|
مدخل 1 ملامح التشويش والغموض
يبدو للمطلع من أول وهلة أن الولوج في قمقم هذا الموضوع كمن يلج في سم الخياط لما يحتويه من غموض وتناقضات صارخة يقع فيها الجميع دون استثناء حتى أولئك الذين يتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان وصون حريته وكرامته ونبذ كافة أشكال الإرهاب. بل قد نجد أمراً أشد حيرة للعقول من قبل أولئك الموغلين في التدين والتمسك الروحي بمعتقداتهم - الناهية عن التطرف والعنف - حين يسبحون في بحر الوهم ويغرفون في قيعان الإرهاب زهواً وفخراً!! من هنا علينا أن نقف برهة لنضع كل شيء في نصابه ونحاول قدر الإمكان أن نحدد معاني المصطلحات - برغم صعوبة الأمر في مفهوم العنف - ذلك أن قبول استخدام كلمات ليس لها مدلول محدد في أذهان الناس يشكل خطورة حادة إن لم نحدد المعنى الذي نقصده. يقال أن ماري انطوانيت زوجة ملك قيصري كانت من البساطة بمكان أن فقدت رأسها تحت المقصلة لأنها حينما علمت بثورة الشعب لأنه لا يملك خبراً، تساءلت بقصور فهم شديد: ولماذا لا يأكلون البسكويت بدلاً من الخبز!! إن تغاير المفهوم يخلق إرباكاً واضحاً في معرفة حقيقية القيمة الفكرية، فكلنا قد يتفق على أهمية الالتزام بالأخلاق والنزاهة والشرف ولكن نظراً لاختلاف المعنى باختلاف الزمان والمكان والظروف والقائل والمستمع نجد تضارباً وتفاوتاً في معنى الأخلاق. ألا نرى كيف يتلاعب الغرب مثلاً في مفهوم الإرهاب والعنف حينما يحوله إلى مجرد مصطلح فضفاض يُلبسه على من يشاء وينزعه عمن يشاء حسب أهوائه ومصالحه دون أن يضع مفهوماً واحداً للإرهاب أو يقنع الجميع بمنطقية مساراته!! أو نلحظ تلاعباً في الألفاظ بين فئات متعددة من الإسلاميين والوطنيين على حد سواء في مفردة العنف والتي أضحت نضالاً وجهاداً وغيرها من الاصطلاحات. إن مفهوم العنف مفهوم مركب متعدد الصور والأبعاد والمستويات، ومن الصعب جمع كل هذه الصور والأشكال في إطار نظرية واحدة تفسر كل هذه الأمور. هذه المعضلة أدت إلى خلق تناقضات في تفسير هذا المفهوم كانت وليدة ثمة حقائق ماثلة للعيان ألقت بظلالها على الوعي السياسي والاجتماعي والأخلاقي وخلقت نوعاً من الربكة والغلط في أدمغة الكثيرين. وهذه التناقضات والشبهات نستطيع أن ندرجها بالتالي: 1- إن اجترار مصطلح الإرهاب والعنف من قبل قوى لوصف قوى أخرى لا يعكس أحياناً مجرد سوء استخدام المصطلحات، بقدر ما يعكس تبايناً في المصالح والأهداف يسعى معه الطرف الأول إلى تشويه صورة الطرف الثاني حتى ولو لم يلجاً هذا الأخير - موضوعياً - إلى أي أسلوب إرهابي بالمعنى الفني للكلمة. إن تشتت المعايير وتضاربها يخلق ثمة توصيفات مغلوطة هدفها إلقاء التهم على الطرف الآخر دون إتاحة مساحة للحوار، فمعيار الهدف من العمل العنيف يفسره كل طرف بمفهوم مختلف، فبعض يختار الدين منطلقاً وآخر يعتبر من دواعي الوطنية والدفاع عن تاريخ وتراث البلاد وآخر يحسبها خيانة وما أشبه.. ومعيار هوية الطرف الذي يقوم بالفعل الإرهابي حيث يسمي البعض العنف بالعنف الرسمي والشرعي، أو يطلق المناهضون لذلك المصطلح بالعنف اللاشرعي، كما أن النطاق الذي يتم فيه الفعل العنيف من حيث الوسط والميدان الذي يقع فيه العمل الإرهابي يمكن أن يأخذ معنى عمل وطني أو محلي أو إرهاب دولي أو ما أشبه.. ويلاحظ أن كل طرف يحوّل التلاعب بقدر كبير من الألفاظ من أجل تحقيق مكاسبه الإعلامية والسياسية وجلب ولاء الجماهير لصالحه بغض النظر عن حقيقة الأمر ودوافعه. 2- التضارب بين مفهومي الشرعية (Legitimacy) والمشروعية (Legality) فالشرعية تدور حول فكرة الطاعة السياسية والأسس التي يتقبل أفراد المجتمع النظام السياسي ويخضعون له طواعية أي أنها فكرة ومعتقد تتعلق بأساس السلطة وكيفية ممارستها ومصدرها قد يكون الدين أو الكريزما أو التقاليد أو الإنجاز (الفاعلية). بينما المشروعية مفهوم قانوني يتمثل في خضوع نشاط السلطات الإدارية ونشاط المواطنين للقانون الوضعي ومصدرها القانون الوضعي، وبالتالي قد تكون السلطة مشروعة (مطابقة لأحكام القانون) ولكنهها غير شرعية لرفض الجماعة لها بسبب عدم تلاؤمها مع قيمهم وتوقعاتهم. والثورة ضمن هذا المصطلح شرعية عندما يتقبلها أفراد الشعب ويتكتلون خلف قيادتها لإنجاز المهام الثورية وغير مشروعة لمخالفتها القوانين القائمة، والتجاوز عن شرعية السلطة أو فقدانها يؤدي إلى فقدان مبرر طاعتها. أما إساءة استعمال المشروعية أو التجاوز عليها فيترتب عليه جزاء مدني أو جنائي توقعه المحاكم على الشخص(1). من هنا يبدو جلياً أن ادعاء كل فئة بمشروعية عملها النضالي ضد السلطة ومحاولة والسلطة إسقاط هذا الفعل على قالب الإرهاب وهدم الأركان الأساسية للمجتمع وقلب نظام الحكم والتخابر مع دولة أجنبية وما أشبه - منطلقاً من ثوابت الدستور الوضعي أو النظم الوضعية التي قام عليها المجتمع - وما يتبعه من ضجيج إعلامي وحرب كلامية نابع من تشابك المفهومين وعدم وضوحهما. إن هذا الخط يرتبط في مجال العلوم الاجتماعية بالإغراق في استخدام الكلمات المحايدة أو ذات الطابع الفني والتي تجرد عادة من السياق الذي تتم فيه أو الهدف الذي تسعى إليه. 3- هناك فارق جوهري بين الصراع والعنف، فمفهوم الصراع أوسع من مفهوم العنف، إذ تتعدد صوره وآلياته ويمكن تعريفه بأنه (تصادم وتعارض بين طرفين أو أكثر بينهما اختلافات قيمية ومصلحية وينخرطان في سلسلة من الأفعال وردود الأفعال الإرغامية التي تهدف إلى إلحاق الضرر بالطرف أو الأطراف الأخرى، مع سعي كل طرف إلى تعظيم مكاسبه على حساب الآخرين وتأمين مصادر قوته). ويعد العنف إحدى هذه الآليات في إدارة الصراع وحسمه وتتوقف شدة الصراع على كم وكيف العنف المستخدم فيه، من هنا فإن السلوك الصراع من الممكن أن يكون عنيفاً أو غير عنيف(2). إن هذا الفارق يخلق تشوشاً يكتنفه خلط بين الإدارة والوظيفة أو بين الوسيلة والهدف حيث تتحلل المفاهيم في بعضها بحيث يستحيل معه صياغتها بشكل منطقي ومعقول، إذ أحياناً وفي خضم الصراع تتحول الرموز في الصراع كمثل حرق علم دولة ما أو تحطيم تمثال معين شيئاً فشيئاً إلى منارة ومسعى يضيّع كل منطلقات وأهداف الفئة المنفذة فتتحول فجأة إلى أداة مخربة ومثيرة للرعب، حتى نجد أنفسنا فجأة في دائرة العنف بعدما كنا نختط وسيلة من وسائل الضغط في الصراع الشامل. أو أحياناً يقصد من الصراع بين طرفين حمل رسالة تحذيرية إلى الضحايا المحتملين الجدد من خلال إيقاع الرعب في قلوبهم فتقوم مثلاً بتفجير توقع مئات الضحايا في سبيل إيصال رسالة عابرة حتى تجد نفسها مرغمة على الوغول أكثر فأكثر في العنف لأنها أضحت متورطة ولا يمكن الرجعة حينها!! إن عدم استيعاب أدوات الصراع وشجب العنف به وكأنه لا سبيل غيره يمثل انحرافاً وانحلالاً في استيعاب الأدوات والوسائل والأهداف مما يؤدي إلى خلط بين أعمال متباينة: مشروعة أو لا مشروعة، وطنية أو استعمارية، قومية أو عنصرية وما أشبه. 4- لا زال مفهوم العنف يأخذ منحنيات تفسيرية متفاوتة يصعب معه الإرساء على قاعدة تعريفية محددة، حيث يرى الكثير من الباحثين والفلاسفة أن العنف ظاهرة إنسانية طبيعية حيث وجد مع الإنسان في كل التاريخ البشري فقد اعتبر هوبز هذه الحالة حرب الجميع ضد الجميع ويؤيده فرويد حيث يعتبر الإنسان كائناً تنطوي مكنوناته الغريزية على قدر لا يستهان به من العدوانية ويرى أن الحضارة مهددة باستمرار لأنه الأهواء الغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية(3). فيما يربط (جور) بين الإحباط (Frustration) والعدوان (Aggression) حيث يؤكد أن الحرمان النسبي يؤدي إلى التوتر الذي ينشأ عن التعارض بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن بالفعل فيما يتعلق بإشباع القيم الجماعية، الأمر الذي يدفع الأفراد إلى العنف(4). لكن ماركس يخالف ما ذهب إليه الآخرون حيث يعتبر العنف ظاهرة غير طبيعية بل سمة للحالة الاجتماعية التي أفسدها الاستئثار بوسائل الإنتاج، فهو صراع طبقات وليس صراع الجميع كما يقول هوبز. من ناحية أخرى يلحظ من خلال تعقب نشأة المجتمعات السياسية إلى أن مظاهر الإرهاب والعنف كانت الأداة السياسية الأولى لسيادة المجتمعات القديمة والمعاصرة حيث شكلت نقطة التحولات التاريخية التي شكلت قسمات العصور الوسطى والمعاصرة (الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر والثورة البلشفية في أواخر القرن التاسع عشر) وحتى القرن العشرين الذي يرجع البعض نشأة الإرهاب إلى النتائج الهامة التي أسفرت عنها الحرب العالمية الثانية، مما جعل الكثيرين يؤمنون بأن العنف وسيلة استحقاقية لتحصيل الاستقرار. حتى أن الذين حاولوا التنظير للإرهاب في سياق الثورة والحرب الثورية المقدسة إنما لاحظوا حقيقة أن الإرهاب غالباً ما ساد حيث لم تكن هناك أرضية صالحة لمستوى أرقى من العنف مثل حرب العصابات أو الحرب التقليدية. بينما يرى آخرون إلى ضرورة التمييز بين القوة والعنف بالذات في عملية قيام المجتمعات المستقرة ونشأة الدول لأن القانون الوضعي والدساتير المختلقة تحتوي على قدر كبير من استعمال القوة والعنف أو وقف انتشاره. 5- إن ظاهرة العنف أضحت لشدة ذيوعها وانتشار اللجوء إليها لا تعرف وطناً أو مذهباً أو جغرافية، فلم تعد مقصورة على مجتمع أو فكر بذاته، حيث يشهد العالم نشوء أصوليات عديدة نظراً لأن العنف تعبير عن أزمة عميقة تعكس العجز العام عن حل المشاكل المتراكمة ويشترك فيها الدولة والمجتمع والحكومة والناس بمختلف طبقاتهم ونظراً للتطورات العالمية الاجتماعية والعلمية والتكنولوجية التي تتيح مجال انتشارها وتوسعها. ومن الإجحاف أن نلبس الظاهرة على ثمة عقيدة أو دين (فالعقائد ليست هي التي تولد العنف ولكن الاندفاع نحو العنف والإخفاق في حل التناقضات الاجتماعية والسياسية بالطرق السلمية هما اللذان يدفعان الناس إلى تأويل عقائدهم الدينية والعلمانية تأويلات عنيفة)(5). لذا من اللازم أن نفرق تماماً بين محاكمة التشريع أو محاكمة التصرفات في تفسير أحداث العنف وإلا فما من أتباع عقيدة وحضارة إلا وسقطوا في وحل الإرهاب والعنف دون استثناء، فهل يعني أن تلك العقائد تؤسس للعنف وتشجع عليه؟ بطاقة تعريفية لذا من الأولى أن نحدد تعريفاً للعنف خاصة وأن من ضرورات التحليل العلمي للظواهر السياسية والاجتماعية الانطلاق من التعريفات الاصطلاحية الضيقة للمفاهيم وتطويرها طبقاً لاختلاف خصوصيات هذه الظاهر من مجتمع لآخر ذلك أن التعريفات الواسعة غالباً ما تؤدي إلى تمييع المفاهيم الأمر الذي يجعل القدرة التفسيرية لها محدودة. يرجع أحمد جلال عز الدين إلى اعتبار العنف من العناصر الأساسية للفعل الإرهابي حيث يعرف الإرهاب بأنه عمل رمزي فهو لا يستهدف الضحية في ذاتها وحسب ولكن النظام أو الجماعة أو الدولة التي تنتمي إليها، بلغة أخرى يمكن القول أن الفعل الإرهابي يعد رسالة موجهة إلى الآخرين والهدف الأساسي منه إحداث أثر نفسي سلبي يتمثل في حالة من الخوف والقلق والرعب والتوتر لدى المستهدفين حيث يمكن في إطارها التأثير على توجهاتهم وسياساتهم. ويقوم الإرهاب السياسي على الاستخدام المنظم للعنف أو التهديد باستخدامه(6). أما تيد هندريش فيعرف العنف السياسي بأنه اللجوء إلى القوة لجوءاً كبيراً أو مدمراً ضد الأفراد أو الأشياء لجوءاً إلى قوة يحظرها القانون، موجهاً لإحداث تغييرات في وجود الأفراد في المجتمع وربما في مجتمعات أخرى)(7). لكن علينا أن نلتقط المفهوم الأخلاقي الذي يعتبر أكثر دقة من المفهوم السياسي إذ أن العنف لا يقتصر على السلوك الإرهابي المنظم الدافع لإحداث تأثير ملموس ضد الطرف المعادي بل إنه يمتد ليشمل طرائق التفكير ولغة الحوار وأسلوب المقارعة وعقلية القوة والإرهاب ناهيك عن شمولها التعابير والألفاظ التي تكون سمة بارزة على هيئة الإنسان ونطاق تفكيره. من هنا يمكن تعريف العنف على أنه استعمال القوة مدمرة أم غير مدمرة قام بها فرد أو جماعة بشكل منظم أو عفوي، كانت ضد أفراد أو جماعات لتغيير وضع أو سلوك معين. وتعرف أحياناً بأنها قيام مجموعة أو فرد أو دولة من شأنه نشر الرعب والخوف سواء حصل من جراء ذلك اعتداء على الأرواح أو الأموال أو الأعراف أو لم يحصل.
مدخل (2) هل نحن أبرياء؟؟ قد يظن البعض أن من السهولة بمكان أن نقوم بعملية تبرئة قيصرية لفئة ما من مكامن سقطاتها إن التقطنا قلماً ورحنا في سبك الكلمات وادعاء غير المتوقع أو تفسير مدلولات الحوادث بغير معانيها - خاصة في قضية تبرئة المسلمين من العنف -، إن عسر هذه العملية ليست في تسطيرها وتحويلها إلى ثمة قطرات حبر على ورق، فما قام به الكثيرون في تاريخنا الماضي والمعاصر ملأت خزائن مكتباتنا وأرففها، وأضحت سمة بارزة على مسيرتنا وتفكيرنا. إن عسرها يتمثل في صدقية الفكرة وعمقها الأيديولوجي وتوافقها مع منهجية العمل السياسي والاجتماعي وتجانسها مع إحداثيات العصر والزمان والمكان، لأن أي محاولة تغريد خارج سرب الحقيقة ستكون مجرد تزييف للواقع واستغفال العقول سرعان ما تنكشف ويظهر خواؤها عاجلاً أم آجلاً.. والظن الغالب إننا - في محاولتنا كتابة هذه السطور - نعمل على إعطاء وجهة نظر حول التصور الإسلامي في قضية العنف من جذورها التشريعية والفكرية دون أن نستثني سقطات الإسلاميين وفداحة التفكير السياسي الذي يلف جنباتهم ودون أن نشطب على آرائهم المناهضة لرأينا أو ندعي خطأها، ذلك أن الإرهاب والعنف لن يتوقف وينصرف عنه المتورطون فيه إذا ما اكتشفوا فجأة أن الدين ينهى عن الإرهاب، كما أنه لن يزيد ويتضخم إذا قلنا إن الدين يدعو إليه. إن لكل شخص تفسيره الخاص لما يعتقد أنه إرهاب أو شرف ونضال، ولتكن ساحة الحوار مفتوحة للجميع ولسنا في معرض قهر الجميع في بوتقة رأي واحد أوحد، لكن من حقنا أن نوجه أصابع الاتهام لكل رأي يخل بالمنطقية والعقلانية فالصفة الإسلامية للبعض لا تمنحهم حصانة من النقد. سقطات في الساحة: لقد فشل الإسلاميون في تقديم أنفسهم للساحة والناس والعالم بصورة تتوافق مع خطابهم القافي والسياسي والأخلاقي مع كل هجمات التشويه والإسقاط المحاطة بهم، وليس بالإمكان التغاضي عن بعض الظواهر التي تكشف عن روح استبدادية متكرسة وانتهاك لأبسط معاني حقوق الإنسان ناهيك عن حالات الإقصاء والإلغاء والتعامل بمنطق الاستعلاء والاستقواء قد تصل إلى الهدم بين الإسلاميين أنفسهم. إن ما يحدث في أفغانستان عن حالة من الجهل والتخلف الذي تصطبغ به فئات مسلمة حولت البلاد إلى خرائب ومتاريس قتال وفوضى عارمة بدلاً من الإنماء والإعمار. وما يحدث في الجزائر من تصفيات جسدية ونحر بالسكين وجرائم مروعة يقشعر منها جلد الإنسان يعبر عن مأساة حقيقية لا يمكن تبرئة أحد منها. هل قدم المسلمون بضاعتهم المزجاة على طاولة طاهرة نقية ناصعة أم لم يقدموا غير الغث؟؟ يقول الشيخ محمد الغزالي: (نريد للصحوة الإسلامية المعاصرة أمرين: أولهما البعد عن الأخطاء التي انحرفت بالأمة وأذهبت ريحها وأطمعت فيها عدوها.. والآخر: إعطاء صورة عملية للإسلام تعجب الرائين وتمحو الشبهات القديمة، وتنصف الوحي الإلهي.. ويؤسفني أن بعض المنسوبين إلى هذه الصحوة فشل في تحقيق الأمرين جميعاً، بل ربما نجح في إخافة الناس من الإسلام، ومكّن خصومه من بسط ألسنتهم فيه). ويوافقه في الرأي الشيخ يوسف القرضاوي إذ يقول: (لا يزعجني أن يكون للصحوة الإسلامية المعاصرة أعداء من خارجها يتربصون بها، ويكيدون لها، فهذا أمر منطقي اقتضته سنة التدافع بين الحق والباطل.. إنما الذي يزعجني ويؤرقني ويذيب قلبي حسرة، أن تعادي الصحوة نفسها وأن يكون عدوها من داخلها، كأن يضرب بعضها بعضاً، ويكيد بعضها لبعض، وأن يكون بأسها بينها)(8). ويقول القرضاوي في موضع آخر: (الفرد يبدأ متديناً عادياً يأخذ نفسه بتعاليم الإسلام ومبادئه وآدابه ويدعو الناس إلى الأخذ بذلك كله. ثم يواصل المتدين مسيرته متجهاً نحو التشدد مع نفسه ومع الناس، ثم يتجاوز ذلك إلى إصدار أحكام قاطعة بالإدانة على من لا يتابعه في مسيرته، وقد يجاوز ذلك إلى اتخاذ موقف ثابت من المجتمع ومؤسساته وحكومته. ويبدأ هذا الموقف بالعزلة والمقاطعة المبنية على إصدار حكم فردي على ذلك المجتمع بالردة والكفر أو العودة إلى الجاهلية ثم تتحول العزلة والمقاطعة عند البعض إلى موقف عدواني، يرى معه هدم المجتمع ومؤسساته قربة إلى الله وجهاداً في سبيله لأنه مجتمع جاهلي منحرف لا يحكم بما أنزل الله)(9). وتصف مراسلة الغارديان اجتماعاً في لندن دعا إليه طلاب حزب التحرير في بريطانيا عام 1994 حيث جلس الحضور مطولاً يستمعون إلى سيل من كلمات الكراهية الموجهة إلى الغرب والحكومات الغربية وإسرائيل والديمقراطية وأي شكل من أشكال الحكم الكافر وتلقى المراهقون هذه الكلمات بكل إعجاب(10). وقد أثبتت دراسة تحليلية حول أحداث العنف السياسي في النظم العربية في الفترة من 1971-1985 أن القوى الرئيسية التي مارست العنف في النظم العربية هي بالترتيب: الجماعات والتنظيمات الإسلامية والطلبة، والقوى المنخرطة في حروب أهلية (جنوب السودان، الأكراد، حركة ظفار في عمان، جبهة البوليساريو في المغرب) والعمال والجيوش وكان إجمالي تكرار أحداث العنف التي مارستها الجماعات الإسلامية 78 بمعدل 26% من الإجمالي العام للقوى الرئيسية(11). ولعل في قراءة عاجلة لجملة من آراء المفكرين الإسلاميين في زمننا المعاصر نلحظ لغة مطعمة بالكراهية ومشجعة على العنف حيث يتهم الشيخ سعيد حوى عامة الناس المسلمين بالردة ويدعو إلى قتل السافرات وذبح من يسميهم بالزنادقة باليد في كتبه (جند الله) و(المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين) و(خطوة على طريق الجهاد). ويذهب الدكتور محمد عمارة إلى طرح مصطلح (فصيل الأنياب والأظافر) على الإسلاميين في إرهاب غلاة العلمانيين وخاصة (حينما يتصدى لدفع ضريبة الدم في مواجهة نظم القمع التابعة للغرب). ويتحدث السيد قطب عما يمكن أن نطلق عليه بثقافة صناعة الموت حيث يقول: (إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور). فيما يقول الشيخ حسن البنا: (إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة، يهب لها الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة)(12). ويقرر السيد كاظم الحائري في كتابه الكفاح المسلح في الإسلام: (حق استعمال القوة في نشر الإسلام عندما تعجز الوسائل السلمية عن ذلك). ويضيف: (إن الجهاد الابتدائي أو جهاد الدعوة إلى الإسلام أو نظام فتح البلاد الكافرة ونشر الإسلام بالقوة. ويباشر المسلمون هذا اللون من الجهاد بقرار ومبادرة من الدولة الإسلامية بإعلان الجهاد ودعوة الشعوب والأمم غير الإسلامية إلى الإسلام وعرضه عليهم فإن رفضت الاستجابة إلى كلمة الحق ودعوة الهدى حمل المسلمون السلاح واستعملوا القوة لنشر الهدى والإيمان وتحرير الإنسان من سيطرة الطاغوت وتيه الجاهلية وقاموا بالفتح لتحرير وتحطيم حصون الشرك والجاهلية بالسلاح والقوة)(13). حتى إطلاق أسماء الكتب كانت تمثل صورة من صور التحلق حول العنف (الصواعق المحرقة على أهل البدع والزندقة) و(سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) و(الصارم المسلول في الرد على الترابي شاتم الرسول) وما أشبه! وطالما أن هناك رجال إعلام ودين وأكاديميون يؤصلون الدفاع عن العنف، ظل الإرهابي متمسكاٌ بعمله ووجوده ومن يمهد الجو للعنف كمن يلعب بالنار!! فهل نريد للإسلام أن يكون هكذا مجرد صورة من البشاعة والإجرام والعنف!! وهل الإسلام كذلك؟؟
1- (أبو العبد، كمال زكي - مبدأ الشرعية في الدول الاشتراكية، أطروحة دكتوراه جامعة القاهرة 1975). 2- (إبراهيم، د. حسنين توفيق - ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية - مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1992). 3- (فرويد: قلق الحضارة: ترجمة جورج طرابيشي، بيروت دار الطليعة 1977). 4- (علي، د. حيدر إبراهيم، ظاهرة العنف والتطرف، منتدى التنمية يناير 1996). 5- (برهان غليون في كتاب حوارات من عصر الحروب الأهلية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1995). 6- (إبراهيم، د. حسنين توفيق، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية 1992). 7- (العنف السياسي ترجمة عبد الكريم محفوظ وعيسى طنوس 1986). 8- (مجلة الكلمة، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، بيروت العدد 18 سنة 1998 صفحة 116). 9- (مجلة المسلم المعاصر، العدد 420 ص 14). 10- (صحيفة القبس الكويتية 8/2/1994). 11- (إبراهيم، د. حسنين توفيق، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية 1992). 12- (ظاهرة العنف والتطرف، منتدى التنمية 1996). 13- (عرض وقراءة مجلة الأضواء الصادرة عن جماعة العلماء المجاهدين العراقيين، العدد الثاني السنة الخامسة كانون الثاني 1984، إيران/قم المقدسة). |