|
البابُ الاول
القسم الثاني
(السُّنّة) سُنّة أهل البَيْت(ع)
تمهيد :
وقد استدل الشيعة على حجية سنّة أهل البيت(عليهم
السلام) بأدلة كثيرة ، يصعب استعراضها جميعاً واستيفاء الحديث فيها ، وحسبنا
ان نعرض منها الان نماذج لا تحتاج دلالتها الى مقدمات مطوية ليسهل استيعاب
الحديث فيها .
وأهم ما ذكروه من أدلتهم ـ على اختلافها ـ ثلاثة : الكتاب ، السنة النبوية ،
العقل .
والذي يهمنا من هذه الادلة التي عرضوها لاثبات مرادهم هو كل ما دل أو رجع الى
لزوم التمسك بهم ، والرجوع اليهم ، واعتبار قولهم حجة يستند اليها في مقام
اثبات الواقع .
ومجرد مدحهم والثناء عليهم من قبل الله عز وجل أو النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) لا يكفي في اعتبار الحجية لما يصدر عنهم ، وان قربت دلالته في كتب
الشيعة الكلامية بعد ذكر مقدمات مطوية قد لا يخلو بعضها من مناقشة ، وقد سبق
ان تحدثنا فيما يشبه الموضوع مع الشاطبي عندما استدل على اعتبار سنة الصحابة
بأخبار المدح والثناء عليهم ، وما قلناه هناك نقوله هنا ، وان كان نوع المديح
يختلف لسانه ، وربما كان في لسان بعضه هنا ما يشعر بالحجية ، ولا يهم اطالة
الحديث فيه .
ثم إن الاحاديث التي وردت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واستدلوا بها
على الحجية ، تختلف في أسانيدها ، فبعضها يرجع الى أهل البيت(عليهم السلام)
أنفسهم ، وينفرد أو يكاد بروايته شيعة أهل البيت(عليهم السلام) ، وبعضها
الاخر مما يتفق على روايته الشيعة وأهل السنة على السواء .
والذي يحسن ان نذكره في أحاديثنا هذه منها هو خصوص ما اتفق عليه الطرفان ،
ووثقوا رواته ، اختصاراً لمسافة الحديث وإبعاداً لشبهة من لا يطمئن إلى غير
أحاديث أرباب مذهبه ، لاحتمال تحكم بعض العوامل الشعورية أو اللاشعورية في
صياغتها ، وتخلصاً من شبهة الدور التي أثارها فضيلة الاستاذ الشيخ سليم
البشري في مراجعاته القيمة مع الامام شرف الدين ، فقد جاء في إحدى مراجعاته
له :
1 ـ هاتها بينة من كلام الله ورسوله تشهد لكم بوجوب اتباع الائمة من أهل
البيت دون غيرهم ، ودعنا في هذا المقام من كلام غير الله ورسوله .
2 ـ فإن كلام أئمتكم لا يصلح لئن يكون حجة على خصومهم ، والاحتجاج به في هذه
المسألة دوري ، كما تعلمون
(44) .
وربما قرب الدور بدعوى ان حجية أقوال أهل البيت(عليهم السلام) موقوفة على
اثبات كونها من السنة ، وإثبات كونها من السنة موقوف على حجية أقوالهم ، ومع
إسقاط المتكرر ينتج ان اثبات كونها من السنة موقوف على إثبات كونها من السنة
، ونظير هذا الدور ما سبق أن أوردناه على من استدل بالسنة النبوية على حجية
السنة .
ولكن الجواب عن هذا الدور هنا واضح ، اذا تصورنا أن حجية أقوال أهل
البيت(عليهم السلام) هذه لا تتوقف على كونها من السنة ، وانما يكفي في إثبات
الحجية لها كونها مروية من طريقهم عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وصدورها
عنهم باعتبارهم من الرواة الموثوقين ، واذن يختلف الموقوف عن الموقوف عليه
فيرتفع الدور ، ويكون إثبات كون ما يصدر عنهم من السنة موقوفاً على روايتهم
الخاصة لا على أقوالهم كمشرعين . نعم لو أُريد من أقوال الائمة غير الرواية
عن النبي ، بل باعتبارها نفسها سنة ، وأُريد إثبات كونها سنة بنفس الاقوال
لتحكمت شبهة الدور ولا مدفع لها .
وعلى أي حال فإن الذي يحسن بنا ـ متى أردنا لانفسنا الموضوعية في بحوثنا هذه
ـ ان نتجنب هذا النوع من الاحاديث ونقتصر على خصوص ما اتفق الطرفان على
روايته ، ووجد في كتبهم المعتمدة لهم .
أدلتهم من
الكتاب :
استدلوا من الكتاب بآيات عدة نكتفي منها بما اعتبروه
دالاًّ على عصمتهم لانه هو الذي يتصل بطبيعة بحوثنا هذه ، وأهمها آيتان :
الاُولى : آية التطهير وهي : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت
ويطهركم تطهيرا )
(45) .
وتقريب الاستدلال بها على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) ما ورد فيها من حصر
ارادة إذهاب الرجس ـ أي الذنوب ـ عنهم بكلمة ( انما ) ، وهي من أقوى أدوات
الحصر ، واستحالة تخلف المراد عن الارادة بالنسبة له تعالى من البديهيات لمن
آمن بالله عز وجل وقرأ في كتابه العزيز : ( انما أمره اذا أراد شيئاً ان يقول
له كن فيكون )
(46) ، وتخريجها على أساس فلسفي من البديهيات أيضاً
لمن يدرك أن إرادته هي العلة التامة أو آخر أجزائها بالنسبة لجميع مخلوقاته ،
واستحالة تخلف المعلول عن العلة من القضايا الاولية ، ولا أقل من كونها من
القضايا المسلمة لدى الطرفين ، كما سبقت الاشارة الى ذلك ، وليس معنى العصمة
إلا استحالة صدور الذنب عن صاحبها عادة .
شبهات حول
الاية :
1 ـ وقد يقال : ان الارادة ـ كما يقسمها علماء الاصول
ـ إرادتان : تكوينية وتشريعية ، وهي وإن كانت من حيث استحالة تخلف المراد
عنها واحدة ، إلا انها تختلف بالنسبة الى المتعلق ، فإن كان متعلقها خصوص
الامور الواقعية من أفعال المكلفين وغيرها سميت تكوينية ، وان كان متعلقها
الامور المجعولة على أفعال المكلفين من قِبل المشرع سميت إرادة تشريعية .
والارادة هنا لا ترتبط بالارادة التكوينية لان متعلقها الاحكام الواردة على
أفعالهم ، فكأن الاية تقول : " إنما شرعنا لكم الاحكام يا أهل البيت لنذهب
بها الرجس عنكم ولنطهركم بها تطهيراً " .
ولكن تفسير الارادة هنا بالارادة التشريعية يتنافى مع نص الاية بالحصر
المستفاد من كلمة ( إنما ) إذ لا خصوصية لاهل البيت في تشريع الاحكام لهم ،
وليست لهم أحكام مستقلة عن أحكام بقية المكلفين ، والغاية من تشريعه للاحكام
إذهاب الرجس عن الجميع ، لا عن خصوص أهل البيت(عليهم السلام) على أن حملها
على الارادة التشريعية يتنافى مع اهتمام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل
البيت وتطبيق الاية عليهم بالخصوص ، كما يأتي ذلك فيما بعد .
2 ـ وقد يقال أيضاً : ان حملها على الارادة التكوينية وإن دل على معنى العصمة
فيهم لاستحالة تخلف المراد عن إرادته تعالى ، إلا ان ذلك يجرنا الى الالتزام
بالجبر وسلبهم الارادة فيما يصدر عنهم من أفعال ما دامت الارادة التكوينية هي
المتحكمة في جميع تصرفاتهم ، ونتيجة ذلك حتماً حرمانهم من الثواب ، لانه وليد
إرادة العبد ، كما تقتضيه نظرية التحسين والتقبيح العقليين ، وهذا ما لا يمكن
ان يلتزم به مدّعو الامامة لاهل البيت(عليهم السلام) .
والجواب على هذه الشبهة يجرنا الى الحديث حول نظرية الجبر والاختيار عند
الشيعة .
وملخص ما ذهبوا اليه أن جميع أفعال العبيد وإن كانت مخلوقة لله عز وجل ،
ومرادة له بالارادة التكوينية لامتناع جعل الشريك له في الخلق ، إلا أن خلقه
لافعالهم إنما هو بتوسط إرادتهم الخاصة غالباً وفي طولها ، وبذلك صححوا نسبة
الافعال للعبيد ونسبتها لله ، فهي مخلوقة لله عز وجل حقيقة ، وهي صادرة عن
إرادة العبيد حقيقة أيضاً ، وبذلك صححوا الثواب والعقاب ، وذهبوا الى الحل
الوسط الذي أخذوه من أقوال أئمتهم(عليهم السلام) " لا جبر ولا تفويض ، وانما
هو أمر بين أمرين "
(47).
وبهذا سلموا من مخالفة الوجدان في نفي الارادة وسلبها عنهم ، كما هو مفاد
مذهب القائلين بالجبر ، كما سلموا من شبهة المفوضة في عزل الله عن خلقه
وتفويض الخلق لعبيده ، كما هو مذهب المفوضة .
وبناء على هذه النظرية يكون مفاد الاية ان الله عز وجل لما علم أن إرادتهم
تجري دائماً على وفق ما شرعه لهم من أحكام ، بحكم ما زودوا به من إمكانات
ذاتية ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم على وفق مبادئ الاسلام تربية حوّلتهم في
سلوكهم الى اسلام متجسد ، ثم بحكم ما كانت لديهم من القدرات على إعمال
ارادتهم وفق أحكامه التي استوعبوها علماً وخبرة ، فقد صح له الاخبار عن ذاته
المقدسة بأنه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلا إذهاب الرجس عنهم ، لانه لا
يفيض الوجود إلا على هذا النوع من أفعالهم ما داموا هم لا يريدون لانفسهم
إلاّ إذهاب الرجس والتطهير عنهم .
وبهذا يتضح معنى الاصطفاء والاختيار من قبله لبعض عبيده في ان يحملوا ثقل
النهوض برسالته المقدسة كما هو الشأن في الانبياء وأوصيائهم(عليهم السلام) .
على أن الشبهة لو تمت فهي جارية في الانبياء جميعاً ، وثبوت العصمة لهم ـ ولو
نسبياً ـ موضع اتفاق الجميع ، فما يجاب به هناك يجاب به هنا من دون فرق ،
والشبهة لا يمكن ان تحل إلاَّ على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في نظرية
الامر بين الامرين على جميع التقادير .
3 ـ وشبهه ثالثة ، أثاروها حول المراد من أهل البيت ، فالذي عليه عكرمة
ومقاتل ـ وهما من أقدم من تبنّى إبعادها عن أهل البيت في عرف الشيعة ـ نزولها
في نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة .
وكان من مظاهر إصرار عكرمة وتبنّيه لهذا الرأي : انه كان ينادي به في السوق
(48) ، وكان يقول : " من شاء باهلته انها نزلت في
أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) "
(49) والذي يبدو ان الرأي السائد على عهده كان على
خلاف رأيه ، كما يشعر فحوى رده على غيره " ليس بالذي تذهبون اليه إنما هو
نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) "
(50) .
وقد نسب هذا الرأي الى ابن عباس ، ويبدو أنه المصدر الوحيد في النسبة اليه ،
وإن كان في أسباب النزول للواحدي رواية عن ابن عباس يرويها سعيد بن جبير دون
توسط عكرمة هذا
(51) ، إلا ان رواية ابن مردويه لها عن سعيد بن جبير
عنه
(52) ـ أي عن عكرمة ـ عن ابن عباس يقرب ان يكون في
رواية الواحدي تدليس ، وهما رواية واحدة ; وقد استدل هو أو استدلوا له بوحدة
السياق ، لان الاية إنما وردت ضمن آيات نزلت كلها في نساء النبي ، ووحدة
السياق كافية لتعيين المراد من أهل البيت .
والحديث حول هذه الشبهة يدعونا الى تقييم آراء كل من عكرمة ومقاتل ، ومعرفة
البواعث النفسية التي بعثت بعكرمة على كل هذا الاصرار والموقف غير المحايد ،
حتى اضطره الموقف الى الدعوة الى المباهلة والنداء في الاسواق ، وهو موقف غير
طبيعي منه ، ولا اُلف في غير هذا الموقف المعين .
والظاهر ان لذلك كله ارتباطاً بعقيدته التي تبناها يوم اعتنق مذهب الخوارج
(53) وبخاصة رأي نجدة الحروري
(54) .
وللخوارج موقف مع الامام علي(عليه السلام) معروف ، فلو التزم بنزول الاية في
أهل البيت بما فيهم علي ، لكان عليه القول بعصمته ولاهار على نفسه أسس عقيدته
التي سوغت لهم الخروج عليه ومقاتلته ، وبررت لهم ـ أعني الخوارج ـ قتله .
وقد استغل علائقه بابن عباس وسيلة للكذب عليه ، وكان ممن يستسيغون الكذب في
سبيل العقيدة ـ فيما يبدو ـ ومن أولى من ابن عباس في الكذب عليه فيما يتصل
بهذا الموضوع الحساس ؟
وقد اشتهرت قصة كذبه على ابن عباس بين خاصته حتى كان يضرب المثل فيه ، فعن
ابن المسيب انه قال لمولى له اسمه برد : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن
عباس . وعن ابن عمر أنه قال ذلك أيضاً لمولاه نافع
(55) .
وقد حاول علي بن عبدالله بن عباس صده وردعه عن ذلك ، ومن وسائله التي اتخذها
معه أنه كان يوثقه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه ، يقول عبد الله بن
ابي الحرث : " دخلت على ابن عبدالله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف ، فقلت
: أتفعلون هذا بمولاكم ؟ فقال : ان هذا يكذب على أبي "
(56) .
وحقده فيما يبدو لم يختص بأهل البيت(عليهم السلام) وانما تجاوزهم الى جميع
المسلمين عدا الخوارج ، فعن خالد بن عمران قال : " كنا في المغرب وعندنا
عكرمة في وقت الموسم ، فقال : وددت أن بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم
يميناً وشمالاً . وعن يعقوب الحضرمي ، عن جده ، قال : وقف عكرمة على باب
المسجد فقال : ما فيه إلا كافر "
(57) .
وأما مقاتل فحسابه من حيث العداء لامير المؤمنين(عليه السلام) حساب عكرمة ،
ونسبة الكذب اليه لا تقل عن نسبتها الى زميله عكرمة ، حتى عدّه النسائي في
جملة الكذابين المعروفين بوضع الحديث
(58) . وقال الجوزجاني ، كما في ترجمة
مقاتل من ميزان الذهبي : " كان مقاتل كذاباً جسوراً "
(59) " وكان يقول لابي جعفر المنصور : أنظر ما تحب
ان أحدثه فيك حتى أحدثه ; وقال للمهدي : إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس ،
قال : لا حاجة لي فيها "
(60) .
واذا كان كل من مقاتل وعكرمة بهذا المستوى لدى أرباب الجرح والتعديل ، فأمر
روايتهما ورأيهما لا يحتاج الى إطالة حديث ، وبخاصة في مثل هذه المسألة التي
تمس مواقع العقيدة أو العاطفة من نفسيهما .
ولكن هذه البواعث ـ فيما يبدو ـ خفيت على بعض الاعلام ، فأقاموا لرأيهما
وروايتهما وزناً ، ولذلك نرى ان نعود الى التحدث عن ذلك بعيداً عن شخصيتهما
لنرى قيمة هذه الرواية أو هذا الرأي .
1 ـ والذي لاحظته من قسم من الروايات : أن لفظة الاهل لم تكن تطلق في ألسنة
العرب على الازواج إلاَّ بضرب من التجوز ، ففي صحيح مسلم : " ان زيد ابن أرقم
سئل عن المراد بأهل البيت هل هم النساء ؟ قال : لا وأيم الله ، ان المرأة
تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها ، فترجع الى أبيها وقومها "
(61) .
وفي رواية أم سلمة ، قالت : نزلت هذه الاية في بيتي ( إنما يريد الله ليذهب
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) وفي البيت سبعة : جبريل وميكائيل
وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ; وانا على باب البيت ، قلت : ألست
من أهل البيت ؟ قال : إنك الى خير إنك من أزواج النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) "
(62) .
فدفعها عن صدق هذا العنوان عليها وإثبات الزوجية لها ، يدل على أن مفهوم
الاهل لا يشمل الزوجة ، كما ان تعليل زيد بن أرقم يدل على المفروغية عن ذلك ،
ولا يبعد دعوى التبادر من كلمة أهل ، خصوص من كانت له بالشخص وشائج قربى
ثابتة غير قابلة للزوال ، والزوجة وان كانت قريبة من الزوج إلا ان وشائجها
القربية قابلة للزوال بالطلاق وشبهه ، كما ذكر زيد .
2 ـ ومع الغض عن هذه الناحية ، فدعوى نزولها في نساء النبي شرف لم تدّعه
لنفسها واحدة من النساء ، بل صرحت غير واحدة منهن بنزولها في النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم)وعلي وفاطمة والحسن والحسين .
" أخرج الترمذي وصححه
(63) ، وابن جرير وابن المنذر ، والحاكم وصححه
(64) وابن مردويه والبيهقي في سننه
(65) من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : في
بيتي نزلت : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ... )
(66) ، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين ;
فجللهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بكساء كان عليه ، ثم قال : هؤلاء
أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً "
(67) .
وفي رواية أم سلمة الاخرى ، وهي صحيحة على شرط البخاري : " في بيتي نزلت : (
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ...) ، فأرسل رسول الله الى علي
وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : هؤلاء أهل بيتي "
(68) .
وحديث الكساء ، الذي كاد أن يتواتر مضمونه لتعدد رواته لدى الشيعة والسنة في
جميع الطبقات ، حافل بتطبيقها عليهم بالخصوص ، تقول عائشة : خرج النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي ،
فأدخله ; ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ; ثم جاء علي
فأدخله ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيراً )
(69) .
والذي يبدو ان الغرض من حصرهم تحت الكساء ، وتطبيق الاية عليهم ، ومنع حتى أم
سلمة من الدخول معهم ، كما ورد في روايات كثيرة ، هو التأكيد على اختصصاصهم
بالاية ، وقطع الطريق على كل ادعاء بشمولها لغيرهم .
وهناك روايات آحاد توسع بعضها في الجالسين تحت الكساء إلى ما يشمل جميع
أقاربه وبناته وأزواجه ، وبعضها تخصهم بالعباس وولده حيث اشتمل النبي(صلى
الله عليه وآله وسلم) " على العباس وبنيه بملاءة ، ثم قال : يا رب هذا عمي
وصنو أبي ، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم فأمنت أسكفة الباب
(70) وحوائط البيت ، فقالت : آمين وهي ثلاثاً "
(71) .
وهي لعدم طبيعتها وضعف أسانيدها ومجافاتها لواقع الكثير منهم لا تستحق أن
يطال فيها الحديث ، ومن رغب في الاطلاع عليها فليقرأها مع محاكماتها في كتاب
دلائل الصدق
(72) ; وحسبها وهناً أن لا يستدل بها أو يستند
اليها أحد من اولئك أو أحد اتباعهم مع ما فيها من الشرف العظيم لامثالهم .
وكأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد خشي ان يستغل بعضهم قربه منه فيزعم
شمول الاية له ، فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء
بالخصوص ، وتكرار هذا التطبيق حتى تألفه الاسماع ، وتطمئن اليه القلوب .
يقول ابو الحمراء : " حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانية
أشهر بالمدينة ، ليس من مرة يخرج الى صلاة الغداة إلا أتى الى باب علي فوضع
يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصلاة الصلاة ، ( إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس ويطهركم تطهيرا )
(73) . وفي رواية ابن عباس ، قال : " شهدنا رسول
الله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) عند وقت كل
صلاة ، فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اهل البيت ( انما يريد الله
ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا ) "
(74) .
ومع ذلك كله ، فهل تبقى لدعوى عكرمة وروايته مجال لمعارضة هذه الصحاح وعشرات
من أمثالها حفلت بها كتب الحديث والكثير من صحاحها
(75) ؟
3 ـ أما ما يتصل بدعوى وحدة السياق ، فهي لو تمت لما كانت أكثر من كونها
اجتهاداً في مقابلة النص ، والنصوص السابقة كافية لرفع اليد عن كل اجتهاد جاء
على خلافها ، على أنها في نفسها غير تامة ، لان من شرائط التمسك بوحدة السياق
ان يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الاخر ، ومع
احتمال التعدد في الكلام لا مجال للتمسك بها بحال .
ووقوع هذه الاية أو هذا القسم منها ضمن ما نزل في زوجات النبي لا يدل على
وحدة الكلام ، لما نعرف من أن نظم القرآن لم يجر على أساس من التسلسل الزمني
، فرب آية مكية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس فضلاً ، عن اثبات ان الايات
المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة .
ومع تولد هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسك بوحدة السياق ، وأي سياق يصلح
للقرينية مع احتمال التعدد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول ؟
على ان تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الايات السابقة
عليها واللاحقة لها يقرّب ما قلناه ، إذ ان وحدة السياق تقتضي اتحاداً في نوع
الضمائر ، ومقتضى التسلسل الطبيعي ان تكون الاية هكذا " انما يريد الله ليذهب
عنكن الرجس أهل البيت " لا عنكم .
والظاهر من روايات أم سلمة ـ وهي التي نزلت في بيتها هذه الاية ـ أنها نزلت
منفردة كما توحي به مختلف الاجواء التي رسمتها رواياتها ، لما أحاط بها من
جمع أهل البيت وإدخالهم في الكساء ومنعها من مشاركتهم في الدخول ، إلى ما
هنالك.
والحق الذي يتراءى لنا من مجموع ما رويناه من نزول الاية وحرص النبي(صلى الله
عليه وآله وسلم) على عدم مشاركة الغير لهم فيها واتخاذه الاحتياطات بإدخالهم
تحت الكساء ، ليقطع بها الطريق على كل مدع ومتقول ، ثم تأكيده هذا المعنى
خلال تسعة أشهر في كل يوم خمس مرات يقف فيها على باب علي وفاطمة(عليهما
السلام) ، كل ذلك مما يوجب القطع بأن للاية شأناً يتجاوز المناحي العاطفية ،
وهو مما يتنزه عنه مقام النبوة ، لامر يتصل بصميم التشريع من اثبات العصمة
لهم ، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع اليهم والتأثر والتأسي بهم في أخذ
الاحكام ، على ان الاية لا يتضح لها معنى غير ذلك كما أوضحناه في بداية
الحديث .
الاية الثانية : قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرسول ان كنتم
تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا )
(76) وقد قرّب الفخر الرازي دلالتها على عصمة أولي
الامر في تفسيره لهذه الاية بقوله : " ان الله تعالى أمر بطاعة أولي الامر
على سبيل الجزم في هذه الاية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا
بد وأن يكون معصوماً عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير
إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك
الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي الى اجتماع الامر والنهي في
الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنه محال ، فثبت ان الله تعالى أمر بطاعة
أولي الامر على سبيل الجزم ، وثبت ان كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم
وجب ان يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أن أولي الامر المذكور في هذه
الاية لابد وان يكون معصوماً "
(77) .
ولكن الفخر الرازي خالف الشيعة في دعواهم في ارادة خصوص أئمتهم من هذه الاية
، وقرب ان يكون المراد منها أهل الاجماع بالخصوص ، واستدل على ذلك بقوله : "
ثم نقول : ذلك المعصوم . أما مجموع الامة أو بعض الامة ، لا جائز ان يكون بعض
الامة ، لانا بيّنا ان الله تعالى أوجب طاعة أولي الامر في هذه الاية قطعاً ،
وايجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم ، قادرين على الوصول اليهم
والاستفادة منهم ، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا عاجزون عن معرفة الامام
المعصوم ، عاجزون عن الوصول اليهم ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم ،
واذا كان الامر كذلك ، علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس
بعضاً من أبعاض الامة ولا طائفة من طوائفهم ، ولمّا بطل هذا وجب ان يكون ذلك
المعصوم الذي هو المراد بقوله : ( وأولي الامر ) أهل الحل والعقد من الامة ،
وذلك يوجب القطع بأن إجماع الامة حجة "
(78) .
ثم استعرض بعد ذلك الاقوال الاخر في الاية وناقشها جميعاً مناقشات ذات أصالة
وجهد حتى انتهى الى رأي من أسماهم بالروافض ، فقال :
" وأما حمل الاية على الائمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد
، لوجوه :
أحدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم ، فلو أوجب
علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولو أوجب علينا طاعتهم
اذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطاً ، وظاهر قوله : (
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ) يقتضي الاطلاق ، وأيضاً ففي
الاية ما يدفع هذا الاحتمال ، وذلك لانه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول
وطاعة أولي الامر في لفظة واحدة ، وهو قوله : ( وأطيعوا الرسول وأولي الامر
منكم ) واللفظة الواحدة لا يجوز ان تكون مطلقة ومشروطة معاً ، فلما كانت هذه
اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب ان تكون مطلقة قي حق أولي الامر .
الثاني : أنه تعالى أمر بطاعة أولي الامر ، وأولو الامر جمع ، وعندهم لا يكون
في الزمان إلا إمام واحد ، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر .
وثالثها : أنه قال : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول )
(79) ولو كان المراد بأولي الامر الامام المعصوم
لوجب ان يقال : فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الامام ، فثبت ان الحق تفسير
الاية بما ذكرناه "
(80) .
والذي يرد على الفخر الرازي ـ في استفادته وجوب إطاعة أهل الاجماع وانهم هم
المراد من كلمة أولي الامر لا الائمة ـ بناؤه هذه الاستفادة على اعتبار معرفة
متعلق الحكم من شروط نفس التكليف ، وبانتفاء هذا الشرط لتعذر معرفة الائمة
والوصول اليهم ينتفي المشروط .
وهذا النوع من الاستفادة غريب في بابه ، إذ لازمه ان تتحول جميع القضايا
المطلقة الى قضايا مشروطة ، لانه ما من قضية إلا ويتوقف امتثالها على معرفة
متعلقها ، فلو اعتبرت معرفة المتعلق شرطاً فيها لزمت ان تكون مشروطة .
والظاهر ان الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدمة الوجوب وما كان من سنخ مقدمة
الواجب ، فلزوم معرفة المتعلق إنما هو من النوع الثاني ، أي من نوع ما يتوقف
عليه امتثال التكليف لا اصله ، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي ، بينما لم
يلتزم أحد فيما نعلم بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه ، إذ الوجوب قبل حصولها
غير موجود ليتولد منه وجوب لمقدماته ، وبعد وجودها لا معنى لتولد الوجوب منه
بالنسبة اليها ، للزوم تحصيل الحاصل .
وعلى هذا فوجوب معرفة المتعلق للتكاليف لا يمكن أخذه شرطاً فيها بما هو متعلق
لها لتأخره رتبة عنها ، ويستحيل أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور
.
على ان هذا الاشكال وارد عليه نقضاً ، لان اجماع أهل الحل والعقد هو نفسه مما
يحتاج الى معرفة ، وربما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد ، لاحتياجها
الى استيعاب جميع المجتهدين ، وليس من السهل استقراؤهم جميعاً والاطلاع على
آرائهم ، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الاطاعة بمعرفتهم ، ويعسر تحصيل هذا
الشرط ، والاشكال نفس الاشكال .
والغريب في دعواه بعد ذلك ادعاء العجز عن الوصول الى الائمة ومعرفة آرائهم !!
مع توفر أدلة معرفتهم وإمكان الوصول الى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم
الموثوقين .
ثم إن استفادة الاجماع من كلمة ( أولي الامر ) مبنية على ارادة العموم
المجموعي منها ، وحملها على ذلك خلاف الظاهر ، لان الظاهر من هذا النوع من
العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه الى أحكام متعددة بتعدد
أفراده ، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية ،
يجدها مستوعبة لاكثر أحكامه ، وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر
نسبياً ، فلو قال الشارع : اعطوا زكواتكم لاولي الفقر والمسكنة ـ مثلاً ـ فهل
معنى ذلك لزوم اعطائها لهم مجتمعين ، واعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا ؟ وعلى
هذا فحمل ( أولي الامر ) في الاية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر
من دون قرينة ملزمة ، وما ذكره من القرينة لا تصلح لذلك ما دام أهل الاجماع
أنفسهم مما يحتاجون الى المعرفة كالائمة ، ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من
معرفة مجموع المجتهدين ـ كما قلنا ـ وبخاصة بعد توفر وسائل معرفتهم وأخذ
الاحكام عنهم .
وقد اتضحت الاجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من اشكالات .
أما الاشكال الاول : فهو بالاضافة الى وروده نقضاً عليه ، لان اطاعة الله
والرسول وأهل الحل والعقد كلها مما تتوقف على المعرفة ; ان المعرفة لا يمكن
أخذها قيداً في أصل التكليف لما سبق بيانه ، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على
اطاعة الله والرسول كلها مقيدة بها ، فلا يلزم التفرقة في التكليف الواحد كما
يقول .
والاشكال الثاني : يتضح جوابه مما ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من
العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كل فرد حكمه ، فاذا قال المشرع الحديث ـ
مثلاً ـ : حكم الحكام نافذ في المحاكم المدنية ، فإن معناه ان حكم كل واحد
منهم ، نافذ لا حكمهم مجتمعين ; نعم يظهر من اتيانه بلسان الجمع ان أولي
الامر أكثر من فرد واحد ، وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه ان يكونوا
مجتمعين في زمان واحد لان صدق الجمع على الافراد الموزعين على الازمنة لا
ينافي ظاهره .
يبقى الاشكال الثالث : وهو عدم ذكره لاولي الامر في وجوب الرد اليهم عند
التنازع ، بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول ; وهذا الاشكال أمره سهل
لجواز الحذف اعتماداً على قرينة ذكره سابقاً ; وقد سبق في صدر الاية ان ساوى
بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة ، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الاية
الثانية ( ولو ردّوه الى الرسول والى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه
منهم )
(81) .
والاشكال الذي يرد على الشيعة ـ بعد تسليم دلالتها على عصمة أولي الامر كما
قال الفخر ـ ان القضية لا تثبت موضوعها ، فهي لا تعين المراد من أولي الامر ،
وهل هم الائمة من أهل البيت(عليهم السلام) أو غيرهم ، فلا بد من إثبات ذلك
الى التماس أدلة أخرى من غير الاية ، وسيأتي الحديث حول ذلك في جواب سؤال :
من هم أهل البيت ؟
والايات الباقية التي استدلوا بها على العصمة حساب ما يدل منها عليها حساب
هذه الاية من حيث عدم تعيينها للامام المعصوم ، فالمهم ان يساق الحديث الى
أدلتهم من السنة النبوية .
أدلتهم من
السنة :
وأول أدلتهم من السنة وأهمها :
حديث
الثقلين :
وهذا الحديث يكاد يكون متواتراً بل هو متواتر فعلاً ،
إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة في مختلف الطبقات ، واختلاف بعض
الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها ،
ونقل بعضهم له بالمعنى وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً .
ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في مصر ، أنها أصدرت رسالة
ضافية ألّفها بعض أعضائها في هذا الحديث أسمتها : ( حديث الثقلين ) ، وقد
استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى أهل
السنة
(82) .
وحسب الحديث لان يكون موضع اعتماد الباحثين ان يكون من رواته كل من : صحيح
مسلم
(83) ، وسنن الدارمي
(84) ، وخصائص النسائي
(85) ، وسنن أبي داود
(86) ، وسنن ابن ماجة
(87) ، ومسند أحمد
(88) ، ومستدرك الحاكم
(89) ، وذخائر الطبري
(90) ، وحلية الاولياء
(91) ، وكنز العمال
(92) ، وغيرهم ; وان تعنى بروايته كتب المفسرين
أمثال : الرازي ، والثعلبي ، والنيسابوري ، والخازن ، وابن كثير ، وغيرهم ;
بالاضافة الى الكثير من كتب التأريخ ، واللغة ، والسير ، والتراجم . وقد
استقصت رسالة دار التقريب عشرات المؤلفين من هؤلاء وغيرهم
(93) ; وقد كنت أود نقلها بنصها لقيمة ما ورد فيها
من رأي ونقل لولا انتشارها وتداولها ; وما أظن أن حديثاً يملك من الشهرة ما
يملكه هذا الحديث ، وقد أوصله ابن حجر في الصواعق المحرقة الى نيف وعشرين
صحابياً ، يقول في كتابه : " ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت
عن نيف وعشرين صحابياً "
(94) ، وفي غاية المرام وصلت أحاديثه من طرق السنة
الى (39) حديثاً ، ومن طرق الشيعة الى (82) حديثاً
(95) .
والظاهر أن سرّ شهرته تكرار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) له في أكثر من
موضع ، يقول ابن حجر : " ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ; وفي بعض تلك
الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنه قال بالمدينة في مرضه ،
وقد امتلات الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه
قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف ـ وقال ـ : ولا تنافي إذ لا
مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب
العزيز والعترة الطاهرة "
(96) .
ولسان الحديث كما في رواية زيد بن أرقم : " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن
تضلوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض ، وعترتي اهل بيتي ،
ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ; فانظروا كيف تخلفونني فيهما "
(97) .
وفي رواية زيد بن ثابت : " إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما
بين السماء والارض ، أو مابين السماء الى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، وانهما
لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض "
(98) .
ورواية أبي سعيد الخدري : " إني أوشك ان أدعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين
: كتاب الله عز وجل ، وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض ،
وعترتي أهل بيتي ، وان اللطيف أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ،
فانظروا كيف تخلفونني فيهما "
(99) .
وقد استفيد من هذا الحديث عدة أمور نعرضها بإيجاز :
1 ـ دلالته على عصمة
أهل البيت(عليهم السلام) :
أ ـ لاقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه ، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه ، ومن البديهي أن صدور أية
مخالفة للشريعة ، سواء كانت عن عمد أم سهو أم غفلة ، تعتبر افتراقاً عن
القرآن في هذا الحال ، وإن لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحياناً كما
في الغافل والساهي ، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم
التقيد بأحكامه وإن كان معذوراً في ذلك ، فيقال : فلان ـ مثلاً ـ افترق عن
الكتاب وكان معذوراً في افتراقه عنه ; والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى
يردا الحوض .
ب ـ ولانه اعتبر التمسك بهم عاصماً عن الضلالة دائماً وأبداً ، كما هو مقتضى
ما تفيده كلمة " لن " التأبيدية ، وفاقد الشيء لا يعطيه .
ج ـ على أن تجويز الافتراق عليهم بمخالفة الكتاب وصدور الذنب منهم تجويز
للكذب على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أخبر عن الله عز وجل بعدم
وقوع افتراقهما ، وتجويز الكذب عليه متعمداً في مقام التبليغ والاخبار عن
الله في الاحكام وما يرجع اليها من موضوعاتها وعللها مناف لافتراض العصمة في
التبليغ ، وهي مما أجمعت عليها كلمة المسلمين على الاطلاق حتى نفاة العصمة
عنه بقول مطلق .
يقول الشوكاني بعد استعراضه لمختلف مبانيهم في عصمة الانبياء : " وهكذا وقع
الاجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمد الكذب في الاحكام الشرعية لدلالة
المعجزة على صدقهم ; وأما الكذب غلطاً فمنعه الجمهور ، وجوّزه القاضي أبو بكر
"
(100) .
ولا إشكال أن الغلط لا يتأتى في هذا الحديث لاصرار النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم)على تبليغه في أكثر من موضع وإلزام الناس بمؤداه ; والغلط لا يتكرر عادة
. على ان الادلة العقلية على عصمة النبي ، والتي سبقت الاشارة اليها ، من
استحالة الخطأ عليه في مقام التبليغ ـ وكلما يصدر عنه تبليغ ـ كما يأتي ،
تكفي في دفع شبهة القاضي أبي بكر ، وتمنع من احتمال الخطأ في دعواه عدم
الافتراق .
2 ـ لزوم
التمسك بهما معاً لا بواحد منهما منعاً من الضلالة :
لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه : " ما إن تمسكتم
بهما لن تضلوا " ولقوله : " فانظروا كيف تخلفونني فيهما ; وأوضح من ذلك دلالة
ما ورد في رواية الطبراني في تتمتها : " فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا
عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم "
(101) .
وبالطبع ان معنى التمسك بالقرآن ، هو الاخذ بتعاليمه والسير على وفقها ، وهو
نفسه معنى التمسك بأهل البيت عدل القرآن .
ومن هذا الحديث يتضح أن التمسك بأحدهما لا يغني عن الاخر " ما إن تمسكتم بهما
" ، " ولا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا " . ولم يقل : ما إن
تمسكتم بأحدهما ، أو تقدمتم أحدهما ; وسيأتي السر في ذلك من أنهما معاً
يشكلان وحدة يتمثل بها الاسلام على واقعه وبكامل أحكامه ووظائفه .
3 ـ بقاء
العترة الى جنب الكتاب الى يوم القيامة :
أي لا يخلو منهما زمان من الازمنة ما داما لن يفترقا
حتى يردا عليه الحوض ، وهي كناية عن بقائهما الى يوم القيامة . يقول ابن حجر
: " وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة على عدم انقطاع متأهل منهم
للتمسك به الى يوم القيامة ، كما ان الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أماناً
لاهل الارض كما يأتي ، ويشهد لذلك الخبر السابق : في كل خلف من أمتي عدول من
أهل بيتي "
(102) .
4 ـ
دلالته على تميزهم بالعلم بكل ما يتصل بالشريعة وغيره :
كما يدل على ذلك اقترانهم بالكتاب الذي لا يغادر صغيرة
ولا كبيرة ; ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : " ولا تعلموهم فانهم أعلم
منكم " . يقول ابن حجر ـ وهو من خير من كتبوا في هذا الحديث فهماً وموضوعية ـ
: " تنبيه : سمى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن وعترته ـ وهي
بالمثناة الفوقية ، الاهل والنسل والرهط الادنون ـ الثقلين ، لان الثقل كل
نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن العلوم اللدنية ، والاسرار
والحكم العلية ، والاحكام الشرعية ، ولذا حث(صلى الله عليه وآله وسلم) على
الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم ، وقال : " الحمد لله الذي جعل فينا
الحكمة أهل البيت "
(103) وقيل : سميا ثقلين ، لثقل وجوب رعاية حقوقهما
ثم إن الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله ،
إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب الى الحوض ; ويؤيده الخبر السابق : " ولا
تعلموهم فإنهم أعلم منكم "
(104) ، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لان الله
أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة ، والمزايا
المتكاثرة ، وقد مر بعضها "
(105) .
مناقشة
الحديث :
وقد ناقش الاستاذ محمد أبو زهرة هذا الحديث بمناقشات
مطولة بعد ان استعرض استدلال الشيعة به على وجوب الرجوع اليهم ، نذكر كل ما
يتصل بحديثنا منه ، ثم نعقب عليه بما يتراءى لنا من أوجه المفارقة فيه .
يقول : " ولكنا نقول : ان كتب السنة التي ذكرته بلفظ ( سنتي ) أوثق من الكتب
التي روته بلفظ ( عترتي ) ; وبعد التسليم بصحة اللفظ نقول : بانه لا يقطع بل
لا يعين من ذكروهم من الائمة الستة المتفق عليهم عند الامامية الفاطميين ،
وهو لا يعين أولاد الحسين دون أولاد الحسن ، كما لا يعين واحداً من هؤلاء
بهذا الترتيب ، وكما لا يدل على ان الامامة تكون بالتوارث ، بل لا يدل على
إمامة السياسة ، وإنه أدل على إمامة الفقه والعلم "
(106) .
ومواقع النظر حول نصّه هذا، تقع في ثلاث :
1 ـ مناقشة في الحديث من حيث سنده لتقديم ما ورد فيه من لفظ ( سنتي ) على ما
ورد من لفظ ( عترتي ) ، لكون رواته من كتب السنة بهذا اللفظ أوثق .
2 ـ كونه لا يعين المراد من الاهل ، كما لا يعين الائمة المتفق عليهم لدى
الشيعة أو غيرهم ، وكأنه يريد ان يقول : إن القضية لا تثبت موضوعها ، فكيف
جاز الاستدلال به على إمامة خصوص الائمة ؟!
3 ـ دلالته على إمامة الفقه لا السياسة .
أما المناقشة الاولى : فهي غير واضحة لدينا ، لان رواية ( وسنتي ) لو صحت ،
فهي لا تعارض رواية العترة ، واعتبار الصادر شيئاً واحداً ، أما هذه أو تلك ،
لا ملجئ له ، وأظن ان الشيخ أبا زهرة تخيل التعارض بينهما ، استناداً الى
مفهوم العدد ، ولكنه نسي أن هذا النوع من مفاهيم المخالفة ليس بحجة ـ كما هو
التحقيق لدى متأخري الاصوليين ـ على ان التعارض لا يلجأ اليه إلا مع تحكم
المعارضة ، ومع إمكان الجمع بينهما لا معارضة أصلاً ، وقد جمع ابن حجر بينهما
في صواعقه ، فقال : " وفي رواية : كتاب الله وسنتي ، وهي المراد من الاحاديث
المقتصرة على الكتاب لان السنة مبيّنة له ، فأغنى ذكره عن ذكرها ، والحاصل ان
الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت ; ويستفاد
من مجموع ذلك بقاء الاُمور الثلاثة الى قيام الساعة "
(107) .
وان شئت ان تقول : إن ذكر أهل البيت معناه ذكر للسنة لانهم لا يأتون إلا بها
، فكل ما عندهم مأخوذ بواسطة النبي ، أي بواسطة السنة ، وقد طفحت بذلك
أحاديثهم ، ويؤيده ما ورد في كنز العمال من جواب النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) لعلي عندما سأله : ما أرث منك يا رسول الله ؟ قال(صلى الله عليه وآله
وسلم) : " ما ورّث الانبياء من قبل : كتاب ربهم وسنة نبيهم "
(108) .
واذن يكون ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الاخر ، وكلتا الروايتين يمكن ان تكونا
صحيحتين ولا حاجة الى تكذيب إحداهما وتعيين الصادرة منهما بالرجوع الى
المرجّحات .
ومع الغض عن ذلك وافتراض تمامية المعارضة ، وأن الصادر منه(صلى الله عليه
وآله وسلم) لا يمكن أن يكون إلا واحدة منهما ، فتقديمه لكلمة ( وسنتي ) لا
أعرف له وجهاً . لان حديث التمسك بالثقلين متواتر في جميع طبقاته ، والكتب
التي حفلت به أكثر من أن تحصى ، وطرقه الى الصحابة كثيرة ، ورواته منهم ـ أي
الصحابة ـ كثيرون جداً ، وفي رواياته عدة روايات كانت في أعلى درجات الصحة ،
كما شهد بذلك الحاكم وغيره .
بينما نرى الحديث الاخر لا يتجاوز في اعتباره عن كونه من أحاديث الاحاد ،
ولقد كنت أحب للسيد أبي زهرة ان يتفضل بذكر الكتب السنية التي روت حديث (
وسنتي ) لنرى مدى ادعائه الاوثقية لها ، وأي كتب أوثق من الصحاح والسنن
والمسانيد ومستدركاتها التي سبق ذكرها وذكر روايتها للحديث لتقدم عند
المعارضة ؟!
وفي حدود تتبعي لكتب الحديث ، واستعانتي ببعض الفهارس ، لم أجد رواية ( وسنتي
) إلا في عدد من الكتب لا تتجاوز عدد الاصابع لليد الواحدة ، وهي مشتركة في
رواية الحديثين معاً ، اللهم إلا ما يبدو من مالك حيث اقتصر في الموطأ على
ذكرها فحسب ، ولم يذكر الحديث الاخر ـ إن صدق تتبعي لما في الكتاب ـ يقول
راوي الموطأ : " وحدثني عن مالك : انه بلغه ان رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) قال : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله ، وسنة
نبيه "
(109) .
ويكفي في توهين الرواية أنها مرفوعة ولم يذكر الكتاب رواتها ، مما يدل على
عدم اطمئنان صاحبها اليها ولسانها " عن مالك أنه بلغه ان رسول الله " ، ولعل
الموطأ هو أقدم مصادرها في كتب الحديث ، كما أن ابن هشام هو أقدم رواتها في
كتب السير
(110) فيما يبدو .
وما عدا هذين الكتابين ; فقد ذكرها ابن حجر في صواعقه مرسلة ، وذكرها
الطبراني فيما حكي عنه
(111) .
ومثل هذه الرواية ـ وهي بهذه الدرجة من الضعف لانها لا تزيد على كونها مرفوعة
أو مرسلة ، ولو قدر صحتها فهي لا تزيد على كونها من أخبار الاحاد ـ هل يمكن
ان تقف بوجه حديث الثقلين مع وفرة رواته في كتب السنة وتصحيح الكثير من
رواياته ، كما سبق بيانه ؟
هذا كله من حيث سند الحديثين .
أما من حيث المضمون ، فأنا ـ شخصياً ـ لا أكاد أفهم كيف يمكن أن تكون السنة
مرجعاً يطلب الى المسلمين في جميع عصورهم أن يتمسكوا بها الى جنب الكتاب ،
وهي غير مجموعة على عهده(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيها الناسخ والمنسوخ ،
والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ؟
ولقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة وأصحابه كما يقول ابن
حزم : " مشاغيل في المعاش ، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز ، وانه كان
يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط ، وأنه إنما قامت
الحجة على سائر من لم يحضره(صلى الله عليه وآله وسلم) بنقل من حضره ، وهم
واحد أو اثنان "
(112) .
واذا صح هذا ـ وهو صحيح جداً لان التاريخ لم يحدثنا عنه (صلى الله عليه وآله
وسلم) أنه كان يجمع الصحابة جميعاً ، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام ، ولو
تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهما من السنة ـ فماذا
يصنع من يريد التمسك بسنته من بعده ولنفترضه من غير الصحابة ؟ أيظل يبحث عن
جميع الصحابة ـ وفيهم الولاة والحكام ، وفيهم القواد والجنود في الثغور ـ
ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام ، أم يكتفي بالرجوع الى
الموجودين وهو لا يجزيه ، لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد
أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة ؟ والحجية ـ كما يقول ابن حزم ـ : لا تتقوّم
إلا بهم .
والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه أو مقيده ، ما دمنا نعلم
أن من طريقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في التبليغ هو الاعتماد على
القرائن المنفصلة ، فالارجاع الى شيء مشتّت وغير مدون تعجيز للامة وتضييع
للكثير من أحكامها الواقعية .
وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة الى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبياً ،
فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح ، وانتشار الاسلام ، ومحاولة التعرف على
أحكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم ، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في
الحديث للاغراض السياسية أو الدينية أو النفسية ؟
ومثل هذه المشكلة هل يمكن ان لا تكون أمامه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو
المسؤول عن وضع الضمانات لبقاء شريعته ما دامت خاتمة الشرائع ، وقد شاهد
قسماً من التنكر لسنته على عهده(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما مرت الاشارة
الى ذلك في سابق من الاحاديث .
إن الشيء الطبيعي أن لا يفرض أي مصدر تشريعي على الامة ما لم يكن مدوّناً
ومحدد المفاهيم ، أو يكون هناك مسؤول عنه يكون هو المرجع فيه .
وما دمنا نعلم أن السنة لم تدوّن على عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منزّه عن التفريط برسالته ، فلا بد أن
نفترض جعل مرجع تحدد لديه السنة بكل خصائصها ، وبهذا تتضح أهمية حديث الثقلين
وقيمة إرجاع الامة الى أهل البيت(عليهم السلام) فيه لاخذ الاحكام عنهم ، كما
تتضح أسرار تأكيده على الاقتداء بهم
(113) ، وجعلهم سفن النجاة تارة
(114) ، وأماناً للامة أخرى
(115) ، وباب حطة ثالثة
(116) وهكذا ... وبخاصة اذا أدركنا مقام النبوة وما
يقتضيه من تنزيه عن جميع المجالات العاطفية غير المنطقية ، وإلا فما الذي
يفرق أهل بيته عن غيرهم من الامة ليضفي عليهم كل هذا التقديس ، ويلزمها بهذه
الاوامر المؤكدة بالرجوع اليهم ، والاقتداء بهم ، والتمسك بحبلهم ؟
أما ما يتصل بعدم تعيينه المراد من أهل البيت ، فهذا من أوجه ما أورده أبو
زهرة من إشكالات على هذا الحديث .
وكون القضية لا تشخص موضوعها بديهية ، لذلك نرى ان نتعرف على المراد من أهل
البيت من خارج نطاق هذا الحديث .
من هم أهل
البيت ؟
وأول ما يلفت النظر سكوت الامة عن استيضاح أمرهم من
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبخاصة وقد سمعوه منه في نوب متفرقة وأماكن
مختلفة ، أما كان فيهم من يقول له : إنك عصمتنا من الضلالة بالرجوع الى أهل
بيتك ، وجعلتهم قرناء القرآن ; فمن هم أهل هذا البيت لنعتصم بهم ؟ أترى ان
عصمتهم من الضلالة من الامور العادية التي لا تهم معرفتها والاستفسار عنها ،
أم ترى أنهم كانوا معروفين لديهم فما احتاجوا الى استفسار وحديث ؟
والذي يبدو ان الصحابة ما كانوا في حاجة الى استفسار وهم يشاهدون نبيهم(صلى
الله عليه وآله وسلم) في كل يوم يقف على باب علي وفاطمة ، وهو يقرأ : ( إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً )
(117) ; وتسعة أشهر ـ وهي المدة التي حدث عنها ابن
عباس ـ كافية لان تعرف الامة من هم أهل البيت ، ثم يشاهدونه وقد خرج الى
المباهلة وليس معه غير علي وفاطمة وحسن وحسين(عليهم السلام) وهو يقول : "
اللهم هؤلاء أهلي "
(118) ، وهم من أعرف الناس بخصائص هذا الكلام ،
وأكثرهم إدراكاً لما ينطوي عليه من قصر واختصاص .
وأحاديث الكساء التي سبقت الاشارة اليها فيما سبق ، بما في بعضها من إقصاء
حتى لزوجته أم سلمة ، ما يغني عن إطالة الحديث معه في التعرف على المراد من
أهل البيت على عهده ، وأحاديثه على اختلافها يفسر بعضها بعضاً ، ويعين بعضها
المراد من البعض .
على أنا لا نحتاج في بدء النظر الى أكثر من تشخيص واحد منهم يكون المرجع
للقيام بمهمته من بعده ، وهو بدوره يعين الخلف الذي يأتي بعده وهكذا ... وليس
من الضروري ان يتولى ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه إن لم نقل أنه
غير طبيعي لولا ان تقتضيه بعض الاعتبارات .
ومن هنا احتجنا الى النص على من يقوم بوظيفة الامامة ، لان استيعاب السنة
والاحكام الشرعية وطبيعة الصيانة لحفظها التي تستدعي العصمة لصاحبها
والعاصمية للاخرين ، ليست من الصفات البارزة التي يدركها جميع الناس ليتركها
مسرحاً لاختيارهم وتمييزهم ، ولو أمكن تركها لهم في مجال التشخيص فليس من
الضروري أن يتفق الناس على اختيار صاحبها بالذات مع تباين عواطفهم وميولهم .
وطبيعة الصيانة والحفظ ومراعاة استمرارها منهجاً وتطبيقاً في الحياة ، تستدعي
اتخاذ مختلف الاحتياطات اللازمة لذلك .
ولقد أغنانا(صلى الله عليه وآله وسلم) حين عيّن علياً(عليه السلام) في نفس
حديث الثقلين وسماه من بين أهل بيته لينهض بوظائفه من بعده ; ومما جاء في
خطابه التاريخي في يوم غدير خم ، وهو ينعى نفسه لعشرات الاُلوف من المسلمين
الذين كانوا معه : " كأني قد دعيت فأجبت ، اني قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما
اكبر من الاخر : كتاب الله وعترتي ، فانظروا كيف تخلفونني فيهما ; فإنهما لن
يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، ـ ثم قال ـ : إن الله عز وجل مولاي ، وأنا
مولى كل مؤمن ـ ثم أخذ بيد عليّ ، فقال ـ : من كنت مولاه فهذا وليه ; اللهم
وال من والاه ، وعادِ من عاداه "
(119) .
ثم قال في مرض موته بعد ذلك مؤكداً : " أيها الناس ، يوشك ان أقبض قبضاً
سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت اليكم القول معذرة اليكم ، الا اني مخلف فيكم
كتاب ربي عز وجل ، وعترتي أهل بيتي ، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال : هذا علي
مع القرآن والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض فأسألهما ما
خلفت فيهما "
(120) .
على أن الاحاديث الدالة على عصمته كافية في تعيينه ، أمثال قوله(صلى الله
عليه وآله وسلم) : " علي مع الحق ، والحق مع علي يدور معه حيثما دار "
(121) وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمار : " يا
عمار ، إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره ، فاسلك مع علي
ودع الناس ، إنه لن يدلّك على ردى ولن يخرجك من هدى "
(122) . وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : " اللهم
أدر الحق مع عليّ ، حيث دار "
(123) الى غيرها من الاحاديث .
ومن هنا قال أبو القاسم البجلي وتلامذته من المعتزلة : " لو نازع علي عقيب
وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وسلَّ سيفه لحكمنا بهلاك كل من
خالفه وتقدم عليه ، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ، ولكنه مالك
الامر وصاحب الخلافة ، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها ،
واذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من اغضى له عليها ، وحكمه في ذلك حكم
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لانه قد ثبت عنه في الاخبار الصحيحة أنه
قال : " علي مع الحق ، والحق مع علي يدور معه حيثما دار "
(124) ، وقال له غير مرة : " حربك حربي ، وسلمك
سلمي "
(125) .
واذا كانت هذه الاحاديث التي مرت تعين علياً وولديه ، فما الذي يعين بقية
الائمة من أهل البيت(عليهم السلام) ؟
هناك روايات مأثورة لدى الشيعة وأخرى لدى السنة ، يذكرها صاحب الينابيع
(126) وغيره ، تصرح بأسمائهم جميعاً " .
ولكن الروايات التي حفلت بها الصحاح والمسانيد لا تذكرهم بغير عددهم .
ففي رواية البخاري ، عن جابر بن سمرة ، قال : " سمعت النبي(صلى الله عليه
وآله وسلم) ، يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي
: إنه قال : كلهم من قريش "
(127) .
وفي صحيح مسلم بسنده عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : " لا يزال الدين
قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش "
(128) .
وفي رواية أحمد عن مسروق قال : " كنا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو يقرئنا
القرآن ، فقال له رجل : يا أبا عبدالرحمن ، هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم) كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ فقال عبدالله : ما سألني عنها أحد
منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله ، اثني عشر
كعدّة نقباء بني اسرائيل "
(129) .
وفي نظير هذه الاحاديث مع اختلاف في بعض المضامين ، حدّث كل من أبي داود ،
والبزار ، والطبراني
(130) ، وغيرهم ، وطرقها في هذه الكتب كثيرة وبخاصة
في صحيح مسلم
(131) ومسند أحمد
(132) .
والذي يستفاد من هذه الروايات :
1 ـ ان عدد الامراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر ، وكلهم من قريش .
2 ـ وان هؤلاء الامراء معيّنون بالنص ، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني
اسرائيل لقوله تعالى : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني
عشر نقيبا )
(133) .
3 ـ ان هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الاسلامي ، أو حتى تقوم
الساعة ، كما هو مقتضى رواية مسلم السابقة ، وأصرح من ذلك روايته الاُخرى في
نفس الباب : " لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي من الناس اثنان "
(134) .
واذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلا مع مبنى الامامية في عدد الائمة
وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي
منسجمة جداً مع حديث الثقلين وبقائهما حتى يردا عليه الحوض .
وصحة هذه الاستفادة موقوفة على ان يكون المراد من بقاء الامر فيهم بقاء
الامامة والخلافة ـ بالاستحقاق ـ لا السلطة الظاهرية .
لان الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله ، وهي في حدود السلطنة
التشريعية لا التكوينية ، لان هذا النوع من السلطنة هو الذي تقتضيه وظيفته
كمشرع ، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلط الاخرين
عليهم .
على ان الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى ، لبداهة
ان السلطنة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد ، فضلاً عن
انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم ـ أمويين وعباسيين ـ باتفاق المسلمين .
ومن الجدير بالذكر ان هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل
ان يكتمل عدد الائمة، فلا يحتمل ان تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد
المذكور ، على ان جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم .
ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاحاديث وملاءمتها للواقع التأريخي
كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها ، ومن هنا تضاربت الاقوال في توجيهها وبيان
المراد منها .
والسيوطي بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة خرج برأي غريب
نورده هنا تفكهة للقراء ، وهو " وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر ، الخلفاء
الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وهؤلاء ثمانية ،
ويحتمل ان يضم اليهم المهدي من العباسيين لانه فيهم كعمر بن عبد العزيز في
بني أمية ، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل ، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما
: المهدي لانه من أهل بيت محمد ولم يبين المنتظر الثاني ، ورحم الله من قال
في السيوطي : إنه حاطب ليل "
(135) .
وما يقال عن السيوطي يقال عن ابن روزبهان في رده على العلامة الحلي وهو يحاول
توجيه هذه الاحاديث
(136) .
والحقيقة ان هذه الاحاديث لا تقبل توجيهاً إلا على مذهب الامامية في أئمتهم .
واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الاخبار بالمغيبات ، أولى من محاولة
إثارة الشكوك حولها كما صنعه بعض الباحثين المحدثين متخطياً في ذلك جميع
الاعتبارات العلمية ، وبخاصة بعد ان ثبت صدقها بانطباقها على الائمة الاثني
عشر(عليهم السلام) .
على أنا في غنى من هذه الروايات وغيرها بحديث الثقلين نفسه ، فهو الذي ترك
بأيدينا مقياساً لتشخيص العصمة في أصحابها ، وقديماً قيل : ( اعرف الحق تعرف
أهله )
(137) .
والمقياس في العصمة هو عدم الافتراق عن القرآن ، فلنمسك بأيدينا هذا المقياس
، ونسبر به الواقع السلوكي لجميع من تسمّوا بالائمة لدى فرق الشيعة ، ونختار
أجدرهم بالانطباق عليه لنتمسك بإمامته .
وأظن ان الانسب والابعد عن الادعاء ان نهمل كتب الشيعة على اختلافها ، وننزع
الى كتب إخواننا من أهل السنة ونجعلها الحكم في تطبيق هذا المقياس عليهم ،
فإنها أقرب إلى الموضوعية عادة من كتب قد يقال في حق أصحابها أن كل طائفة
تريد التزيّد لائمتها بالخصوص .
ولنا من ابن طولون مؤرخ دمشق في كتابه " الائمة الاثنا عشر " ، وابن حجر في
صواعقه ، والشيخ سليمان البلخي وغيرهم رادة لامثال هذه البحوث .
ولنترك قراءة تراجمهم جميعاً للاخ أبي زهرة ليرى أيهم أكثر انسجاماً في واقعه
مع المقياس الذي استفدناه من حديث الثقلين .
يقول أحمد وهو يعلق على حديث الامام الرضا عن آبائه(عليهم السلام) حين مر
بنيسابور : " لو قرأت هذا الاسناد على مجنون لبرئ من جنّته "
(138) .
والذي نرجوه ونأمل أن لا ننساه ونحن نستعرض تراجمهم ، ان هؤلاء الائمة الاثني
عشر قد ادعوا لانفسهم الامامة في عرض السلطة الزمنية ، واتخذوا من أنفسهم كما
اتخذهم الملايين من أتباعهم قادة للمعارضة السلمية للحكم القائم في زمنهم ،
وكانوا عرضة للسجون والمراقبة ، وكثير منهم قتل بالسم ، وفيهم من استشهد في
ميدان الجهاد على يد القائمين بالحكم .
وفي هؤلاء الائمة من تولى الامامة وهو ابن عشرين سنة كالحسن العسكري(عليه
السلام)، بل فيهم من تولى منصبها وهو ابن ثمان كالامامين الجواد
والهادي(عليهما السلام).
ومن المعروف عن الشيعة ادعاؤهم العصمة لائمتهم الملازمة لدعوى الاحاطة في
شؤون الشريعة جميعها ، بل ادعوا الاعلمية لهم في جميع الشؤون ، وهم أنفسهم
صرحوا بذلك .
ومن كلمات أئمتهم في ذلك كله ما ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) في نهجه
الخالد " نحن شجرة النبوة ، ومحط الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ،
وينابيع الحكمة "
(139) ، وقوله(عليه السلام) : " أين الذين زعموا
أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ،
وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ؟ بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى ، ان
الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا تصلح
الولاة من غيرهم "
(140) .
وقول علي بن الحسين السجاد(عليهما السلام) : " ... وذهب آخرون الى التقصير في
أمرنا واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوا بآرائهم واتهموا مأثور الخبر فينا ـ
الى ان يقول ـ : فإلى من يفزع خلف هذه الاُمة ، وقد درست أعلام هذه الامة ،
ودانت الامة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً ؟ والله تعالى يقول : ( ولا
تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات )
(141) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة ، وتأويل
الحكم الا أعدال الكتاب وأبناء أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى الذين احتج الله
بهم على عباده ، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة ؟ هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا
من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم
تطهيرا ؟ "
(142) .
ومع هذه الاقوال ونظيرها صادر عن أكثر الائمة ، وهم مصحرون بمبادئهم ، أما
كان بوسع السلطة وهي تملك ما تملك من وسائل القمع أن تقضي على هذه الجبهة من
المعارضة ذات الدعاوى العريضة من أيسر طرقها ؟ وذلك بتعريض أئمتها لشيء من
الامتحان العسير في بعض ما يملكه العصر من معارف ، وبخاصة ما يتصل منها
بغوامض الفقه والتشريع ليسقط دعواها في الاعلمية من الاساس ، أو يعرضهم الى
شيء من الامتحان في الاخلاق والسلوك ليسقط ادعاءهم العصمة .
واذا كان في الكبار منهم عصمة وعلم ، نتيجة دربة ومعاناة ، فما هو الشأن في
ابن عشرين عاماً أو ابن ثمان ؟ فهل تملك الوسائل الطبيعية تعليلاً لتمثلهم
لذلك كله ؟
ولو كان هؤلاء الائمة في زوايا أو تكايا ، وكانوا محجوبين عن الرأي العام ،
كما هو الشأن في أئمة الاسماعيلية أو بعض الفرق الباطنية ، لكان لاضفاء
الغموض والمناقبية على سلوكهم من الاتباع مجال ، ولكن ما نصنع وهم مصحرون
بأفكارهم وسلوكهم وواقعهم تجاه السلطة وغيرها من خصومهم في الفكر ؟ والتأريخ
حافل بمواقف السلطة منهم ومحاربتها لافكارهم وتعريضهم لمختلف وسائل الاغراء
والاختبار ، ومع ذلك فقد حفل التأريخ بنتائج اختباراتهم المشرّفة وسجلها
بإكبار .
ولقد حدث المؤرخون عن كثير من هذه المواقف المحرجة وبخاصة مع الامام
الجواد(عليه السلام) ، مستغلين صغر سنه عند تولي الامامة
(143) .
وحتى لو افترضنا سكوت التأريخ عن هذه الظاهرة ، فإن من غير الطبيعي ان لا
تحدث أكثر من مرة تبعاً لتكرر الحاجة اليها ، وبخاصة وان المعارضة كانت على
أشدها في العصور العباسية .
وطريقة إعلان فضيحتهم بإحراج أئمتهم فيما يدعونه من علم أو استقامة سلوك ،
وإبراز سخفهم لاحتضانهم أئمة بهذا السن وهذا المستوى ، لو أمكن ذلك أيسر
بكثير من تعريض الامة الى حروب قد يكون الخليفة نفسه من ضحاياها ، أو تعريض
هؤلاء الائمة الى السجون والمراقبة أو المجاملة أحياناً .
واذا كان بوسع الاخ أبي زهرة ان يعلل هذه الظاهرة بتعليل منطقي يخضع لما نعرف
من عوامل طبيعية ـ أعني ظاهرة تفوقهم في مجالات الاختبار والتمحيص ـ بالنسبة
الى الكبار من الائمة بإرجاعها الى الجهد والدراسة والتجربة السلوكية سراً ،
فهل بوسع فضيلته ان يعللها في ابن عشرين سنة أو في ابن ثمان ، كما هو الشأن
في الائمة الثلاثة : الجواد ، والهادي ، والعسكري(عليهم السلام) ؟
وما لنا نبعد والاخ ابو زهرة ، وهو من الاساتذة الذين عانوا مشاكل التدريس في
الجامعات ؟ هل يستطيع ان يعطي الضمانة لنجاح أي استاذ ـ لو عرض لامتحان عسير
ـ في خصوص ما ألفه من كتب من دون سابق تحضير ؟ فكيف اذا وسعنا الامتحان الى
مختلف مجالات المعرفة ـ وهي المدعاة لائمة أهل البيت في مذهب الشيعة الامامية
ـ ودون سابق تحضير ؟
واذا كان للصدفة ـ وهي مستحيلة ـ مجالها في امتحان ما بالنسبة الى شخص ما
فليس لها موقع بالنسبة اليه في مختلف المجالات فضلاً عن تكررها بالنسبة الى
جميع الائمة صغارهم وكبارهم كما يحدث في ذلك التأريخ .
وأظن ان في هذه الاعتبارات التي ذكرناها مجتمعة ما يغني عن استيعاب كل ما ذكر
في تشخيص المراد من أهل البيت .
أما الدعوى الثالثة : وهي دلالته على إمامة الفقه لا السياسة ، فهي ما لا
أعرف لها وجهاً يمكن الركون اليه لافتراضها فصل السلطتين الدينية والزمنية عن
بعضهما ، مع ان الاسلام لا يعترف بذلك لما فيه من تجاهل لوظائف الامامة وهي
امتداد لوظائف النبي إلا فيما يتصل بعالم الاتصال بالسماء ، وبخاصة فيما يتصل
في الشؤون التطبيقية .
لان الفكرة ـ أية فكرة ـ لا يكفي في تحقيق نفسها ان تشرع وتعيش على صعيد من
الورق ، بل لا بد ان تضمن لها تطبيقاً تتلاءم فيه الوسائل والاهداف ، وإلا
لما صح نسبة النجاح لتجربتها بحال من الاحوال ; ولقد كتبت فصلاً مطولاً في
البحث الذي يتصل بانبثاق فكرة الامامة والضرورات الداعية اليها في محاضراتي
عن تأريخ التشريع الاسلامي في كلية الفقه ، ومما جاء فيه مما يتصل بحديثنا
هذا : " والذي اخاله ان من أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق ان يكون القائم على
تطبيقها شخصاً تتجسد فيه مبادئ فكرته تجسداً مستوعباً لمختلف المجالات التي
تكفلت الفكرة تقويمها من نفسه .
ولا نريد من التجسد أكثر من أن يكون صاحبها خلياً عن الافكار المعاكسة لها من
جهة ، وتغلغلها في نفسه كمبدأ يستحق من صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة
أخرى ، ومتى كان الانسان بهذا المستوى استحال في حقه من وجهة نفسية ان يخرج
على تعاليمها بحال .
واذا لم يكن القائم بالحكم بهذا المستوى من الايمان بها وكانت لديه رواسب على
خلافها لم يكن بالطبع أميناً على تطبيقها مائة بالمائة ، لاحتمال انبعاث إحدى
تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة
التي تأتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها عن التأثير ككل ، وربما استجاب
الرأي العام له تخفيفاً لحدة الصراع في أعماقه بين ما جدّ من تعاليم هذه
الفكرة وما كان معاشاً له ومتجاوباً مع نفسه من الرواسب .
على ان الناس ـ كل الناس ـ لا يكادون يختلفون إلا نادراً في قدرتهم على
التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها ، فالتشريع الذي يحرم الرشوة أو
الربا أو الاستئثار لا يمكن ان يأخذ مفعوله من نفوس الناس متى عرف الارتشاء
أو المراباة أو الاستئثار في شخص المسؤول عن تطبيقه ولو في آن مّا ، أو احتمل
فيه ذلك " .
وبما ان الاسلام يعالج الانسان علاجاً مستوعباً لمختلف جهاته داخلية وخارجية
، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه الى العصمة في الرسول ثم العصمة في الذي يتولى
وظيفته من بعده ، وعلى هذا يتضح سر إصرار النبي على تعيين أهل بيته الذين
أعدهم الله لهذه المهمة إعداداً خاصاً بالاضافة الى مواهبهم الارادية للقيام
بشؤونها .
وما لنا نبعد بالاستاذ أبي زهرة وطبيعة النص الذي تحدث حوله تقتضيه ، وهل
وراء التعبير بلفظ " مخلّف " ولفظ " خليفتين " ما يؤدي هذا المعنى ؟
على ان الاخ أبا زهرة حاول ان يقتطع النص من أجوائه التي تسلط الاضواء على
تحديد مفاهيمه ، ويدرسه بعيداً عنها فوقع فيما وقع فيه .
وهل نسي حضرته مجيئه في معرض التمهيد لحديث النص في يوم الغدير ؟ ومما جاء
فيه : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " وصفة الاولوية لا تكون إلا لمن له
الولاية العامة على الامة ليستطيع التصرف بما تقتضيه مصلحتها ، ثم تعقيبها
بإعطاء الولاية له بقوله : " من كنت وليه فهذا علي وليه " ولحوقها بالدعاء
الذي لا يناسب إلا الولاية العامة " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ،
وانصر من نصره " .
ثم ورودها بعد ذلك في معرض تأكيد النص قبيل وفاته كما سبق التحدث في ذلك مما
يوجب القطع بشمولها للجانب السياسي اذا لوحظت بمجموع ما لابسها من قرائن
وأجواء .
على ان شمولها للجانب السياسي وعدم شمولها لم يعد موضعاً لحاجتنا اليوم لنطيل
التحدث فيه . لان البحث في هذا الجانب لا يثمر ثمرة فقهية ومجاله التأريخ .
واثباته هناك لا يتوقف على دلالة هذه الرواية فحسب لتضافر أدلة النص وتكثرها
في التأريخ .
وإنما الذي يتصل بصميم رسالتنا ـ كمقارنين ـ اثبات لزوم الرجوع اليهم في
الفقه وأصوله ، والحديث واف في الدلالة عليه كما ذكر أبو زهرة وغيره .
وأظن ان تحدثنا عن هذا الحديث وما انطوى عليه من عرض كثير من الاحاديث
المعتبرة ذات الدلالة عى حجية رأيهم يغني عن استعراض بقية الاحاديث ودراستها
، فليرجع اليها في مظانها من الكتب المطولة .
الادلة
العقلية :
ودليل العقل على اعتبار العصمة لهم لا يختلف عما استدل
به على اعتبارها في النبي ، لوحدة الملاك فيهما ، وبخاصة اذا تذكرنا ما قلناه
من ان الامامة امتداد للنبوة من حيث وظائفها العامة ، عدا ما يتصل بالوحي
فانه من مختصات النبوة ، وهذا الجانب لا يستدعي العصمة بالذات إلا من حيث
الصدق في التبليغ ، وهو متوفر في الامام .
ولعل في شرحنا السابق لوظائف الامامة ما يغني عن معاودة الحديث فيها .
وقد صور هذا الدليل على ألسنتهم بصور ننقلها عن دلائل الصدق بنصها :
الاولى : " إن الامام حافظ للشرع كالنبي ، لان حفظه من أظهر فوائد إمامته ،
فتجب عصمته لذلك ، لان المراد حفظه علماً وعملاً ، وبالضرورة لا يقدر على
حفظه بتمامه إلا معصوم ، إذ لا أقل من خطأ غيره ، ولو اكتفينا بحفظ بعضه لكان
البعض الاخر ملغىً بنظر الشارع وهو خلاف الضرورة ، فإن النبي قد جاء لتعليم
الاحكام كلها وعمل الناس بها على مرور الايام "
(144).
والثانية : " ان الحاجة الى الامام في تلك الفوائد ( يشير الى ما ذكره
العلامة من فوائد الامامة كإقامة الحدود وحفظ الفرائض وغيرها ) يوجب عصمته
وإلا لافتقر الى إمام آخر وتسلسل " .
والثالثة : " ان الامام لو عصى لوجب الانكار عليه والايذاء له من باب الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو مفوت للغرض من نصبه ومضاد لوجوب طاعته
وتعظيمه على الاطلاق المستفاد من قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الامر منكم )
(145) " .
الرابعة : " لو صدرت المعصية منه لسقط محله من القلوب فلا تنقاد لطاعته ،
فتنتفي فائدة النصب " .
الخامسة : " انه لو عصى لكان أدون حالاً من أقل آحاد الاُمة ، لان أصغر
الصغائر من أعلى الاُمة وأولاها بمعرفة مناقب الطاعات ومثالب المعاصي أقبح
وأعظم من أكبر الكبائر من أدنى الاُمة "
(146) .
وهذه الادلة لو تمت جميعاً فهي غاية ما تثبته عصمة الائمة ، ولازمها اعتبار
كل ما يصدر عنهم موافقاً للشريعة وهو معنى حجيته ، إلا أنها لا تعين الائمة
ولا تشخصهم فتحتاج الى ضميمة الادلة السابقة من كتاب وسنة لتشخيصهم جميعاً .
والدخول في عرض ما أورد أو يورد عليها وما أجيب عنها من الشبه يخرج البحث من
أيدينا الى بحث كلامي لا نرى ضرورة الخوض فيه هنا ، وهو معروض في جل كتب
الشيعة الكلامية .
والخلاصة : ان دلالة الكتاب والسنة على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)
وأعلميتهم وافية جداً . وان ما ورد من انسجام واقعهم التأريخي مع طبيعة ما
فرضته أدلة حجيتهم من العصمة والاعلمية وبخاصة في الائمة الذين لا يمكن
اخضاعهم للعوامل الطبيعية التي نعرفها كالائمة الثلاثة الجواد والهادي
والعسكري(عليهم السلام) خير ما يصلح للتأييد .
فتعميم السنة اذن لهم في موضعه .
وما أروع ما نسب الى الخليل بن أحمد الفراهيدي من الاستدلال على إمامة الامام
علي(عليه السلام) بقوله : " استغناؤه عن الكل واحتياج الكل اليه دليل إمامته
"
(147) ، وهو دليل يصلح للاستدلال به على إمامة
جميع الائمة ، اذ لم يحدث التأريخ في رواية صحيحة عن احتياج أحد منهم الى
الاستفسار عن أي مسألة أو أخذها أو دراساتها من الغير مهما كان شأنه عدا
المعصوم الذي سبقه ، ولو وجد لحفلت بذكره أحاديث المؤرخين كما هو الشأن في
نظائره من الاهمية ، وبخاصة وأن الشيعة يفترضون لهم ذلك .
وتمام ما انتهينا اليه من بداية الحديث عن السنة الى هذا الموضع ، ان حجية
السنة في الجملة من ضروريات الاسلام ، بل لا معنى للاسلام بدونها ، فإطالة
الحديث في التماس الحجج لها من التطويل غير المستساغ لوسط اسلامي ، وإن كنا
محتاجين في الجملة لاطالة التحدث حول بعض ما ورد من التعميمات فيها الى
الصحابة ، أو الائمة من أهل البيت(عليهم السلام) . |