الجبل، ان الجبل يستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء)(60)

(فالمؤمن ينبغي ان يكون عزيزاً، ولا يكون ذليلاً يعزه الله بالايمان والاسلام)

(ولله العزة، ولرسوله، وللمؤمنين)

ان استرحام الكافر، واستعطافه، والتذلل للطغاة بداية التنازل والانحراف، فعلى المؤمن ان يكون صلباً حازماً لا يستجدي العطف، وان كان يستعمل المرونة، والمداراة ولا يطلب الرحمة من الجبابرة وان كان يدخل معهم في فنون التعامل الحكيم، والمناقشات المبدئية.

الشعور الجماعي والشعور بالاخاء

3 - والشعور الجماعي هو ان يعيش المؤمن ذاته كعضو في جماعة.. وكفرد في امة مؤمنة من الناس.. وهذا الشعور اذا لاحظناه بالنسبة الى الامتداد الزماني سميناه - كما سميناه - بالشعور بوحدة المسيرة... واذا

{ 146 }

لاحظنا بالنسبة الى الامتداد المكاني، والمؤمنين المعاصرين سميناه بالشعور الجماعي.. وفي الشعور الجماعي.. كما يشعر المؤمن بذاته كفرد له خصوصياته الفردية أي يشعر بأناه الخاصة، كذلك يشعر بأناه الاسلامية العامة.. أناه كمؤمن، أو بكلمة اخرى يشعر بانه، جزء من جبهة الايمان وتكتل المؤمنين لله تعالى.. يشعر بذات عامة تجمع المؤمنين جميعاً.. وبالخصوص المؤمنين الذين يسيرون في طريق العمل، والجهاد في سبيل الله تعالى وليس في هذا التخصيص مانع أو حزازة، وقد سجله القرآن الكريم.

(ان الذين آمنوا، وهاجروا، وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله، والذين آووا، ونصروا، اولئك بعضهم اولياء بعض والذين آمنوا، ولم يهاجروا، ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)(61)

والشعور بالاخاء قريب من الشعور الجماعي.. والشعور الجماعي هو الشعور بالتكامل الايماني كجسد واحد فيه اعضاء واجزاء والشعور بالاخاء، هو الشعور بوحدة النسب نسب الايمان، والعقيدة.. نسب السماء لا نسب الارض ومعاني الارض من العنصرية، والاقليمية وغيرها.

وينتهي هذان الشعوران الى ما نسميه اليوم ب(المشاركة الوجدانية) أي شعور المؤمن بما يشعر به اخوانه من آلام، وافراح، وعواطف.

يألم اذا تألموا، ويفرح اذا فرحوا.

{ 147 }

عن أبي عبد الله (ع)

(انما المؤمنون اخوة بنو اب وام واذا ضرب على رجل منهم عرق سهر لها الآخرون)(62)

وعنه (ع) :

(المؤمن اخو المؤمن كالجسد الواحد ان اشتكى شيء منه، وجد الم ذلك في سائر جسده، وارواحهما من روح واحدة، وان روح المؤمن لاشد اتصالاً بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها)(63)

4 - التواضع :

أ : التواضع للّه.. ويقصد به الاستشعار المستمر لنقاط الضعف الروحي، والنفسي، والتقصير امام اللّه سبحانه وتعالى، وهو بهذا المعنى يتقابل مع الاعجاب بالذات والتكبر امام الله تعالى.. والعياذ باللّه.. والمن عليه بالاسلام، والعمل. وفي الرواية انه سئل الرضا (ع) عن حد التواضع الذي اذا فعله العبد كان متواضعاً ؟ فقال :

(التواضع ان يعرف المرء