فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

الفصل الأول المقصود من الجانب الروحي

 

{ 43 }

بسم الله الرحمن الرحيم

(يا أيّها المزمل* قم الليل الا قليلاً* نصفه او إنقص منه قليلاً* او زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً* انا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً* ان ناشئة الليل هي اشد وطئاً واقوم قيلاً* ان لك في النهار سبحاً طويلاً* واذكر اسم ربك وتبتل اليه تبتيلاً)

1 - 8 / سورة المزمل.

(إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم* التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه وبشر المؤمنين)

(111 - 112 / سورة التوبة)

 

{ 45 }

لا نقصد بالجانب الروحي في شخصية الانسان المسلم كثرة الصلاة والصيام والتعبد.. وان كان لكثرة التعبد والتنفل صلة وثيقة بالجانب الروحي في الشخصية..

ولا نقصد بالجانب الروحي كذلك حسن التعامل مع الناس والاخلاق الحسنة : كالشجاعة، والعفة، والكرم، والحكمة، والاحسان، وما شاكل ذلك وان كان للاخلاق صلة وثيقة بالجانب الروحي.

وانما نقصد بالجانب الروحي في شخصية المسلم - والذي يعتبر جوهرها ومضمونها - الصلة الداخلية للمؤمن باللّه تعالى وانشداده النفسي والعاطفي به تعالى من حيث الايمان والحب والاخلاص، وما يرافق هذه المعاني الثلاثة الرئيسية من خوف، ورجاء، وتواضع... الخ ان المضمون الداخلي المرتبط باللّه تعالى هو الجانب الروحي وهو الذي يشكل الاساس الذي يقوم صرح الشخصية الاسلامية بالكامل وتصدر عنه عناصرها الاخرى، وسماتها، وخصائصها المميزة عن الناس وعلاقة الايمان باللّه، وخوفه، ورجائه، والتواضع له والاخلاص.. بالعبادة الخارجية من صلاة وصيام واذكار علاقة تأثير متبادل يؤثر المضمون الداخلي للمؤمن فينتج عبادة وتنفلاً وصياماً وقياماً، وتؤثر العبادة الخارجية فتزيد في الايمان والحب، والاخلاص، والخوف، والرجاء، وكذلك الحال في الاخلاق والتربية الروحية هي بالنتيجة بناء هذه العلاقة الداخلية للمؤمن باللّه، وتنميتها،

{ 46 }

وتحصينها، والحفاظ عليها.

واذا تحددت الآن بصورة مجملة هوية الجانب الروحي والتربية الروحية فبامكاننا ان نطرح السؤال التالي حولها:

ما هي درجة الاهتمام التي يلزم ان نعطيها للجانب الروحي، والتربية الروحية ؟ وهل تستحق التربية الروحية لانفسنا، وللآخرين جهداً معيناً، وما هي درجة هذا الجهد ؟.

وبكلمة اخرى : ما هو موقع التربية الروحية من العمل الاسلامي ومكانتها فيه ؟

توجد في الجواب على هذا السؤال اتجاهات ثلاثة يسجلها التاريخ الاسلامي وهي :

(1) الاتجاه الصوفي.

(2) الاتجاه السياسي والفكري.

(3) الاتجاه الاسلامي المتكامل.

منهج التقييم

وقبل ان نستعرض هذه الاتجاهات بشيء من التفصيل من اجل تقييمها والتعليق عليها علينا ان نلمح الى المنهج الذي يحكم ويجب ان نحتكم اليه في تقييم الافكار التي تنتسب الى الاسلام وتحسب عليه..

{ 47 }

في كل خلاف فكري او مهمة فكرية عامة علينا ان نرجع الى المقاييس التي وضعها الاسلام ونحتكم اليها ونستلهم منها.. كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله واهل البيت الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وسيرتهم العطرة الطاهرة، فعن علي (ع) :

«اما اني سمعت رسول اللّه (ص) يقول : ستكون فتن قلت : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب اللّه، كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل هو الذي من تركه من جبار قصمه اللّه ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه.. هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى الى صراط مستقيم»(1)

وقال تعالى :

(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا اللّه ان اللّه شديد العقاب)(2).

وقال (ص) :

(اني تركت فيكم من ان تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي : كتاب اللّه حبل ممدود

{ 48 }

من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفونني فيهما ؟).

والرجوع الى المقاييس التي وضعها الاسلام في معرفة مفاهيمه وعقائده وتشريعاته امر طبيعي لاننا لا يمكن ان نتعرف على افكار أي شخص او جهة الا من خلال ما يعد من اساليب وطرق في تحديد افكاره ومواقفه ومن خلال ما يضعه من مقاييس في معرفتها.

والتصور الفكري والثقافي عن القرآن الكريم والسنة المطهرة - قولاً وفعلاً وتقريراً - والاحتكام اليهما في الخلافات لا يتم إلا بشرطين :

(1) الجهد الفكري بالتتبع والاستقراء لكل ما يتصل بالمسألة من آية، او حديث، او رواية، أو موقف. وعدم تسجيل المواقف، واتخاذ القرارات الفكرية الا بعد الدراسة الجادة، والتتبع المناسب لهذين المصدرين الاساسيين.

(2) الانفتاح النفسي على الكتاب والسنة وأن تكون لدى الباحث فيهما (روح التلقي) منها، وعدم التجاسر، والتأويل والتدخل من خلال فرض الاهواء والمسبقات. فان (المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه) كما ورد عن أمير المؤمنين (ع) وعن الامام الباقر (ع) في خبر صحيح : (واللّه إن أحب اصحابي اليَّ أورعهم وافقههم واكتمهم لحديثنا، وان اسوأهم عندي حالاً.. وامقتهم الذي اذا سمع الحديث ينسب الينا ويروى عنا فلم يقبله. اشمأز منه وجحده وكفَّر من دان به وهو لا يدري

{ 49 }

لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا)(3).

وعلينا ان نتذكر بصدد تطبيق هذا المنهج، ان اللّه سبحانه خلقنا في هذه الحياة للمحنة، والابتلاء،

وليس الابتلاء، الذي خلقنا من اجله هو ابتلاء أخلاقيتنا وعبوديتنا للّه سبحانه في اطار

الطاعة، والاستقامة على الخط الذي يشترعه للناس فقط، وانما ايضاً في مجال (تلقي) هذا الخط

وتفهمه ووعيه، ومن هنا فإنه سبحانه عندما أنزل الرسالة بيّنها للناس. وهداهم الى خطها وبصرهم بمفاهيمها وتشريعها، ولكن لم يكن هذا البيان من قبله حاسماً حدياً بل كان قابلاً للأخذ والرد، والتملص والركون، والنفي والاثبات.. لم يجعل اللّه تعالى البيان حاسماً حتى تكون فتنة واستجابات مختلفة من الناس ووضع المقاييس لكي يقيم الحجة على الفهم السليم ولكي يحيى من حي عن بيّنة..

ومن هنا كانت الفكرة مسؤولة وكان الانسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده كما هو مسؤول عن عمله.

(ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا)(4).

وكان هناك الناجح في فتنة التلقي.

(وبشر عبادي الذين يستمعون القول

{ 50 }

فيتبعون احسنه)(5).

والفاشل فيها.

(ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه)(6).

والآن نعود الى البحث في الاتجاهات العملية الثلاثة في مسألة التربية الروحية، وندرسها بشيء من التفصيل.

 

1 ـ الاتجاه الصوفي

تلقى الاتجاهات الصوفية الآن إهتماماً بالغاً من قبل المستشرقين، والكتاب المسلمين التابعين لهم او المستقلين عنهم في التفكير، وتدرس في العادة من التصوف موضوعات عديدة.. منها : لفظته، واشتقاقها، ونشأته وعواملها، وتطوره عبر القرون، ومفاهيمه التربوية والفلسفية والادب المتأثر او المعبر عنه.. الخ وتتوزع المواقف التقييمية - كالعادة - بين رافض للتصوف غاضب عليه، وبين مدافع عنه ومؤيد له ولا يقتصر المؤيدون للتصوف والاتجاهات الصوفية على بعض الباحثين الاكاديميين أو المستشرقين المعجبين بل نجد من له شأن يذكر في مجال العمل الاسلامي، وخدمة الاسلام من يدافه عن الاتجاهات الصوفية، ويعتبر الروحية الخاصة أساساً للعمل الجهادي، ويربط تاريخياً بين المنظمات الصوفية، وبين الدعوة الاسلامية، ومن هؤلاء أبو الحسن الندوي في كتابه (ربانية لا رهبانية) الذي نشره كما يقول : (قياماً بالواجب، واعترافاً بالجميل،

{ 51 }

ودفاعاً عن جماعة تدين لها بعض الاجيال، وبعض الاقطار بالدخول في الاسلام، او البقاء عليه) واكد فيه ان الجناية على التصوف جاءت من قبل المصطلح وكثيراً ما يجنى على الافكار والمفاهيم بسبب المصطلحات.

والواقع انه اذا كان يقصد من الصوفية التأكيد على الجانب الروحي والمضمون الداخلي الباطن، وكثرة العبادة، والزهد في الدنيا، ومجاهدة النفس، وذكر اللّه كثيراً. لذلك تكون المنظمات الروحية القائمة على هذا الاساس داخل الاطار الاسلامي شريعة، واخلاقاً فكل هذا من الاسلام حث عليه الاسلام وربى اجيالاً عليه واما اذا كان يقصد من الاتجاه الصوفي هذا الاتجاه الذي نعرفه في التاريخ الاسلامي والذي نضج في القرنين الثالث والرابع الهجريين فهو اتجاه ينطوي على بعض نقاط الضعف من الناحية الاسلامية وانتهت به - عند بعض الصوفيين - الى انحرافات واضحة، لسنا ننكر من هذا الاتجاه كثرة العبادة، وعملية التحرير الداخلي للنفس من اسر الشهوة، والرضى والتوكل، فقد قلنا ان هذا كله من الاسلام انما ننكر منه كاتجاه تربوي امرين الاول : انه يركز على التربية الروحية والعلاقة باللّه منعزلاً عن التأكيد على الجوانب الاخرى الضرورية في الشخصية الاسلامية، والعمل التربوي الاسلامي يجب ان يهتم ببناء الشخصية الاسلامية مضموناً، من حيث العلاقة باللّه وحبه وخوفه ورجائه.. الخ، واطاراً، من حيث الخلق والانفتاح الاجتماعي والعطاء والجهاد في سبيل اللّه، ومعرفة احكام الشريعة، ومفاهيمها.. ولا يركز على جانب دون آخر.. وبالخصوص فأن التأكيد على التربية الروحية عبر الرياضات، والافكار، والمجاهدات - باعتبار ان التعامل مع الغيب

{ 52 }

يصعب على الانسان ان يكون مستقيماً فيه من دون نهج إلهي يسير عليه في ذلك بمعزل عن الجوانب الاسلامية الاخرى من السهل أن ينتهي الى الانحراف والخروج عن خط الاسلام السلوكي والفكري في الحياة كما سوف نلاحظ ذلك في النتائج التي انتهت اليها الصوفية.. (الثاني) ان (هدف) التصوف لم يكن بناء الانسان العابد المطيع للّه تعالى، الملتزم بشريعته المنزلة منه الى عباده هدىً، ونوراً، ونهجاً، وحياة، وانما كان هدفه الوصول الى (مذاقات الاتصال بالوجود المطلق) و(الفناء) في الحقيقة المطلقة (اللّه)، أو ادراك الحقائق ادراكاً بالعيان، والقلب، و(الكشف)، و(العرفان) وغير ذلك من المعاني التي ان صحت من الناحية العلمية، ولم تكن اوهاماً ضائعة، فهي لا تصح هدفاً لعمل تربوي واسع ينطلق من الاسلام وللاسلام..

ونتيجة لنقطتي الضعف هاتين في الاتجاه الصوفي، برزت انحرافات عديدة عند الكثير من اهل التصوف على امتداد تأريخه الطويل، وهذه الانحرافات يتنكر بعض المتصوفة لبعضها ويتنكر بعض آخر منهم لبعض آخر منها ولكننا نعتبرها نتيجة طبيعية لروح ومضمون الاتجاه الصوفي.. ومن هنا لم يخل من بعض هذه الانحرافات حتى التصوف السني الذي يمثله الغزالي.. وفي (كتابه احياء علوم الدين) والذي يعتبر اقربها الى الشريعة.

وترجع الانحرافات التي ابتلي بها الاتجاه الصوفي الى انحرافات في الممارسات، وانحرافات في النتائج والافكار، ومن هذه الانحرافات العزلة، وتطليق الحياة الاجتماعية وممارسة السماع والرقص، والحزن، وتعطيل

{ 53 }

احكام الشريعة باعتباره الوصول الى درجة ترتفع معها التكاليف والهجوم المتكرر على العلوم الشرعية القائمة على أساس السماع لا الكشف، والاشراق، واشكال الانحراف العقائدي من حلول، وفناء، واتحاد، واللغة الخارجة عن حدود الأدب الشرعي مع الله تعالى، والطابع المستعلي على الرسالة الاسلامية الذي لا يفرق بينها، وبين غيرها من الشرائع.. الى آخر ما هنالك من انحرافات سجلها التأريخ على الاتجاه الصوفي..

ولا اظن اننا بحاجة الى تفصيل الكلام في هذه الاخطاء والانحرافات والرجوع الى تأريخ التصوف فيها..

شجب الرسالة لإرهاصات التصوف :

ان حركة التصوف تعتمد على ميل نفسي في كيان الانسان يؤدي عند تنميته، وتغذيته الى الانحراف.. وقد ادت تراكمات كثيرة الى ظهور حركة التصوف في التأريخ الاسلامي (الانحلال) الاخلاقي في العالم الاسلامي دخول الكثيرين من غير المسلمين في الاسلام مع احتفاظهم بترسباتهم الفكرية، والروحية، والفلسفة اليونانية والاتجاهات الغنوصية فيها الخ..

الا ان كل ذلك لم يكن ليعطي أثره لولا امران :

(1) - الانحراف بالميل الانساني الفطري الى التعامل مع الغيب واكتشاف المجهول.

(2) - سوء فهم تأكيد الاسلام على الصلة بالله والمعاني الروحية،

{ 54 }

والاخلاقية الاخرى.. فكان من الانسان أن (اندفع) من خلال ميله الفطري الى العزلة والتصوف و(برز) ذلك باسم القرآن الكريم، والسنة المعاصرة مع (صياغات) و(تأثرات) بالتيارات الفكرية والدينية التي تلاقحت عندما تزاوجت الحضارات الانسانية في الاسلام.

وبسبب الميل الفطري، والتأثر غير المتوازن بتعليمات القرآن الكريم، والرسول (ص) ظهرت هنا، وهناك بوادر الاعتزال، وتطليق الحياة الاجتماعية من أجل العبادة ولكن ائمة الهدى كانوا يقفون امام هذه الحالات، ويحولون بينها، وبين التطور الى ما لا ينسجم مع خط الاسلام في الحياة.

(1) - قال المفسرون : (جلس رسول الله يوماً فذكّر الناس ووصف القيامة فرق الناس، وبكوا، واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي واتفقوا على ان يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفراش، ولا يأكلوا اللحم، ولا الودك، ولا يقربوا النساء، والطيب، ويلبسوا المسوح، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الارض، وهمّ بعضهم ان يجب مذاكيره، فبلغ ذلك رسول اللّه (ص).. فقال لهم : ألم انبئكم انكم انقطعتم على كذا وكذا ؟ قالوا بلى يا رسول الله (ص) وما أردنا الا الخير فقال رسول الله (ص) : اني لم آمر بذلك ثم قال : ان لانفسكم عليكم حقاً فصوموا، وافطروا وقوموا وناموا فاني اقوم وانام واصوم وافطر، وآكل اللحم، والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني).

ثم جمع الناس (وهذا أمر له دلالة) وخطبهم وقال :

{ 55 }

«ما بال اقوام حرموا النساء، والطعام، والطيب، والنوم وشهوات الدنيا اما اني لست آمركم ان تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم، ولا النساء، ولا اتخاذ الصوامع، وان سياحة امتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد».

«اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، واقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا ليستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم فاولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله تعالى الآية.

(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان اللّه لا يحب المعتدين)»(7).

(2) - ونذكر حالة فردية في زمان الامام علي (ع) وهي :

دخل أمير المؤمنين (ع) على العلاء بن زياد الحارثي في البصرة - وهو من اصحابه - يعوده، فلما رأى سعة داره قال (ع) :

(ما كنت تصنع بسعة هذا الدار في

{ 56 }

الدنيا، وانت اليها في الآخرة احوج ؟ وبلى ان شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها فاذا انت قد بلغت بها الآخرة).

فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين، اشكو اليك اخي عاصم بن زياد، قال (ع) : وما له ؟ : قال : لبس العبادة وتخلى عن الدنيا قال علي (ع) علي به فلما جاء قال (ع) :

(يا عدي نفسه : لقد استهام بك الخبيث اما رحمت اهلك وولدك، اترى اللّه قد احل لك الطيبات، وهو يكره ان تأخذها؟ انت اهون على الله من ذلك ).

قال : يا أمير المؤمنين هذا انت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك قال : ويحك اني لست كأنت ان الله فرض على ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره.(8)

وفي زمن الامام الصادق (ع) اصبح (الزهد) تياراً لشيء من الانحراف، وحاربه الامام (ع) ايضاً يقول احد اصحابه كما في الرواية (لاقعدن في بيتي ولاصلين ولاصومن ولاعبدن ربي فأما رزقي فسيأتيني فقال ابو عبد الله (ع): هذا احد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم.

{ 57 }

وسأل عن رجل فقير اصابته الحاجة قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل في البيت يعبد ربه قال فمن اين قوته ؟؟ فقيل : من عند بعض اخوانه، فقال ابو عبد الله (ع) : والله للذي يقوته اشد عبادة منه).

 

2 - الاتجاه الفكري والسياسي

قد لاحظنا ان التصوف يركز بطريقته الخاصة على التربية الروحية ولكن المنعزلة عن ذاتها.. والمتوقع لها ان تخرج باستمرار افواجاً من المنحرفين عن الخط الاسلامي في الحياة سلوكاً، وافكاراً.. وقد ساعد على ظهور هذا الاتجاه كما سبق ان اشرنا اليه.. التحلل الاخلاقي، وتلاقح الفلسفات، والديانات مضافاً الى الميل الفطري، والنزوع الذاتي للتعامل مع الغيب وحث الاسلام على التربية الروحية، وتطهير النفس وتحريرها.

وفي المقابل ادى التحدي الثقافي الغربي، وهجمة التيارات الفكرية والاجتماعية المادية على العالم الاسلامي، وفقدان السيادة الاسلامية، والاستعمار العسكري والاقتصادي للبلاد الاسلامية ادى ذلك كله الى (رد) فعل اسلامي يؤكد على الجوانب الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية في الاسلام، وتنبيه المسلمين الى صلاحية الاسلام للتطبيق والانتهاج، وقدرته على اسعاد البشرية، وبناء المجتمع القائد من جديد.. كما فعل في الامس. ويؤكد أيضاً على محاربة الاستعمار، والفكر الاستعماري، والادوات الاستعمارية في البلاد المسلمة.

ولان هذه الاهداف بالمنظور الحسي انما تتحقق، بالتوعية الفكرية، والعلمية على الاسلام، وتحسيس المسلم بأوضاع المسلمين، وتخلف العالم

{ 58 }

الاسلامي في كل الميادين.

ولان الغرب تحدانا فكرياً وفي المنهج الاجتماعي وثقافتنا المعاصرة للكثير من المسلمين هي (رد فعل) للتحدي الغربي اقول : لهذا، اكد بعض الناس في عملهم التربوي على جانب التوعية الفكرية، والعلمية واهملوا التربية الروحية، وبناء العلاقة بالله في نفوس المؤمنين بالاسلام، والعاملين في سبيل الله والمستضعفين في الارض..

وهذا يؤدي عملياً الى التورم الفكري، والعلمي، وعدم التوازن في شخصية الانسان المسلم، وتغليب الاطار على المضمون، والفكر على الروح..

والانسان المسلم - كما هو الحال في المجتمع المسلم - قد يمر بحالات يكون فيها نشاطه العلمي، ونشاطه العقلي رد فعل لتيارات معادية.. ولكنه على العموم ينطلق من شخصية اصيلة، وثقافة اصيلة، وتاريخ اصيل.. وسرعان ما يعيد النظر في اوضاعه، ويبنيها لا على اساس (الرد)، وانما على اساس (الفعل) الاصيل الذي يمليه الانتساب الى السماء، والارتباط المطلق بالله، والرسالة الخالدة ذات الشخصية المتميزة بين الرسالات.. ومن هنا كان عباد الرحمن يمشون على الارض هوناً.. وينشطون هوناً لا يُستثارون، ولا يستفزون، واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.. كيف ؟ لانهم لا تبعثهم المخاطبة الجاهلية الى الرد.. وانما هم (سلام) الى حين تقرر رسالتهم فيه الحرب.. وهم (سلام) لا يثأرون لانفسهم ولا ينتقمون لانفسهم، وشخصيتهم.. ولا يردون على التحديات رداً تستلب فيه ذاتهم

{ 59 }

الرسالية، وشخصيتهم المستقلة..(9)

ولما كان كل عمل.. وكل تفكير.. انما هو من املاء الرسالة لا املاء سواها.. فعلينا باستمرار ان نرجع اليها، وننطلق منها لنؤكد بذلك نسبنا الاصيل، وشخصيتنا الاسلامية... وعبوديتنا الكاملة لله تعالى.. ونحن في مراجعة الرسالة كتاباً، وسنة، وتاريخاً.. نجد للتربية الروحية موقعاً اكبر.. واركز في طريقة العمل الاسلامي واهدافه.. ولكن في ضمن الاطار الاسلامي.. والاهداف الاجتماعية للاسلام..

 

3 - الاتجاه التربوي المتكامل

ويعطي هذا الاتجاه التربوي الروحي - بناء العلاقة الداخلية بالله من حيث الحب، والايمان، والاخلاق، والخوف، والرجاء، والزهد، وما شاكل ذلك، وبالوسائل المعهودة من الاسلام من الصلاة، والصوم، والتنفل بالعبادات، والذكر ومخالفة الاهواء الخ...

يعطي هذا الاتجاه التربية الروحية اهمية بالغة لان الرسالة اكدت عليها تأكيداً بالغاً، واعلت من شأنها وركزت عليها، ولكن التأكيد البالغ على التربية الروحية والاعداد الروحي لم يكن تأكيداً مستقلاً بهما دون الجوانب الاخرى، وانما هو ضمن الاهتمام العام بتربية وبناء الشخصية الاسلامية من جميع جهاتها.. حتى يكون الانسان المسلم مجسداً للاسلام في الفكر والروح والسلوك الشخصي والتعامل مع الناس أي متعلقاً بالله تعالى، ومتعاملاً معه بالطريقة التي يحددها الاسلام لهذا التعامل..

وبناء الشخصية الاسلامية.. هو الآخر جزء من الاهتمام بالمجتمع،

{ 60 }

والناس، وعملية الاصلاح، والتغير الاجتماعي.. لان الاسلام كما ينظر في اخلاقه، وتربيته، واحكامه للافراد كذلك ينظر الى المجتمع، والوحدات الاجتماعية التي يتألف منها الكيان الاجتماعي.

وهكذا فان الذي يقوله الاتجاه الاسلامي التربوي المتكامل هو :

(1) - التأكيد البالغ على الجانب الروحي، وتربية المضمون الداخلي المرتبط بالله تعالى.. ولكن باعتبار ذلك (جزء من كل) هو بناء الشخصية الاسلامية بمختلف جوانبها الفكرية، العقائدية، الروحية، والاخلاقية، والاجتماعية.

(2) - ان بناء الشخصية الاسلامية الذي تشكل التربية الروحية جزءاً منه هو الآخر ليس سوى (جزء من كل).. وهذا الكل الذي يعتبر الشخصية الاسلامية جزءاً منه هو الاصلاح الاجتماعي وتغير اوضاع الناس لتلتئم مع الاسلام، وتصدر عنه.

 

مناشئ الاهتمام بالتربية الروحية

وللاهتمام بالجانب الروحي ضمن العمل التربوي الاسلامي منشآن اساسيان :

(الاول) : ان الاصلاح الاجتماعي لا يتم من وجهه النظر الاسلامية السليمة، الا من خلال الاصلاح الفردي، ولن يصلح حال الجماعة الا بصلاح حال الفرد.. قال الله تعالى :

{ 61 }

( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وهكذا فأن بناء المجتمع الاسلامي عملية لا تحدث الا من خلال نمو كمي وكيفي.. في الافراد المؤمنين العابدين لله أي في الشخصية الاسلامية فان الشخصية الاسلامية من خلال تكاثرها وحدوث بعض المتغيرات الاجتماعية، تتجسد بشكل مجتمع اسلامي.

ولكن ما هي هذه الشخصية الاسلامية التي يبشر بروزها كظاهرة اجتماعية بالمجتمع الاسلامي ؟

هل هي الشخصية التي (تفهم) الاسلام وتتحسس بآلام المسلمين ؟ ! ام هي الشخصية المنعزلة التي تتعبد في زوايا المساجد معزولة عن الناس ؟ ام هي الشخصية العالمة المتفقهة والمستوعبة للتاريخ ؟ ام هي الشخصية الخلوقة، التي يشير لها الناس بالخلق الحسن، وطيب المعاملة، ولين العريكة ؟ !

الشخصية الاسلامية كل هذا.. وليست شيئاً من هذا.. الشخصية الاسلامية هي التي تفهم الاسلام وتعيه وتتحسس آلام المسلمين هذا صحيح لان.

(من لم يتفقه في دين اللّه لم ينظر الله اليه يوم القيامة ولم يزك له عملاً)(10).

ولان

{ 62 }

(من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم)(11).

الشخصية الاسلامية كثيرة العبادة كثيرة التهجد تعتزل الناس اياماً لاداء حق الله.. ثم .. تعود هذا صحيح ايضاً.. وصحيح ايضاً انه حسن الخلق من أهم سمات المؤمن لان

(اكمل الناس ايماناً احسنهم خلقاً)

كما ورد عن ابي جعفر عليه السلام(12).

صحيح هذا كله وصحيح ان الانسان المسلم انسان محسن معطاء انفع الناس للناس وانفع الناس للرسالة.. الا ان كل هذا من العلم، والخلق والعطاء، والعبادة الخارجية انما هو (اطار) الشخصية الاسلامية.. وللشخصية الاسلامية (مضمون) كما لها اطار و(محتوى) كما لها شكل..

ومضمون الشخصية الاسلامية.. هي العلاقة بالله، والتعلق القلبي به ايماناً، وحباً، ورجاءً، وركوناً، واخلاصاً.. هو التحرر الداخلي من اسر الشهوات، والعبودية الكاملة لله تعالى.. وهذه العبودية الكاملة لله تعالى والعلاقة النفسية، والقلبية اول ما تشتمل عليه، او تقتضيه هو السير وفق ما امر الله تعالى.

(قل ان كنتم تحبون اللّه فإتبعوني)

وتنفيذ ارادته التشريعية لله وهو الذي يحث على حسن الخلق، ويحث

{ 63 }

على الجهاد، والعطاء، والتفقه، والعلم، والعبادة، والذكر، كانت هذه الامور شروطاً ضرورية في الشخصية الاسلامية، و(اطاراً) لها نابعاً عن المضمون المذكور.

بالاطار والمضمون تتكامل الشخصية الاسلامية، فالمضمون بلا اطار لا يشكل شخصية اسلامية، وكذلك الاطار بلا مضمون لا يشكل شخصية اسلامية.. وكل هذا واضح من قراءة النصوص في ميادين العلاقة بالله تعالى، وميادين التعامل الاجتماعي، اذ كما تؤكد هذه النصوص على حسن الخلق والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد، كذلك تؤكد على اليقين والزهد، والذكر، والعبادة، والتوكل، وقيام الليل الخ.. وكما تؤكد على هذه تؤكد على تلك..

لا يقبل الاسلام علاقة بالله.. الا من خلال الالتزام بالشريعة فعن الامام جعفر الصادق (ع) عن آبائه عن امير المؤمنين (ع) قال : قال رسول الله (ص) :

(لا قول الا بعمل، ولا قول ولا عمل الا بنية، ولا قول، وعمل ونية الا باصابة السنة)(13)

وادانت النصوص اولئك المتعبدين الذين لم يقوموا بواجباتهم تجاه الرسالة..

وكذلك لا يقبل الاسلام جهاداً، أو عملاً، وغير ذلك الا بالاخلاص

{ 64 }

وعلاقة بالله..

(انما الاعمال بالنيات، ولكل إمرئ ما نوى فمن غزا ابتغاء مرضاة الله فقد وقع اجره على الله ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له الا ما نوى)(14).

(ومن طلب العلم، ليباهي به العلماء، او يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس اليه، فليتبوأ مقعده من النار ان الرئاسة لا تصلح الا لاهلها)(15).

والمضمون، والاطار يرتبطان بشكل وثيق، ويتفاعلان فيما بينهما فان المضمون - العلاقة الروحية بالله - يخلق الاطار، والاطار يخلق المضمون، ويكمل احدهما الآخر ليؤلفا الصورة السليمة للشخصية الاسلامية التي ارادها الله..

وقد يحدث احياناً ان يكون احدهما اضعف مستوى من الآخر دون ان يمس ذلك الصورة الكلية الشخصية.. ولكن التفاوت قد يبلغ حداً معيناً يعينه الاسلام يخرج بموجبه الانسان عن كونه شخصية اسلامية.

وعلى أي حال : فان الجانب الروحي، والمضمون الروحي للانسان المسلم هو جوهر، ومضمون شخصيته الاسلامية فاذا ما اريد ان يبدأ بالاصلاح الاجتماعي من بناء الشخصية الاسلامية، فمعنى هذا ابتداء

{ 65 }

الاصلاح الاجتماعي من تربية الجانب الروحي، وبناء الصلة بالله تعالى.. كجزء من كل، هو بناء الشخصية الاسلامية والتوعية الفكرية على الاسلام لها دور خاص - يضاف الى دور التربية الروحية في بناء الشخصية الاسلامية. لان الجهل، وعدم وعي الاسلام، روحاً واحكاماً، وافكاراً، كثيراً ما يفصل مضمون الشخصية الاسلامية عن اطارها لان

(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير الا بعداً)(16)

(ولا يقبل الله عملاً الا بمعرفة، ولا معرفة الا بعمل، فمن عرف دلته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، الا ان الايمان بعضه من بعض)(17)

ومن هنا ورد ايضاً ان

(لا عمل الا بنية ولا عبادة الا بتفقه)(18)

ان الشيء الذي لا زال اكثر الناس يجهلونه هو ان (الايمان بعضه من بعض) أو التوازن في شخصية الانسان المسلم، واعطاء كل شيء من الاسلام حقه، الروح والعقل والقلب والارادة فنرى بعض الناس يؤكدون على الفكر والثقافة الاسلامية المعاصرة.. ويدعون العبادة والتنفل وبناء القلب، والروح.. ونرى بعضهم على العكس يؤكد على التعبد.. والتنفل وبناء الصلة الداخلية بالله ولكنهم يهملون اطار الشخصية الاسلامية،

{ 66 }

ويتركون التفقه والتفقيه والعمل لله تعالى.. وكل هذا فيما اظن منبعه عدم وعي الاسلام وعدم التلقي من كتاب الله.. الذي يعرض في لوحات خالدة هذا التلاحم، والتكامل، والترابط الوثيق بين جوانب شخصية المسلم، ويعضد كتاب الله تعالى، ويصدر منه كما في باقي مجالات الحديث الوارد عن اهل البيت (ع).. ولنقتصر الآن على ذكر بعض الآيات الشريفة على أمل ان نعمل في وقت آخر ان شاء الله تعالى على جمع النصوص الحديثية الواردة في خصال المؤمن، وملامح شخصيته.. لكي نعي جيداً هذا الشمول والتوازن، والتكامل في شخصية الانسان المؤمن..

(1) (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم واموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم(111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه وبشّر المؤمنين) (التوبة / 111 - 112)

تبيين الآيتان الترابط بين الجانب الجهادي، والجانب العبادي، والعلمي

{ 67 }

(الامر بالمعروف) في شخصية المسلم(19).

(2) (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) (التوبة / 113)

تبين الآية نحواً من الترابط بين الجانب الجهادي، والجانب العلمي، وان كان بالنسبة الى المجتمع، لا بالنسبة الى كل فرد.

(3) (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً (63) والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراماً (65) انها ساءت مستقراً ومقاماً (66) والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً (67) والذين لا يدعون مع اللّه الهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللّه الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاماً (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً (69) الا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فاولئك يبدل اللّه سيئاتهم حسنات

{ 68 }

وكان اللّه غفوراً رحيماً (70) ومن تاب وعمل صالحاً فانه يتوب الى الله متاباً (71) والذين لا يشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراماً (72) والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين اماماً) (الفرقان / 63 - 73)

(4) (محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من اثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الانجيل، كزرع اخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، فاستوى على سوقه، يعجب الزراع، ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا، وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجراً عظيماً) (الفتح / 29)

الاعداد الروحي لتحمل القول الثقيل :

(المنشأ الثاني) : للاهتمام الاسلامي بالتربية الروحية وبناء العلاقة بالله تعالى هو، ان التربية الروحية اعداد لتحمل القول الثقيل، واعباء طريق ذات الشوكة بما فيه من تعرض للاغراءات، والضوابط، والمثبطات،

{ 69 }

والفتن.. وهذا هو الذي قدره الله تعالى لرسوله الكريم قدر انه سيتعرض (ص) لالوان من الضغوط الخارجية، والداخلية والاجتماعية والنفسية.. لتعذيب المشركين واستهزائهم واغرائهم، وطول مدة العمل معهم، وتصلبهم على الباطل.. الخ وسيتعرض (ص) الى تفكك في الصف، وتزلزل المؤمنين الى آخر ما هنالك من مكاره، وفتن.. قدر هذا سبحانه كله بالنسبة الى الرسول (ص) فأعده اولاً... وفتح له دورة تربوية روحية شاقة، ولكنها ضرورية، وحاسمة.. فما هي هذه الدورة التربوية الروحية ؟ هذا ما تشرحه الآيات الاولى من سورة المزمل :

(يا أيها المزمل، قم الليل الا قليلاً، نصفه او انقص منه قليلاً، أو زد عليه، ورتل القرآن ترتيلاً، انا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً، ان ناشئة الليل هي اشد وطأ واقوم قيلاً، ان لك في النهار سبحاً طويلاً، واذكر اسم ربك وتبتل اليه تبتيلا) (المزمل 1 - 8)

وقد مر رسول اللّه بثلاث مراحل من الاعداد والتوجيه والتربية الروحية لتحمل القول الثقيل :

المرحلة الاولى : مرحلة ما قبل الوحي.. من اجل تلقي الكلمة والرسالة اذ كان رسول الله (ص) (يتحنث في غار حراء - قبل البعثة بثلاث سنوات - أي يتطهر ويتعبد - وكان تحنثه عليه الصلاة والسلام شهراً من كل سنة، هو شهر رمضان يذهب فيه الى غار حراء على بعد ميلين

{ 70 }

من مكة، ومعه اهله قريباً منه فيقيم فيه هذا الشهر ويطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة، والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة.. وكان اختياره (ص) لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله له، ليعده لما ينتظره من الامر العظيم.. ففي هذه العزلة كان يخلو الى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة، وشواغلها الصغيرة، ويفرغ لموجبات، ودلائل الابداع، وتسبح روحه مع روح الوجود، وتتعانق مع هذا الجمال، وهذا الكمال، وتتعامل مع الحقيقة الكبرى، وتتمرن على التعامل معها في ادراك وفهم.

(ولا بد لاي روح يراد بها ان تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة اخرى..

لا بد لهذه الروح من خلوة، وعزلة بعض الوقت وانقطاع عن شواغل الارض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة لا بد من فترة للتأمل والتدبر، والتعاون مع الكون الكبير، وحقائقه الطليقة، فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له فلا تحاول تغييره اما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من اسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبيرة لرؤية ما هو اكبر، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة الى عرف الناس والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع..

(وهكذا دبر الله لمحمد (ص) وهو يعده لحمل الامانة الكبرى، وتغيير وجه الارض، وتعديل مسار التاريخ، دبر له هذه العزلة له قبل تكليفه

{ 71 }

بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهراً من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد هذا التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله)(20)

هذه هي فترة الاعداد الاولى في حياة الرسول (ص) وقد كان هدفها ان يصل الرسول (ص) الى مستوى تنزل الوحي عليه وان كان (ص) من جهة عامة اهلاً لذلك في كل حين.. لم تكن هذه الفترة من الاعداد بتوجيه مباشر (وحي) من الله.. لانها اعداد الوحي.. وان كانت بهداية منه تعالى لرسوله الكريم.. واما الاعداد الثاني للرسول (ص) من الزاوية الروحية فهو الاعداد الروحي بعد الوحي من اجل الدعوة والتبليغ، وتنمية القدرة على المواجهة، والصبر، والتحمل، والاستقامة في معامع الطريق.. وهو الذي أمر اللّه تعالى رسوله به في أوائل سورتي المزمل والمدثر.. وإن كانت في السورة الأولى أوضح وأجلى.. وقد مرت آياتها بنا عن قريب.

ومن الواضح من خلال هذه الآية ان الله تعالى انما يأمر رسوله الكريم بقيام الليل نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه بسبب انه سيلقي عليه القول الثقيل.. وان قيام الليل بهذا المقدار هو اكثر من غيره قدرة على بناء الروح وربطها بالله تعالى لتتحمل القول الثقيل.. ومن الواضح أيضاً ان القول الثقيل هنا ليس المراد به الوحي لان الآيات النازلة هي وحي، ومسبوقة بالوحي.. انما المراد به - والله تعالى اعلم - الامر بالتبليغ والدعوة والمجاهرة.. وهو امر ثقيل، بما يلزم عنه من الوان الاضطهاد الجسمي والنفسي على الرسول (ص) والمؤمنين معه (وان الاستقامة على هذا الامر بلا تردد ولا ارتياب، ولا تلفت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب، والمعوقات، لثقيل، يحتاج الى

{ 72 }

استعداد طويل - وان قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها والاتصال باللّه، وتلقي فيضه ونوره، والانس بالوحدة معه، والخلوة اليه، وترتيل القرآن والكون ساكن، وكأنما يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به ارجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لغط بشري ولا عبارة، واستقبال اشعاعاته وايحاءاته وايقاعاته في الليل الساجي. ان هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل وينير القلب في الطريق الشاق والطويل، ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير (21).

وتذكر بعض الروايات انه (ص) واصحابه قاموا - بعد ان نزلت اوائل سورة المزمل - الليل سنة كاملة. وقيل عشر سنين حتى تورمت اقدامهم، فأنزل الله تعالى عليهم التخفيف الذي في آخر السورة..

ونعني بالاعداد الثالث للرسول (ص) تغذيته الروحية أو التوجيهات الروحية المتكررة من الله سبحانه.. باستمرار مسيرة دعوته المباركة.. وهي آيات مبثوثة في القرآن الكريم، ولعل في جمعها ودراستها هي وآيات الاعداد الثاني خيراً كثيراً للمؤمنين.. وهي على العموم كانت تتنزل من اجل تزويد الرسول (ص) بالطاقة الروحية اللازمة لمواجهة المكذبين والساخرين، والجو المتحجر الذي لا تنمو فيه دعوة الرسول (ص) الا قليلاً.. وبالطبع فان هذه التوجيهات لا تقتصر فقط على الامر بالعبادة - بالمعنى الخاص - وانما تشمل مضافاً الى ذلك على التذكير.. والتصبير والامر بالتوكل، الى غير ذلك من المعاني الروحية الاخرى.

 

لماذا الاعداد الروحي ؟

عرفنا الآن كيف ان اللّه تعالى قدر لرسوله ان يمر بفترة اعداد روحي من اجل تحمل القول الثقيل.. وان ذلك هو زاد المترسمين خطاه في كل جيل.. ولكن لماذا ؟ وما هي علاقة حب الله تعالى، والاخلاص له في خوفه ورجائه وربط القلب به بتحمل المكاره واعباء طريق ذات الشوكة، واثقال المسيرة ؟

والجواب على ذلك : أن للتربية الروحية علاقة صميمة وارتباطاً وثيقاً ب(استقامة المسيرة) على خط الاسلام فكرياً وعملياً و(بتجاوز فتنة الاضطهاد) والتعذيب الجسمي والنفسي التي يتعرض لها رسول الله (ص) وأصحابه ب(فعالية) علمهم و(تماسك) صفهم.. ولنعرض ذلك بشيء من التفصيل فيما يلي :

1 ) - التربية الروحية واستقامة المسيرة :

ليس من الهين ان تستقيم مسيرة المؤمنين العاملين في سبيل الله على الخط الذي يرتضيه الله تعالى، ويشترعه الاسلام من الناحية الفكرية المفاهيمية، والناحية العملية والسلوكية.

1) - لان الحضارة الجاهلية والمفاهيم الاجتماعية المادية التي كان يعيش في وسطها اصحاب الرسول (ص) تدعوهم الى الانحراف.. بسبب انهم ابناء هذه البيئة التي تعيش هذه المفاهيم الحضارية المادية فمن المعقول ان تؤثر فيهم عن طريق (الوراثة) الفكرية و(الايحاء) الثقافي..

{ 74 }

والميل النفسي عند كل انسان الى التوافق الاجتماعي واتخاذ الاخلاء، ولو عن طريق التنازل الفكري والسلوكي.

2) - ولان استعجال النصر.. والنزق واستباق المراحل تدعو هؤلاء المؤمنين الى التنازل عن بعض افكارهم وتليين مواقفهم من اجل أن تجد دعوتهم طريقها الى قلوب الناس، وتتقدم في الجو الاجتماعي، ولو على حساب بعض جوانبها الرسالية.

3) - ولان الاهواء الشخصية هنا، وهناك قد تتجمع وتظهر في صيغ ثقافية لتعمل على حرف المسيرة، وتمييع الشخصية الاسلامية الاصيلة، والارتباط بالله سبحانه وبرسالته..

هذه العوامل وغيرها دواع للانحراف ملازمة لكل عمل اجتماعي في عصر الرسول (ص) أو بعده.. والتربية الروحية شرط ضروري للتعالي على هذه العوامل، والانفلات من تأثيرها لان التربية الروحية تقيم المؤمن في علاقة محكمة مع الله.. يعبده ولا يعبد سواه ويرجوه، ويعمل له لا لغيره.. يتأثر بوحيه، ورسالته، ويقطع صلته (التأثر) بالناس، ويقيم معهم بدل ذلك صلة (التأثير) والتوجيه..

لان الانفصال عن الناس وحضارتهم.. وعن اهواء النفس وشهواتها لا يتم الا من خلال عمل تربوي جاد يبني الانسان فيه نفسه مع الله ويقطعها به عما سواه (يعبده ولا يعبد غيره، ويرجوه ولا يرجو غيره، ويخافه ولا يخاف غيره).. وبكلمة يقطع قلبه وشعوره وكيانه عن كل شيء عدا الله وما امر الله به (ان يوصل) بهذا وحده يمكن ان تستقيم وتثبت على

{ 75 }

خط الاسلام.

ونكرر.. ليست الاستقامة المطلوبة هينة او يسيره ونزيد هنا.. حتى على رسول الله (ص) نفسه.. ومن هنا ينقل عنه (ص) انه كان يقول (شيبتني هود) اشارة الى قوله تعالى في سورة هود:

(فأستقم كما أمرت)

وفي رواية عن إبن عباس (ما نزل على رسول الله (ص) آية كانت اشد عليه، ولا اشق من هذه الآية ولذلك قال لاصحابه حين قالوا له اسرع اليك الشيب يا رسول الله : شيبتني هود والواقعة)(22).

ولنقرأ هنا مجموعتين من الآيات الكريمة نزلت على رسول الله (ص) من اجل تحصينه - وهو المعصوم - من الحيف، أو الانحراف عن خط الاسلام.. وهما مجموعتان عجيبتان تدعوان للتفكير، والدرس، والتأمل الكثير.. بشكل واضح بين الاستقامة على الخط.. والتربية الروحية..

1)- (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون الا كما يعبد آباؤهم من قبل، وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ولقد آتينا موسى الكتاب، فاختلف فيه، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم، وانهم لفي شك منه مريب. وان كلاً لما ليوفينهم ربك اعمالهم انه بما يعملون خبير،

{ 76 }

فإستقم كما أمرت، ومن تاب معك ولا تطغوا انه بما تعملون بصير ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من اولياء ثم لا تنصرون واقم الصلاة طرفي النهار، وزلفاً من الليل، ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين)(23)

2) - (وان كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا اليك لتفتري علينا غيره واذاً لاتخذوك خليلاً، ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلاً، اذاً لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا.. اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل، وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهوداً، ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاماً محموداً، وقل ربي ادخلني مدخل صدق، واخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً..) (الاسراء 73 - 80)

والآيات التالية لها تعلق ايضاً بما سبقتها..

{ 77 }

2) - التربية الروحية وتماسك الصف :

تماسك الصف يعتمد على وحدة الاهداف، والمنطلقات ووحدة المشاعر، والتعاطف القلبي.. ويتعرض تماسك الصف الى عوامل التفتيت، والتجزئة باستمرار.. (اختلاف الآراء، والمصالح الشخصية التي تغلب على المصلحة العامة عند بعض الناس، واختلاف المذاقات والمشاعر الخ)..

والتربية الروحية.. وبناء العلاقة بالله تعالى - وتنميتها هي دائماً في صالح التماسك.. فان التربية الروحية تعمل على ما يلي :

أ - توحيد المنطلق النفسي للمؤمنين في العمل.. (الدافع والهدف).. حب الرسالة، والرغبة في نشرها وتطبيقها مقابل الرغبات الشخصية، والاهداف الذاتية التي تختلف عادة من شخص الى آخر.

ب - الحب في الله تعالى، حب المؤمنين، والأنس بهم والاخوة فيما بينهم والمشاركة الوجدانية(24).

ج - التقيد بالخلق الإسلامي في التعامل بين المؤمنين.

د - الحرص على المصلحة الدينية والخوف على الرسالة.

هذه المعاني الأربعة وما يتفرع عنها هي أساس التماسك والحصانة من التزلزل والتصدع.. وهي معان لا يبنيها سوى الايمان باللّه، والاخلاص

{ 78 }

له تعالى، وحبه الذي ينبسط على المؤمنين، وكذلك طاعته، والصبر عليها في مواجهة الأهواء الشخصية ومشاعر الأنا والاستقلال.. وهذه الأمور هي جوهر البناء الداخلي الروحي للمؤمن..

(وما انا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقو ربهم ولكني اراكم قوماً تجهلون، ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم افلا تذكرون)(25)

(ان سرعة ائتلاف الابرار اذا التقوا، وان لم يظهروا التودد كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الانهار وان بعد ائتلاف قلوب الفجار اذا التقوا وان اظهروا التودد بالسنتهم كبعد البهائم من التعاطف وان طال اعتلافها على مذود واحد).

3) - التربية الروحية، والثبات على الدين :

واوضح مما سبق صلة التربية الروحية، والثبات على الدين في الايام الصعبة، وامتصاص المحن، والحرب النفسية والاضطهاد الجسمي، والنفسي الذي تواجه به الجاهلية اصحاب الرسول (ص) ومن بعدهم، ومن قبلهم اتباع الرسل والانبياء ان الصمود في المحن والبلاء.. وفتنة العذاب والمواجهة هو سمة المؤمنين في القرآن الكريم :

(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما اصابهم في سبيل اللّه، وما ضعفوا، وما استكانوا، واللّه يحب

{ 79 }

الصابرين، وما كان قولهم الا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في امرنا وثبت اقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة واللّه يحب المحسنين)(26)

(الذين قال لهم الناس : ان الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم، فزادهم ايماناً، وقالوا : حسبنا اللّه ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله، وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم)(27)

(قال آمنتم له قبل ان آذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر، فلاقطعن ايديكم، وارجلكم من خلاف، ولاصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أينا اشد عذاباً، وابقى، قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والذي فطرنا فاقض ما انت قاض، انما تقضي هذه الحياة الدنيا، انا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا، وما اكرهتنا عليه من السحر واللّه خير وابقى)(28)

{ 80 }

الى آخر ما هنالك من آيات الصمود الايماني في مواجهة قوى الضغط والعذاب.

كيف اتيح لهذه الافواج المؤمنة ان تصمد في وجه التحديات، وتواجه الآلام، والاغراءات، والاضطهاد بالصبر والثبات ؟ وما هو غذاء اصحاب موسى، واصحاب الاخدود الربيين، واصحاب محمد في رحلة المكاره، والمصاعب ؟ وبأي وقود استطاعوا الثبات، والتحدي حتى وهم تحت سياط الجلادين، وقبضة الطغاة ؟

كان غذاؤهم، وعزاؤهم، ووقودهم في كل هذه المرحلة الزهد.

(اقض ما انت قاض انما تقضي هذه الحياة)

وذكر الله، والتوكل عليه، واحتسابه.

(وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)

(والذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا للّه وانا اليه راجعون)

(واللّه خير وابقى)

والتطلع الى ثواب الله تعالى في اليوم الآخر، واسترخاص هذه الحياة الزائلة الى حيث تلك الحياة الخالدة.. والافق الواسع في تصور الحياة، ووعي حركتها، وقلة متاع الظالمين.. وهكذا خوف الله واستشعار

{ 81 }

مراقبته.. وهذا هو أيضاً جوهر التربية الروحية..

وامثلة الصابرين بالله تعالى في المحنة، والبلاء بسبب عمق صلتهم بالله تعالى، وشديد تعلقهم به كثيرة جداً نعرف الكثير منها، ونجهل الكثير..

سجل القرآن الكريم بعضها وسجل التأريخ بعضها الآخر، واسدل ستار الزمن على الكثير من صبر الصابرين في الله. ونحن هنا نستشهد بالمثالين التاليين، في كل تلك الحدواث :

1 - عن الفضل بن شادان انه (سعي بمحمد بن ابي عمير الى السلطان : انه يعرف اسامي عامة الشيعة بالعراق، فأمره السلطان ان يسميهم فامتنع، فجر، وعلق بين (العقارين) نخلتين، وضرب مائة سوط قال الفضل فسمعت ابن ابي عمير يقول : لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب الالم اليّ، فكدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمن يقول : يا محمد بن ابي عمير اذكر موقفك بين يدي الله تعالى، فتقويت بقوله فصبرت، ولم اخبر، والحمد لله).(29)

2 - ومن أروع ما يرويه الأصفهاني عن مجموعة الحسنيين التي سجنت من قبل المنصور، لعدم معرفته بمكان محمد بن عبد اللّه (ذو النفس الزكية) الذي كان قد بويع بالخلافة سراً منذ العهد الأموي، ما رواه عن علي بن الحسين العابد الذي كان ضمن هذه المجموعة الصابرة.

(أ)- عن أحد السجناء منهم : حبسنا في المطبق، فما كنا نعرف

{ 82 }

أوقات الصلاة إلا بأجزاء القرآن يقرأها علي بن الحسن.

(ب) - وفي رواية : لما حمل بنو الحسن إلى أبي جعفر أتى بأقياد يقيدونه بها، وكان علي بن الحسن قائماً يصلي وكان في الأقياد قيد ثقيل، فجعل كلما قرب إلى رجل تفادى منه واستعفى، فانفتل علي من صلاته فقال : لشد ما جزعتم من هذا.. ثم مد رجليه فقيد به.

(ج) وعن أحد السجناء : لما حبسنا كان معنا علي بن الحسن وكانت حلق أقيادنا قد اتسعت، فكنا إذا أردنا صلاة أو نوماً جعلناها عنا، فاذا خفنا دخول الحراس أعدناها، وكان علي بن الحسن لا يفعل فقال له عمه : يا بني ما يمنعك أن تفعل ؟ قال : لا واللّه لا أخلعه أبداً حتى أجتمع انا، وأبو جعفر عند اللّه تعالى فيسأله لم قيدني به ؟

(د) - وعن أحدهم : لما دخلنا السجن قال علي بن الحسن :

(اللهم ان كان هذا من سخط منك علينا، فأشدد حتى ترضى)

(ه‍) - وعن الحسن بن نصر قال : حبسهم ابو جعفر في محبس ستين ليلة ما يدرون بالليل، ولا بالنهار، ولا يعرفون وقت الصلاة الا بتسبيح علي بن الحسن، قال فضجر عبد الله (ابو محمد) ضجرة فقال : يا علي، الا ترى ما نحن فيه من البلاء ؟ الا تطلب الى ربك عز وجل ان يخرجنا من هذا الضيق والبلاء ؟ قال : فسكت عنه طويلاً، ثم قال : يا عم : ان لنا في الجنة درجة لم نكن لنلقيها الا بهذه البلية او بما هو أعظم منها، وان لابي جعفر المنصور

{ 83 }

في النار موضعاً، لم يكن ليبلغه حتى يبلغ منا مثل هذه البلية، أو اعظم منها. فإن تشأ تصبر فما اوشك فيما احسبنا ان نموت، فنستريح من هذا الغم، كأن لم يكن منه شيء.. وان لم تشأ ان ندعو ربنا ان يخرجك من هذا الغم، ويقصد بأبي جعفر غايته التي له في النار فعلنا قال : لا، بل اصبر. فما مكثوا الا ثلاثاً حتى قبضهم الله اليه..(30)

(ط) - ومن روايات أبي الفرج أيضاً، وعن أبي عبد اللّه إبن موسى قال : سألت عبد الرحمن بن أبي الموالي وكان معه بنو الحسن بن الحسن في المطبق : كيف كان صبرهم على ما هم فيه ؟ قال : كانوا صبراء، وكان فيهم رجل مثل سبيكة كلما أوقدت عليه النار ازدادت خلاصاً وهو إسماعيل بن إبراهيم، كان كلما إشتد عليه البلاء إزداد صبراً.(31).

هذه بعض الآثار العملية الهامة للجانب الروحي.. وهناك آثار أخرى : فالمؤمن العامل يصدر عن خلفية إيمانية، ورصيد روحي كبير، وعلاقة وثيقة باللّه تعالى هو الأكثر اندفاعاً، وانتاجاً، والأكثر ثباتاً، واستقراراً في ظل المتغيرات الحياتية، من رفاه، ورخاء إلى محنة وابتلاء ومن انفتاح الناس، وتقبلهم إلى جفائهم، وتكذيبهم، ومن بساطة العمل للّه إلى التعقد، والتشابك، ان الايمان وحده بما له من آثار في النفس، والشعور هو وحده القادر على الجمع بين الاندفاع في العمل، والهدوء في المشاعر والتسامي في الوجدان. وهي معانٍ من أصعب المعاني في مجال التربية.

كيف لا ينطلق المؤمن من الاثارة الخارجية ؟ وكيف لا تهزه العواطف والمتغيرات ؟ وكيف لا ينشغل بجزئيات الحياة عن الاهتمامات الرسالية

{ 84 }

الكبرى ؟ وكيف لا يضيق صدره من مواجهات التكذيب والسخرية ويحتفظ بطمأنينة ورباطة جأشه في أحرج اللحظات ؟ وكيف يحتفظ بدرجة اندفاعه، وينمو عنده هذا الاندفاع في مختلف الظروف والأحوال ؟ !

واخيراً.. كيف يحافظ على استقامته الشرعية في معمعة العمل الاجتماعي، وضوضاء الحياة ؟

والجواب : ان كل هذا ليس له سوى منبع واحد.. هو الايمان حينما يثبت في الجوارح كلها في القلب والمشاعر، والارادة، والوجدان.

التربية الروحية وعمل الائمة :

ومن الواضح تاريخياً، ان الائمة كانوا عموماً يعملون به لاجل بناء، وتكوين الشخصية الاسلامية المتكاملة كنقطة مشتركة ضمن النقاط المشتركة في عملهم (ع).. وكانت الشخصية الاسلامية في وعيهم. بوصفهم المعبرين الحقيقيين عن الاسلام هي هذا التلاحم، والتكامل بين الاطار الاخلاقي الشامل للعطاء الاجتماعي، والعمل الرسالي، وبين المضمون والمحتوى الروحي الذي يتمثل في العلاقة بالله تعالى.

كانوا (ع) يواجهون عملية التحلل الاخلاقي، والانصراف للدنيا والبعد عن الله.. والتنصل عن عبادة الله تعالى، وكانوا يواجهون الانحرافات العملية في الجماعة، التي افرزها عملهم، عندما حولت بعض قطاعاتهم الولاءات الى اداة للتنصل عن الالتزام الشرعي، ولتبرير الوضع المتحلل بدلاً من ان تفهمه على حقيقته، بوصفه عاملاً من عوامل الاستقامة،

{ 85 }

والالتزام بالشريعة، وكانوا أولاً واخيراً. ينطلقون من دورهم الايماني في الحياة الذي يتمثل - فيما يتمثل فيه - بتكوين اجيال مؤمنة تحمل الرسالة الى العالم باستمرار.. فيعملون على ذلك بمختلف الاساليب..

وقد سجلت المجاميع الحديثية النصوص الواردة عنهم حول الايمان والاخلاق والتربية الروحية، حول الشخصية الاسلامية وبنائها فبلغ ذلك من الكثرة مبلغاً عظيماً.

ونحن هنا نسجل شيئاً من تلك النصوص التي تربط بين الولاء، والتشيع لخط أهل البيت (ع)، وبين العلاقة الروحية بالله تعالى :

1) - عن ابي جعفر (ع) :

(لا تذهب بكم المذاهب فواللّه ما شيعتنا الا من اطاع الله عز وجل)(32)

2) - عن جابر عن ابي جعفر (ع) (قال : قال لي : يا جابر ايكتفي من ينتحل التشيع ان يقول بحبنا اهل البيت فواللّه ما شيعتنا، الا من اتقى الله واطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع، والتخشع، والامانة، وكثرة ذكر اللّه والصوم والصلاة)(33)

3) - عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد اللّه (ع) في حديث :

(ما اقل والله من يتبع جعفراً منكم انما اصحابي من اشتد ورعه، وعمل لخالقه،

{ 86 }

ورجا ثوابه، فهؤلاء اصحابي)(34)

4) - وعنه (ع) :

(ليس منا - ولا كرامة - من كان في مصر فيه مائة الف، أو يزيدون، وكان في ذلك المصر احد اورع منه)(35)

5) - وعنه (ع) :

(شيعتنا الشاحبون الذابلون الناحلون الذين اذا جنهم الليل استقبلوه بحزن)(36)

6) - وعنه (ع) :

(ان شيعة علي كانوا خمص البطون ذبل الشفاه، اهل رأفة، وعلم، وحلم، يعرفون بالرهبانية فاعينوا على ما انتم بالورع والاجتهاد)

وعن ابي جعفر (ع) :

(انما شيعة علي الحلماء العلماء الذبل الشفاه تعرف الرهبانية على وجوههم)(37)

{ 87 }

ومن المناسب ان نذكر هنا ان الجيل الاول للمسلمين قد خرّج مجموعة من اهل العبادة، والورع والتقوى، كانوا بسببها موضع مدح اهل البيت (ع) اذ يروى عن ابي جعفر (ع) في خبر صحيح قال : صلى أمير المؤمنين (ع) بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وابكاهم من خوف الله، ثم قال : اما والله لقد عهدت اقواماً على عهد خليلي رسول الله (ص)، وانهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً، بين اعينهم كركب المعزى يبيتون لربهم سجداً وقياماً يراوحون بين اقدامهم وجباههم يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار والله لقد رأيتهم مع هذا، وهم خائفون، مشفقون).

هذه بعض النصوص الشاهدة على ان الائمة (ع) كانوا يهدفون الى بناء الشخصية الاسلامية بما تتضمنه من عبادة، وايمان، وحب، واخلاص، وكل عناصر الروحية الاسلامية الاخرى. ومن هنا فهم (ع) يربطون بين الولاء، وبين التربية الروحية.. وأما دراسة هذا الهدف ضمن الاهداف العامة للائمة (ع) من الزاوية التاريخية فلها موضع آخر..

 

الجانب الروحي والممارسات العبادية

توجد بصدد تحديد نوعية العلاقة بين الجانب الروحي والممارسات العبادية فكرتان خاطئتان هما :

(1) - الفكرة التي تؤكد على ان الممارسات العبادية هي كل شيء.. وان الجانب الروحي انما هو الممارسات العبادية من اذكار، ونوافل، وتبتلات.

{ 88 }

(2) - الفكرة التي تقطع الصلة بين الجانب الروحي والممارسات العبادية، وتفترض ان بامكان الانسان المؤمن ان تكون لديه الملكة الروحية، وان ينمي علاقته الداخلية بالرسالة من دون حاجة الى المستحبات والاذكار وغيرها من الامور العبادية الخاصة.

والصحيح ان الممارسات العبادية شيء، والجانب الروحي شيء آخر، وان بينهما صلة وثيقة.. وذلك لان الجانب الروحي انما هو الارتباط النفسي، والروحي بالله تعالى هذا الارتباط والانشداد الداخلي، الذي يؤدي الى الورع عن الاسلام.. وهذا المعنى هو الذي يعتبر عنصراً من عناصر الشخصية الاسلامية، أو محتواها الحقيقي، واما العبادة الخارجية فهي ليست المحتوى الحقيقي للشخصية الاسلامية وانما لها دور آخر سنشير اليه.. والاسلام - كتاباً وسنة - عندما يولي العبادة الخارجية من اذكار، وصلوات وادعية.. اهتماماً، وتأكيداً، فانما هو من اجل زيادة الايمان بالله، وحبه، والاخلاص له، وتمثل ما رسمه للانسان في الحياة..

(كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)(38)

وتؤكد النصوص هذه الحقيقة.. وهي ان المهم انما هو البناء الداخلي والانشداد النفسي، والعاطفي، والسلوكي بالله تعالى، بل وتحذر من الوقوع في خطأ الخلط بين البناء الذاتي والممارسات العبادية.. لما لهذا الخلط من آثار عملية وفكرية سيئة ومن اوضحها التركيز على العبادة، والممارسات العبادية، واهمال المضمون الداخلي والتربوي للانسان..

{ 89 }

(1) - عن مفضل بن عمرو قال : (كنت عند ابي عبد الله (ع) فذكرنا الاعمال فقلت انا : ما اضعف عملي، فقال : مه، استغفر الله، ثم قال : ان قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى(39).

(2) - عن ابي بصير قال : قال رجل لابي جعفر (ع) : أني ضعيف العمل قليل الصيام ولكني أرجو أن لا آكل الا حلالاً فقال له : أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج ؟(40)

وفي نص صحيح عن ابي جعفر (ع) :

(ما عبد اللّه بشيء افضل من عفة بطن وفرج)(41)

(1) - عن عيسى بن عبد الله انه قال لابي عبد الله (ع) :

جعلت فداك : ما العبادة ؟ قال : حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها..(42)

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على هذا المعنى..

اذن فالأساس في الجانب الروحي، والمهم في نظر الاسلام تربوياً هو، الصلة الداخلية باللّه، والانشداد النفسي والعمل.. لا كثرة العبادة..

هذا من جهة.. ولكن من الجهة الأخرى فان الممارسات العبادية، وكثرة الاذكار، والتنفلات هي جزء مهم من الاسلام وليست اضافة

{ 90 }

غريبة عليه، وقد ورد الحث الشديد عليها في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وسجل لنا التأريخ حرص الأئمة البالغ على أدائها، والقيام بها(43).

ومن الواضح ان الاسلام اذ يؤكد على هذه الممارسات العبادية، فلا يؤكد عليها بما هي أصوات، وحركات، وطقوس. وانما ينبع تأكيده عليها، لصلته الوثيقة بالارتباط النفسي والروحي باللّه سبحانه.. أي بوصفها عاملاً تربوياً وسبباً من اسباب تصعيد الايمان في المشاعر، والعواطف والارادة.. فهذا الحث الأخلاقي والتشريعي يكشف عن (صلة واقعية) بين الممارسات العبادية والمحتوى الداخلي للشخصية الاسلامية، وهي صلة لا يمكن عملياً - بموجبها - ان نتصور مستوى روحياً جيداً، من دون ممارسة عبادية جادة، تتمثل في مجموعة من الحركات العبادية والاذكار، والصلوات - المستحبة بالطبع - وهكذا تلاوة القرآن الكريم، ومتابعة الأدعية، وما شاكل ذلك.

ان من حسنات الاسلام الكثيرة علينا - ومن نعم اللّه سبحانه - انه كما اوضح لنا الاهداف التربوية كذلك حدد لنا عموماً وسائلها، ولم يترك هذا الانسان يتخبط في تحديد الوسائل، والأساليب التي تربطه نفسياً، وشعوراً بالغيب، شخص اللّه سبحانه في تشريعه المنزل : الصلاة والاذكار، والصيام، وتلاوة القرآن الكريم، والدعاء.. كوسائل لتنمية الروح.. وبناء الذات الرسالية وليس بامكاننا ان نقفز من على الأساليب الربانية لنصل الى هدفنا التربوي الخطير. انما نصل اليه بواسطة تمثل هذه الأساليب، وتبنيها عملياً.. وكما ان الممارسات العبادية (عامل)

{ 91 }

تربية للبناء الروحي كذلك هي (نتائج) لان العلاقة الداخلية باللّه تظهر على السلوك، لا بشكل طاعة، والتزام فقط، وانما عبادة، وخشوع، وتضرع، واذكار ايضاً.. نلخص من كل هذا.

(أولاً) : ان الممارسات العبادية ليست هي الجانب الروحي في الشخصية الاسلامية.. ولا هي المهم المباشر في نظر الاسلام وانما هي جزء مهم من الاسلام.

(ثانياً) : أن هناك علاقة وثيقة بين الانشداد النفسي العاطفي، والشعوري، والعملي باللّه، الجانب الروحي، وبين الممارسات العبادية لان تكوين الجانب الروحي وتنميته لا يتم من الناحية العملية، ومن زاوية النظرية الاسلامية التربوية إلا من خلال الممارسات العبادية وأمثالها، ونقصد من الممارسات العبادية في كل ما سبق الممارسات العبادية، التي تمثل العبادات الواجبة المؤداة بصورتها الصحيحة، والفضلى، والعبادات المستحبة.

 

جنايات على التربية الروحية

نلاحظ : ان الانسان المسلم - وحتى بعض من كتب في هذه المجالات - يعاني من الضعف الروحي.. وضعف الانشداد النفسي بالله تعالى.. من عوامل ذلك صعوبة التعامل النفسي مع الغيب لان الانسان بحكم تكوينه المرتبط بالمادة، وانغماسه في الحس ذهنياً، ونفسياً لا يجد من السهل ان يتعالى على ذلك، ويعلق شعوره، وقلبه بالله سبحانه ويقطع نفسه من الدنيا، ومعانيها الخداعة.. طبيعة المذهب البشري الميال الى

{ 92 }

التفكير الحسي(44) وغرائز الانسان، وشهواته التي تتطلب السرعة، والعجلة في التنفيذ(45) عاملان داخليان لاضعاف التوجه الروحي في المشاعر والوجدان، والارادة.

ويضاف الى ذلك، عوامل اخرى تساعد على ضعف البناء الروحي للانسان المسلم :

(1) - الصورة المشوهة التي كونتها الاتجاهات الروحية المنحرفة، اذ يقترن الآن في ذهن الانسان المسلم - أو بعض المؤمنين - التربية الروحية العبادية الكثيرة التي تهدف الى خلق الروح الاسلامي المشدود الى الله يقترن هذا باعتزال الناس، والقطيعة الاجتماعية، والتنصل عن المهام الرسالية في الحياة، والنماذج المتدينة، والاتجاهات المنحرفة في التربية الروحية. ان الافراط - لو صح هذا التعبير - في التربية الروحية واختلال التوازن السلوكي على حساب العمل الاجتماعي أدى الى تفريط هذه التربية، وردود فعل نفسية سلبية تجاهها.

وان توضح المفهوم الاسلامي الصحيح حول الاعداد والتربية الروحية، والعمل على القاء الاضواء على حياة الرسول (ص) والائمة الصالحين الذين عانوا في العمل الاجتماعي، في جانبها العبادي المشرق، واقتران الدعوة الى التربية الروحية بشجب التيارات المنحرفة فيها من الامور الضرورية، في مواجهة هذا التعامل التاريخي السلبي.

(2) - الجو الحضاري، والاجتماعي الذي يقوم على اسس اخلاقية،

{ 93 }

وفلسفية تختلف عن قيم الاسلام، واخلاقه وتصوراته عن الحياة ان هذه الحضارات المادية التي يشيع تأثيرها في كل مكان لقادرة على ان تستوعب تيارات اجتماعية، وفكرية مختلفة وهي لا تمانع مع انتشار هذه التيارات شريطة ان لا يكون لهذه التيارات مضمون حياتي، واخلاقي، أو حضاري جديد يختلف عنها بامكان هذا الانسان المسلم ان يعمل للاسلام ويوضح افكاره كمبدأ اقتصادي واجتماعي.. دون ان يشعره ب(ازدراء) اجتماعي وحضاري خاصة اذا فرغ الاسلام من مضمونه الاخلاقي.. اما ان يدعو هذا الانسان المسلم الى صياغة انسان جديد.. يقوم على اساس الانشداد النفسي والشعوري، بالله والزهد في الدنيا. او هو يبني نفسه على اساس من ذلك، فهذا (نشاز) في وعي الانسان المعاصر الذي يزدري بسهولة هذه المفاهيم وهذا عامل مهم من عوامل ضعف البناء الروحي لان للايحاء الحضاري والاجتماعي اثراً كبيراً في شخصية الفرد.

(3) - التحدي الثقافي الغربي للانسان المسلم يفترض على هذا الانسان ان يقوم بعملية رد على التحدي، والذي يحدث - عادة - في مثل هذه الحالات هو ان يفقد الانسان المسلم اصالته، وصدوره عن منبع ثقافي، وروحي اصيل.. وتكون ثقافته، ومواقفه مجرد ثقافة ومواقف (دفاعية) وهذه مسألة مهمة تدعو الى التفكير، والتأمل..

 

عناصر الجانب الروحي

تشتمل الروحية الاسلامية على ثلاثة عناصر رئيسية :

(الاول) : الوعي الايماني وتعني - هنا - المدركات الذهنية التي

{ 94 }

تتمتع بالاستحضار المستمر، والمعايشة الدائمة من قبل الانسان المؤمن، كالايمان بالله تعالى، واليوم الآخر والشعور بالحركة التاريخية، ووحدة المسيرة.. الخ